مشاريع الاستيطان وتأثيرها في تشكيل مستقبل الضفة الغربية - عليَّان الهندي - عدد 249 - 250

مشاريع الاستيطان وتأثيرها في - تشكيل مستقبل الضفة الغربية-عليَّان الهندي[*]

 

قبل حرب عام 1967 بعدة أشهر، أجرى الجيش الإسرائيلي تدريبات عسكرية حول كيفية تطبيق الحكم العسكري في المناطق المقرر احتلالها، مستفيدين في ذلك من تجربة الحكم العسكري الذي فرض على من تبقى من الفلسطينيين في فلسطين.

وقبل عدة أسابيع من الحرب، عقدت الحكومة الإسرائيلية اجتماعا سريا في منزل رئيس الحكومة ليفي أشكول للبحث في مستقبل المناطق التي ستحتلها إسرائيل، حيث توصل المجتمعون إلى ضرورة ضم قطاع غزة إلى إسرائيل بعد إخلاء سكانه وتوطينهم في شبه جزيرة سيناء، وفي المناطق الكردية من العراق. أما الضفة الغربية، فتم الحديث فيها عن ضم القدس وهدم مدينة قلقيلية، وفتح أبواب الهجرة القسرية والطوعية بهدف إبقاء حد أدنى من السكان، تستطيع دولة إسرائيل التعايش معهم.

لكن الحرب ونتائجها السريعة، سارت بغير ما تشتهي دولة إسرائيل، ما دفعها لطرح مشاريع ومخططات لتوطين اليهود في الضفة الغربية وقطاع غزة وبقية الأراضي التي احتلت عام 1967. ونتيجة لتنفيذ هذه المشاريع وغيرها من المخططات والسياسات غيرت معالم الضفة الغربية الديموغرافية والجغرافية، بطريقة تخدم تحقيق الأهداف الإسرائيلية القاضية بالتضييق على الفلسطينيين وتهجيرهم، وإحلال اليهود مكانهم. 

واتفقت جميع هذه المشاريع على تطويق التجمعات الفلسطينية بمستوطنات وتجمعات يهودية مدنية كبيرة وصغيرة مثل القدس وقلقيلية، وتفريغ المناطق التي لا يمكن تطويقها بالمستوطنات مثل غور الأردن من الفلسطينيين. ولم تكتف إسرائيل بتطويق التجمعات الفلسطينية، بل عملت على تقطيع الضفة الغربية بمستوطنات وشوارع عرضية مرتبطة مباشرة بدولة إسرائيل.

ومن أجل تحقيق الهدف المذكور استخدمت إسرائيل كل الوسائل المتاحة لها مثل القانون والإرث التاريخي والديني والسرقة والتزوير الذي امتد حتى للأماكن المقدسة للمسلمين.

وتنافس تياران استيطانيان للسيطرة على أراضي الضفة الغربية: الأول، اعتقد أن نصر عام 1967 هو مساعدة من الشعب اليهودي للرب من أجل تسريع الخلاص وجمع المنافي وبناء الهيكل الثالث وإعادة الاستيطان في "أرض الأباء والأجداد". والثاني، العلمانيون الوطنيون الذين مثلهم يغيئال يادين وموشيه ديان وأريئيل شارون، الذين دعوا إلى تخليد السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية وقطاع غزة، والتضييق على الفلسطينيين من خلال المستوطنات والمستوطنين بهدف تهجيرهم.

أهداف إسرائيل في الضفة الغربية

1.  إيجاد قطاعين أمنيين على طول الحدود الشرقية والغربية للضفة الغربية، ووضع معسكرات وقواعد جوية ونقاط مراقبة فيها، والمحافظة على محاور الطرق الرئيسية العرضية، لحماية المستوطنات ومواجهة أية مخاطر من الشرق.

2. المحافظة على كتل المستوطنات أريئيل، ومعاليه أدوميم، وغوش عتصيون، وكرني شمرون، وكريات سيفر.

3.  المحافظة على القدس الكبرى.

4.  السيطرة على حوض المياه الغربي والإشراف عليه (يقع ثلث الحوض في الضفة الغربية، لكن 70% من مياهه تأتي منها، وتضخ إسرائيل منه 340 مليون متر مكعب سنويا. أما الفلسطينيون فيضخون منه 20 مليون متر مكعب سنويا)1.

تغيير مفاهيم الاستيطان

بعد الحرب مباشرة واحتلال ما تبقى من فلسطين التاريخية، أطلقت إسرائيل على الضفة الغربية[2] طلقته الأردن على ما تبقى من فلسطينيأاالمناطق أو المناطق المدارة. وبعد فوز الليكود في انتخابات عام 1977 غير الاسم لـ"يهودا والسامرة" معتبرين أن الضفة الغربية مناطق محررة وليست مناطق محتلة. ونفس الوضع انطبق على الاستيطان حيث أطلق عليه "هتيشفوت"[3] أي السكن والإعمار بهدف التوطن، إلى "هتنحلوت" بمعنى التوطن على خلفية تاريخية ودينية[4]. ونتيجة لذلك، تغيرت أنواع المستوطنين من مستوطنين علمانيين (متيشفيم) وغيرهم من أطياف المجتمع الإسرائيلي، إلى مستوطنين (متنحليم) تضم أفراد التيارات الدينية المتطرفة في المجتمع الإسرائيلي.

تغييرات إدارية

بعد حرب عام 1967 صدر عن الجيش الإسرائيلي أوامر عسكرية تلغي بموجبها الإدارة المدنية الأردنية التي حل مكانها الحكم العسكري، وألغيت التقسيمات الإدارية للضفة الغربية وحل مكانها تقسيمات يهودية، فصلت بموجبها القدس عن الضفة الغربية. وألغي مصطلح "منطقة" وحل مكانه "مجلس إقليمي" وذلك كامتداد طبيعي للمجالس الإقليمية في إسرائيل البالغ عددها 47. ونتيجة لذلك انتشرت حتى عام 1981 سبعة مجالس إقليمية هي: القدس (ماطيه يهودا)، وبيت لحم واللواء، (المجلس الإقليمي غوش عتصيون)، وجنين ونابلس وطولكرم وقلقيلية ومناطقهما (المجلس الإقليمي السامرة)، ومنطقة الغور (المجلس الإقليمي عرفوت يردن)، والخليل ومنطقتها (المجلس الإقليمي هار حفرون)، وبرية القدس والبحر الميت (المجلس الإقليمي مغيلوت)، ورام الله واللواء (المجلس الإقليمي ماطيه بنيامين).

المخططات والمشاريع الاستيطانية في الضفة الغربية 

القدس

توقف الحرب دفع الحكومة الإسرائيلية إلى بدء العمل على تطبيق مخططاتها في الضفة الغربية، حيث كانت البداية من القدس التي صدر بخصوصها قراران، الأول، عن الجنرال عوزي نركيس قائد ما يسمى بالمنطقة الوسطى الأمر العسكري رقم 2، يلغي بموجبه الإدارة المدنية الأردنية على الضفة الغربية والقدس الشرقية، والقرارات المتعارضة مع أوامر الحكم العسكري[5]. والثاني، فرض القانون الإسرائيلي "ترتيب السلطة والقانون" الصادر في 26/7/1948، الذي خول بموجبه الحكومة ضم أية مساحة من "أرض إسرائيل السابقة" إلى حدود دولتها. ووفق ذلك نشرت سكرتارية الحكومة في 28/6/1967 أمراً تضم بموجبه البلدة القديمة في القدس ومساحات واسعة أخرى (لم تذكر مساحتها)[6] من جميع المناطق، خاصة من الشمال والجنوب إلى دولة إسرائيل. وبالإضافة إلى القانون المذكور، ألغت الحكومة الإسرائيلية البلدية والمؤسسات الأردنية والفلسطينية الأخرى الموجودة في القدس الشرقية، وحولتها إلى بلدية موحدة -بهذه الطريقة تم ضم 70 ألف دونم إلى حدود مدينة القدس منها ستة آلاف دونم مساحة البلدية الأردنية[7]، أي ما يعادل أكثر من 1.5% من مساحة الضفة الغربية. ونتيجة ذلك أصبحت مساحة بلدية "القدس الموحدة" 108 آلاف دونم بعد ضم أراضي 18 قرية عربية من الضفة الغربية إليها، وفي عام 2008 بلغت مساحتها 125.2 ألف دونم[8].

وعلى الأرض، أمرت الحكومة الإسرائيلية بهدم حي المغاربة (أو حارة الشرف) في البلدة القديمة وتوسيع ساحة حائط البراق وبناء حي يهودي فيه سمي بحارة اليهود[9]. حيث هدمت 135 منزلا وطردت 100 عائلة من هذه المنطقة إلى مناطق خارج البلدة القديمة مثل مخيم شعفاط والأحياء الواقعة خارج حدود البلدية الأردنية وإلى مدن رام الله وبيت لحم. كما صودرت الأراضي الفلسطينية ضمن حدود البلدية الأردنية لتوسيع المقبرة اليهودية.

وبعد ذلك بدأ العمل على إجراء تغييرات جغرافية، حيث اقتطعت أراضي أكثر من 28 مدينة وقرية بعضها تم إلغاؤها كليا مثل: قرى صور باهر، وجبل المكبر، والنبي صموئيل، وحولتها إلى أحياء داخلية في مدينة القدس ومن بيت جالا وبيت لحم وبيت ساحور وبيت إكسا وقطنة، وبنت فيها مستوطنات على شكل أحزمة مطوقة للتجمعات السكانية العربية[10]، حيث تكون الحزام اليهودي الأول، من مستوطنات جفعات زئيف، والنبي يعقوب، وراموت، وجيلو، وهار غيلو، وجفعات همتوس، وغفعات همفتار، وهار حوما (جبل أبو غنيم)، ومعلوت دفنا، وراموت شلومو، وراموت، والمنطقة الصناعية في قلنديا. كذلك عملت إسرائيل على إقامة حزام يهودي ثانٍ داخل القدس الشرقية نفسها حيث أقيمت مستعمرات التلة الفرنسية، والجامعة العبرية، ومستشفى هداسا، وماونت سكوبس، وشرق تلبيوت، والتلة الفرنسية، ورامات أشكول، وسنهدريا، وريخس شعفاط، ورموت، وغفعون، وراس العامود. وأقيم حزام ثالث حول القدس الكبرى مكون من مستوطنات كتلة غوش عتصيون في الجنوب، ومن الشرق كتلة مستوطنات معاليه أدوميم.

كذلك بدأت حركة سيطرة واستيطان يهودي في الحي الإسلامي، خاصة في منطقة حارة الواد، وباب الحديد قرب الحرم الشريف، وحارة السعدية، وبذلت جهود للسيطرة على ساحة عمر بن الخطاب في باب الخليل. وكانت السيطرة تأتي على شكل إعادة ما يسمى بأملاك اليهود في البلدة القديمة أو شراء العقارات العربية الإسلامية والمسيحية التي جرت في معظمها بطرق الغش والخداع. وقامت إسرائيل وبمساعدة من المستوطنين بالاستيلاء على عشرات المنازل في سلوان وغيرت اسمها لمدينة داود. ونتج عن هذه السياسة سيطرة اليهود بالقوة على 119 عقاراً موزعة في الحارات العربية من القدس، ويسكنها 1899 نسمة، من بينهم 500 طالب في المدارس الدينية المزروعة في قلب الحي الاسلامي.

ونتج عن بناء المستوطنات تغييرات ديموغرافية هائلة في مدينة القدس، حيث أشارت المعطيات أن اليهود لم يكن لهم أي وجود في القدس الشرقية عام 1967 باستثناء منطقة الجامعة العبرية ومستشفى هداسا في جبل الزيتون. لكن احتلال المدينة وبناء المستوطنات فيها وحولها، رفع عدد السكان اليهود عام 2006 إلى 182 ألف نسمة وفق المصادر الفلسطينية[11]، فيما تتحدث المصادر الإسرائيلية أن عدد السكان اليهود بلغ حتى عام 2005 ما يقارب من 187 ألف يهودي موزعين على 14 مستعمرة وحي وفي البلدة القديمة من القدس. وبلغ عدد سكان اليهود وغيرهم عام 2010 ما يقارب 504.2 آلاف؟ في كل القدس. ويتوقع أن يصل عدد سكان القدس عام 2020 لـ1,150,008 نسمة منهم 810.6 آلاف يهودي وغير ذلك[12].

وتشير نفس المصادر أن عدد السكان الفلسطينيين في القدس الشرقية، بلغ عام 1967 ما يقارب 69 ألف نسمة، ليتضاعف عام 1983 إلى 122 ألف نسمة، ثم تضاعف مرة أخرى من عام 1983-2005 حيث وصل عددهم إلى 253 ألف نسمة[13]. فيما بلغ عددهم عام 2011 إلى 283.9 ألف عربي. ويتوقع أن يصل عدد سكان القدس العرب عام 2020 إلى 384.8 ألف عربي مشكلين ما نسبته 40% من مجموع سكان القدس من يهود وعرب[14].

وتشير نفس المعطيات أن نسبة الزيادة الطبيعية للسكان العرب وصلت إلى أكثر من 3.1% من عام 1996-2005 بعد أن وصلت نسبة الزيادة في صفوفهم إلى 3.5% من عام 1972-1983.

ويسكن في المدينة اليوم أبناء الديانات الثلاث حيث بلغ عدد السكان الفلسطينيين أبناء الديانة الإسلامية ما يقارب 97% من العرب المسلمين و3% من المسيحيين (13 ألف نسمة)، ويشكلون سويا ما نسبته 61% من القاطنين في القدس الشرقية والمناطق التي ضمتها إسرائيل إلى المدينة بعد عام 1967، فيما يشكل المحتلون اليهود وغيرهم 39%. أما نسبة كل العرب في مدينة القدس (الشرقية والغربية) فيصل إلى 34%، فيما تصل نسبة اليهود إلى 66%. حيث بلغ عدد سكان شقي المدينة نهاية عام 2006 أكثر بقليل من 733 ألف نسمة منهم 252 ألف نسمة من العرب المسلمين والمسيحيين[15].

أما طبيعة السكان، ونظرا لانتشار الأماكن المقدسة للمسلمين والمسيحيين، فقد غلب على السكان العرب التدين. وفي الجانب اليهودي تشير المعطيات الإسرائيلية إلى نمو هجرة المتدينين اليهود للقدس، حيث وصلت نسبتهم إلى أكثر من 32%، ويتوقع أن تصل نسبتهم إلى 35% عام 2020[16].    

وبعد أن فرضت حقائق على الأرض، بدأت إسرائيل عام 2002 بإجراءات عملية لإقامة القدس الكبرى التي تمتد من كتلة مستوطنات غوش عتصيون في محافظة بيت لحم جنوب القدس، وكتلة مستوطنات غفعات زئيف في شمال غرب القدس، ومستوطنات بنيامين في الشمال ومعاليه أدوميم، والمستوطنات القريبة منها البالغة 8 مستوطنات من الشرق. وتبلغ مساحة المنطقة المنوي ضمها للقدس الكبرى في هذه المنطقة 164 كم2[17]. وتقدر المصادر الإسرائيلية مساحة القدس الكبرى بـ250 كم2.[18] أما المصادر العربية فتشير أن مساحة القدس الكبرى الذي بدأت إسرائيل التخطيط لها عام 1993 تصل لأكثر من 850 كم2 بعد ضم برية القدس (المسماة إسرائيلياً صحراء يهودا) التي تصل مساحتها لـ 600 كم2 وتصل حتى مشارف البحر الميت وأريحا[19]، لتمتد من بيت شيمش غربا حتى أريحا والبحر الميت شرقا، ومن كفار عتصيون جنوبا حتى رام الله والبيرة وبيتونيا شمالا[20]، وبذلك تحد القدس أكثر من سبعة مدن عربية. وفي نهاية عام 1994 وضع الجنرال إيلان بيران، قائد ما يسمى بالمنطقة الوسطى ورئيس إدارة الاتفاق المرحلي في الجيش الإسرائيلي، خطة إعادة انتشار الجيش في الضفة الغربية التي تضمنت إقامة القدس الكبرى التي تضم معاليه أدوميم وغفعات زئيف وغوش عتصيون، والسيطرة على كل محاور الطرق المؤدية إليها مثل شارع 443 وشارع 60 في الجنوب الموصل للقدس من غوش عتصيون، وشارع 80 (شارع ألون). وسميت تلك الخطة بخطة حاضن القدس[21].

وفي المقابل، شرعت إسرائيل بالتخلي عن الأحياء الفلسطينية مثل راس خميس وعناتا وشعفاط وسميرأميس وكفر عقب وضاحية البريد وراس شحادة التي يزيد عدد سكانها المقدسيين على 70 ألف مقدسي، حيث أنشأت الحكومة الإسرائيلية جهازاً إدارياً سمته الإدارة الجماعية لمحيط القدس، بهدف تقديم الخدمات البلدية بدلا عن بلدية القدس.

الجدار الفاصل: بناء على المخططات المذكورة بنيت مقاطع جدار القدس الذي يبلغ طوله ما يقارب من 202 كم، ليشمل معاليه أدوميم وغوش عتصيون، بهدف قطع نهائي للضفة الغربية عن القدس. وفي نفس الوقت تقسيم الضفة لقسمين. وبعد بناء جدار الفصل اتخذت الحكومة الإسرائيلية عام 2004 قراراً سرياً –افتضح أمره مما أدى لتراجعها عنه بعد ضغوطات دولية مختلفة- بتطبيق "قانون الغائب حتى لو كان موجودا" الذي سن عام 1950 من قبل الكنيست الإسرائيلي بهدف حرمان ما تبقى من الفلسطينيين في إسرائيل من حقوقهم في أراضيهم بالقرى التي كانوا يسكنون بها قبل النكبة.

قوانين: وفي مجال القوانين سنت الحكومات الإسرائيلية المختلفة، قرارات بخصوص القدس بلغ عددها حتى عام 2006 أكثر من 300 قرار، موزعة كالتالي: بيانات (17)، مكانة المدينة (97)، البلدة القديمة والقدس الشرقية (26)، تطوير الأراضي للبناء (122)، السياحة (4)، التربية والتعليم والرفاه (20)، الإدارة (39)، والأمن (5)[22].

ومن أهم القرارات والتشريعات، المذكورة القانون الأساسي "القدس عاصمة إسرائيل" عام 1981. نقلت بموجبه المؤسسات الرسمية التي ترمز للسيادة الإسرائيلية إلى القدس[23]. وقانون "الاستفتاء العام" عام 1999 يمنع بموجبه التنازل عن أية أراضٍ سرت عليها القوانين الإسرائيلية[24]. وقرار محكمة العدل العليا عام 1988، الذي اعتبر سكان القدس الشرقية سكاناً دائمين وليسوا مواطنين[25]. وقرار منح صلاحيات كبيرة للقيم على أملاك الغائبين في القدس الشرقية، من بينها الصلاحيات التي أعطيت للقيم على أملاك الغائبين في القانون الذي سن عام 1950 والذي أعطاه الحق بالتصرف المطلق بالأراضي بما في ذلك بيعها[26]. ولم تتوقف القوانين على الجانب السياسي والقانوني، بل امتدت إلى سلطات البيئة وحماية الطبيعة حيث أعلنت الأراضي المخصصة للعرب إما أراضيَ خضراء أو أراضي حدائق عامة لمنع تمدد العرب[27]. ولم تنج من هذه الإجراءات حتى المقابر الإسلامية مثل الإعلان عن مقبرة باب الرحمة كمنطقة حدائق وطنية في عام 1970.      

إثر هذه القوانين وغيرها بدأت الأجهزة التنفيذية في إسرائيل، مثل بلدية القدس، والحكم العسكري، ووزارة العمل، والتأمين الوطني، بسن القوانين الفرعية وتطبيقها على الأرض، بهدف إفراغ المدينة من سكانها العرب وإحلال المستوطنين اليهود مكانهم[28]. وفي السياق المذكور، سنت دولة إسرائيل عدة قوانين وعدلت غيرها، مثل قانون "الدخول إلى إسرائيل وتعديلاته"، و"قانون إثبات الحياة في القدس"، بهدف سحب هويات المقدسيين.

وفيما يتعلق بالأماكن المقدسة، اعترفت إسرائيل بالشق المسيحي من اتفاقية "الوضع القائم" التي وقعها الإمبراطور العثماني ووقعت على ذلك اتفاقا رسميا مع الفاتيكان. أما الأماكن الإسلامية وما تدعيه بالأماكن اليهودية، فقد رفضت الاعتراف بالوضع القائم متذرعة بأن "حقوق اليهود لحق بها الإجحاف"[29]. ومن أجل ذلك سنت قانونين هما "حرية الوصول إلى الأماكن المقدسة"، و"المحافظة على الأماكن المقدسة من أن تمس"، وذلك من دون تحديد ما هي الأماكن المقدسة. وفي الآونة الأخيرة أدخلت إسرائيل مصطلحا ذا أبعاد دينية يهودية وسياسية، أسمته الحوض التاريخي بدلا من الحوض المقدس في القدس وزادت من مساحته لتبلغ 2512 دونماً بهدف ضم ما تدعيه إسرائيل أماكنها المقدسة[30]

خطة ألون

قدم وزير العمل الإسرائيلي يغيئال ألون خطته في تموز 1967 إلى الحكومة لتبنيها. وتهدف الخطة إلى فصل المناطق التي تم احتلاها حديثا عن محيطها العربي والإسلامي. غير أن الحكومة فضلت عدم تبني الخطة بشكل رسمي بل تنفيذها على الأرض بشكل عملي. ودعت الخطة الأصلية إلى عدم السيطرة على الفلسطينيين مقابل ضم المناطق الفلسطينية غير المأهولة. وكان الهدف الأساسي لخطة ألون هو تحويل نهر الأردن إلى حدود سياسية وأمنية لإسرائيل وذلك عبر الإجراءات التالية:

1.     ضم قطاع يبلغ عرضه من 10-15 كم من غور بيسان في الشمال حتى البحر الميت في الجنوب على أن يكون التواجد الفلسطيني في هذا القطاع بحده الأدنى. ومن أجل ذلك، قامت إسرائيل بشق شارع عرف باسم شارع ألون لفصل التجمعات العربية عن منطقة غور الأردن مع منح الفلسطينيين ممرا واسعا إلى الأردن، وضم القدس وغور الأردن وغوش عتصيون وكريات أربع وسلسلة الجبال الغربية، وإجراء تغييرات حدودية مع إسرائيل في حال التوصل لسلام مع العرب.

2.     ضم قطاع غزة مع سكانه إلى إسرائيل مع البحث عن طرق لتهجير الفلسطينيين من هذا القطاع إلى الدول العربية[31].

غير أن خطة ألون عدلت بعد عام 1970 عدة مرات بهدف الاستيلاء على مزيد من أراضي الفلسطينيين، كان آخرها التعديل الذي طرحه بنيامين نتنياهو عام 1996 فيما يعرف بخطة "ألون +" أي ضم التلال المطلة على مشروع ألون. ونتيجة لتطبيق الخطة على الأرض، أصبحت إسرائيل تسيطر على أكثر من 50% من أراضي الضفة الغربية من دون أن تتواجد فيها أعداد كبيرة من المستوطنين اليهود، حيث بلغ عدد المستوطنين حتى عام 1977 أكثر بقليل من 30 ألف مستوطن موزعين على 35 مستوطنة. ونصت التعديلات الجديدة على ضم منطقة يبلغ عرضها 20 كيلو مترا من نهر الأردن، وضم قطاع من الأراضي جنوب جبل الخليل، وضم المناطق المحيطة بالقدس لتحويلها إلى القدس الكبرى، وتقسيم المناطق العربية في الضفة الغربية إلى كانتونين منفصلين عن بعضهما البعض[32].

ولم يقتصر الاستيطان والمصادرة على ما ورد في خطة ألون فقط، بل قامت جماعات الضغط الدينية واليمينية في إسرائيل بالاستعمار خارج حدود الخطة وذلك في قلب المدن العربية.

خطتا القبضات الخمس والسلام الاقتصادي  

مقابل خطة ألون الداعية لإسكان المدنيين اليهود في الضفة الغربية، طرح موشيه ديان وزير الدفاع في حكومة ليفي أشكول خطة للسيطرة العسكرية على جبال الضفة الغربية ونشر معسكرات الجيش فيها، متوقعا أن إنشاء المعسكرات سيجر وراءه إقامة مستوطنات مدنية وزراعية. وبعد تطبيق الخطة أنشأت إسرائيل خمسة معسكرات إسرائيلية على طول الضفة الغربية هي: أدوريم جنوب الخليل، وغوش عتصيون في منطقة بيت لحم، وبعل حتسور في كفر مالك قرب رام الله، وحوارة قرب نابلس، وبيزق قرب جنين. ونتيجة لهذه الخطة تمت مصادرة 20 ألف دونم حول كل معسكر إسرائيلي[33].

وفي عام 1968 قدم ديان خطة "السلام الاقتصادي" التي اعتبرت امتدادا لخطة "القبضات الخمس" بهدف تعزيز الاستيطان في الضفة الغربية وقطع روابط الاقتصاد الفلسطيني المستقل وربطه بالاقتصاد الإسرائيلي. ونتج عن هذا المخطط إقامة ثلاثة تجمعات مدنية استيطانية هي، أريئيل التي يبلغ عدد سكانها 17 ألف نسمة منهم 2500 طالب عربي يدرسون في كلية أريئيل، وتمتد مساحتها على أقل من 15 ألف دونم، ومستوطنة معاليه أدوميم التي يبلغ عدد سكانها 38 ألف مستوطن، يسكنون على مساحة تقدر بـ50 ألف دونم أي ما يعادل 1% من أراضي الضفة الغربية، وتساوي في المساحة مدينة تل أبيب التي يبلغ عدد سكانها أكثر من 500 ألف نسمة، وغوش عتصيون وهو تجمع مستوطنات يبلغ عدد سكانه 60 ألف نسمة يمتد على مساحة 280 ألف دونم تتطلع إسرائيل إلى ضم 70 ألف دونم منها إلى إسرائيل[34].

خطة شارون

قدم البروفيسور أبراهام فيخط عام 1974 مشروعا للاستيطان على ظهور الجبال في الضفة الغربية بهدف عدم تحويل دولة إسرائيل لدولة في مدينة، لكن رئيس الحكومة اسحاق رابين رفض المخطط. غير أن أريئيل شارون الذي عمل مستشارا للأمن القومي الإسرائيلي أطلع على الخطة، وتبناها كبرنامج عمل عندما اشتغل وزيرا للزراعة في وزارة مناحيم بيغن عام 1977، متطلعا إلى إسكان مليون يهودي حتى عام 2000 [35]. وأضاف شارون فلسفة جديدة للاستيطان وهي "محاربة الإرهاب" حين قال: "إن خطة ألون جاءت لتستجيب للمخاطر الاستراتيجية القادمة من الشرق، وخطته هي لمقاومة "الإرهاب الفلسطيني" من داخل المناطق الفلسطينية نفسها، وأن الدفاع عن كفار سابا من هجمات فلسطينية يجب أن يكون من قلقيلية وليس من مكان آخر"[36].

وبناء على ذلك، رسمت خرائط اعتبرت أن كل منطقة غير مأهولة بالسكان العرب، هي منطقة حيوية لأمن إسرائيل ومن الضروري زرع مستوطنة فيها. وحتى عام 1981، تم بناء 64 مستوطنة، ووسعت المعسكرات القائمة وأضيفت أخرى جديدة في مناطق نابلس وجنين وطولكرم وقلقيلية وشمال رام الله. بالإضافة إلى ذلك، تحدثت خطة شارون عن شق شوارع في جميع أنحاء الضفة الغربية بلغ طولها أكثر من 350 كيلو مترا نفذت في فترة حكم الليكود الأولى. وبنيت المستوطنات (على طول الخط الأخضر) فوق قمم جبال الضفة الغربية وسهولها وفوق أحواض المياه، وفي المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية[37].

خطة غوش إيمونيم

اعتبر تيار اليمين الديني النصر الذي حققته إسرائيل عام 1967 مساعدة من الرب في "تجميع اليهود من منافيهم وتطبيق حلم أرض إسرائيل الكاملة". ومن أجل ذلك أسست بعد عام 1974 حركة غوش إيمونيم بقيادة الحاخام تسفي يهودا كوك (ابن الحاخام الرئيسي لإسرائيل الذي أصدر فتوى دينية بشرعية دولة إسرائيل قبل عام 1948 والأب الروحي للمفدال)، بهدف الاستيطان في أية منطقة بالضفة الغربية، وفرض حقائق على الأرض تحدد في نهاية المطاف الحل الذي يجب أن يكون، وهو خلق أغلبية يهودية في الضفة الغربية مع إجبار الفلسطينيين على الرحيل منها[38].

ولتطبيق ذلك، بدأت الحركة ببناء مستعمرات كدوميم وعوفرا وشيلو وغيرها. وفي عام 1980 وضعت الحركة مخططاً هيكلياً شاملاً لبناء 60 مستعمرة في جميع سهول وجبال الضفة الغربية حيث قامت حكومة الليكود بتبني هذه الخطة وتنفيذها على الأرض[39] .

وبالتعاون مع وزير الزراعة أرئيل شارون، ورئيس دائرة الاستيطان في الوكالة اليهودية متتياهو دروبلس، بدأت حملة استيطان مكثف نتج عنها بناء أكثر من 68 مستوطنة خلال خمسة أعوام، تم خلالها إسكان 58 ألف مستوطن حتى عام 1986.

ونتيجة لذلك، مكنت الوقائع على الأرض إسرائيل من السيطرة الفعلية على أكثر من 60% من أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة، ووضعت البنية التحتية لحشر التجمعات العربية داخل كانتونات غير معلنة. وعلى أية حال، وفي الوقت الذي فرضت فيه خطة ألون طوقا استيطانيا وعسكريا خارجيا على طول حدود الضفة الغربية وقطاع غزة فاصلة إياها عن محيطها (باستثناء منطقة رفح) العربي والإسلامي، فإن خطة شارون والتعديلات التي أدخلت عليها فيما بعد فرضت طوقا داخليا مكونا من المستوطنات والشوارع الطولية والعرضية والالتفافية على كل التجمعات العربية الفلسطينية محولة إياها إلى كانتونات معزولة ومفصولة من دون وجود أي تواصل إقليمي بينها.

خطة محاور التلال (النجوم السبعة)

وضعت عام 1960 خطة إسرائيلية لإنشاء سبع مدن جديدة في إسرائيل. وبعد احتلال الضفة الغربية ألغيت الخطة. وأعاد شارون عام 1991 إحياء الخطة مع إدخال تعديلات جوهرية عليها من أهمها نقلها من الأماكن التي كانت معدة لتنفيذها داخل إسرائيل إلى مناطق الخط الخضر الذي يحد دولة إسرائيل بالضفة الغربية. وكان الهدف من المشروع هو فصل الفلسطينيين على جانبي الحدود عن بعضهم البعض، وإلغاء الخط الأخضر من الذاكرة الدولية كحدود مستقبلية بين إسرائيل والفلسطينيين، وربط مستوطنات الضفة الغربية بتجمعات يهودية تمتد لداخل دولة إسرائيل. ونتيجة ذلك صودرت أراضي الفلسطينيين من الجانبين، وبنيت 13 مستوطنة بهدف تجميعها مستقبلا في مدن. وحتى عام 2012 تم تجميع عدة مستوطنات أنشئت على أثرها مدينة موديعين عيليت ومودعين-مكابيم- رعوت. التي يبلغ عدد سكانها اليوم 60 ألف نسمة، ومخطط لها أن تكون ثالث أكبر مدينة في إسرائيل بعد القدس وتل أبيب.

البؤر الاستيطانية

مباشرة بعد التوقيع على اتفاقات أوسلو وضع موشيه بييغلين رئيس القيادة اليهودية في الليكود، ورئيس حركة "هذه أرضنا" فيما بعد، مخططا بالتعاون مع مجلس المستوطنات في الضفة الغربية وقطاع غزة أسماه "العملية المضاعفة"، هدفت إلى إقامة 130 مستوطنة جديدة في أنحاء المناطق التي تم احتلالها عام 1967. ونصت الخطة على قيام كل مستوطنة مبنية أصلا في هذه المناطق بالسيطرة على الأراضي القريبة منها وتسويتها بهدف توسيع المستوطنات القائمة. وأطلق على هذه المستوطنات "البؤر الاستيطانية العشوائية وغير القانونية". ولم يكن لهذه المستوطنات (البؤر الاستيطانية) أن تقام لولا الرعاية الحكومية ومن كل مؤسسات الدولة العبرية التي عملت بشكل مكثف وكأنها تسابق الزمن على إقامتها. وقد أقيمت البؤر الاستيطانية في بداية عهد حكومة رابين تحت شعار "الزيادة الطبيعية للسكان"، أما في عهد حكومة نتنياهو فقد أقيمت بشكل مباشر وبدعم مباشر منه وأما حكومة براك فقد سمحت للمستوطنين بالعبث بأراضي الفلسطينيين كما يشاؤون مصرحا أن ذلك لن يؤثر على الحل النهائي. وحتى الانتخابات الإسرائيلية التي جرت عام 2001 أقيمت 112 بؤرة استيطانية جديدة في حين أقيمت البقية في عهد حكومة شارون الذي صرح أكثر من مرة أن على شبيبة المستوطنين السيطرة على كل تلة خالية من السكان الفلسطينيين[40].

طرق التفافية 

لعبت الطرق الالتفافية دورا مهما في المساعدة على تثبيت الاستيطان في الضفة الغربية، حيث وضع عام 1970 أول مخطط هيكلي للشوارع الالتفافية وغيرها في الضفة الغربية. وكان المخطط الهيكلي للطريق رقم 50 هو أول مخطط شامل لكل أراضي الضفة الغربية. وأدخل على هذا المخطط عدة تعديلات أساسية تطلبتها الوقائع الاستيطانية على الأرض، أهمها تعديلاً عام 1972 وعام 1986 والذي تم بموجبهما التخطيط للشوارع الالتفافية لتطويق كل التجمعات الفلسطينية في الضفة الغربية. وحتى عام 2002 بلغ طول هذه الشوارع أكثر من 1400 كم من الشوارع الرئيسية والإقليمية (الشوارع داخل المستوطنات مشمولة بهذا العدد). ولم تكتف إسرائيل بشق الشوارع بل منحتها حرمة يبلغ متوسط عرضها 150 مترا على كل جانب من جانبي هذه الطرق، يمنع فيها إقامة مبانٍ سكنية أو تمديد أية خطوط للمياه أو حفر قنوات أو مد أسلاك من أي نوع إلا بموافقة لجنة التنظيم الهيكلي الأعلى المكون من الموظفين اليهود فقط. وحسب بعض المعطيات، فإن كل مائة كيلومتر من الشوارع وضع لخدمتها (حرم الشارع) عشرة آلاف دونم، أي أن إسرائيل قامت بمصادرة 140 ألف دونم إضافي من الأملاك الخاصة وغيرها من أراضي الفلسطينيين العرب.

وأشارت خارطة الشوارع الالتفافية المذكورة أن الشوارع الالتفافية والشوارع العرضية التي تم شقها بعد عام 1967 في الضفة الغربية قسمتها لأربعة أقسام (اثنين في الوسط واثنين بالشمال والجنوب). وفي المقابل، ربطت المستوطنات الإسرائيلية بدولة إسرائيل، وفي نفس الوقت، مزقت كل المدن والتجمعات العربية وجعلتها منفصلة عن بعضها. وخلال عملية شق الشوارع على مختلف أنواعها، دمرت الجرافات الإسرائيلية أكثر من 140 ألف دونم من الأراضي المزروعة ومشاريع المياه أهمها مشروع ري الفارعة (الذي يبلغ طوله 14 كم).

جدران في الضفة الغربية

بدأت الإجراءات العملية لبناء جدران عازلة وفاصلة على طول الضفة الغربية عام 1996، بعد العمليات الاستشهادية التي نفذها الفلسطينيون في أعقاب اغتيال يحيى عياش بقطاع غزة. وُطلب حينها من وزير الأمن الداخلي موشيه شاحل وضع خطة تفصيلية للفصل عن الفلسطينيين تأخذ بعين الاعتبار المصالح الحيوية لإسرائيل في الحل النهائي، وتضع حواجز مادية أمامهم لمنع تسلل العمال ومن يرغب بتنفيذ عمليات ضدها[41].

وفي تشرين الثاني عام 2000 تقرر إقامة عائق أمام السيارات في المنطقة الممتدة من الطرف الشمالي الغربي للضفة الغربية حتى منطقة اللطرون[42]. وفي شهر حزيران عام 2001، أمر رئيس الحكومة الإسرائيلية أريئيل شارون بتشكيل طاقم برئاسة رئيس مجلس الأمن القومي الجنرال عوزي ديان لوضع خطة تتضمن منع الفلسطينيين من التسلل إلى إسرائيل[43]. وفي 18/7/2001 قرر المجلس الوزاري المصغر إقرار المخطط الذي عرضه الجنرال عوزي ديان. وفي 14/4/2002، عين الجنرال عاموس يارون مدير عام وزارة الدفاع الإسرائيلية رئيسا لمشروع الجدار الفاصل الذي صرح: "أن الهدف من وراء بناء الجدار هو محاصرة كل مناطق السلطة الفلسطينية"[44]. فيما عين نائب رئيس هيئة الأركان الجنرال غابي إشكنازي مسئولا عن المشروع من قبل الجيش الإسرائيلي، والعميد عيران أوفير منسقا له.

    ولتحقيق هذه الغاية، شرعت الحكومة الإسرائيلية وجيشها في مصادرة الأراضي العربية داخل حدود عام 1967، وتخريب الأراضي الزراعية وقطع الأشجار مستخدمة في ذلك أكثر من 500 آلية ثقيلة. ويبلغ طول الجدار عند اكتماله 812.4 كم، بني منه 515 كم، وينفذ منه الآن 45 كم، وتبقى منه 297.4 كم. وتبلغ تكاليف الجدار عند انتهائه ما يقارب 8 ملياردات دولار، وأقيم الجدار على 85% من أراضي الفلسطينيّين في الضفة الغربية و15% على الحدود الفاصلة بين إسرائيل والضفة الغربية. وبعد انتهاء الجدار سيضم 48 مستوطنة لإسرائيل و12 مستوطنة في محيط القدس، يبلغ عدد سكانها 438 ألف مستوطن. ويعرض الجدار 670 ألف دونم للضرر منها 479.881 ألف دونم أضرار مباشرة و191 ألف دونم لأضرار غير مباشرة، وتشكل هذه النسبة 11.9% من مساحة الضفة الغربية. وللإمعان في إحداث الضرر فتح داخل الجدار 129 بوابة منها 38 معبراً زراعياً و10 بوابات لموسم الزيتون و73 معبراً تجارياً يتم التنقل منها وإليها عبر نظام سمي بنظام التصاريح. كما يعرض الجدار81 قرية للحصار وللحصار الجزئي بما فيها القدس الشرقية بمجموع سكان يصل إلى 411 ألف نسمة.[45].

  وتحدثت المخططات الأمنية الإسرائيلية عن إقامة منطقتين أمنيتين: الأولى من خلال السيطرة على الغور وسميت المنطقة الأمنية الشرقية التي ستعتبرها الحدود الأمنية المستقبلية لها، والثانية منطقة التخوم أو المنطقة الأمنية الغربية التي ستعتبرها إسرائيل الحدود السياسية لها.  

والمنطقة المحددة للجدار الفاصل سيبنى فيها جداران متقابلان من الإسمنت المسلح يفصل بينها أراض عرضها من 50-70 متراً، وفي بعض الأحيان 100 متر، وتسمى هذه المنطقة "منطقة الموت"[46]. وأضيف حاجز العمق حول القرى العربية التي لا يستطيع الجدار الفاصل المرور بها، ويقع حاجز العمق على بعد عدة كيلو ميترات من شرقي الجدار الفاصل الأصلي. ولا يتضمن جداراً بل قنوات وأسيجة ونقاط مراقبة عسكرية، الهدف منها تقييد حرية الحركة في هذه المناطق وحصرها في نقاط مراقبة أمنية. وأعلن عن هذه المناطق مناطق عسكرية مغلقة يستثنى منها أحد عشر ألف فلسطيني يقطنون في هذه المناطق وثمانية عشر ألف مستعمر[47].

وعلى صعيد آخر ذكرت صحيفة القدس الصادرة في 18/3/2003 أن رئيس الوزراء الإسرائيلي أرئييل شارون، أبلغ وزراءه المرافقين له في جولة على الجدار الفاصل الشرقي، أنه يخطط لبناء جدار فصل شرقي يبقي غور الأردن خارج المناطق التي سيحيط بها الجدار الفاصل، بطول يصل إلى 700 كم.

الإلحاق الاقتصادي

لم يتوقف الاستيطان على إحلال اليهود مكان العرب الفلسطينيين، بل امتد للسيطرة على الموارد المحدودة المتوفرة في الضفة الغربية، مثل السيطرة على مياه الضفة الغربية التي تنتج ما يقارب 700 مليون متر مكعب من المياه سنويا، تسحب إسرائيل منها 483 مليون متر مكعب، فيما يستغل الفلسطينيون 118[48] مليون متر مكعب في العام، يجبرون على دفع معظم ثمنها لخزينة دولة إسرائيل. ونتيجة للسيطرة على المياه الفلسطينية انتشرت المزارع اليهودية في الضفة الغربية، التي تغطي ما يقارب 200 ألف دونم معظمها في منطقة الأغوار.

وامتدت أدوات السيطرة الإسرائيلية إلى المحاجر التي شكلت دخلا مهما للفلسطينيين، حيث أنشأت 11 محجرا في الأراضي التي تصنفها على أنها أراضي دولة، وتنتج هذه المحاجر 12 مليون طن من الحصى الضرورية للبنى التحتية، تستخدم إسرائيل 75% منها، فيما يشتري الفلسطينيون 2.2 مليون طن من هذه الحصى من المحاجر اليهودية التي تحول أموالها للخزينة الإسرائيلية، بدلا من تحويلها لصالح الفلسطينيين أصحاب الأرض الشرعيين. ويبلغ احتياطي الأراضي الفلسطينية من المواد الصخرية 360 مليون طن تكفي لـ30 عاماً القادمة إذا استمر التحجير وفق المستوى الحالي[49].  

إضافة لذلك وبهدف تصفية الصناعات الفلسطينية المحلية، أنشأت إسرائيل 14 منطقة صناعية في الضفة الغربية يوجد فيها 800 مصنع تشغل 17 ألف عامل جزء كبير جدا منهم من الفلسطينيين، وتدر دخلا يقدر بمئات ملايين الدولارات، منها 700 مليون دولار إلى أسواق الضفة الغربية وقطاع غزة[50].

وعلاوة على ذلك تحولت الضفة الغربية لمكب النفايات الأول لإسرائيل ومستوطناتها في الضفة الغربية حيث تقدر نسبة الفضلات التي تلقيها إسرائيل في مزابل الضفة الغربية بـ20% خاصة في مزبلة أبو  ديس التي بلغ حجم الفضلات فيها 4 مليون طن معظمها من بلدية القدس اليهودية. فيما تنتج المستوطنات الإسرائيلية نصف مليون طن من الفضلات سنويا.

معطيات وحقائق

بناء على المخططات المذكورة وغيرها بنيت 148 مستوطنة. لكن خطة الانفصال أحادي الجانب عن قطاع غزة أدت إلى تفكيك 17 مستوطنة في قطاع غزة و4 مستوطنات على التلال الواقعة بين نابلس وجنين. وبلغ عدد المستوطنات التي بنيت حتى عام 1977 ما مجموعه 38 مستوطنة، وحتى عام 1990 أضيفت 78 مستوطنة، وهو ما يعتبر العصر الذهبي الأول للمستوطنات التي انتشرت في الضفة الغربية[51]. وحتى عام 2000 بنيت 12 مستوطنة، ومستوطنة واحدة عام 2001. لكن الإدارة المدنية الإسرائيلية تعترف بأن المستوطنات الرسمية هي 120 مستوطنة فقط. وشهدت بداية العقد الأخير من القرن العشرين العصر الذهبي الثاني للاستيطان عندما دعمت الحكومات الإسرائيلية المختلفة بناء ما اصطلح على تسميته إسرائيليا "البؤر الاستيطانية غير الشرعية"، التي بلغ عددها عام 2012 ما مجموعه 99 بؤرة استيطانية جديدة، مقررا لبعضها أن يندمج مع المستوطنات القائمة، فيما يشكل البعض الآخر مستوطنات مستقلة. وبلغ عدد سكان هذه البؤر عام 2011 ما يقارب من 4 آلاف نسمة، تسيطر على 16 ألف دونم من أراضي الفلسطينيين منها 7 ألاف دونم من أراضيهم الخاصة، وتشير المعطيات أن 70 بؤرة استيطانية توغلت في أراضي الفلسطينيين الخاصة، فيما أقيمت 16 بؤرة استيطانية على أراضي فلسطينية خاصة و15 بؤرة استيطانية أقيمت على أكثر من نصف أراضي الفلسطينيين الخاصة[52]. وتشن من هذه البؤر وغيرها من المستوطنات الهجمات على القرى العربية وعلى المزارع، بما في ذلك سرقة المنتوجات الزراعية بعد قطفها من قبل الفلسطينيين. ويتكون سكان البؤر الاستيطانية من شبان ينتمون لتيار جديد نشأ مع بداية اتفاقيات أوسلو سمي بـ"التيار الوطني المتزمت دينيا"، وامتاز بعض سكان هذه البؤر بتعاطي المخدرات على أشكالها المختلفة، وبعدم التزامهم بأية قوانين سوى قوانين الرب على حد ادعائهم. وجاء بعضهم من المستوطنات القريبة ومن التائبين والعائدين لحضن الدين.

يبلغ عدد سكان المستوطنات الرسمية -البالغ عددها اليوم 120 مستوطنة من دون القدس- ما يقارب 340 ألف نسمة حسب إحصاءات المستوطنين لعام 2012، وتنتشر الغالبية العظمى من المستوطنين في المستوطنات التي أنشئت وفق خطط ألون وشارون وديان حيث يقارب عدد سكانها 232 ألف مستوطن، وتحاول الحكومة ضمها إليها. 

تضاعف عدد سكان المستوطنات ثلاث مرات خلال العقود الثلاثة الماضية، حيث بلغ تعدادهم عند انطلاق مؤتمر مدريد عام 1991 ما يقارب من 105 آلاف مستوطن، وبعد فشل كامب ديفيد الثانية عام 2000 وصل عددهم 210 آلاف مستوطن، وفي عام 2012 وصل عددهم 340 ألف مستوطن. ويتبين من هذه الأرقام أن إسرائيل استخدمت الحرب والسلام من أجل تعزيز تواجدها في الضفة الغربية ومنع أية إمكانية للتوصل لسلام. وتبلغ مساحة المستوطنات 520 ألف دونم مشكلة أكثر بقليل من 9% من مساحة الضفة، مع العلم أن الأبنية والمنشآت المقامة في  المستوطنات تزيد قليلا عن 2.5% من مساحة الضفة الغربية في مساحة لا تزيد عن 130 ألف دونم.

وتشير نسب النمو الطبيعي وغيرها للمستوطنين في الضفة الغربية أن هذه النسب أعلى بثلاث مرات من نسبة اليهود في الدولة العبرية، وحتى أكثر من نسبة الزيادة في صفوف الفلسطينيين في الضفة الغربية، حيث وصلت نسبة النمو في صفوفهم 5.8% عام 2012 في حين تبلغ نسبة النمو الطبيعي في إسرائيل 1.8%[53]، وفي صفوف الفلسطينيين 2.9% أي ضعف نسبة النمو في صفوف الفلسطينيين، وهو الأمر الذي يؤشر إلى حجم الاستهداف الذي يتعرض له الانسان والأرض الفلسطينية.

كما تشير معطيات وزارة الداخلية أن 32% من المستوطنين ينتمون إلى التيار الديني المتزمت، و34% إلى التيارات العلمانية، و34% إلى التيارات الدينية الوطنية والتيارات الدينية الوطنية المتزمتة دينيا. ويقود المجالس المحلية 9% من أنصار التيار الديني المتزمت، و45% من أنصار التيار الديني الوطني، و46% من أنصار التيار العلماني[54]. وفيما بتعلق بتوزيع المستوطنات فإن 16% منها للعلمانيين، و26% للمتدينين الوطنيين، و25% للمتدينين المتزمتين، و33% مختلطة. 

وتصل نسبة التجنيد في صفوف المستوطنين 61% مقارنة بِـ36% من المجندين في تل أبيب ومنطقتها، وهذا الوضع رفع نسبة كبار الضباط في الجيش الإسرائيلي من المستوطنين إلى 47% وهو مؤشر آخر حول تراجع فرص السلام في المنطقة، وارتفاع مؤشرات الحرب فيها.

وتضم المستوطنات من دون مستوطنات القدس 69.883 ألف منشأة (إضافة 3400 شقة حتى عام 2012) موزعة على النحو التالي، وذلك حتى عام 2009:

المبنى

الوحدات

المبنى

الوحدات

شقق

39.483

مؤسسات عامة

656

بيوت مستقلة

18462

الكنس

322

بيوت متنقلة "كرفانات"

5539

برك الطهارة

119

مرافق رياضية

232

مواقف سيارات

189

ملاجئ

54

رياض أطفال

255

مدارس

237

كليات

10

جامعة (أعلن عنها عام 2012)

1

مكتبات

24

محطات الوقود

29

مراكز التسوق

140

المصانع

427

الفنادق

138

حظائر الماشية

133

المزارع

243

أبراج المياه

54

خطوط الطاقة/ بالمتر

615.700

شوارع داخلية /بالمتر

774.521

شوارع خارجية/ بالمتر

307.900

المياه والمجاري/بالمتر

615.700

 

 

وتبلغ المساحة الكلية بالمتر المربع  13.685.124. فيما تبلغ تكاليف هذه المشاريع  18 مليار دولار[55].

أنواع المستوطنات وانتماءات المستوطنين

بعد احتلال الضفة الغربية سارعت تيارات الحركة الصهيونية المختلفة إلى التنافس فيما بينها من أجل تحقيق أحلامهم، فالعلمانيون تطلعوا إلى إقامة دولة إسرائيل كدولة ذات أغلبية يهودية، فيما اعتبر أنصار التيارات الدينية والوطنية المتزمتة احتلال الضفة الغربية فرصة كي يساعد الشعب اليهودي الرب من أجل تقريب الخلاص وجمع المنافي لليهود في كل "أرض إسرائيل" وإعادة بناء الهيكل الثالث مكان الحرم القدسي الشريف. كما لم يغب استيطان الضفة عن رواد جودة الحياة اليهود الباحثين عن مناطق هادئة وجميلة بدلا من مدن تل أبيب والقدس وحيفا الصاخبة.

ونتيجة ذلك انتشرت أنواع مختلفة من المستوطنات هي:

مستوطنات المتدينين المتزمتين: المنتشرة في أنحاء الضفة الغربية في مدن استيطانية مثل بيتار عيليت وموديعين عيليت وعمنوئيل وتل تسيون وحي كوخاف يعقوب. ويشكل أنصار هذا التيار 32% من مجموع سكان المستوطنات[56].

المسوطنات الأيديولوجية أو الجماعية: التي ينتمي إليها أنصار التيار الديني الوطني، وتشترط على كل مستوطن جديد أن يكون ملائما لن

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website