"أنسنة" الاحتلال... وشيطنة الذات...والتخلي عن الحكاية في روايتي ربعي المدهون: السيدة من تل أبيب.. ومصائر، طارق حميدة، العدد 269

أنسنة المحتل .... وشيطنة الذات .. والتخلي عن الحكاية

في روايتي ربعي المدهون: السيدة من تل أبيب .. ومصائر

 

طارق مصطفى حميدة[*]

 

§        المدهون روائياً

ربعي المدهون المولود في مجدل عسقلان عام 1945، عمل في الصحافة وصدرت له مجموعة قصصية في سبعينات القرن العشرين بعنوان: (أبله خانيونس)، ثم صدرت له روايتا: (السيدة من تل أبيب، 2009)، و(مصائر: كونشيرتو الهولوكوست والنكبة، 2014)، وقبلهما صدرت له سيرته الذاتية (طعم الفراق، 2001) في شكل روائي.

وقد بلغت رواية (السيدة من تل أبيب) مرحلة المجموعة القصيرة لجائزة البوكر عام 2010، وأما رواية (مصائر) فقد دخلت القائمة القصيرة عام 2016 ومن ثم فازت بالمرتبة الأولى.

الروايتان رحلتان لِـ(وليد دهمان)، الذي يعتبر مرآة للمدهون أو ظلاً له، من لندن إلى فلسطين بالطائرة، غاية الأولى زيارة الوالدة في غزة بعد غياب حوالي أربعة عقود، وجاءت الثانية تنفيذاً لوصية والدة زوجته بالسفر إلى عكا ووضع التمثال الخزفي الذي يحتوي شطر رماد جثمانها المحروق في بيت جدها هناك.

في الأولى ترافقه الإسرائيلية (دانا أهوفا) التي يصادف أن يكون مقعدها إلى جانب مقعده في الطائرة، وهي (السيدة من تل أبيب) التي سمى الرواية باسمها، وفوضها في تسمية الرواية التي يكتبها بطله وليد دهمان، وبالتالي تحديد مسارها ونهايتها.

وترافقه في الثانية زوجته البريطانية (جولي) ابنة امرأة عكاوية أرمنية، أحبت ضابطاً بريطانياً زمن الانتداب الإنجليزي على فلسطين وتزوجته على الرغم من رفض أهلها، ثم غادرت فلسطين مع زوجها نهاية الانتداب.

ويمكن تصنيف ما كتبه المدهون ضمن ما اصطلح عليه بأدب العودة أو أدب العائدين، من الذين رجعوا بعد أوسلو في تسعينات القرن الماضي، وبدايات هذا القرن، حيث سيتكرر مع الكثير منهم أن يترافق في رحلته مع إسرائيليين وإسرائيليات، وتقع بين الطرفين في الطريق حوارات ومجاملات ومشادات أو غير ذلك، كما قد يصطحب عدد من الفلسطينيين العائدين معهم بعض أبنائهم، وأزواجهم الذين قد يكونون من فلسطين أو غيرها، وبالتالي فإن اختيار أو اختراع المدهون لرفيقة إسرائيلية في رحلة الرواية الأولى، ولزوجة أجنبية في الثانية، وإن لم يكن بالضرورة قد حدث معه شخصياً، فإنه لا يبعد أن يكون حدث لآخرين غيره.

وقد كُتب عن هذا النوع من الأدب وعن بعض ملامحه وسماته، ومنها مثلاً غلبة الروح التشاؤمية، وغياب التفاؤل الذي كان يميز الأدب الحالم بالعودة قبل أوسلو.

§       الروائي بطلاً لروايته

لا يحتاج القارئ كثير جهد ليستنتج أن البطل الرئيس في روايتي المدهون (وليد الدهمان) هو ذاته ربعي المدهون.. ويكفي أن يطلع على السيرة الذاتية للمدهون (طعم الفراق)، ليجد أن (ربعي) كما (وليد) قد ولدا في المجدل قبيل النكبة، وأن الأهل قد هاجروا إلى خانيونس ضمن ما أصبح يعرف بقطاع غزة، وأن والد كل منهما قد توفي باكراً، وأن الجد كان يبيع (التتن)، ثم يذهب كلاهما إلى مصر ليدرس في جامعاتها، ثم يطرد كلا الرجلين من هناك قبل إتمام الدراسة، لينتهي المطاف بكل منهما في بريطانيا التي تمنحهما جنسيتها ويصبح بإمكانهما السفر إلى فلسطين بواسطتها، ليزور والدته بعد غياب أربعة عقود تقريبا.

ولا ننسى أن الاسمين (ربعي، ووليد) متقاربان في المعنى؛ ذلك أن الرِّبْعي هو ولد الرجل في شبابه، وقد وُلد ربعي في شباب أبيه، وعليه فالربعي هو الوليد، بالرغم من حرص المدهون على تأكيد أن اسمه الذي أسماه به أهله، هو بفتح الراء لا بكسرها، وكان يستغرب في صغره من إصرار أحد أساتذته على كسر رائه وتسكين بائه!![1].

وبالنسبة لاسمي العائلتين: المدهون والدهمان، فهما مشتقان من جذرين متقاربين: دهن، ودهم، لكن المدهون اسم مفعول، والدهمان: الغاشي المهاجم الكثير الدهم، صفة مشبهة، وفيه معنى المبالغة والكثرة، ما يتناسب وموقفه السياسي الداهم في الروايتين كما يبدو.

وقد لوحظ استخدام المدهون للمرايا ولعبة الظلال، في كلتا الروايتين، فقد كان بطله: وليد الدهمان في (السيدة من تل أبيب) يكتب رواية عن بطل له هو الآخر عائد إلى غزة من دولة أوروبية بعد طول غياب، بينما كان المدهون في الواقع يقوم بالرحلة ذاتها إلى القطاع، لكنه في رواية (مصائر) جعل بطلته قريبته: جنين الدهمان – وهي إحدى مرايا المدهون - هي التي تكتب الرواية، فيما كان وليد الدهمان قريبها هو مثلها الأعلى في الفكر والأدب والذي تعرض عليه ما تكتب.

ويبدو أن اختيار (جنين الدهمان) دون (وليد) لتكتب الرواية في الرواية، جاء من قبيل التنويع وعدم التكرار لما فعله المدهون في الرواية الأولى من جهة، ومن جهة أخرى لإظهار أن وليد الدهمان -صورة المدهون - قد أصبح اسماً كبيراً يمثل مدرسة أو اتجاهاً في الرواية والفكر والسياسة وله أتباع ومريدون، وإذا اعتبرنا اسم جنين بفتح الجيم، فإن الجنين هو المرحلة السابقة للوليد قبل خروجه من الرحم، ما يعني بالفعل أن المقصود هو تأكيد استمرار حلقات السلسلة التي ابتدأت بالمدهون[2].

وقد أبى المدهون إلا أن يحضر باسمه وجسمه دون أن ينيب عنه أي أحد، في بعض مفاصل الرواية، حتى إن بعض النقاد قد اتهموه بسببها بالنرجسية.

§       السيدة من تل أبيب...عتبة العنوان

كيف نقرأ العنوان؟ هناك أكثر من طريق لقراءة العنوان؛ السيدة: مبتدأ، وشبه الجملة خبره، أو أن شبه الجملة صفة ويكون الخبر محذوفاً.

فإذا اعتبرنا السيدة مبتدأ وشبه الجملة خبراً فذلك كما نقول: الرئيس من الحزب الجمهوري، أو: الملك من العائلة الفلانية، ويكون على المثال الأول إخباراً بواقع الحال، وعلى المثال الثاني إخباراً بمن له الأحقية والجدارة حسب العرف أو القانون.

فالمعنى أن التي لها السيادة على من عداها، في الواقع أو الجدارة والأحقية، هي السلطة التي لها السيادة في تل أبيب، فهي صاحبة الجلالة التي يُخطب ودها ويُلتمس رضاها في الداخل والخارج، وفي المحافل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والفكرية والفنية والأدبية، والسبيل للحصول على الجوائز الدولية، وهي مدخل القبول الدولي وباب الشهرة والانتشار.

وعلى الاحتمال الثاني يكون شبه الجملة نعتاً للمبتدأ، ويكون تقدير العبارة: (السيدة التل أبيبية ...)، ولا يكتمل المعنى إلا بتقدير محذوف من مثل: قُتلت أو انتحرت، على فرض أن السيدة المقصودة هي (دانا أهوفا) رفيقة البطل (وليد دهمان) في الطائرة، أما على فرض أنها السلطة السياسية فيمكن تقدير أنها رفضت حضور اللقاء أو تسببت في منع حدوثه.

والعنوان مفتوح على أكثر من احتمال ويمكن أن نجد ما يشهد لها جميعاً في النص، لكن الترجمة الإنجليزية للعنوان على غلاف الرواية ترجح كفة الاحتمال الثاني، فقد جاءت هكذا:

 ((The Lady from Tel Aviv، بدون فعل مساعد مثل: (is or was).

ويبقى أصعب ما في العنوان هو اعتماد مثقف فلسطيني الاسم الجديد لمدينة أقيمت على أنقاض بلدات فلسطينية، باعتباره اسماً عريقاً ينسب إليه تلك السيدة، كما يقال إن فلانا من القدس أو حيفا أو أن المدهون من المجدل، وكذلك فإن الوصف بالسيادة فيه الكثير من معاني الاحترام والإجلال للمحتل بدعوى أنسنته، بالرغم من قيامه بالاحتلال.

§       غلاف السيدة من تل أبيب

شاب في نهايات العقد الثالث من عمره، أو بدايات العقد الرابع يجلس على أريكة، يضع رجلاً على رجل، توحي قصة شعره وبنطاله الشارلستون أن الصورة تنتمي إلى عقد السبعينات من القرن المنصرم، وبيد الشاب سيجارة في فمه أو قريباً منه، وعيناه مغمضتان أو تنظران إلى الأسفل جهة الكتاب كما لو كان الشاب يفكر في أمر ما.

 والمرجح أن تكون صورة الشاب مأخوذة عن صورة أصلية لربعي المدهون كاتب الرواية في مرحلة الشباب، إذ من المستبعد أن يضع صورة غيره، سيما وأنه معنيٌّ بإثبات وجهة نظره أو مبادرته، ومن الملاحظ أن هناك تشابهاً لافتاً بين صورة المدهون في عقده السابع والصورة التي على الغلاف، ولا ننسى أن وليد الدهمان البطل في رواية المدهون هذه والتي تلتها، هو ربعي المدهون نفسه.

الألوان خلفية الصورة رمادية داكنة بترابها وغبارها أو غيومها وهذا الجو الضبابي يجلل الشاب ويظلله، ما يشي بضبابية الرؤية وعدم اتضاح الصورة، وعيناه كأنهما تنظران بريبة إلى الكتاب الذي عن يمينه على الأريكة، وعنوانه: (ظلان لبيت واحد) من تأليف وليد دهمان.

هل كان يريد القول بأن فكرة التعايش بين الشعبين أو القبول بِـ(سيدة في تل أبيب) مقابل سيدة فلسطينية أو سيدات عربيات إلى جوارها، أي دولة إسرائيلية بجوار فلسطين والدول العربية، أو حتى في ظل نظام سياسي واحد، كانت رؤيته منذ ذلك الوقت، لكن الجو المحيط والسياق العربي والفلسطيني كان ملبداً بالغيوم ولم تكن الرؤية واضحة، وما كان بالإمكان التقدم بذلك الطرح؟ أو أنه تقدم بمثله لكن المحيط لم يكن مستعداً لقبوله؟.

كان الخط الذي رُسم به اسم وليد دهمان وروايته هو ذاته الخط الذي كتب به اسم ربعي المدهون وروايته، ما يشي بالتوحد بين الراويين والروايتين والرؤيتين، لكن صغر الكتاب على الأريكة وبالتالي صغر اسم الرواية وعنوانها يعزز أن الطرح المتضمن فيه كان ضعيفاً وهامشياً.

عنوان الرواية: (السيدة من تل أبيب) جاء باللون البرتقالي، والبرتقال هو من أهم ما يميز منطقة يافا وما حولها حيث أقيمت على أنقاضها مدينة تل أبيب، فهل جاء اللون البرتقالي ليذكر بأرض البرتقال[3]؟ وهل يعزز ذلك كون اسم (السيدة من تل أبيب) جاء كبيرا وزاهياً، وأعلى من المناطق الداكنة الخربة أو المدمرة؟

إن السيدة "التل أبيبية" التي جلست إلى جوار بطل الرواية الممثل للكاتب كانت ثلاثينية جميلة تعمل ممثلة لأفلام الإغراء، وكانت تفيض حيوية وشباباً وإثارة وقد تفاعل معها البطل، فهل معاني الحيوية والشباب والإثارة مقصودة أيضاً بهذا اللون؟ حيث يصنف اللون البرتقالي في الدراسات الأساسية ضمن فئة الألوان الدافئة التي تشمل اللون الأحمر والبرتقالي والأصفر وتشير إلى معاني النشوة والفرح والانطلاق في ظلاله، وتأجيج الشهوة بكافة أبعادها، وإثارة النزعات الجسدية للحراك[4]، علما بأن البرتقالي ليس لوناً أصلياً بل هو مزيج من اللونين الأحمر والأصفر لذا فهو يحمل من سماتهما، فيرمز للنضارة - والسرور - والإبداع - والحماس - والنجاح - والمرح - والروح العالية - والحيوية -  والدفء.

وفي سيكلوجية الألوان فإن اللون البرتقالي يثـير الإحساسات المتعددة، ففي الشمس يبعث على الدفء، وفي النيران المشـتعلة والحرائق يثير الفزع، أما في الفواكه فيرمز إلى النضج ويثير الشهية، وفي إشارة المرور يشير إلى الاستعداد والتأهب[5].

والبرتقالـي هو همزة الوصل بين الألوان الباردة والألوان الساخنة، لذلك يلعب دوراً حيوياً في إيجاد التوافقات اللونية الهامة، فبينما يقل سطوعه وسط الألوان الحمراء الملتهبة، فإنه تزداد سخونته وسطوعه عندما يقع وسط الألوان الباردة والداكنة كما هو الحال في الرواية؛ فالسيدة في تل أبيب مقارنة بالمحيط العربي في أوج توهجها وسطوعها وحيويتها، على نقيض المحيط العربي والفلسطيني.

وعودة إلى عنوان الرواية التي على الأريكة: (ظلان لبيت واحد)، وهو العنوان الثاني للرواية، إذ يجدر التذكير بأن صاحبة الاقتراح في هذا العنوان هي (دانا أهوفا، السيدة من تل أبيب)، رفيقة وليد دهمان في الطائرة عندما أخبرها عن روايته التي يكتبها[6]. وقبول الدهمان للمحتل أن يحدد عنوان الرواية هو قبول منه لتحديد مسار الصراع وفرض نهاياته، بعد إعادة تعريفه.

عبارة: (ظلان لبيت واحد) يمكن أن تشير إلى معنى التعايش بين الفلسطيني والمحتل حيث البيت الواحد يمكن أن يظلل الطرفين، ويمكن أن يفهم الظل بمعنى التصور والتخيل، ويكون المقصود أن هناك حكايتين لهذا البيت (فلسطين) أو تصورين، أحدهما فلسطيني والآخر صهيوني، وأن هذين التصورين لا يعدوان كونهما حكايتين خياليتين أسطوريتين مصطنعتين، والحقيقة الوحيدة هي هذا البيت المادي الذي يمكن أن يسع الطرفين دون الحاجة إلى التمترس خلف الظلين والحكايتين والوهمين!! وبالتالي استمرار التصارع، وقد تكرر في الرواية الحديث عن الظل بالمعنيين كليهما.

(ظلان لبيت واحد) لكن السيادة في هذا البيت هي للسيدة من تل أبيب، حيث يبدو المدهون وكأنه  ينظّر في روايته لفكرة شعبين تحت حكومة واحدة هي الحكومة الإسرائيلية، وأنه لولا انتفاضة عام 1987 لاندمج الشعبان بالتزاوج ولحصل الفلسطينيون على الجنسية الإسرائيلية، كما أورد على لسان أحد أقارب وليد الدهمان خلال نقاشي سياسي عائلي: "عارف..هوّ لو ما صارتش الانتفاضة الأولى، وظلينا ع شعار زمان دولة علمانية ديمقراطية يمكن كانو اندمجو الشعبين مع بعض لأنو كتير فلسطينية اتجوزو يهوديات (و)** من عرب إسرائيل وأخدو الهوية والجنسية"[7]

ويتحدث بطل الرواية وليد دهمان مع نفسه: "أتمنى أن يخرج الفلسطينيون والإسرائيليون من ساحة الحرب إلى العيش المشترك. ونتمشى أنا وهي معاً، في أوتستراد طويل لا عداء فيه ولا معابر. لا اغتيالات ولا انتحاريين. لا مجندين ولا مقاومين. لا صهيونية ولا حركة تحرر وطني فلسطينية. لا انتفاضة ولا مستوطنات. لا شارون ولا عرفات. لا أبو مازن ولا شاؤول موفاز. لا شيوخ ولا مستوطنين. لا أباتشي ولا اف-16، ولا انتحاريين..."[8].

وعندما سئل المدهون في إحدى المقابلات الصحافية: لماذا اخترت السيدة من تل أبيب عنوانا لروايتك؟ أجاب قائلاً: "العنوان دال على نص ومسار سردي، فرضته تفاعلات درامية، هي المصادفة، تماماً كإسرائيل الطارئة، المصادفة التي تشكلت في ظروف وعوامل تاريخية معينة، مثلما فرضت دانا أهوفا بطلة الرواية نفسها على السرد، كما فرضت إسرائيل على أرض فلسطين، فألقت بظلالها على مجمل النص"[9].

ويؤكد المدهون قصديته من العنوان بقوله في مقابلة صحافية أخرى: "كل عنوان يختاره صاحبه يكون مقصوداً، وبعد تدقيق وتقليب وربما استشارات واستمزاج آخرين أيضا، وحال (السيدة من تل أبيب) ليس استثناء، هذا بالفعل ما قصدته بالهويات الجديدة في إجابتي السابقة، فالفلسطينيون، لم يعودوا تلك الكتلة الواحدة المتجانسة المتماثلة، التي أدرجت تحت عبارة ''الفلسطينيون في كل مكان''، فهناك من مزقته المنافي وأفقدته هويته، وهناك من صاغ هوية من شعارات ومواقف إيديولوجية، يتمثل فيها واقعاً يرغب به، وهناك من غادر منفاه وحاول استعادة هويته القديمة (في الرواية عادل البشيتي نموذجاً)، وهناك وليد دهمان الذي تصالح مع منفاه البريطاني واعتبره وطناً ثانياً، لكنه لم يشكل هويته الجديدة بعد، وهناك من وجدوا في المنافي أوطاناً جديدة، هذا عالم مسكوت عنه، حاولت الغوص فيه، (....) ميزة هذه الرواية وتمايزها الرئيسي، أنها تركت تلك الصدامية للسياسيين ولصراخ محللي الفضائيات المسلح بالديماغوجية والشعارات الفارغة، فمهمتها ليست القتال، والصراخ ليس وظيفتها، فهي رواية راشدة تخطت ما سبقها، وأنهت حتى بقايا ما عرف بأدب المقاومة، تلك المرحلة التي ذهبت بشخصياتها وأبطالها وحكاياتها أيضا"[10].

فالمدهون يؤكد أن هناك فلسطينيين تصالحوا مع المنافي واعتبروها أوطاناً لهم، ولم يعودوا يفكرون في العودة أو يطالبون بها، وذكر اسم بطله وليد الدهمان والناطق باسمه، كأنموذج للفلسطيني الذي تصالح مع منفاه البريطاني واعتبره وطناً ثانياً، وقد كان من اللافت حرص المدهون في روايتيه على إثبات أنه يحمل الجنسية البريطانية، مرتين في رواية (السيدة من تل أبيب) في البدء والختام، ومرة واحدة في (مصائر)، عدا عن تكرار ذلك بالنسبة لبطله الدهمان في كلتا الروايتين، وعلى كثرة من يحملون جنسيات أجنبية من الأدباء والمفكرين، الفلسطينيين والعرب، فلا أعلم أنهم شديدو الحرص على التنويه بحملهم جنسيات غير جنسيات بلدانهم الأصلية.

إنها مبادرة ورؤيا أيديولوجية وموقف سياسي، يتوقف عن المطالبة بالحق الذي كفلته كل الشرائع والقوانين والمواثيق، ثم يؤكد المدهون أن روايته (الراشدة) لا تنتمي، أو بالأصح أنها (تخطت وأنهت ما عرُف بأدب المقاومة!!).

ويُعدّ قبول البطل/ الكاتب تمكين المحتل (ممثلاً في الإسرائيلية دانا أهوفا) من صوغ (الحكاية – حكاية الأرض)، وتوجيهها من خلال فرض عنوان الحكاية، انقلاباً في المسار الروائي والأدبي الفلسطيني، إذ درج الأدباء الفلسطينيون والعرب وألحّوا على تأكيد وترسيخ حكاية الأرض الفلسطينية العربية، وإثبات سرديتهم الوطنية، لتأكيد حقهم فيها، وفق مقولة: "من يملك حكاية الأرض يرث أرض الحكاية"، المقتبسة كما يبدو من شعر محمود درويش: "من يكتب حكايته يرث أرض الكلام ويملك المعنى تماما"[11]، فهل يعتبر التنازل عن الأحقية في حكاية الأرض مقدمة للتخلي عن أرض الحكاية؟

ولعل مثل هذا مما استثار الناقد والأكاديمي عادل الأسطة فكتب يقول: "ماذا لو أجريت مقارنة بين صورة القدس في رواية (ثيودور هرتسل) "أرض قديمة -جديدة" وصورتها في رواية ربعي المدهون "مصائر" 2015 المرشحة هذا العام لجائزة الرواية العالمية بوكر؟ هل سأتوصل إلى أن الفلسطينيين أقروا بالهزيمة واعترفوا بأحقية اليهود في فلسطين، لأنهم عمروها؟ وأين هو غسان كنفاني؟ وماذا سيقول حين يقرا رواية ربعي المدهون؟

نحن أمام زمنين؛ زمن الثورة وعدم الإقرار بالهزيمة رغم حرب 1967، وزمن السلم والتطبيع والإقرار بتفوق الآخر .. كأننا اليوم هزمنا حقا"[12].

§       نهاية السيدة في تل أبيب

بعد أن أعلن المدهون انتهاء الرواية بقوله: انتهى، كتب عبارة:

 "استدراك"

وتابع قائلاً: "وليد دهمان ودانا أهوفا لم يلتقيا ذلك المساء".

بداية فإن مضمون هذا الاستدراك يبدو لا داعي له؛ لأنه تحصيل حاصل، حيث إن مقتضى موت أو مقتل دانا أهوفا هو عدم إمكانية اللقاء معها ذلك المساء واستحالته إلى الأبد، فما الذي أراده الكاتب من الاستدراك بعد النهاية وما معنى الاستدراك في اللغة؟ ولماذا كان يجب أن يلتقيا؟

هل أراد القول إن الجانب الإسرائيلي هو الذي تسبب في عدم وقوع اللقاء بينما الجانب الفلسطيني كان جاهزاً، هل سيدة تل أبيب هي السلطة الحاكمة؟ وهل عدم حصول لقاء "ذلك" المساء، يبقي المجال مفتوحاً للقاءات أخرى في مساءات أخرى، أو ربما نهارات أخرى، بين طرفي النزاع للغاية ذاتها التي كان سيجري لأجلها اللقاء بين وليد ودانا؟؟، وهل على طرفي النزاع أن "يستدركوا" ما فاتهم بعد هذه الفرصة التاريخية العظيمة التي ضيعوها، ويسارعوا إلى اللقاء في أقرب فرصة؟!

 

§       عتبات رواية مصائر

كما في روايته (السيدة من تل أبيب) نجد اسم المؤلف بالإنجليزية يعلو صفحة الغلاف، ربما لتصويب الأخطاء المحتملة في قراءة الاسم الذي قد يقع فيه القارئ العربي، من خلال ربطه برِبْعي بن عامر رسول سعد بن أبي وقاص إلى رستم، وتحت اسم المؤلف بالإنجليزية جاء التنويه بجنس العمل الأدبي وأنه رواية، بخط عريض أحمر لافت ومثير وتحته بالإنجليزية (novel)، وهذا التحديد للجنس الأدبي يزيل اللبس ويسهل على القارئ عملية البحث، ويحول دون إضاعة الوقت، ويبعد الاحتمالات الأخرى المتوقعة من مفردات العنوان في أن يكون النص عملاً تاريخياً أو سياسياً أو شعرياً، مثلاً.

وبعد تحديد الجنس الأدبي يأتي اسم المؤلف بالعربية بحروف كبيرة وباللون الأسود، حيث الكاتب معنيّ لأقصى درجة لإثبات ذاته ووجهة نظره، وخاصة في قضية غاية في الإشكالية، وكما سبق القول فإنه لم يكتف بمرآته الذي يمثله – وليد الدهمان- بل إنه حضر بشخصه، والصحيفة التي كان  يعمل فيها، ومقالته في تلك الصحيفة[13]، وحسب قول المدهون فإن ظهوره ذاك كان "للإدلاء بشهادتي على ما يعانيه الفلسطيني، ليس في مطار إسرائيلي بل في المطارات العربية أيضاً"، على طريقة المخرج البريطاني ألفرد هتشكوك الذي كثيراً ما كان يظهر في ثنايا أفلامه التي يخرجها[14].

ثم يأتي عنوان الرواية من سطرين في الأول منهما كلمة واحدة هي (مصائر) وهي العنوان الأكبر والرئيس، والسطر الثاني يتضمن عبارة: (كونشيرتو الهولوكوست والنكبة).

ومصائر جمع مصير منكرة، إشارة إلى تعددها وانفتاحها على احتمالات عدة مجهولة وغير متوقعة، وليس مصيراً واحداً محدداً للفلسطينيين أصحاب الأرض، وآخر للمحتلين الغزاة، وفي رأس صفحة الغلاف الأخير جاءت (مصائر) مترجمة إلى الإنجليزية (destinies)، وتعني الأقدار أو النهايات والمآلات، وإذا ضممناها إلى الجزء الآخر من العنوان، فقد تفيد النهايات الناجمة عن تفاعل الهولوكوست والنكبة، وكأن الكاتب يدعو فيها إلى الرضا بالمصائر المتعددة التي آل إليها الكثير من  الفلسطينيين، ويتعايشوا مع الوقائع على الأرض، سواء منهم من بقي في فلسطين المحتلة عام 1948 وصار يحمل جنسية المحتل الإسرائيلي، أو أولئك الذين استقروا في المنافي وحملوا جنسيات دولها كما هو حال الكاتب نفسه، وكما أكد هو ذاته على هذه الفكرة في عدد من المقابلات الصحافية معه، مما سبق إيراد بعضه في هذه المقالة، سيما وأن قطاع غزة والضفة الغربية فضلاً عن الدول العربية ليست بشيء مقارنة بالعيش في الدول الأجنبية بل وحتى في دولة الاحتلال، إسرائيل نفسها، كما يتكرر في الروايتين، ولذلك ترفض الكاتبة جنين الحاملة للجنسية الإسرائيلية الانتقال للضفة للالتحاق بزوجها التلحمي بعد أن يتعذر سكنه معها، وكذلك يماطل الدهمان في ترك بريطانيا والسكن في الجليل حسب رغبة زوجته.

وهذا يعيدنا إلى ما سبق اقتباسه من إحدى المقابلات الصحافية مع المدهون حين يقول: "هذا بالفعل ما قصدته بالهويات الجديدة في إجابتي السابقة، فالفلسطينيون، لم يعودوا تلك الكتلة الواحدة المتجانسة المتماثلة، التي أدرجت تحت عبارة ''الفلسطينيون في كل مكان''، فهناك من مزقته المنافي وأفقدته هويته، وهناك من صاغ هوية من شعارات ومواقف إيديولوجية، يتمثل فيها واقعاً يرغب به، وهناك من غادر منفاه وحاول استعادة هويته القديمة (في الرواية عادل البشيتي نموذجاً)، وهناك وليد دهمان الذي تصالح مع منفاه البريطاني واعتبره وطناً ثانياً، لكنه لم يشكل هويته الجديدة بعد، وهناك من وجدوا في المنافي أوطاناً جديدة".

الفلسطينيون (لم يعودوا) تلك الكتلة المتجانسة المتماثلة، كما يراهم المدهون، أو بالأصح كما يريدهم، إنه لا يريدهم أن يخوضوا معركتهم ككتلة واحدة، بل يريدهم أشتاتاً ممزقة وشظايا متفرقة، وبالتالي يقرر كل واحد منهم مصيره بعد هزيمته المحققة كونه خاضها وحيداً منفرداً، والغريب أنه في الوقت الذي يُنظِّر فيه المدهون لأن يتعامل الفلسطينيون مع التحديات مفككين مفتتين، فإن الواقع المقابل أو العدو يمثل كتلة واحدة متماسكة صلدة ممثلة في دولة ونظام جيش!!

 لقد كانت فكرة الكتابة باستخدام القوالب والتقنيات الموسيقية تراود المدهون منذ عمله الروائي الأول وهو سيرته الذاتية (طعم الفراق) التي اختار لها قالب (الجاز)، فيما لم يجد "التوليف السيمفوني والخضوع لقالب السوناتا، والتزام حركاته الثلاث وإيقاعاتها مناسباً"، لتلك السيرة، ثم تابع حديثه عن قالب الكونشيرتو، الذي استخدمه فيما بعد في رواية مصائر وجعله جزءاً من عنوانها، قائلاً: "ربما كان الكونشيرتو الذي تتحاور فيه آلتان موسيقيتان، أو آلة وأوركسترا، أكثر تطابقاً مع طبيعة السرد في هذا العمل، لكن الجاز هو المناسب لغالبيتها"[15]يقصد سيرته الذاتية (طعم الفراق).

وقد شرح المدهون في مقدمة رواية (مصائر) ما يعنيه بجعل الرواية في قالب الكونشيرتو، لكنّ جَعْلَها جزءاً من العنوان الرابط بين مفهومي الهولوكوست والنكبة، يدفعنا لتجاوز القالب والجانب الشكلي الظاهري إلى دلالة التركيب الجامع بين هذه الثلاثة (الكونشيرتو، والهولوكوست، والنكبة) علماً بأن التناغم بين الشكل والمضمون هو الأصل، ما يتطلب إعطاءه حقه من النظر والبحث.

لقد حرص المدهون في غير موضع من الرواية على إبراز النكبة الفلسطينية التي تسبب بها من يوصفون بأنهم ضحايا الهولوكوست، وكيف أن الإسرائيليين "يشعلون باسم ضحاياهم محارق كثيرة{C}[16]{C}"  للفلسطينيين، ثم تساءل وليد الدهمان: "كيف يمكن إبقاء ذكرى من أبادتهم النازية الألمانية حية بقصف غزة مثلا؟ وما الفرق بين الحرق في أفران الغاز أو الحرق بصواريخ الأباتشي؟"[17]، وفي سياق تأكيده على المساواة بين الجريمتين حرص على النظر إلى قرية دير ياسين من متحف المحرقة وحسب تعبير بطله الدهمان: "بدي أشوف دير ياسين من هناك. بدي أشوف كيف الضحايا بيشوفو الضحايا"[18].

ولا أرى معنى لتقديم الهولوكوست على النكبة في العنوان؛ لأن النكبة لم يكن سببها الحقيقي هو الهولوكوست؛ حيث إن المشروع الصهيوني أسبق من ذلك بكثير، وقد كانت إرهاصات النكبة تتوالى قبل قرن تقريباً من وقوع الحدث المجلجل، الأمر الذي يفند حجة أولئك الذين يُظهرون التفهم لقيام الصهاينة باغتصاب فلسطين، ويصرون على ضرورة الاعتراف بالهولوكوست كمقدمة لاعتراف المحتل بحقوقنا الوطنية، ثم لا يلقى هؤلاء المساكين أذناً صاغية من المحتلين، الذين لا يعترفون بمسؤوليتهم عن نكبات الشعب الفلسطيني، كما اتضح لوليد دهمان نفسه.

وعَوْداً إلى الكونشيرتو في العنوان، وباستعارة توصيف المدهون نفسه له بأنه: "الذي تتحاور فيه آلتان موسيقيتان، أو آلة وأوركسترا"، ما يعني أن المطلوب هو أن يتحاور شعبا النكبة والهولوكوست وضحاياهما، ويشكلا معاً لحناً موسيقياً ومعزوفة مشتركة، حتى لو كان اللحن الأول جنائزياً، كالذي عرض له في بدايات الرواية خلال نثر الدهمان وزوجته جولي نصف رماد جثة أمها المحروقة في لندن، حيث  الملاحظ أن فكرة وقف الصراع، والتعايش، تسيطر على الروايتين.

لكن فارقاً رئيساً بين الروايتين يبرز في طريقتي إثباته عنواني كل منهما على الغلاف؛ حيث إن العنوان الثاني لرواية (السيدة من تل أبيب)، وهو: (ظلان لبيت واحد) قد جاء على غلاف كتاب صغير، وبالكاد يمكن ملاحظته وقراءته، أما العنوان الثاني لرواية (مصائر)، وهو: (كونشيرتو الهولوكوست والنكبة)، فقد جاء في السطر التالي للعنوان الرئيس وبخط بارز وحجم مقارب له، علماً بأن العنوانين الثانويين يجمعهما فكرة واحدة تقريباً، وهي العيش المشترك والحوار المشترك بين الطرفين، لكن الفكرة كانت ضعيفة في الماضي، بحسب المدهون، ثم صارت أقوى وجمهورها أكبر، والجهر بها صار عادياً.

وهناك تطور آخر في مضمون العنوانين الثانويين، حيث الأول معنيّ بأن يشتركا في الاستظلال بالبيت الواحد، لكن الثاني يدعوهما للتشارك في النشاط والحركة وإنجاز معزوفة موسيقية، والعيش بسعادة!. 

§       لوحة غلاف مصائر

اللوحات الثلاث لروايات المدهون جميعها من تصميم زهير أبو شايب، وصاحب الفكرة هو رامي المدهون ابن الكاتب ما يعزز فكرة القصدية في اختيار لوحات الأغلفة والعناوين، ولكن على عكس لوحة (السيدة من تل أبيب)، فقد كانت لوحة غلاف مصائر ناصعة واضحة المعالم إلى حد كبير، ما يشي بأن الطرح السياسي للكاتب قد تبلور وأصبح أكثر وضوحاً، أو أنه أضحى أكثر جرأة وصراحة مما كان عليه في شبابه، وصار يرى أن ما يدعو إليه له قبول أكثر مما كان قبلاً.

يظهر في الغلاف جدار لبيت قديم يتوسطه باب مغلق، وعلى الحجر الذي يعلو الباب اسم صاحب البيت، مانويل أردكيان الأرمني الأصل. وقد حاول الساكنون الجدد تغطية الاسم بنجمة سداسية لكنها لم تكن كافية في طمس الحقيقة، وسنعرف عندما نفتح الباب وندلف إلى الرواية أن هذا البيت هو في مدينة عكا القديمة، وأن البيت يعود لتلك العائلة الفلسطينية، الأرمنية الأصل، حيث وقعت ابنتهم (إيفانا) في حب الضابط الطبيب البريطاني جون ليتل هاوس أيام الانتداب على فلسطين، وغادرت معه عام 1948، على الرغم من أهلها الذين تبرأوا منها واعتبروا فعلتها خيانة، وكان أن أنجبت ابنتها جولي التي زوّجها المدهون من بطله وظله وليد الدهمان، وحين شعرت إيفانا بدنو أجلها استدعت ابنتها جولي وزوجها وليد الدهمان لتخبرهما بوصيتها في حرق جثمانها بعد الوفاة، ومن ثم نثر شطره في نهر التايمز بلندن، ووضع الشطر الثاني في قارورة ووضعها في بيتهم الكائن في عكا وإن تعذر فعند عائلة فلسطينية في القدس.

إن اختيار المدهون لهذه البطلة أرمنية الأصل، الفلسطينية فيما بعد، إنما جاء ليقول إن فكرة الوطن غير واقعية وبالتالي لا داعي لها لأنها تكون سبباً في النزاع، فهذه المرأة ليست لها جذور عميقة في فلسطين؛ إذ قدم أهلها ربما منذ عقود قليلة فقط من أرمينيا إلى فلسطين، والغريب أن يتحسس أهلها (الغرباء!!)، من (غرباء) مثلهم وهم الغزاة البريطانيون، ويعتبروهم أعداء ويرفضوا زواج ابنتهم من أحد ضباطهم، ولا يغفروا لها تلك الفعلة حتى بعد أن أصبحوا لاجئين في لبنان بالرغم من كل توسلاتها.

ويؤكد هذا المعنى أن إيفانا أوصت، كما شاء لها المدهون، بأن تجري مراسم تأبينها على وقع أغنية:  (Imagine) لِـ(John Lennon)[19]، وعندما تحرك التابوت فوق شريط معدني آلي، ارتفع صوت جون لينون عالياً:

"تخيل أن لا وجود لبلدان (أوطان ) ... ليس صعباً أن تفعل... لا شيء تَقتل من أجله أو تُقتل.. ولا وجود أيضاً لأديان ... تخيل الناس جميعاً يعيشون حياتهم بسلام{C}[20]{C}".

وقد بلغ من شدة عشق إيفانا لجون البريطاني بحسب وصفها له أنه "كان شاباً وسيماً يصعب على فتاة في مثل سنها وقتذاك مقاومته"... وقالت إن نظرة من عيني جون كانت تعوضها عن زرقة سماء عكا كلها... وأنها منذ عشقته فإن جون لم يعد في نظرها بريطانياً مستعمِراً كريهاً"{C}[21]{C}!!.

والكاتب هنا يذهب بعيداً في دعوته لتجاوز الوطنية واتخاذ (الحب) بديلاً لِـ(الحرب)، حتى بين المحتلين والواقعين تحت احتلالهم، وإلا فما معنى أن نظرة في عيني (جون) تغني عن زرقة سماء عكا؟! ومقتضى ذلك أن الأولوية هي لعواطف الأفراد ونزواتهم الذاتية حتى لو تناقضت مع متطلبات الانتماء للوطن والجماعة الوطنية!!

والطريف أن المدهون وهو يبالغ في وصف مشاعر (الحب) ليرفض كل أشكال (الحرب والعنف والمقاومة)، قد نسي نفسه فجعل بطلته إيفانا تبدو مستعدة حتى (لحرب كبرى!!) من أجل عشقها فهي مستعدة: "لأن تفعل أي شيء لكي ترتبط بجون إلى الأبد حتى لو اندلعت حرب كبرى بين بريطانيا العظمى وساحة عبود، وتورط فيها أرمن عكا كلهم"{C}[22]{C}. وهي عبارة ملطفة تفيد استعدادها بحسب الكاتب، لأن يباد كل قومها وبلدها من أجل الاحتفاظ بالضابط المحتل جون!! وماذا كان يملك أهالي ساحة عبود أمام جحافل الإمبراطورية البريطانية وترسانتها العسكرية، وهل السلام المطلوب هو السلام للمستعمر وحده بحسب المدهون؟ وأما أشقاء الوطن فلا مانع من إبادتهم في سبيل هذا الحب؟!

إن الكاتب وفي سياق نبذه المطلق لكل أشكال "العنف" ودعوته للتسامح والتعايش والسلام، قد ظن بأن المشاعر الوطنية والانتماءات الدينية هي من أبرز أسباب الصراعات والحروب بين الناس، ولذلك جاء بأغنية جون لينون المغرقة في الخيال والطوباوية والمثالية: (تخيل)، ليحكم بها على الصراع الفلسطيني الصهيوني، بل وكل الصراعات في الأرض، علماً بأن المشكلة في الغالب هي في سوء استخدام وتوظيف تلك المشاعر والانتماءات، حيث إن الإنسان لا بد وأن يكون جزءاً من عائلة وقبيلة وشعب ووطن، ولا يمكن أن يعيش بدون دين أو مذهب وفكرة أيديولوجية، وحتى الماركسية التي أرادت إلغاء الانتماءات الدينية والوطنية أضحت في النهاية ديناً من الأديان، وأصبحت دولها أوطاناً لأصحابها وأتباعها، وكانت سبباً في الكثير من الحروب البينية والنزاعات الداخلية والصراعات الأهلية، ولم تجلب السلام الخارجي ولا الداخلي.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الدين في حالتنا العربية لم يكن سبب الصراع سواء في ذلك رسالة المسيح عليه السلام، أو رسالة الإسلام والفتح العمري لهذه البلاد، وحتى التحرير الصلاحي، وكذلك النضال الوطني المعاصر حيث لم يقل المناضلون الفلسطينيون إنهم يحاربون اليهود بسبب دينهم وإنما بسبب احتلالهم وعدوانهم، ولا ذنب للفلسطينيين والعرب أن استخدم الغزاة الدين وشعاراته لتبرير عدوانهم، ومن قبل فعل الصليبيون مثل صنيع الصهاينة حين استغلوا المشاعر الدينية أسوأ استغلال، مع أن مصادرنا التاريخية تتحدث عنهم بوصفهم فرنجة نسبة إلى المنطقة التي أتوا منها، ومن الظلم والإجحاف التسوية بين الاستغلال والاستخدام السيء والعدواني للمشاعر الوطنية والدينية من جهة، وتوظيفها في دحر العدوان والتحرر وإقامة العدل من جهة أخرى.

{C}§      {C}أنسنة الآخر ... وشيطنة الذات

يلفت انتباه من يقرأ روايات المدهون مشاعره السلبية المبالغ فيها، ليس فقط تجاه الأنظمة العربية الدكتاتورية، ولكن أيضا ضد كل الجماعات والتنظيمات الفلسطينية المناضلة، ويندر العثور على جانب مضيء لأحد من هؤلاء في كتاباته، لكنه في المقابل استطاع مثلاً، أن يرى إنسانية أحد الجنود الإسرائيليين في خضم مجزرة خانيونس{C}[23]{C}، وكذلك في حديثه عن دانا أهوفا في السيدة من تل أبيب، ولم يستثن في مشاعره السلبية ورفضه لكل "أشكال العنف" حتى الانتفاضات الشعبية كالانتفاضة الأولى 1987، مع أن كثيراً من المفكرين والأدباء والسياسيين والحقوقيين، لا يقبلون أن ينزلقوا في هذا الخلط، ويفرقون بوضوح بين النضالات المشروعة والحروب العدوانية والإرهابية.

 لكن من يقرأ سيرة المدهون الذاتية (طعم الفراق) مثلاً سيجد كمّ المعاناة التي لقيها في الدول العربية وبين التنظيمات الفدائية، وبالمقابل فقد غادر هذا السواد إلى واحة الحرية والديمقراطية البريطانية التي أعطته جنسيتها وجواز سفرها، وأحس بإنسانيته فيها!.

وقد عبّر هو عن ذلك في المهرجان العالمي للأدب الذي أقيم في العاصمة الألمانية برلين (من 7- 17/9/2017)، وقرأ فيه الكاتب مقاطع من روايته (مصائر)، حيث قال ربعي المدهون في معرض حديثه عن تشرّده: “أنا الذي بسبب النكبة مشرد في البلاد التالية: ثلاث سنوات في مسقط رأسي مجدل عسقلان، ست عشرة سنة في مخيم خان يونس، سنتان في القاهرة، أربع سنوات في الإسكندرية، أربعة شهور في الأردن، سنتان في دمشق، سنتان في بغداد، سنة في موسكو، خمس سنوات في بيروت، اثنتا عشرة سنة في قبرص، أربعٌ وعشرون سنة في لندن، أنا ابن الطرد والسجن في القاهرة، والاعتقال في سوريا، والتعذيب في عهد الأسد الأب." ويتابع: “أنا لم أملك جواز سفر في حياتي، كل هذا بسبب حرب 1948 والنكبة. أول جواز سفر امتلكته هو الجواز البريطاني، كيف يمكن أن أخرج من كل هذا وأكون شخصًا آخر. هذا هو ربعي، أنا الروائي والمشرد والباحث والسياسي والمكافح من أجل قضيتي، أنا نتاج كل هذه المسيرة”[24].

هذا التلخيص المركز من قبل المدهون لحياته يفسر بجلاء الكثير من مواقفه الفكرية والسياسية التي نثرها في رواياته الثلاث: (السيدة من تل أبيب)، و(مصائر)، وقبلهما سيرته الذاتية (طعم الفراق) التي جعلها في قالب روائي، أي أن جل تلك المواقف ناتج عن جراحات نفسية عميقة كابدها الكاتب ومثله الكثير من الفلسطينيين إن لم نقل أكثرهم، وبالتالي نتفهم المواقف المستهجنة التي تبناها أو دعا إليها، خاصة وأنه قد جاوز العقد السابع من عمره وأنهكته كل تلك السنون العجاف، دون أن نوافقه بالضرورة على مواقفه وطروحاته، وإن كنا تنفق معه في أن واقعنا السياسي والفكري والاجتماعي والاقتصادي مأزوم ومتخلف، لكن كل ذلك لا يعني أن نصاب بالإحباط واليأس.

لقد هوجم المدهون من قبل كثيرين واتهم بالتطبيع، وكذلك اتهمت الجائزة أو بالأصح من يقومون بأمرها، كما امتدح روايتي المدهون القطاع الأكبر ممن كتبوا عنهما خاصة بعد دخولهما القائمة القصيرة، ومن ثم فوز مصائر بالمرتبة الأولى، والذي لاحظته أن قسماً من المهاجمين التقطوا بعض العبارات من هنا وهناك وبنوا عليها مواقفهم دون أن يجهدوا أنفسهم في القراءة المعمقة، وكذلك فإن أكثر المادحين قد فعلوا ذلك انسياقاً مع إعلان اللجنة المنظمة دون إنعام النظر فيما يقرأون أو يكتبون، وفيهم الكثير من كَتَبة التقارير الصحافية من غير المتخصصين في النقد الأدبي، وكانت مهمتهم كتابة تقارير سريعة تريد اللحاق بحدث الجائزة والزفة، وهناك آخرون شعارهم شعار الرئيس الجزائري الراحل هواري بو مدين: "نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة"، وما دام الكاتب فلسطينياً فإن عدالة قضيته تغني عن النظر في إنتاجه.

إن كاتب هذه المقالة يرجح أن المضمون السياسي، والفكري الأيديولوجي، والمنظور الاجتماعي، كان لها دور كبير في وصول الروايتين إلى حيث وصلتا، وبالأخص نبذ الروايتين لكل أشكال العنف، والدعوة للتسامح والتعايش، وبعض الطروحات الاجتماعية فيهما؛ ومن ذلك تبني عدد من قضايا النسوية، وكذا التعاطف مع المثليين في (مصائر) و(السيدة من تل أبيب)، على عكس موقفه منهم كما لاحظته في الطبعة الأولى من (طعم الفراق)[25]، ويمكن تقرير أن الجانب السياسي والإيديولوجي قد طغى على الجوانب الفنية والأدبية، إلى الحد الذي يمكن وصف ما كتبه المدهون بالمبادرة أو المشروع.

ولكن ذلك كله لا ينفي محاولة الكاتب تقديم بعض الجديد في الشكل، وإبداع قوالب جديدة في البناء، وتوظيفه لثقافته الموسيقية والفنية العريضة في كل من الشكل والمضمون والمشاهد، مع التأكيد أن اللغة كانت في الغالب مباشرة أقرب إلى لغة المقالة الصحافية، ولم تخل من عدد ملحوظ من السقطات النحوية والإملائية، خلافاً للمستوى الأدبي الأرفع في (طعم الفراق).

وأرى أن متابعة بعض الخيوط والخطوط والمواضيع، والتأمل في بعض المشاهد والعبارات التي قد تبدو ساذجة وسطحية وعديمة الأهمية، في روايات المدهون، ستمدنا بالكثير، ولعله يتاح لكاتب هذه السطور عودة أخرى تستدرك ما فات، وتفصل بعض ما أُجمل، وتلج مداخل جديدة.

 

 

 

 

 

 

الهوامش:


[*] كاتب وباحث، مقيم في رام الله.

** الواو ليست في الأصل، ولا يستقيم الكلام بدونها.


[1]  المدهون، ربعي، طعم الفراق، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 2001م، ص101.

[2] لاحظ كاتب هذه المقالة أن اسم (جنين) قد ورد بفتح الجيم هكذا: (Janin)، في واحدة على الأقل من المراجَعات باللغة الإنجليزية لرواية (مصائر).

[3]  أفدتُ كثيراً في تحليل الغلاف من الأستاذ الشاعر عقل ربيع، خلال نقاش معه في الموضوع قبل مدة.

[4] جبر، سعاد، هندسة الذات 10: سيكولوجية الألوان والتواقيع الشخصية، موقع الحوار المتمدن،  http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=75333

[5]http://www.hekme.net/library/pdf/The%20psychological%20impact%20of%20colors.pdf

[6]  المدهون، ربعي، السيدة من تل أبيب، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط3، ص 106.

[7]  المدهون، ربعي، السيدة من تل أبيب، السابق، ص 294.

[8]  المدهون، السيدة من تل أبيب، ص 96.

[9]صحيفة الخليج الإماراتية    http://www.alkhaleej.ae/alkhaleej/page/d34ca358-4065-491e-a548-4855ee0c47f7

[10] صحيفة الفجر اليومية الجزائرية     http://www.al-fadjr.com/ar/index.php?news=137136%3Fprint.

[11] من قصيدته: (قال المسافر للمسافر: لن أعود كما)، في ديوانه: لماذا تركت الحصان وحيداً؟.

[12]  https://ar-ar.facebook.com/adel.osta.9

[13] المدهون، ربعي، مصائر: كونشيرتو الهولوكوست والنكبة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط2، 2015، ص 180.

[14]  المدهون، ربعي، مقابلة مع الجزيرة نت      http://www.aljazeera.net/news/cultureandart/2016/3/1-

[15] المدهون، طعم الفراق، سابق، ص18.

[16] المدهون، مصائر، سابق، ص 240.

[17]  المدهون، السابق، ص 239.

[18]  المدهون، السابق، ص 182.

[19] جون لينون (John Lennon)، (1940- 1980)، مغنٍ وشاعر وعازف غيتار. بدأ مسيرته عضواً في فرقة البيتلز في ليفربول بإنجلترا وبعد توقف الفرقة عام 1970، انتقل وزوجته يوكو أونو إلى أمريكا. كان جون لينون يساريا وكتب أغاني تمثل هذه الروح الثورية مثل أغنية Power to the People وأغنية imagine.. لكن لينون كان مدمنا على المخدرات، وتوجب عليه دخول المصحات للعلاج من إدمانه، وقد اغتيل في العام 1980، على يد شخص قيل إنه مختل عقلياً. انظر: https://ar.wikipedia.org

تخيل (Imagine): هي أغنية تصف عالمًا مثاليًا تتحقق فيه المساواة والسلام بين بني البشر، ومن كلماتها (كما في موسوعة الويكيبديا بالإنجليزية:

. Imagine there's no Heaven

It's easy if you try

No hell below us

Above us only sky

Imagine all the people

Living for today

Imagine there's no countries

It isn't hard to do

Nothing to kill or die for

And no religion too

الملفات المرفقة

مصائر المدهون نهائي 20 (2).docx
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website