رؤيا العالم الشعري في ديوان (أنا لا أريد قصائد منفى) للشاعر خالد الشوملي، مصطفى الشاوي، العدد 269

 رُؤيا الْعالَمِ الشِّعْرِي

  في ديوان (أنَا لا أريدُ قَصائِدَ مَنْفَى)

للشاعر خالد شوملي

مصطفى الشاوي[*]                                                      

 

 

أنا لا أريدُ قَصائِدَ مَنْفى وَلَكِنّني/ أشْتَهي بَيْتَ شِعْرٍ لِأسْكُنَ فِيهِ[1].

               خالد شوملي

 

على سبيل البدء:

ننطلق في البدء من فرضية كون أن أهم الأعمال الفنية التي يصدر فيها أصحابها عن رؤيا العالم تستبطن تصوراً فكرياً عميقا، وهي خاصية جمالية لا تكتسبها كل الأعمال الأدبية وإنما الراقية منها تحديدا. وأعمال الشاعر الفلسطيني خالد شوملي تمتلك هذه الخاصية لعدة اعتبارات تقترحها من داخلها. سنحاول في هذه المقاربة الكشف عن تجلياتها من خلال ديوانه الموسوم بـ(أنا لا أريد قصائد منفى)، رغبة في استجلاء دوائرها التي يمكن أن تستوعب ثلاثة عناصر مركزية تشكل محورية رؤيا العالم الشعري والكوني عند الشاعر: دائرة الذات، ودائرة الكون، ودائرة الشعر.

يصدر العنوان عن حكم أولي يسعى الشاعر إلى تعديله، بل ورفضه من أساسه، باعتباره حكما قبْليا قد يصنف الشاعر وشعره ضمن شعر المنفى، فيأتي العنوان ليجيب جوابا فاصلاً وحاسماً عن سؤال مضمر، ويستند هذا الحكم القبلي الذي ينفيه الشاعر إلى اعتبارات خاطئة تحكم على الشعر من خارجه، من ضمن هذه المؤثرات الخارجية كون خالد شوملي شاعراً فلسطينياً، ويعيش في ديار الغربة بعيداً عن بلده ووطنه، مما يعضد احتمال وفرضية تصنيف شعره ودواوينه جميعها، وخاصة ديوانه المقروء ضمن هذا النوع من الشعر. ولا شك في أن النفي في تركيبة العنوان يفيد إثبات شيء آخر مضمر وبذلك يؤسس لأفق شعري مغاير في تجربة الشاعر خالد شوملي، ومخالف لما ألفه القارئ وتعود عليه. فأي نوع من الشعر إذن يراهن عليه الشاعر إذا كان لا يريد بالفعل قصائد منفى؟

ولعل المتأمل في لوحة الغلاف يدرك بالفعل أن اللوحة تتقاطع مع العنوان على عدة مستويات، باعتبارها تنفتح على عناصر كونية كبرى تعكس جمال منظر الكون ليلاً، وتستحضر عناصر تشكيلية تتعالى عما هو مألوف، وتترفع عما هو واقعي، وتعانق الفضاء بأقماره ونجومه، لتضفي خيالا من نوع خاص على اللوحة التي يتوسطها كوكب، ينبعث منه نور وهاج يخترق ما يعيقه ويحيط به من سحب وغيوم وظلمة، مما ينم عن التفاعل الحاصل بين النور والظلام، والضياء والظل، يعكسه شكل اللوحة وهندستها وفق منظور تشكيلي يجعل العناصر المختلفة تنسجم وتتناغم في نسق متكامل لتؤدي وظيفة الخلق والإبداع والجمال.

ولا يَحْسِبنَّ القارئ أن نصوص الديوان كلها قصائد منفى كما لا يحسبن خلاف ذلك، خاصة عندما ينفي نفيا كلياً هذا المدلول الشعري الذي يحضر بشكل أو بآخر في جل قصائد الديوان. وإذا كان عنوان الديوان هو عنوان إحدى القصائد المركزية المشكلة لمتنه؛ فإن القارئ سيلاحظ أن نصوصه ذات مشارب مختلفة ومتعددة تأبى أن تنخرط في اتجاه محدد سلفا، ويكفي أن نقف عند عناوينها ليتبين أنها لا تتمحور فحسب حول دائرة مهيمنة من الدوائر المقترحة؛ (تَحْليقٌ/ أنَا لا أريدُ قصائِدَ مَنْفَى/ يَضيقُ قَلْبي/ يا شاعِرَ الْحُبِّ/ اَلْفَراشاتُ لا تَبْكي/ ما قَلَّ وَدَلَّ/ بِدايَةُ الْكَوْنِ/ بَيْنَ الْحِجَارَةِ قَلْبي/ جِسْرٌ/ يا زائِرَ الْقَلْبِ/ يا لَيْتَ أنْساهُ/ يا كُلَّ هذا الْحُبِّ/ تَلْميحٌ/ دائِرَةُ الْحُبِّ/ مُمْتَنِعٌ سَهْلُهُ/ دائي دَوائي/ قِراءَةٌ/ عَزْفٌ مُنْفَرِدٌ/ ما حالَ مَوْتٌ/ مَنْ رآها/ اَلْوَرْدُ بِالْوَرْدِ/ دَخَلْتُ قَلْبي/ بَراءَةٌ/ يَحْتاجُ الْعالَمُ إنْسانا مِنْ نَوْعٍ آخَرَ/ أنْشودَةُ اللَّيْلِ/ حَيْرَةُ الْكَلماتِ/ ضَياعٌ/ اَلْبَيْتُ يَبْكي/ وَلا يَجْرَحُ الْمَوتى/ عَدالَةٌ/ انْتِخابٌ/ تونُس/ شاطِئُ الْمَجْدِ/ حُلْمٌ/ إلى صديقٌ/ إلى روحِ شاعِرٍ/ أخي لا تَقُلْ/ أُمّاهُ/ إلَى ابْنَتي).

وإذ نحاول ملامسة بعض مظاهر رؤيا العالم الشعري من خلال ثلاث دوائر، لا ننكر منذ البدء التداخل الحاصل بينها، لأن الحديث عن كل منها منفرداً عن الآخر أمر صعب، لذا نعلن منذ البدء بأن الفصل بينها على النحو الذي نهجنه يروم الوصف الإجرائي العام لهذه الدوائر فحسب، وتكمن صعوبة "أجرأة" الفصل بينها، على اختلافها وتجانسها، في جوهر وحقيقة وطبيعة المتخيل الشعري عند الشاعر خالد شوملي، وفي النظام الدلالي الذي يصدر عنه في نصوصه الشعرية، فلا مناص إذن من أن نقارب هذه الدوائر ونحن نقر بتداخلها وتفاعل بعضها مع الآخر سواء مما ذكر أو لم يذكر من الدوائر المضمرة. 

-       دائرة الذات/ التفرد:

ومنذ البدء يعلن الشاعر عن موطن رؤياه الشعرية التي تحلم بعالم راق يتجاوز المرئي والمألوف والمحسوس، عالم يصبح فيه الإنسان منيرا أكثر من القمر، ومضيئا أكثر من الشمس، انسجاماً مع قوله تعالى هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُوراً[2]، وفي دعوة صريحة وضمنية إلى التجدد والتمرد والتعدد لبلوغ عالم المجد، وفي سبيل تحقيق ذلك يرقى الشاعر بالقصيدة إلى مقام طهراني حيث تتحقق كل الأحلام التي ينشدها، إنها دعوة للعودة إلى الجوهر والأصل في الكون والحياة. وينادي الشاعر كل من يبحث عنه قائلا:

يَا بَاحِثاً عَنّي هُناكَ/ أنا هُنا/ فَتِّشْ/ بِقَلْبِكَ كَيْ تَرانِي بِانْتِظارِكَ[3].

إن الرقي الذي ينشده الشاعر لا يخرج عن عالم الذات وليس بمنأى عنه ذلك أن الذات الشاعرة تشكل عالما يستوعب كل ما هو خارجي ليخضعه إلى عملية انصهار كلي، فالشاعر لا يتصور استحضارات لا تتناغم مع قانون عالمه الشعري المتفرد والمتعدد والمتجدد. لذا فعندما ينادي أو يناجي أطرافاً خارجية يتخيل وكأنها تسكنه أو يسكنها لذا يدعوها إلى عالمه الداخلي ليحقق الوصال ويحصل التناغم والانسجام التامين وليبعث فيها الحياة عبر بلسم الشعر في زمن موسوم بالموت.

وفق هذا التصور يسعى الشاعر إلى كتابة نوع خاص من الشعر لا يقلد فيه أحدا ولا يَجْتَرُّ فيه ما كتبه سابقوه، ويراهن على قصيد حالم وكلام ساحر، وعلى شعر يستلزم التأمل لعُمقه ورقيِّه ورِقَّته، شعر يعدل سوء المزاج، ويعيد للحياة صفاءها ويطرح الأسئلة من جديد، لتتوافق مع تصورات الشاعر وأحلامه، لذا يسعى إلى اقتناص كل ما هو جميل في الكون وكل ما هو ساحر في الوجود من خلال الملاحظة الفاحصة لظواهر الحياة المادية والمعنوية، عازماً على عدم اجترار الكلام الذي قاله من سبقه من الشعراء من الجاهلية حتى الآن لأنه لا يرقى إلى المقام:

فَلْتَعْذُرينِي/ إذا مَا الْتَزَمْتُ السُّكوتَ/ فَمَا قالَهُ الْآخَرونَ مِنَ الْجاهِلِيَّةِ حَتّى الْحداثَةِ/ لا يَرْتقى بمقامِكِ/ فَالسِّحْرُ في الْحَرْفِ عِنْدَ اجْتِرارِ الْكلامِ يَموت[4].

إن أفق العالم الشعري عند الشاعر ممتد وواعد ومنير؛ ممتد لأنه يتجاوز حدود الزمان والمكان ويتعالى عن كل القيود ولا يخضع لمنظور أحادي، وواعد لأن سماءه صافية لا تعكرها غيوم، ومنير لأن ليله مشع وأقماره مضيئة. من هذا المنظور يسكن الحب عالم الشاعر ليصبح بمثابة الهواء الذي يتنفسه الإنسان والذي بدونه تنعدم الحياة. وهو مفهوم تجسده كل عناصر الكون وجميع مخلوقاته. ووحده الظلام بكل معانيه الرمزية يعكر صفو مزاج الشاعر والعالم من حوله. ويعكر صفو وصال الشاعر بالآخر بمختلف تجلياته الحسية والمعنوية والرمزية، سواء كان إنساناً من جسد وروح أو قيمة إنسانية راقية أو فكرة يسعى إلى استنباتها في قصيده، وبالمقابل تجسد حالة الاتصال نوعا من التناغم في الكون ويقوم الشعر بهذا الدور الوظيفي الذي يعبر عن اتساع الرؤيا أو الرغبة في فك أسرها:

يَحْتاجُ الْعالَمُ إنْسانًا مِنْ نَوْعٍ آخَرَ/ أوْسَعَ لبّاً/ أكْبَرَ قَلْباً/ أَكْثَرَ حُبّا/ يَحْتاجُ الْعالَمُ إنْسانًا مِنْ نَوْعٍ آخَرَ/ أكْثَرَ عُمْقاً/ أكْثَرَ صِدْقاً/ أكْثَرَ رِفْقاً[5].

هذا الانسجام في الرؤيا يقابله العمق في التصور الفكري، وهما أمران لا ينفيان انشطار الذات الشاعرة وتأثرها بما تعايشه وتعاينه في الواقع، وتفاعلها تفاعلاً إيجابياً مع ما يحدث مما يولد مخاضاً داخليا، إلا أنه مخاض تنتصر فيه الذات في الغالب الأعم من النصوص الشعرية انتصاراً وجدانياً وروحيا، تعكسه معنويات مرتفعة تعبِّر عنها الذات في سياقات متعددة، حيث تظل راقية متشبثة بالتفاؤل والحلم والأمل، وبكل ما هو مُفيد وفاعل وجاد، وتتشبث وتتعلق بكل ما هو إيجابي، بل إن الذات الشاعرة ترحل بحثا عنه في مختلف مظاهر الكون، إنها رحلة شاقة تعكس توقا إلى اعتناق المليح ونسيان القبيح.

يَا ليت أنسى مُرَّهُ/ حَتّى اسْمَهُ/ يَا لَيْتَ أنْسَى سُمَّهُ!/ هَيْهاتِ أنْسَى عِطْرَهُ/ أوْ شِعْرَهُ!/ يَا لَيْتَ أنْساهُ وَأنْسَى مَنْ أنَا![6]

تتسع دائرة الحب لتحتضن كل ما هو جميل في الكون، وتنبذ القبح بشتى أشكاله وألوانه، ولكن هذه الدائرة لا تكتمل إلا بالآخر الذي يحضر في بعده الرمزي كمعادل للذات وك

الملفات المرفقة

مصطفى الشاوي ).doc
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website