معرفة مباشرة: حول صورة اليهود في القصة القصيرة الفلسطينية، عادل الاسطة، العدد 269

معرفة مباشرة:

حول صورة اليهود في القصة القصيرة الفلسطينية

بقلم: عادل الأسطة[*]

 

تحتاج الكتابة عن صورة اليهود في الأدب الفلسطيني إلى إمعان النظر في جوانب عديدة منها: المكان الذي يقيم فيه الكاتب. والفترة الزمنية التي عاش فيها، وما كانت عليه الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والفكر الذي ينطلق منه الكاتب، وهذا بعد مهم يترك تأثيره الواضح في تصور الذات لذاتها، وفي تصورها لآخرها، بل وفي تصورها لتصور آخرها لها، ولتصور تصور آخرها لذاته. وعليه، ثمة أربع صور يبحث المرء عنها وهو يقرأ أعمالاً أدبية باحثاً عن مرايا الآخر فيها، وهذه قد تبرز أكثر ما تبرز في الرواية والمسرحية، وتبدو أقل بروزاً في القصة القصيرة.

فهل تسعفني القصص القصيرة للأدباء الفلسطينيين في فهم صورة اليهودي في القصّ الفلسطيني؟ في العام 1982، قرأت القصص القصيرة التي كتبت في الضفة الغربية وقطاع غزة كلّها، وتوقفت أمام شخصية اليهودي فيها، والعلاقة مع الفلسطيني في مراحل مختلفة:

المرحلة الأولى: من العام 1967 حتى نهاية العام 1981، أبرز كتّاب القصة القصيرة في مناطق الاحتلال الثاني، أي المناطق التي احتلت في حزيران 1967، صورة اليهودي المحتل الذي يخدم في الجيش الإسرائيلي، وغالباً ما كان هذا ضابط تحقيق في المخابرات أو جندياً سجاناً، وغالباً ما كان قاسياً لا يرحم وبلا أخلاق؛ فهو يشتم ويضرب، ويهدد ويتلذذ بتعذيب السجين الفلسطيني. برز هذا في قصص محمود قدري "أسرار الضفة الأخرى" وفي قصص محمود شقير "الولد الفلسطيني"، وفي بعض قصص أخرى لكتّاب آخرين. وقد حاول بعض الكتاب الفلسطينيين المعتقلين أن يُعدّلوا قليلاً في الصورة كما هو الحال لدى سامي الكيلاني في "التلفون لا ينفع"، إذ كتب عن سجّان يشعر بالضجر والملل من مهنته فيحاول إقامة علاقة مع سجين فلسطيني حتى يطرد ملله وضجره.

اختلف خليل السواحري عن معظم الكتاب في بعض قصص مجموعته "مقهى الباشورة"، وهي أول مجموعة قصصية صدرت بعد الاحتلال. كتب السواحري عن ريفي فلسطيني زار القدس الغربية، بعد الاحتلال مباشرة، أي بعد عام 1967، فرأى اليهوديات يسبحن بالمايوهات، فأراد أن يثبت جدارته وبراعته في السباحة، فنزل إلى البركة بملابسه غير الملائمة، وسرعان ما لاحظه المسؤولون، فأخرجوه وطردوه. في هذه القصة، يبدو كما لو أن السواحري يكتب عن عالمين مختلفين؛ عالم الغرب وعالم الشرق. وما كتبه السواحري في هذا الجانب يكاد يكون استثناء. وما لفت النظر في قصص تلك المرحلة قصتان قصيرتان كتبهما غريب عسقلاني، وهو الاسم المستعار لإبراهيم الزنط، وعنوانهما "الجوع" و"زائر الفجر". فقد انطلق عسقلاني من منظور مختلف وهو يكتب عن تجربة العمال الفلسطينيين في المناطق المحتلة عام 1948. فلم يكتب عن جنود محتلّين كما في قصص كثيرين، وإنما كتب عن عمال فلسطينيين وعمال عرب يهود مهاجرين، ورأى أن هؤلاء وهؤلاء ضحايا معاً لصاحب العمل الذي لا يهتم إلا بمصالحه. إن عزرا اليهودي العامل المهاجر من اليمن يعاني كما يعاني سعيد الفلسطيني القادم من غزة.

وفي قصة "زائر الفجر"، يرى الفلسطيني بشير، حين يزور المكان الذي هجّر منه في العام 1948، يرى المشروع الاستعماري الاستيطاني وما يقوم به بأرض فلسطين. ولا تخلو القصة من كتابة عن صداقة عامل عربي وعامل يهودي؛ لكن السؤال الذي يثار هو: "وماذا يعمل شلومو خلف دبابته؟" ومع بداية الاستيطان، وقد جاء لاحقاً للاحتلال الإسرائيلي وللعمل في المناطق التي احتلت في العام 1948. كما لوحظ أن الكتاب أخذوا يكتبون عن شخصية المستوطن بملامح شبه ضبابية، وهو ما بدا في قصة محمد أيوب "شجرة الزيتون".

في قصص هذه الفترة لم نقرأ عن يهودية أحبت فلسطينياً وأقامت علاقة معه، أو عن يهودي تقليدي متدين غير عسكري وغير مستوطن. كما قرأنا في القصص القصيرة قبل العام 1948، كما في قصة نجاتي صدقي "شمعون بوزاجلو" حيث اليهودي التقليدي، أو عن فلسطيني ويهودية أحبا بعضهما وتزوجا وفشل زواجهما بسبب طبيعة الحياة والعادات والتقاليد، كما في قصة "الغلطة" لعبد الله عيشان المقيم في فلسطين المحتلة عام 1948. إن معرفة نجاتي صدقي، الذي كان ينتمي للحزب الشيوعي، باليهود قبل العام 1948، واختلاط عيشان باليهود هو السبب الذي جعلهما يكتبان عن نماذج بشرية يهودية ليست في الجيش أو المخابرات. كما أن عمل العمال الفلسطينيين في المناطق المحتلة عام 1948 سهّل إمكانية الكتابة عن العمال اليهود واليهودي صاحب العمل.[1]

المرحلة الثانية بعد العام 1982

في الكتابة عن صورة اليهود في القصة القصيرة في مناطق الاحتلال الثاني، يمكن التمييز ما بين فترة وأخرى. فقد شهدت السنوات حتى 28/9/2000 ثلاث فترات: الأولى من 1982 حتى 9/12/1987- أي ما قبل اندلاع الانتفاضة الأولى، والثانية مرحلة الانتفاضة التي استمرت حتى العام 1992 تقريباً[2]، والثالثة فترة توقيع اتفاقية أوسلو، واستمرت حتى بداية انتفاضة الأقصى. في الفترة الأولى، لم يحدث تغيير كبير على صورة اليهود في القصة. تكررت تقريباً صورة الجندي الإسرائيلي الذي يقمع المتظاهرين ولم تبرز صورة إيجابية إلا قليلاً، كأن يشار مثلاً إلى بعض المحامين اليهود اليساريين الذين أخذوا يدافعون عن السجناء الفلسطينيين وأبرزهم المحامية (فيليتسيا لانغر) وزميلتها (ليئة تسيمل). وهنا يشار إلى بعض قصص جمال بنورة الذي كتب من منظور يساري، حيث حاول أن يميز بين يهودي وآخر، بل وحاول أن يبرز تصوراً إيجابياً للفلسطيني في ذهن بعض الجنود الإسرائيليين. كما يشار إلى قصة أكرم هنية "شمال شرق دير اللطرون"، 1986من مجموعته "عندما أضيء ليل القدس".

وخلافاً لمجموعاته الثلاث السابقة التي لم تبرز فيها شخصية يهودية تعلق بالذاكرة، نجده في "شمال شرق دير اللطرون" يكتب عن حوار فلسطيني/ إسرائيلي حيث يلتقى الفلسطيني والجندي الإسرائيلي لقاءً عابراً بالصدفة، فيتحاوران حول "فلسطين". الجندي الإسرائيلي الذي كان يحمل مسدسه على جنبه، كان يتحدث وكأن فلسطين بلاده. يقول الجندي: "بلادنا جميلة"، كما لو أنه يمتلكها. في القصة، لم نعرف عن الإسرائيلي الكثير، لا اسمه، ولا أين يقيم، ولا من أين أتى إلى فلسطين. لقد كان اللقاء عابراً والحوار عابراً محكوماً بطبيعة الجو الممطر، وسرعان ما غادر كل واحد منهما إلى المكان المتجه إليه. وصورة الجندي الإسرائيلي تبرز أيضاً في قصص سابقة لأكرم هنية، إذ يأتي على ذكر الجنود حين يمر بحاجز أو حين يقتحم الإسرائيليون ليلاً بيت فلسطيني بهدف اعتقاله والتحقيق معه.

المرحلة الثانية هي مرحلة الانتفاضة التي اشتبك فيها الفلسطينيون مع الجيش الإسرائيلي وهي بالتأكيد تختلف عن السنوات العشرين التي سبقتها. فقد كان الفلسطينيون يتظاهرون ويشتبكون مع الجيش الإسرائيلي بين فترة وفترة، وكان الهدوء يستمر لسنوات، وكانت فترات الهدوء تسفر عن زيارات الفلسطينيين لفلسطين المحتلة في العام 1948، وغالباً ما يحتك الفلسطينيون بيهود، يشترون منهم ويتبادلون الحديث معهم، وغالباً ما مدح بعض الفلسطينيين بعض اليهود، بل وغالباً ما أبدوا دهشتهم مما رأوا من شوارع معبدة وعمارات شاهقة وحسن تنظيم. ولا يبالغ المرء حين يقول "إن لسان الفلسطينيين كان لسان صفية لا لسان زوجها سعيد". في رواية غسان كنفاني "عائد إلى حيفا" أبدت صفية دهشتها مما رأت وهو ما لم يرق لزوحها. لكن في فترة الانتفاضة اختلف الأمر، فلم يعد يذهب إلى فلسطين المحتلة عام 1948 سوى العمال الذين كانوا يعانون. أما  بقية سكان الضفة وقطاع غزة،  فقد اقتصرت رؤيتهم لليهود على الجنود الإسرائيليين المدججين بالسلاح، وكانت اللقاءات تسفر عن مواجهات يومية. وليس غريباً أن تغلب صورة واحدة لليهود في أدبيات هذه الفترة. حتى بعض أدباء المنفى الذين كتبوا عن الانتفاضة من بعيد، مثل محمود شقير، في قصته "شلومو" من مجموعة "ورد لدماء الأنبياء/ صمت النوافذ" أبرزوا صورة الجندي الإسرائيلي القاتل السادي.

من كتّاب هذه الفترة في الضفة يعقوب الأطرش من بيت ساحور الذي نشط مجدداً في كتابة القصة، بعد انقطاع، وكتب العديد من القصص التي اتكأ في كتابتها على الرموز التوراتية ليوظفها بما يخدم رؤيته، وليعكس أيضاً بعض الصور القديمة بما يناسب الواقع الجديد. ومن قطاع غزة، برز القاص غريب عسقلاني الذي خصص مجموعة كاملة عن الانتفاضة عنوانها "وردة بيضاء لأجل ديفيد". وكما يقول العنوان، فإن القاص ينتصر لديفيد اليهودي. أما لماذا ينتصر فهذا ما تجيب عنه روح المجموعة.

كما في قصص غريب عسقلاني قبل الانتفاضة، نقرأ هنا عن صداقات بين فلسطينيين ويهود تسفر عن تعاطف، بل وعن زيارات متبادلة، فديفيد كان قبل الانتفاضة يزور أصدقاءه في غزة ويأخذ لهم الهدايا، ولما اندلعت الانتفاضة أجبر على الخدمة العسكرية في قطاع غزة. فهل سيطارد المنتفضين هناك ومن بينهم أطفال صديقه؟ هل يطلق النار أم يتقبل الحجر الفلسطيني ويجرح؟ العنوان يعطينا الإجابة: وردة بيضاء لديفيد.

المرحلة الثالثة: مرحلة اتفاقية أوسلو وما بعد

في العام 1993، عاد إلى فلسطين المحتلة 1967، بعض الكتاب الفلسطينيين الذين أبعدوا عنها بعد الاحتلال بسبب نشاطهم السياسي بالدرجة الأولى. ومن هؤلاء كتّاب القصة القصيرة: خليل السواحري، ومحمود شقير، وأكرم هنية، وسجّل الأولان تجربة العودة في نصوص أدبية بعضها ينتمي إلى جنس القصة القصيرة وبعضها يفيد دارس القصة القصيرة.

أصدر خليل السواحري كتابه "تحولات سلمان التايه ومكابداته" في العام 1996. والقصة تدور حول بطله سلمان الذي تتلبسه شخوص متباينة تنتمي جميعها إلى هذه البقعة من الأرض التي تتقاسمها الآن حضارتان متضادتان تنفي إحداهما الأخرى. وفي نصوصه، يكتب السواحري عن علاقات تنشأ بين العرب واليهود بحكم العيش في القدس ومحيطها، وبحكم عمل العمال الفلسطينيين في بيوت بعض اليهود.

ثمة نصان لافتان يبرزان نماذج يهودية تتكلم، الأول هو نص "الجمعة الحزينة " حيث يلتقي سلمان التايه بمستوطن يهودي في القدس الذي يعتبر القدس بلاداً له. وحين يسأل المستوطن سلمان التايه عن المكان الذي هو منه، يجيبه سلمان بانفعال وعصبية: من وارسو، من أوكرانيا، من اوشفتس...الخ. عندها يفهم الخواجا المغزى، ويحاول أن يستظرف: "وكيف نجوت من اوشفيتس يا حبيبي". سلمان لا يجيب، بل ينظر إلى الخواجا نظرة ازدراء، فيما يبدو الخواجا الذي ابتسم ابتسامة صفراء كالملسوع، إذ لم يحتمل دعابة سلمان الثقيلة. أما النص الثاني، فهو بعنوان "الورشة"، حيث يعمل سلمان بليطاً، ولا يمانع من العمل في بيوت اليهود. ومرة يذهب إلى بيت امرأة يهودية مرّ على وفاة زوجها ثلاثة أشهر، وهذه تحاول استغلاله جنسياً، لكن سلمان التقي الورع والذي لا يفوّت صلاة يرفض عرضها.

المرأة اليهودية هنا تبدو امرأة شبقة كل ما تريده هو إرواء جوعها الجنسي ولا يهمها ذكرى زوجها والوفاء له. إن صورة المرأة اليهودية هنا ليست بالمختلفة عن صورتها في نصوص أدبية فلسطينية وعربية سابقة، ما يدفع المرء للتساؤل إن كانت كتابة السواحري كتابة متخيلة بالدرجة الأولى حتى وإن كانت ممكنة في الواقع. فهل قابل السواحري نماذج كهذه أم أنه كتب عما هو شائع؟ 

كما يكتب محمود شقير عن امرأة يهودية كانت متزوجة، لكنها بعلم زوجها، تمارس الدعارة لتزيد من دخلها. وكتابة شقير هذه، كانت مبنية على قصة قصها عليه صديق أقام، بعد حزيران 1967، علاقة مع هذه المرأة التي أخبرته بقصتها. وفي نص السواحري "الورشة" تبدو المرأة اليهودية باهرة الجمال، شبقة، كما تبدو كذلك في نص محمود شقير.

ومحمود شقير كتب عن يهود شرقيين عراقيين عرفهم قبل إبعاده في العام 1975، وعاد والتقى بهم بعد عودته، وأبرز لهم صورة إيجابية، كما كتب عن يهود دافعوا عنه مثل المحامية الشيوعية المعروفة "فيلتسيا لانغر". هنا تبدو صورة اليهود إيجابية، ولا عجب، فشقير يكتب من منظور يساري، لذا نراه لا يضع اليهود كلهم في سلة واحدة.

لم يصدر لمحمود شقير أية مجموعة قصصية بعد عودته من المنفى حتى العام 2000. لكنه أنجز كتاب "ظل آخر للمدينة" الذي كان أشبه بسيرة ذاتية، كما يمكن أن يعتبر سيرة مكان- سيرة مدينة القدس التي عاش فيها. وفي هذا الكتاب، يأتي شقير على شخصيات يهودية كان له بها علاقة قبل إبعاده، والتقى بها بعد عودته، ويأتي أيضا على ذكر نماذج يهودية سمع عنها من أصحابه، لكنه لم يواصل  علاقته مع الإسرائيليين. وهكذا لم تُبرز نصوص كتّاب القصة القصيرة في مناطق الاحتلال الثاني صورة إيجابية لليهود تتفق ظاهرياً مع ما جرى في الظاهر على أرض الواقع. أما أكرم هنية فلم يصدر منذ العام 1986 حتى العام 2000 أية مجموعة قصصية.

في انتفاضة الأقصى، أصدر محمود شقير مجموعته "ابنة خالتي كوندوليزا"، 2004. تضمنت قصة "شاربا مردخاي وقطط زوجته" ويكتب فيها عن جندي إسرائيلي فوق الخمسين تقاعد واستقر مع زوجته  في تل أبيب. لم يبق معهما في البيت أحد من أفراد العائلة. وحين يشعر بالضجر يقرر أن يذهب ثانية إلى الخدمة العسكرية متطوعا. يقف مردخاي على حاجز قلندية ويحاول أن يتعاطف مع الفلسطينيين. لكنه في الوقت نفسه، لا يحب أن يصادق الشباب الفلسطينيون البنات اليهوديات ويتمنى أن يسن قانون يمنع زواج اليهوديات من أولاد العرب.

ومع أن القصة ساخرة إلا أن ما لا يقنع فيها هو طبيعة السارد كلّي المعرفة الذي يعرف ما يدور في بيت مردخاي، وبين مردخاي وزوجته. إنه يدخل إلى غرفة نومهما ويتسلل أيضا إلى فراشهما ويعرف ما يدور تحت اللحاف. وعموماً فإن كتابة شقير عن اليهود تبدو مثار أسئلة، بخاصة أن ما كتبه عنهم في قصص المنفى مثل قصة "شلومو" أو في قصة "شاربا مردخاي وقطط زوجته" تختلف عما ضمنه في كتابه "ظل آخر للمدينة"، ففي الأخير كتب عن يهود عرفهم وصادقهم وزاروه في بيته، لا عن يهود تخيلهم وتسلل إلى بيوتهم.

معرفة مباشرة: أكرم هنية: فترة ما بعد انتفاضة الأقصى

أحدث كتابة قرأتها يحضر اليهود فيها هي قصة أكرم هنية "شارع فرعي في رام الله"، 2017. يروي القصة فيها مهندس فلسطيني اسمه ماجد. يلتقي ماجد بأشخاص عديدين يتحدثون له عن همومهم وحياتهم. وتحت عنوان "معرفة مباشرة" يلتقي ماجد بمعلم رياضيات كان عمره يوم احتلت رام الله أربعة عشر عاما في حزيران 1967.

يأتي أستاذ الرياضيات على علاقته بالإسرائيليين، ومعرفته بهم ويروي عن عشرة يهود رآهم واحتك بقسم منهم.

الإسرائيلي الأول الذي رآه أول مرة في حياته كان جنديا مع جنود احتلوا رام الله. سأل الجندي المحتل الطفل الفلسطيني ابن الرابعة عشرة عن اسمه "وأذكر أني لم أرد وسرت بعيدا عنه".

أما الإسرائيلي الثاني فكان صاحب ورشة قرب تل أبيب حيث عمل مدرس الرياضيات في العطلة الصيفية يوم كان طالباً، وكان عمله بعد عامين من الاحتلال. -لا نعرف عن الإسرائيلي صاحب الورشة أية معلومة.

أما الإسرائيلي الثالث فكان سائق جرافة هدمت البيت الجميل لعائلة خال مدرس الرياضيات.

الإسرائيلي الرابع كان محققاً عذب مدرس الرياضيات يوم اعتقل بعد عودته من عمان في أثناء دراسته الجامعية.

الإسرائيلي الخامس كان سجاناً في سجن رام الله عرفه المدرس حين سجن مدة ستة أشهر بسبب انتمائه للمقاومة.

أما السابع فكان مستوطناً من مستوطنة بيت إيل أشهر سلاحه في وجه المتظاهرين ضد الاستيطان.

والسابع كان جنديا داهم ليلا منزل المدرس فارعب أطفاله.

وكان الثامن جنديا على حاجز يمنع سكان الضفة من دخول القدس.

وكان التاسع واحدا من مجموعة جنود اقتحموا المدرسة التي يدرس فيها وقد أشهر رشاشه في وجه مدرس الرياضيات حين دخل إلى الصف الذي كان يدرس فيه.

وأما الإسرائيلي العاشر فلم يقابله مدرس الرياضيات ولكنه كان بإمكانه أن يميزه. لقد كان جندياً آخر كاد أن يقتل ابن المدرس بسبب تظاهره سلمياً ضد الاستيطان. تنتهي القصة بالعبارة الآتية: "صدقني، أعرفهم، هؤلاء هم من عرفت من الإسرائيليين".

هل توجز قصة أكرم هنية "معرفة مباشرة" صورة اليهود في القصة القصيرة في مناطق الاحتلال الثاني؟ في "شارع فرعي في رام الله" نقرأ قصة عنوانها: "عبق بستو" وهي تقوم على علاقة شاب مقدسي بفتاة يهودية تدعوه إلى بيتها في حي الطالبية في القدس الغربية، وفي البيت تذهب إلى الحمام فيتأمل الفلسطيني في البيت، وسجاده وغرفه ويلتفت إلى عبارة في مكان ما كتب عليها التاريخ 1938. يعرف أن البيت يعود لعرب فلسطينيين هُجّروا من اليهود في عام النكبة، 1948. تنتهي القصة بالعبارة الآتية: "وكان صوتها يأتيني "أنا قادمة، ثوان"، وأنا أخطو بسرعة خارجاً من بيت عائلتي القديم الذي كنت أدخله للمرة الأولى".

الخلاصة: لا يقرأ المرء في القصص القصيرة التي كتبها قصاصو مناطق الاحتلال الثاني عن نماذج بشرية يهودية متنوعة لها حياتها الخاصة، وكل ما يقرؤه هو عن نماذج يهودية لها بالاحتلال صلة ما. ومن الملاحظ أن أكثر الكتاب الذين كتبوا في الفترة بين 1967 حتى العام 2017، كان توجههم يسارياً، ومع ذلك، ظلّت النماذج التي حضرت في قصصهم لا تتجاوز الإسرائيليين الذين أتى عليهم مدرس الرياضيات في قصة أكرم هنية الجديدة شارع فرعي في رام الله.

 

 

الهوامش:


[*] ناقد وباحث وأستاذ الأدب في جامعة النجاح.


[1] حول تأثير الانتفاضة على رؤية قصاصي المناطق المحتلة 1967 على صورة اليهود، انظر دراستي المنشورة في مجلة النجاح للأبحاث، أيار 1995.

[2] حول ذلك انظر كتابي "القصة القصيرة في مناطق الاحتلال الثاني بين 1967-1981" وكتابي "اليهود في الأدب الفلسطيني من 1913 حتى 1987".

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website