الملامح الاختياري (بداية تغير العقلية اليهودية)، سامية العطعوط، العدد 269

الملاّح الاختياري

(بداية تغيرّ العقلية اليهودية)

 

سامية العطعوط[*]

 

في العام 1492، كان سقوط الأندلس مدوّيًا.

لم يكن خروج المسلمين من الأندلس هو العلامة الفارقة فقط، بل وخروج اليهود والغجر أيضًا. وكانت الوجهة الأقرب لمعظم من خرج منها من مسلمين ويهود، الدول الإسلامية في الشمال الإفريقي، وخاصة المغرب، فنزح إليها معظمهم وذهب آخرون إلى مصر والشّام والأستانة عاصمة الدولة العثمانية. ومن المعروف بأنهم هاجروا مُرغَمين عبر مضيق جبل طارق، إلى الضفة الأخرى، نتيجة لتشبّثهم بديانتيهم الإسلامية واليهودية، وعاداتهم وتقاليدهم. حيث اختاروا الرحيل مرغمين، مقابل الحفاظ على معتقداتهم الدينية والثقافية، وابتعاداً عن الاضطهاد الدموي في كثير من الأحيان. فقطعوا البحر المتوسط الذي تمتزج مياهه مع مياه المحيط الأطلسي، لينتقلوا من إيبيريا إلى دول إسلامية الطابع عربية وبربرية الثقافة والحضارة في القارة الإفريقية وإسلامية في الآسيوية. استقبلهم سكّان البلاد بترحاب كلاجئين ومستجيرين، وعاملوهم بالحسنى. أما من بقي منهم في الأندلس وغيّر ديانته إلى المسيحية (سواء ظاهراً أو باطناً)، فقد تعرضوا للتعذيب والملاحقة وتمت تصفيتهم أو تهجيرهم، في السنوات التي تلت.

في هذا المقال، أحاول إلقاء الضوء على بدايات نشوء الملاّح (الحيّ اليهودي في المغرب)، وهو من أوائل الأحياء اليهودية في الوطن العربي، ولماذا اختار اليهود بناء (الملاّح) كحيّ انعزالي اختياري لهم، وأثَرَ ذلك عليهم.

الملاّح – التسمية والبداية

تشير كلمة (الملاّح) بحسب أحد معانيها الواردة في (معجم المعاني الجامع) إلى بائع المِلْح أو صاحبه. وقد ظهر مصطلح (الملاّح) في ثلاثينات القرن الخامس عشر، في مدينة فاس في المغرب، لأن المنطقة الموجودة عند مدخل المدينة، التي يتم فيها تجميع الملح وتخزينه لتصديره عبر القوافل إلى أوروبا تُدعى بـ(الملاّح).

أما عن تسمية الأحياء اليهودية في المغرب بـ(الملاّح) فتعود بحسب تفسيرات المؤرخين إلى إحدى روايتين: في الرواية الأولى، خرجت مجموعات يهودية من الأندلس في عام 1438 قبل سقوطها، إلى مدينة فاس عاصمة المغرب، واستقرّتْ عند مدخلها وتم بناء أول حي يهودي فيها حيث يتم تجميع الملح وتخزينه. فأُطلق على الحيّ اليهودي كلمة (الملاّح)، وتمّ تعميم هذه التسمية على الأحياء اليهودية في مختلف المدن.

أما الرواية الثانية لتسمية (الملاّح)، فقد روّج لها الكاتب الفرنسي (هنري دو لامارتينيز) مع بداية الاستعمار الفرنسي للمغرب، فأشار إلى أن اليهود المغاربة، كانوا مجبرين على العيش داخل أحياء ضيقة ووسخة محاطة بالأسوار وشبيهة بالسجون، لأنهم كانوا يمارسون فيها مهنة معالجة الرؤوس التي يأمر سلطان المسلمين بقطعها، وتحنيطها بالملح قبل تعليقها على أبواب المدينة، كما كانوا يسلخون الذبائح ويعلقونها بعد تمليحها، ولذلك أُطلق على أحيائهم تسمية (الملاّح)...!

وفي كلتا الحالتين، وعلى الرغم من أن مصطلح (الملاّح) لم يظهر إلا في ثلاثينات القرن الخامس عشر للإشارة إلى الأحياء اليهودية المغلقة داخل المدن العربية المغاربية، إلا أن ثاني حيّ يهودي اختياري مُغلق (بعد الحيّ اليهودي الاختياري في مصر الفرعونية على زمن سيدنا موسى)، لم يُبن في المغرب، بل ظهر في بورصة العثمانية.

(ملاّح) بورصة العثمانية

تميّزت علاقة اليهود بشكل عام، في جميع المناطق العربية والعثمانية، باهتمام السلطات بهم، وتقريبهم إليها، والاعتماد عليهم كمستشارين في الاقتصاد والتجارة والإدارة، باستثناء فترات نادرة من تاريخ الحكم العربي الإسلامي. وفي منطقة آسيا الصغرى، عاش اليهود شبه مندمجين مع سكانها الأصليين منذ ما قبل الميلاد وبعده. ويُعتقد بأنهم وصلوا إليها بعد السبي الأول والسبي الثاني وأيضاً بعد خروجهم من يثرب وخيبر.

في عشرينات القرن الرابع عشر، هرب اليهود من مدن عديدة في آسيا الصغرى (تركيا) بسبب الحرب التي كانت تستعر في البلاد، وفي عام 1326، فتح أورخان غازي بن عثمان بن أرطغرل (مؤسس الدولة العثمانية) مدينة بورصة على مقربة من بحر مرمرة، وبدأ بتأسيس الدولة العثمانية، فعاد اليهود إليها بعد انتهاء الحرب، وأبدوا رغبتهم لأورخان غازي بن عثمان بن أرطغرل بإنشاء (حيّ خاص) بهم، كى يتمكنوا من ممارسة عاداتهم وشعائرهم الدينية فيه بسهولة. رحّب أورخان غازي بالفكرة، نظرًا لاهتمامه وأخيه علاء بنجاح اليهود في الصناعات والتجارة المالية، فأنشأوا أول حيّ لليهود بمساعدة ومباركة من السلطان، ما شجع العديد من يهود بيزنطة والشام على الهجرة إلى الأراضي العثمانية.

وأصبح الحيّ اليهودي في بورصة[1]، نموذجًا للأحياء اليهودية الأخرى، التي توالى ظهورها في المدن الرئيسة في الدولة العثمانية الفتيّة. كما ازدادت هجرات اليهود الجماعية إليها من المجر وفرنسا وصقلية وفينيسيا وغيرها من الدول.

ومن هنا، يمكن اعتبار الحي اليهودي في بورصة ثاني (ملاّح) في التاريخ، كإشارة إلى الحيّ اليهودي (الاختياري) المغلق، وما تلاه من أحياء يهودية في مدن الدولة العثمانية.

الأحياء اليهودية في المغرب

أما في المغرب، فيُعتبر تاريخ اليهود فيها أقدم من القرن الثالث عشر ميلادي، إذ يرى بعض المؤرخين، أن اليهود هم ثاني مجموعة بشرية استقرت في المغرب بعد الأمازيغ[2] الذين سكنوا  بشكل خاص في المناطق الجنوبية منه. وقد اعتنق كثير من الأمازيغ الديانة اليهودية وهم (الطشابيم) الذين كانوا في المغرب قبل الفتح الإسلامي. أما يهود الأندلس والبرتغال الذين استقروا في المغرب بعد طردهم منها في القرن الخامس عشر، فيُطلق عليهم (المغوراشيم).

وتشير أغلب الدراسات إلى أن وجود اليهود في المغرب يعود إلى ما قبل الميلاد. حيث جاءت المجموعة الأولى منهم مع الفينيقيين في القرن التاسع قبل الميلاد واستقرت في المغرب الأقصى، بينما جاءت المجموعة الثانية، وما تلاها، في أعقاب تدمير الهيكل الأول في القرن السادس قبل الميلاد، ومن ثمّ تدمير الهيكل الثاني وحصار القدس عام 70م. وصولاً إلى المجموعة الأخيرة التي وصلت إلى المغرب بأعداد كبيرة واستقرت فيه في أعقاب سقوط الأندلس.

وبعد إنشاء أول ملاّح يهودي عام 1438 في مدينة فاس، وسقوط الحكم الإسلامي في الأندلس في القرن الخامس عشر ميلادي في عام 1492. وصلت أعداد كبيرة من اليهود إلى المغرب واستقرت فيه، وتمّ من خلالهم تعميم مصطلح (الملاّح) على كل تجمّع سكاني يهودي ناشئ في المغرب، فظهر الملاّح (الحيّ اليهودي الاختياري المغلق) في معظم مدنها الرئيسة وحتى في عدد من القرى. كما توالى ظهور الأحياء اليهودية في مدن شمال إفريقيا كتونس والجزائر ومصر، وإن بشكل أقل.

حيّ الملاّح: المواصفات والميّزات

لم تكن معيشة اليهود في (الملاّح) كحيّ يهودي خالص ومغلق، سيئة أو غير مواتية، لأنه كان اختيارهم الحرّ والمحض بالأساس. وقد مثّلت أحياء الملاح وحارات اليهود مدناً صغيرة خاصة بهم ضمن المدن الكبيرة، بنوا فيها كنسهم وأماكن عبادتهم، وأقاموا فيها شعائرهم الدينية، وكان لهم استقلالية نسبية في تسيير أمورها وإدارتها وتنظيم حياتهم الاجتماعية داخلها، عن السلطة الحاكمة في البلد.

كما اتخذت معظم الأحياء اليهودية في عدد من الدول الإسلامية (العثمانية) والعربية، الشكل العمراني الفريد والمستقل، الذي يمنحهم نوعاً من الأمان. ففي القاهرة والاسكندرية ودمشق وحلب وصنعاء وعدن وبغداد وغيرها من المدن العربية، عاش اليهود طوال سنوات، ضمن أحياء خاصة بهم تُسمّى (حارة اليهود) أو حي اليهود، أو قاع اليهود (كما في اليمن)، يمارسون فيها عاداتهم وتقاليدهم وشعائرهم الدينية دون تطفل. ولم تكن علاقتهم بـ(الأغيار) المتواجدين خارج الحارة أو الأسوار، إلا من خلال التجارة التي يجيدونها وتبادل السلع.

ومن أهم مواصفات الأحياء اليهودية بشكل عام، و(الملاّح) في المغرب بشكل خاص:

·  أن معظم هذه الأحياء بُنيت على تلال أو أراضٍ مرتفعة تشرف على البحر أو المحيط، حيثما وُجد في المدينة.

·        تُبنى بشكل عام قرب قصر الملك/ السلطان أو مقرّ السلطة الحاكمة.

·        يكون الملاّح محاطاً بأسوار عالية ومغلقاً بشكل تام.

·        لكل ملاّح باب أو بابان تُغلق في آخر النهار، كما في بوّابات جميع المدن القديمة.

·        يعتمد البناء في حي الملاّح بشكل عام على العمران اليهودي، مع تأثّره بعمران المدن التي تواجد فيها.

·        معظم دروب الملاّح ضيقة، والمباني متلاصقة. والحوانيت بأبوابها الخشبية في الأسفل، بينما ترتفع البيوت في الطوابق العليا. ونظراً لمحدودية مساحة الملاّح، لجأ اليهود إلى التوسع العمودي في البناء، حيث يتم إضافة الغرف للأبناء المتزوجين.

·        لكل ملاّح/حي يهودي، مقبرة يهودية في المدينة، إما تقع داخل الحيّ أو على أطرافه. وبعد هجرة اليهود من المغرب إلى فلسطين التي بلغت ذروتها في ستينات القرن الماضي، اعتاد اليهود على زيارة المغرب باستمرار، لزيارة أضرحة موتاهم في المقابر، والاعتناء بها والحرص عليها بشكل عام.

·        تواجدت معظم الأحياء اليهودية في المغرب والدول العربية، في قلب المدن وأهم المناطق فيها. وكانت أسواقاً تجارية مهمة، حيث امتهن اليهود أهم الحرف من صياغة الذهب إلى الخياطة والنجارة كما عملوا كإسكافيين وغيرها من المهن المهمة آنذاك. فأصبح حي الملاح/الحي اليهودي مركزاً تجارياً في كل مدينة يتواجد فيها، يدخله العرب والمسلمون والبرابرة في النهار لقضاء حاجياتهم وتبادل السلع مع اليهود والبيع والشراء، وفي الليل تُغلق الأبواب على سكّان الحي.

·        كانت إدارة الملاح في الداخل مستقلة عن السلطة الحاكمة، بسبب تعذّر اليهود بديانتهم وتقاليدهم.

·        ظهرت في أحياء الملاح ثلاث طبقات من اليهود، فمنهم الفقراء غير المتعلمين، والأثرياء الذين بنوا القصور الفخمة في الملاّح بشرفات واسعة مطلّة، وكانوا مقرّبين من السلطة الحاكمة، وأصبح لديهم مراكز قوى، وتبوأ العديد منهم مناصب رفيعة في الدولة باعتبارهم من ذوي الخبرة في التجارة والإدارة. إضافة إلى الكهنة الذين كانوا يمثلّون السلطة الدينية وربما السلطة الوحيدة في الملاّح في الفترات التاريخية القديمة.

 

ونتيجة لمعيشة اليهود في هذه الأحياء المنفصلة، شعروا بالحماية والاطمئنان خاصة أنهم كانوا مقرّبين من السلطة ويؤدون ما عليهم من ضرائب إلى خزينة الدولة، التي توفّر لهم الأمن مقابل ذلك.

وربما شكّل هذا دليلاً على حسن النوايا من قبل المسلمين والسلطات الحاكمة، والذي تكرر في المغرب والدولة العثمانية، وفي المقابل كان دليلاً على خوف اليهود ورعبهم من الانتشار والاندماج، وحبّهم للاستقلال والعيش داخل أسوار لها بوابات وحرّاس...!

أثر الملاح على العقلية اليهودية:

كان للملاّح وحارات اليهود بشكل عام، الأثر الكبير في تغيّر العقلية اليهودية وانكماشها وارتدادها وتقوقعها. ففي القرنين الرابع عشر والخامس عشر، كان التصنيف داخل المجتمعات يتم على أساس ديني، ولم تكن القوميات قد ظهرت قبل القرن التاسع عشر. فالكنائس المسيحية تحكم في الغرب والخلافة الإسلامية في الشرق، وكان اليهود موزعين في الدول العربية والأوروبية كـ(أقليات دينية).

ويشير الباحث (جاد الكريم الجباعي) في بحثه (مسألة الأقليات)[3] الذي استعان فيه بعدد من المصادر المهمة أنه إذا: (كان الاختلاف واقعاً موضوعياً – بين الجماعات في منطقة واحدة- فإن العبرة في مسألة الأقليات تكمن في "العنصر الذاتي"، أي في إدراك أفراد جماعة معينة باختلافهم وتمايزهم، وإدراك الجماعات الأخرى القريبة منها لهذا الاختلاف والتمايز، وهو ما يؤدي إلى الشعور بالانتماء إلى جماعة معينة في مواجهة الجماعات الأخرى. وهذا ما يدعوه بعضهم بالحاجة إلى الانتماء)، ويتابع: (وفي ضوء هذا الانتماء تتشكل العناصر الأولية للهوية القائمة أساساً على إدراك الاختلاف والمغايرة)، وبالتالي، فإن مما يعزز تشكيل الهوية المختلفة وتأكيدها، هو الآخر أي (الأكثرية).

ويخلص الكاتب إلى القول بأن (الأكثرية هي التي تصنع الأقلّية، إما بمنحها الامتيازات وإما بحرمانها من الحقوق) وبالطبع فإن من شأن هذا أن يضاعف عزلة (الأقلية) عن الجماعات الأخرى ويقوي لديها شعورها بالاختلاف والتمايز.

من هنا، كان لتواجد اليهود ضمن مجتمعات تفوقها عدداً (على أساس ديني بشكل أساس)، أنْ لَجأتْ إلى الانغلاق والانعزال (الاختياري)، شأنها شأن معظم (الأقليات) في المجتمعات القديمة والحديثة، لكن الفرق هنا أن اليهود كانوا هم المبادرين في طلب العزلة ورفض الاندماج والإصرار على إقامة أحياء خاصة بهم، حتى حين كانت الأبواب مشرعة لهم للتعايش الحرّ. كما أن عزلتهم (الاختيارية) في المجتمعات الإسلامية، لم تكن سلبية بالنسبة إليهم، بل كانت سبيلاً للحصول على الامتيازات من الأكثرية ومن سلطاتها الحاكمة آنذاك إما بسبب مهاراتهم في الاقتصاد والإدارة، أو بسبب التعاون الخفي مع السلطة ضّد أعداء مشتركين إلى غير ذلك. هذا على العكس من أوضاع اليهود في الجيتوات الأوروبية (التي سنأتي على ذكرها ربما في مقالة  لاحقة).   

ونتيجة لهذا الانغلاق، عانت العقلية اليهودية من التحجّر والتقوقع، على الرغم من اختلاف وتنوّع المجتمعات التي عاش فيها اليهود. والسبب أنهم عاشوا (كأقلية دينية) في مجتمعات منغلقة عليهم وعلى أبنائهم وعائلاتهم، وعلى طقوسهم وشعائرهم، بعيداً عن الانفتاح المحدود بهدف التجارة والحصول على المكاسب والأموال وعلى وثائق الأمن والأمان. وكان للملاّح أثره الواضح على المجتمع اليهودي والعقلية اليهودية، كما يلي:

1.    الشعور بالاختلاف، ولكنه الاختلاف بمشاعر التميّز؛ فهم يعتبرون أنفسهم "شعب الله المختار" يختلفون عن الآخرين ويتفوقون عليهم، خاصة مع اهتمام السلطات الحاكمة في الدول الإسلامية بهم وتقريبهم منها.

2.    استفراد الطبقة الدينية والحاخامات بجميع السلطات المدنية والاجتماعية والدينية في  المجتمع اليهودي المغلق لعشرات بل مئات السنوات، ما أدّى إلى استلاب الجماعات اليهودية فيه فكرياً وعقلياً، وخضوعهم لمرجعية واحدة منفردة تسيّر أمور حياتهم بكافة أشكالها. مرجعية تعزز لديهم مفاهيم التعصّب الديني التوراتي والتفوّق العرقي.

3.    تعاون أثرياء اليهود مع الطبقة الدينية داخل هذه المجتمعات، في تثبيت استقلاليتها لدى السلطات الحاكمة والحصول على كافة الامتيازات.

4.    الحفاظ على عادات وتقاليد استمرت مئات من السنين.

5.    التلاحم والتعاضد بين اليهود في مواجهة الآخر كما هي حال الأقليات، ولكن يُضاف إليه عدم التعامل مع الآخر أو مخالطة الأغيار، إلا بهدف التجارة والحصول على المال أو المكسب أو مصلحةٍ ما.

6.    وجود هوّة حضارية وثقافية كبيرة بين اليهود وبين الآخرين (ممن يعيشون خارج الملاّح)، باستثناء ربما الطبقة الثرية منهم التي كانت على علاقة مباشرة مع السطات المحلية للدولة، وكان من مصالحها إبقاء الأوضاع كما هي. ولكن من الضروري الإشارة هنا، إلى تمكّن بعض اليهود في فترات تاريخية لاحقة من القرن التاسع عشر (على سبيل المثال)، من الاندماج الجزئي مع المجتمعات العربية التي عاشوا فيها وأحبّوها كما في مصر والعراق واليمن وغيرها.   

7.    شعور اليهود في حاراتهم وملاّحاتهم المسوّرة والمغلقة عليهم، وعلى طقوسهم وعباداتهم، وحياتهم وشعائرهم وصلاتهم وطعامهم، بالأمان المستمّد من العزلة ومن السلطة الحاكمة.

8.    شعور اليهود بالأهمية والتفوّق، نظراً لمهارتهم في التجارة وصياغة الذهب واستيلاد المال، وكذلك لحصولهم على الامتيازات من الحكّام، إضافة إلى أن عزلتهم في حاراتهم وملاحاتهم، خلال معظم الفترة الزمنية الممتدة ما بين القرن الخامس عشر وحتى نهاية القرن التاسع عشر، كانت اختيارية وليست إجبارية كما في أوروبا.  

 

وأخيراً، أدّت هذه التجمّعات المغلقة والمنعزلة والبؤر المعيشية الصغيرة التي عاش فيها اليهود لقرون، إلى شعورهم بالاختلاف العميق والتميّز عن الآخرين، ومن ثمّ الخوف من الغربة والضياع لدى خروجهم منها، وكان عليهم التفكير في مواجهة صدمة التعامل مع الآخر... مع الأغيار.

تلك الصدمة التي لم يحتمل يهود الملاح والجيتوات (لاحقاً) التعامل معها. فقد انتُزع صمام الأمان الذي ظلّ يحميهم لعدة قرون. ومن هنا، فإن العقلية اليهودية الانعزالية التي تشكّلت عبر السنوات، ستظلّ تبحث عن أمانها في التقوقع داخل مكان محكم الإغلاق عليها.. داخل جدران تبنيها لتحمي نفسها من الانفتاح والاندماج، خشية من التلاشي..

وبالتالي، هي عقلية الانعزال التي تبني الأسوار وإن اختفت، تبني بدلاً عنها الجدران العالية كأسوار تمنحها الأمان الذي لا تستشعره إلا بها.. ويمكن القول، بأن أحياء الملاّح في المغرب وحارات اليهود الأخرى في الدولة العثمانية، لم تكن إلا تعبيراً بدائياً وغير واعٍ، عن خشية اليهود من الأغيار، وعن رغبتهم في إقامة مدنهم ومجتمعاتهم المستقلّة والمسوّرة والمغلقة عليهم داخلها، ربما بسبب التجارب التي مروا بها من سبي تكرر في تاريخهم، ومن تهجير مارسه عليهم حكّام الأندلس الجدد بعد خروج المسلمين منها.

ولكن بناء الملاّح الاختياري كمجتمع منعزل، سيؤدي إلى بناء الجيتوات كمجمّعات إجبارية عزلت اليهود عن الآخر.

 

 

 

الهوامش:


[*] قاصة وروائية فلسطينية أردنية.


[1]المصدر: ويكيبيديا- عندما رحب أورخان باشا برغبة اليهود في امتلاك حي خاص بهم لكى يتمكنوا من ممارسة عاداتهم وشعائرهم الدينية بسهولة أُنشئ حيً لليهود وشكل هذا الحى نموذجًا للأحياء الأخرى. وبالإضافة إلى مدينة بورصة فقد تمكن اليهود من امتلاك الممتلكات والحقول في أي مكان بالدولة وفى مقابل ذلك كانوا يدفعون ضريبة "الخراج" ويعفى من تلك الضريبة العاملون في الحكومة والمناصب الدينية.

[2] الأمازيع: مجموعة من الشعوب الأهلية تسكن المنطقة الممتدة من واحة سيوة شرقا إلى المحيط الأطلسي غربا، ومن البحر الأبيض المتوسط شمالا إلى الصحراء الكبرى جنوبا.

[3] المصدر: http://hem.bredband.net/b153948/stu14.htm

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website