مسيرة التوجيه السياسي من النشأة وحتى العودة، مازن عز الدين، العدد 269

شهادة

 

مسيرة التوجيه السياسي

من النشأة وحتى العودة

 

 مازن عز الدين[*]

 

(تنشر مقالة السيد مازن عز الدين كما وردت للمجلة، كونها شهادة

على مرحلة معينة من تاريخ الثورة الفلسطينية ودون أي تدخلات تذكر من التحرير)

 

أثناء القصف المدفعي على القوة المحمولة من المدفعية السورية التقيت فجأة مع الأخ محمد الأعرج "أبو الرائد" جنوب مدينة درعا السورية، وكان يلتقي بالمنسحبين من القوات الفلسطينية ويحثهم على العودة لميدان القتال في اتجاه مدينة الرمثا، وتعرفت إليه في ذلك المكان الذي لم يكن يحتمل أي حديث عن غير القتال الدائر وضرورة مواصلته للحفاظ على ديمومة الثورة وبعد انتهاء القتال. ومن ثم تجميع القوة المحمولة وتموضعها في منطقة السويداء وهي بلدة عربية سورية، "وسكانها من أشقائنا الدروز الذين يحبون الثورة الفلسطينية وينعكس ذلك في ابتسامتهم الدائمة مع كل لقاء مع أيّ فرد من قواتنا"، ويأتي اللقاء الثاني مع الأخ أبو الرائد الأعرج في زيارته إلى القوة المحمولة، وكان الحديث عن الأسباب التي أدت إلى القتال بين الإخوة والنتائج السلبية الناتجة عنه والتي تشير إلى اقتراب خسارتنا للساحة الأردنية كأهم ساحة مواجهة مع العدو وأطول حدود كانت تنتشر على امتدادها قواعد الثورة.

كان حديثي معه في جلسة مشتركة تضم أعداداً من الكوادر والمقاتلين المتميزين، "والقوة المحمولة في غالبيتها كانت مقاتلين وكوادر من حملة الشهادات العليا ويتمتعون بثقافة واضحة"، متعددة يغلب عليها الرأي العالي وليس الصوت العالي، حيث إنهم يعرفون أن الصوت العالي لأسلحتهم في الميدان، وتركز الحديث على ضرورة تضميد الجراح مع دراسة سلبيات وإيجابيات ما حدث للاستفادة منه في الحفاظ على ديمومة الثورة، وبعد انتهاء تلك الجلسة طلب مني الأخ "أبو الرائد" أن ألتحق معه بالتفويض السياسي الذي كان لا يزال في مرحلة التأسيس حيث وصفني (أنني أحمل الصفتين اللتين يحتاجهما عمل المفوض السياسي، وهما: الجمع بين الوعي السياسي المتميز، والمقاتل الملتزم الذي يعرفه الإخوة والرفاق) وأضاف، بحضور مَن في الجلسة، موجها الحديث إليهم متسائلا: هل من يخالفني الرأي فيما أقوله؟ وحاز على رضاهم وإعجابهم، ولتنفيذ الحديث الإيجابي الذي دار في تلك الجلسة في محافظة السويداء السورية، وقد عزز من سلامة موقفه وإلحاحه أنني كنت أناقشه في كتاب عن الثورة للكاتب الفرنسي العالمي ريجيس دوبريه كنت قد انتهيت من الاطلاع عليه وعنوانه، على ما أعتقد، "الثورة في الثورة" فازدادت محاولاته لإقناعي بضرورة موافقتي على مطلبه في أن أكون في التوجيه السياسي أو التفويض السياسي كان الاسمان متداولين دون الوقوف على أيهما الأدق في التسمية. وبهذا أصبحت في التوجيه السياسي نظريا على الأقل من وجهة نظر الأخ أبو الرائد الأعرج. وكان الأخ الرائد أحمد الريان "أبو شكري" قائد القوة المحمولة وهي تعج بالأسماء الكبيرة من الإخوة أذكر منهم أبو الأمين نائب القوة وكذلك موسى العراقي الذي أصبح نائب قائد القوة لاحقاً وأبو علي مسعود، وسلمان الزعتر وشريف عابد، ونور علي، وحسان، وحسن يوسف "يوسف قزاز" الذي أبدع لاحقا في الإذاعة والعمل الإعلامي الميداني، وأبو رياض، وكثيرون استشهدوا، وآخرون تركوا الثورة مبكرا والبعض عادوا إلى أرض الوطن بعد أن أمضوا جزءاً هاماً من حياتهم  في رحلة طويلة مليئة بالتضحية والإيثار والعمل الجاد والعمليات والمعارك والحروب، لم نكن نعرف فيها إلاّ العمل الإيجابي والسباق في تعزيز قدرات الثورة، وتصاعد الكفاح المسلح، الذي مارسناه بجدية في مواجهة العدو الرئيس وهو "القوات الإسرائيلية" أو دفاعا عن الثورة وحمايتها من الأعداء الثانويين وهم كثر.

معسكر بيت نايم في غوطة دمشق:

ومع اشتداد موجات الانتقاد للقيادة على نتائج معارك أيلول 1970م، تم تجميع ما يزيد عن 200 من القيادات والكوادر الميدانية في معسكر بيت نايم من جميع القطاعات، وكان المشرف على المعسكر عارف خطاب "أبو العبد خطاب" الذي كان محافظاً على لياقته البدنية، وقدرته التي لا يرقى لمستواها أي ممن مروا في الثورة من كافة الفصائل في التميز أو التفوق عليه في إطلاق النار، فيما كان يعرف في تخريج الدورات بمصطلح (تطعيم المعركة)، حيت كان ودون مبالغة يلامس برصاص الكلاشنكوف الحد الفاصل بين الملابس وجسم المقاتل، لقد كان رساماً إلى حد جعل القلوب التي تشاهد رمايته على المقاتلين ترتعش صعوداً وهبوطاً مع كل رصاصةٍ يطلقها، لقد كان يرسم خريطة الوطن الفلسطيني بالرصاص، إن ابا العبد خطاب اقترب من حدود المعجزة، إنه لا يتكرر. في هذا المعسكر الذي تجمعنا فيه كانت القيادة تريد نقل النقاش من القواعد إلى هذا المعسكر الذي ضم النخبة تحت عنوان التدريب والإعداد لإرسالنا في دورات خارجية، ولكن الحقيقة غير ذلك حيث كان المقصود نقل التفاعلات الناتجة عن أحداث الأردن وتأثيراتها السلبية في القواعد إلى هذا المعسكر، وحتى يكون النقاش بصوت هادئ وبأفكار موضوعية، حيث قامت القيادات العليا بزيارة المعسكر وإدارة النقاش والحوار مع من في المعسكر ومن بينهم الأخ القائد الكبير الشجاع والحكيم (صلاح خلف/ أبو إياد) "الذي كانت القوات الأردنية قد اعتقلته وسمحت له بالتقدم بمبادرة وهو رهن الاعتقال"، وبعد حديثه معنا عن الأوضاع السياسية والنتائج الكارثية التي نتجت عن الأحداث المؤلمة والدامية، فتح باب النقاش مع كوادر مؤمنة بالثورة لا تخيفها الأسماء والألقاب كان من بينهم أبطال عملية ميونخ الشهداء "يوسف نزال / تشي/ ومحمد مصالحة" وغيرهم، وأذكر أنني تحدثت بلغة جذبت الاهتمام بما حملته من نقد ساخن للأخ أبو إياد لموقفه في تقديمه لمبادرته وهو رهن الاعتقال لدى السلطات الأردنية، وكان الحديث الموضوعي معه أن زملاءك في القيادة جميعهم موجودون ولديهم كل الوضوح في الموقف وقادرون على اتخاذ القرار المبني على معرفتهم لما يحيط بهم وبالثورة، من معهم ومن عليهم بشكل أفضل ورأي أفضل وأوضح من رأيك ومبادرتك وأنت في دائرة انعدام الوزن والقدرة على فعل أي تأثير لأنك في دائرة الاعتقال وتفتقر لأي معلومة مما أثر على المعنويات بعدها. أدى النقد لموقفه إلى تأثيرات سلبية وإيجابية معاً على الشباب في المعسكر، وأثار ردود فعل بعضها غاضب عليّ، وبعضها الآخر خائف عليّ للجراة التي تحدثت بها، وبعضها معجب بها وكان من بينهم الأخ أبو إياد شخصياً الذي استدعاني مبدياً ارتياحه لما سمع، والأهم أن هذا الموقف الذي حدث في معسكر بيت نايم انتقل من المعسكر إلى الإطارات العليا ومنها أبو جهاد الوزير والقائد العام ياسر عرفات، وأعطيت إشارة بذلك  للأخ أبو الرائد للاستفادة من قدراتي ونقلي إلى التوجيه السياسي فقال لهم أبو الرائد الأعرج إن ذلك قد تم فعلاً وقالها باعتزاز. الغريب أننا الآن ننسى وأرشيف الذاكرة يستجمع المواقف بصعوبة بحكم كبر السن وعدم تسجيلنا تجربتنا التي هي مجموع تجارب الثورة، (لقد ذكرني بهذا الموقف في مقر الهيئة الوطنية للمتقاعدين العسكريين في رام الله الأخ اللواء المتقاعد أبو خليل الشوبكي مسؤول المتقاعدين في محافظة الخليل "الذي كان في حينها ممن شاركوا في المعسكر بعد أن مضى على الحديث ما يقرب من نصف قرن من الزمان)، وبعد مدة قصيرة من الزمن عدنا إلى مواقعنا ولم تحدث الدورات التي تجمعنا من أجلها في المعسكر، استمر الوضع في القوة المحمولة على ما هو عليه عمليات ودوريات شاركنا فيها جميعنا، وترافقت باستمرار الحصار على جرش وعجلون ولكن النتائج كانت واضحة وضوح الشمس وهي أن وجود الثورة الفلسطينية على الساحة الأردنية أصبح في عداد المنتهي.

وجاء موعد انعقاد المؤتمر الحركي العام الثالث لفتح عام 1971م:

وكان في مقر قيادة قوات اليرموك لأكون أحد أعضائه وقد أبلغني ذلك الأخ خليل الوزير "أبو جهاد"، والأخ محمد الأعرج "أبو الرائد" الذي أصبح أول رئيس للمجلس الثوري لحركة فتح، وقد كنت أصغر الأعضاء المشاركين في المؤتمر سناً ورتبةً وكانت القاعة التي عقد فيها المؤتمر لا تتسع لأكثر من 150 عضواً كحدٍ أقصى، ويعتبر المؤتمر الثالث من أهم مؤتمرات فتح حيث اتخذت فيه قرارات ذات طابع استراتيجي، أذكر منها:

أولا: العمل على مساعدة التنظيمات الفلسطينية التي تضررت إلى حد كبير من جراء الاقتتال الذي حدث بين الثورة والقوات الأردنية، وإعادة بنائها ومدها بالمال والسلاح وعندما سألتُ القائد العام ياسر عرفات "أبو عمار" مستفسراً عن الحكمة من ذلك، أجابني إجابة قصيرة لكنها مركزة قائلاً لي (هي فتح مهما كانت براعتها كم ستستقطب من الشعب الفلسطيني؟ ومن الأمة علشان الثورة، وفلسطين؟، وأضاف منهياً الحديث: اثنين أو خمسة، أو سبعة في المئة وباقي الشعب نتركه لمين؟ علشان كدة الكل لازم يشارك ويشتغل فهمت؟ فأجبته بهز رأسي كأنني فهمت في حينها ما يريدني أن أفهمه. (ومع الأيام فهمت أنه مهما برعت قدرات أي تنظيم فلسطيني ومهما تنامت قوته فهو، دون أن يتكامل مع أشقائه، لن يحقق الهدف أو يصل إليه لهذا تعمق في وجداني مفهوم الوحدة الوطنية وأننا يجب أن نعمل بروح الفريق، وكان ذلك التوجيه الأهم الذي حصلت عليه من الرئيس أبو عمار والتزمتُ به طيلة عملي في التوجيه السياسي، إلى حد أنني كنت أقوم بزيارات للقواعد المجاورة لمواقعنا من التنظيمات، للسلام والمجاملة، وكانوا يصرون على الاستماع للحديث السياسي الذي أديره معهم على ضوء الموقف المتحرك الذي كان يحيط بالجميع.

ثانياً: أُعطي التوجيه السياسي مساحة كبيرة من الأهمية في المؤتمر وكان القرار ينص على أنه:

(يعتبر المفوض السياسي أو الموجه السياسي مساعداً للقائد في كل المواقع وفي جميع الإطارات الحركية بما فيها موقع القائد العام).

وقد احتفظ الأخ القائد العام ياسر عرفات بموقع المفوض السياسي العام لنفسه لإعطائه القوة المطلوبة، وإن كان البعض قد فسره بغير ذلك، ولم يصدر أي قرار لأي من الإخوة الذين تولوا مسؤولية قيادة الجهاز لقب المفوض السياسي العام، بل كانوا يخاطبون في القرارات الصادرة إليهم بلقب نائب المفوض السياسي العام وهذا ما حدث مع الجميع طيلة مرحلة ما قبل العودة للوطن.

مرحلة السجن في الهامة والدكتور "محجوب عمر":

كانت القوة المحمولة مكلفة بحماية الموتمر الحركي العام الثالث في منطقة حموريا في غوطة دمشق، وتناثرت كلمات تحولت إلى إشاعات حول المؤتمر والتقصير، والنتائج الكارثية لأحداث الأردن، ولم ترتح القيادة لموقف الضباط والكوادر في القوة المحمولة، مما أدى إلى إلغاء مهمة حماية المؤتمر وتم استدعاؤنا جميعاً، ووضعنا في مقر قيادة قوات الكرامة في الهامة بدمشق، وقد وضعنا الأخ سفيان الأغا "مجيد" مدير جهاز الاستخبارات جميعنا بـ(طرفة) كموقوفين دون استخدام المصطلح بحرفيته، وتعرفنا في ذلك التاريخ على المناضل العربي المصري الكبير الدكتور محجوب عمر الذي كلف بإجراء جلسات تنظيمية معنا وحوار معمق في كل الشأن المتعلق بالثورة وما مرت به والعلاقة بين القاعدة والقيادة والمسلكية الثورية، وكان الأخ محمد غنيم "أبو ماهر" يتواجد معنا بشكل شبه يومي، وتفاعلنا مع الحوار وتقاربت المفاهيم وتعمق الوعي وعدنا إلى القوة المحمولة، التي شهدت بعد ذلك تغييرات كبيرة شملت قائدها الرائد أبو شكري وتعيين سلمان شديد "سلمان جيشر" والعديد من الكوادر، وأنا من بينهم، حيث تم تفعيل نقلي الى التوجيه السياسي بعد أن أمضيت ما يقرب من عامين أمارس عمل التوجيه السياسي، ولكن بقرار محلي من قائد القوة المحمولة وجمعت تجربتي بين "القتال المباشر ودوري في التوجيه السياسي" وكان ذلك في بداية النصف الثاني من عام 1972م، وإلى الكتيبة الثالثة من قوات اليرموك التي كان يقودها في ذلك التاريخ الرائد موسى العملة الملقب بـ"أبو خالد العملة" وقد نجح في الانتخابات الخاصة بالمجلس الثوري "لفتح" في المؤتمر العام الثالث. وباعتباري المفوض السياسي للكتيبة رأى أن عليّ أن أتفوق، أو أكون كما يقرأ هو عن هذا الموضوع في التجربة الصينية أو السوفييتية أو الفيتنامية أو غيرها مما يطلع عليه نظرياً، فأرسلني إلى السرية التي كان يقودها الملازم أول يونس العاص "المسماة بسرية الحجاب" الذي أحسن استقبالي وأحضر لي (الحمار أبو الصابر) الذي ينقل الماء للسرية لأنني كنت أعاني من إصابة في قدمي، وقام بتعريفي على قواعد السرية في منطقة النافعة على الحافة الشرقية لواد الرقاد الذي هو الخط الفاصل بين الجولان المحتل وباقي امتداد الأراضي السورية، حيت تشهد المنطقة تداخلاً بين قواتنا وقوات الجيش العربي السوري، وتنامت العلاقة بيني وبين الضباط والمقاتلين في الكتيبة بسرعة كبيرة، وقد كنت أحرص على التواجد في الأمام حيث المواقع الأولى التي تشهد التوتر واحتمالات الإغارة عليها من العدو، وهذا ترك آثاراً مريحة لدى قائد الكتيبة "أبو خالد العملة" ونائبه النقيب حسن أبو شنار، وقد كان أبو خالد مدمناً على قراءة تجارب الثورات العالمية ويدافع بحماس شديد عن الماركسية وعن الاشتراكية العلمية، وقد كانت جميع القيادات تتباها في الحديث عن اليسار والماركسية إلى الحد أن العديد من التنظيمات الفلسطينية تبنتها كنموذج لأيديولوجيتها، والحديث في ذلك تحول إلى نوع من المثالية غير الواقعية بل كان أقرب إلى الموضة السياسية. .الخ، وفجأة يتم اختيار الملازم أول يونس العاص إلى دورة خارجية ما جعل قائد الكتيبة أبو خالد العملة يركز على تواجدي في السرية لمدة زمنية أطول، حيث كلفت السرية بالقيام بتنفيذ عمليات قصف غالباً ضد المستوطنات القائمة في الجولان المحتل، وتعرفت من خلال مشاركتي فيها على جماليات وادي الرقاد الذي تملؤه الينابيع والبرك الصغيرة المتناثرة التي تشكل لوحة خلابة تسر الناظرين، وقد شكلت مشاركتي في العمليات حافزاً واندفاعاً وسمعة طيبة بين الكتيبة مما عزز العلاقة بيني وبين الجميع وقد قام أبو خالد العملة بنشر ذلك في لقاءاته على مستوى قوات اليرموك وعلى مستوى اللقاءات في المجلس العسكري الموسع لقوات العاصفة، وقد كانت إذاعة صوت العاصفة تبث برامجها من درعا وكانت تربطني بالإخوة العاملين فيها علاقة خاصة وتحديداً الأخ أحمد عبد الرحمن، والأخ يحيى رباح والأخ عطية شعث والأخ نبيل عمرو والأخ أبو زهير، وتعتبر إذاعة الثورة في موقعها إذاعة ميدانية وهي عرضة للقصف كغيرها من القواعد، فكنا التعبير الصادق والأمين لكلمات أناشيدها التي كتبت من وحي الميدان وأبدع في كتابتها محمد حسيب القاضي، وسعيد المزين "أبو هشام"، ونزيه أبو نضال، وخالد أبو خالد، وأحمد دحبور... وغيرهم من المبدعين، وكانت عباراتها التي تنبض بالفروسية تتسابق فينا فعلاً وقولا وكنا معها الطلقة الشجاعة المعبرة عن الكلمة الأمينة، تحفزنا بكلماتها الصادقة وجرأتها التي هي مجموع شجاعاتنا وكنت أمرّ عليهم في ذهابي وإيابي من قواعدنا المنتشرة في الجولان، استمع منهم وأشاركهم في نقاشات هامة، كانت بمثابة الأمطار التي تغذي الينابيع  فأخبرهم بتحركنا العسكري وما يتم في القواعد المتقدمة من أعمال قتالية ونقاشات في القواعد وكنا نطلب منهم أن يكثروا من بث بعض الأناشيد وتحديداً (لوحنا على القواعد، وأنا يا أخي أمنت بالشعب المضيع والمكبل، وناقش اسمك يا يما على كعب البارودة – وسنو عظامي سنوها، سنوها سيوف، وعبوني عبوني قنبلة ملوتوف)، وكانت ألحان الفنان الفلسطيني الكبير "مهدي سردانة" تشاركنا إقدامنا وتستنهض فينا الرجولة والبطولة والشجاعة وتقول لنا دائما إلى الأمام" ونفذنا شعارنا العظيم اتبعوني، فكان سباقنا لبعضنا البعض في دورياتنا مكسواً ومزهواً بالكلمة الأمينة المعبرة عن الطلقة الشجاعة، وقد تألق جميع العاملين فيها وكانت غزارة كتاباتهم في تعليقاتهم اليومية تتدفق منها الروح المعنوية " ولن أنسى أخي وصديقي يحيى رباح هو يجلس على عتبة باب الشقة أثناء سخونة الأحداث، وعلى قدميه الأوراق التي تتساقط عليها الكلمات الموجهة للمقاتلين وللجماهير ويلتقطها سائق الدراجة الذي كان يوصلها إلى المذيع في الاستديو ذهابا وإياباً لتغطي العمليات والمعارك، فتعكس سخونتها التي كان وقعها سريعا في تفاعلاته، إنها الكلمات التي كانت من القلب إنها الحب العظيم لفلسطين الوطن والشعب، وكان عملهم هذا العمود الفقري للحراك السياسي وسط قواتنا الشجاعة التي كان ينتشر فيها الراديو صغير الحجم والذي يشبه الجوال في أيامنا الحالية. وكانت تلك الأيام الجميلة لها عناوين وإشارات تدلل عليها فكان أحمد عبد الحمن مدير الإذاعة يعرف إذا كان موجودا بوجود سيارته الحمراء السلحفاة الهتلرية التي لم يكن غيرها تركض من دمشق إلى درعا، ولا يخلو الوضع من مشاركة أبو يزن بزيارات مهمة إلى القواعد المنتشرة في كل مكان كتلك الزيارة التي انتدبنا أبو عمار للقيام بها معاً إلى قواعدنا في الشمال السوري في صافيتا وجبلة وطرطوس واللاذقية.  

مرحلة ماجد أبو شرار:

تولى الأخ ماجد أبو شرار مسؤولية التوجيه السياسي في النصف الثاني من العام 1972م تقريباً، بادئاً بخطوات جادة لإرساء تقاليد لجهاز هام وكان يستثمر التراكمات المتناثرة التي تركها حراك قادة متميزين سبقوا في إرساء قواعد لا يمكن القفز عنها في تاريخ التوجيه السياسي. وكان الغالبية من قيادات الثورة  تنظر إليه باعتبارات خاصة وأنه النموذج لفكر اليسار في المقاومة الفلسطينية بشكل عام، وكانت العلاقات بين جميع فصائل المقاومة تتسابق في ذلك التاريخ على النجاح في التقرب من المعسكر الاشتراكي وكان الأخ ماجد يُعرف عنه أنه قائد لتيار اليسار في فتح، وأبو خالد العملة يعتبره النموذج المتكامل لهذا العمل الذي ينتظره مستقبل وغد مشرق كما كان يردد على مسامعي.  لهذا رحب بتعين الأخ ماجد وعندما طلبنا لحضور أول اجتماع له مع الإخوة الذين يتولون مسؤولية التوجيه السياسي في إحدى القرى غرب العاصمة دمشق، شجعني الأخ أبو خالد على الحضور وكانت بدايات موفقة من قبل الأخ ماجد، وتم التركيز على ضرورة  الاستفادة من قوات اليرموك باعتبارها إضافة نوعية للثورة الفلسطينية بشكل عام ولقوات العاصفة بشكل خاص، فهي تشكيل نظامي متكامل خرج من صلب الجيش العربي الأردني يبدأ من الفصيل فالسرية فالكتيبة فقيادة القوات وتبدأ الرتب من الجندي الأول وتتدرج صعوداً لتصل إلى رتبة العقيد وكان في حينها العقيد سعد صايل قائداً لها وتتقاضى مرتبات منتظمة ومحددة بسلم رواتب كما كان في الجيش الأردني الشقيق، وهذا التنظيم أوجد ثغرات في الوضع الداخلي للقطاعات العسكرية الأخرى في قوات العاصفة وفي باقي قطاعات وتشكيلات قوات التنظيمات الفلسطينية الأخرى، وبرزت بشكل واضح في انعكاسها السلبي في "فتح" تحت مظلة أن القيادة العامة واللجنة المركزية تسير بتشكيلات قوات العاصفة باتجاه مماثل لقوات اليرموك في الرتبة والراتب الذي كان يطلق عليه "المخصص"، والذي لم يكن يؤخذ كما في اليرموك بل كان يوضع في الاعتبار الكادر والمناضل والفارق بينهما محدود في المرتب، ودخلنا في إشكالية أطلق عليها "عسكرة القوات" بعضها تشجع لفكرة الانتقال كما في قوات اليرموك في الرتبة والمرتب وفي التشكيل، والانتقال بتشكيل القطاعات لصيغة اليرموك، والبعض الآخر رفض كلياً الفكرة واعتبرها مبكرة وتتناقض مع فكرة الثورة بالأساس، وتضر بفكرة حرب الشعب وحرب العصابات، وأنها ستحول الثورة مثل غيرها من الجيوش المحيطة بفلسطين والتي ساهمت في ضياعها.

وجرى النقاش معمقا حول كيفية الحديث في هذه المواضيع وترجمة التشكيلات الثلاثة التي نتجت عن قرارات القيادة بأن تتحول إلى ثلاثة قوات أساسية وهي قوات اليرموك كما هي وقطاع لبنان يتحول بتشكيلاته إلى مسمى قوات القسطل، وفي سوريا تتحول القطاعات المنفردة إلى تشكيل جديد يحمل اسم قوات الكرامة، وتم الاتفاق على خطوتين في هذا الاتجاه وهما:

أولا: العمل على الحفاظ على التشكيل الذي جاءت به قوات اليرموك وتطوير المستوى في الأداء بنقل تجربة الثورة لتلك التشكيلات كي تتلاءم مع واقع الثورة وظروفها في الميدان وفي أساليب القتال المعمول بها في جسم الثورة بشكل عام، دون المساس بالتشكيل والتراتبية التي اعتبرت خطوة متقدمة في مرحلة من مراحل الثورة.

ثانيا: تنفيذ عملية تدريب تشمل القطاعات وفي كل الاتجاهات مع تكثيف اللقاءات على مستوى القمة والقاعدة لتوحيد المفاهيم بالتحولات الجديدة التي طرأت، ومرت الأوضاع بصعوبة نسبية، وتم التركيز في التوجيه السياسي على اليرموك في عملية التوعية السياسية والاستفادة من الاندفاع الذاتي المتوفر لدى جميع مستوياتها في التشكيل، وهنا اقترحت على الأخ ماجد أن نستفيد من وجود الأخ يحيى رباح وخبرته المتميزة في الكتابة التعبوية وقدرته الذاتية المتميزه في المحاضرات والحوار والعمل الميداني، بنقله إلى التوجيه السياسي مع الاستفادة منه في الإذاعة، واقتنع الأخ ماجد بالفكرة وعمل بها.

الميدان أولى خطوات ماجد:

لقد نجح الأخ ماجد في القيادة بتميز أثناء الصدامات التي حدثت بين قوات الثورة والجيش اللبناني في النصف الأول من عام 1973م وتحركت قطاعات من القوات إلى شمال لبنان ومن بين تلك القوات كانت الكتيبة الثالثة ولكن بعد نقل أبو خالد العملة منها ليتولى قيادة الكتيبة الثانية من قوات اليرموك، ويبدأ القتال في الشمال اللبناني، ويتميز الجميع في السباق أثناء المواجهة، وكانت التعاميم التي يكتبها الأخ ماجد أبو شرار تجد صدى واسعاً حيت كنا نذهب أنا ويحيى وجهاد صالح إلى معسكر مصياف لطباعتها، وتوزيعها على القوات، وقد نفذ قائد الكتيبة الثالثة حسن أبو شنار الهجوم الأول بنفسه، تطبيقا لشعار الحركة الذي يقوله القائد "اتبعوني"، وتنجح الكتيبة الثالثة وغيرها من القوات في جعل الموقف في شمال لبنان يستقر لصالح قوات الثورة الفلسطينية، ونجح التوجيه السياسي نجاحاً مميزاً في مهامه الميدانية وتواجده في ميدان المعركة، وكانت منشوراتنا وصحافتنا وتعاميمنا تعكس الروح المعنوية التي تتدفق في أوردة وشرايين الجميع (مقاتلين، وضباطاً، وقادة) واستقر الوضع في شمال لبنان لصلح قوات الثورة الفلسطينية بفضل وجود محبة عربية جماهيرية لبنانية، بناها تنظيم أشرف عليه قادة مؤمنون برسالتهم إلى جانب شجاعة القوات من جميع التنظيمات الفلسطينية وتواجد القادة في الميدان، وكل ذلك كان المادة التي يتحرك بها كادر وقيادة التوجيه السياسي، وكانت الأسماء في ذلك التاريخ لها رنين ورونق، فكانت كالأيام تكتسب بقاءها وديمومة لمعانها بسخونة الميدان، وقوة لهيب المعركة، والتواجد الملحوظ الذي يحدت الفعل والتفاعل معاً.

أول مجلس للتفويض السياسي

ومع اشتداد القتال الذي انحاز فيه الشعب اللبناني الشقيق إلى جانب الثورة الفلسطينية، كان الأخ ماجد قد استكمل تعيين المفوضين السياسيين على مستوى الكتائب والقطاعات وإدارة التفويض السياسي، ليصبح لدينا مقر في دمشق ومقر في بيروت ويترأس الإدارة العامة الأخ روحي رباح "أبو النمر" وقد كان متميزاً في عمله. وجاء التشكيل الأول في مرحلة ماجد أبو شرار كما يلي:

الأخ أبو نائل القلقيلي نائباً للمفوض السياسي العام ومفوضا سياسيا لقطاع الجولان، الأخ يحيى رباح مفوضاً سياسياً للكتيبة الثانية من قوات اليرموك، الأخ عدلي الخطيب "أبو فاخر" مفوضاً سياسيا للوحدة الخاصة، الأخ "أبو حسين" مفوضاً سياسياً للكتيبة الأولى، الأخ عثمان أبو غربية مفوضاً سياسياً للقطاع الأوسط، الأخ مازن عز الدين مفوضاً سياسياً للكتيبة الثالثة والكلية العسكرية لـ"فتح"،  والأخ سعد الجرجاوي "رضا محمد" مفوضاً سياسياً للأجهزة الإدارية "اللوازم العامة وغيرها من أجهزة الدعم المباشر،" الأخ حلمي أبو غربية "أبو ناصر" مفوضاً سياسياً للمدفعية، إلى جانب تكليف البعض بأكثر من مهمة إضافية إلى جانب مهامه الأساسية، وفي أول اجتماع في المقر في بيروت بحضور الجميع سلم الأخ ماجد لكل واحدٍ منا قراراً يحتوي على أول تشكيل لمجلس التوجيه السياسي يضم الإخوة (أبو نائل، عثمان أبو غربية، رضا محمد، يحيى رباح، أبو حسين، أبو فاخر، وود ميرم "عبد الناصر السوداني"، مازن عز الدين)، وقد باركت القيادة العامة لقوات العاصفة تلك الخطوة التي تبعها خطوات أخرى في استكمال تعبئة المواقع بالمفوضين السياسيين، والأهم أن المعارك توقفت بتدخل من الرئيس الأسد الذي أرسل للرئيس فرنجية والقائد العام ياسر عرفات، من يبلغهم همسا بضرورة التوقف لأن المنطقة على شفير حدث قومي كبير يحتاج لجهد الأمة كلها وكانت تلك الهمسة أن التحضيرات لحرب تشرين الأول/ أكتوبر تسير على قدم وساق.

الوفد العسكري الذي قادة ماجد إلى قناة السويس:

جاءتني برقية من قيادة قوات اليرموك تطلب مني التوجه إلى بيروت ومعي جواز سفري، وصلت بيروت ليتم إبلاغي بأننا سوف نغادر إلى القاهرة في زيارة لبعض الكليات المصرية. وكان الوفد يتكون من الإخوة ماجد رئيساً وعضوية محمد جهاد، وياسين سعادة، والحاج حسن، ومازن عز الدين. وعند وصولنا وجدنا أنهم أعدوا لنا برنامجاً مكثفاً لزيارة الجبهة على امتداد قناة السويس، قبل حرب تشرين الأول/ أكتوبر المجيدة بأيام معدودة، والمستغرب أننا شاهدنا وضعاً طبيعياً وجميعه في الوضع الدفاعي من مرابض الدبابات المتمركزة في نقاطها القوية إلى مرابض المدفعية وكانوا يشرحون لنا ضعف الإمكانيات المتوفرة لديهم وأن الروس لا يمنحونهم الأسلحة الموازية للأسلحة الأميركية التي تعطى لإسرائيل وشددوا على أن الطائرات في غالبيتها لا يوجد لديها إطارات احتياط وهذا لا يساعد على الاستفادة منها في طلعات متكررة، وهذا الشرح جعلنا نمتعض من المعاملة الروسية لمصر وأنهم لا يساعدوننا على تحرير أراضينا التي احتلت عام 1967م، وعندما قمنا بزيارة إحدى القواعد البحرية والتي جميع قطعها من الزوارق السريعة المجهزة بالصواريخ الروسية التي دمرت المدمرة الإسرائيلية "إيلات" التي شاهدنا شرحا مفصلا عن تدميرها إلى جانب فيلم تسجيلي. وقد كشفوا لنا عن أن البحرية المصرية دمرت في نفس الوقت مدمرة أخرى لم يعلن عنها الجانبان المصري والإسرائيلي وكل له أسبابه، وتلك المدمرة تعرف عليها القبطان حسن رشدي فهي المدمرة التي كان قائدها، وقد شاهدها بالقرب من ساحل العريش وأبلغ زملاءه في قيادة القوات البحرية أن المدمرة "إبراهيم" وهي المدمرة المصرية التي قامت بقصف حيفا في العام 1956م وتم أسرها من القوات الإسرائيلية بعد قصفها من سلاح الجو الإسرائيلي في حينه تقترب من قناة السويس وهو لا ينساها وقامت البحرية المصرية بأغراقها في نفس التوقيت الذي أغرقوا فيها المدمرة "إيلات" وعندما قلنا لهم إن هذا انتصار يعزز المعنويات للأمة كلها وليس لمصر فقط، أجابوا إنهم لا يريدون أن يذكّروا شعبهم وقواتهم بأنها باخرتهم التي أسرت في حرب السويس الأولى. وعندما انتهت الزيارة خرجنا محبطين وأن الأشقاء في مصر لا نية قريبة لهم في القتال للأسباب التي ذكروها لنا وعدنا لنتحدث في قواعدنا عن ذلك ونشرح أن مصر لن تقاتل قريبا، وأنها تشكو من التعاون الروسي لها، وبعد أيام من الزيارة فوجئنا كغيرنا بالهجوم العربي الشامل في حرب تشرين الأول/ أكتوبر المجيدة. ويبدو أن أشقاءنا في مصر يعلمون أننا سنتحدث عن زيارتنا للجبهة في كافة مواقعنا، ونكتب عن انطباعنا بصدق في إعلامنا المتميز وخصيصاً أن الأخ ماجد كان يرأس الإعلام الموحد إلى جانب التوجيه السياسي، وكنا دون أن نشعر جزءاً من الخطط المصرية للتضليل والتعمية الاستراتيجية التي كانوا يراكمونها في ذهن العدو والتي محصلتها أن الحرب لا زالت بعيدة وبلعت إسرائيل الطعم. لكننا في التوجيه السياسي، كنا أيضاً نعبئ قواتنا إن حدثت الحرب فهي ستكون حرب تحريك وليست حرب تحرير.

الأخ ماجد يجري بعض التغييرات:

لقد أرسى الأخ ماجد بعض التقاليد الهامة منها الاجتماع الأسبوعي لمجلس التوجيه السياسي والذي نستمع فيه إلى الجديد في المشهد السياسي إلى جانب الحديث من قبل كل واحد منا عن تجربته في الكتيبة أو القطاع الذي يتواجد فيه، وبذلك يكون لدينا إلمام بكل التفاصيل التي تحدث على امتداد تواجدنا. وأذكر أنني تحدثت في أحد الاجتماعات عن إحدى التجارب التي اعتبرت من المبادرات الميدانية تتلخص في (قيامي على رأس مجموعة من المقاتلين من الكتيبة الثالثة بزيارة للقطاع الأوسط الذي كان قائداً له الأخ الرائد بلال والأخ عثمان أبو غربية المفوض السياسي للقطاع، وكان للزيارة هدف مركزي وهو التعرف من قبل قوات اليرموك على سير الحياة اليومية في القواعد الأخرى من قوات العاصفة وقد حضرت المجموعة بالصدفة علاج مشكلة حدثت أثناء وجودهم في زيارتها وقام بحل المشكلة دياب العلي "أبو الفتح"، وكان قائد وحدة في ذلك التاريخ، وتتلخص المشكلة بأن أحد المقاتلين شتم القيادة العليا فتشابك الإخوة مع بعضهم في القاعدة ووصل أبو الفتح "واستمع للموضوع والجميع يستمع بتركيز بما فيهم ضيوف القاعدة من الكتيبة الثالثة من قوات اليرموك وببساطة ساد القاعدة جو من الضحك والحيوية وعاد الحديث لجديته وقد تركت البساطة في التعامل آثاراً إيجابية لدى المجموعة الزائرة من الكتيبة الثالثة أدت إلى أن يغير أبو خالد العملة أسلوب المحاكمات التقليدي المهين الذي كان يتبعه.

ومن التجارب المشتركة مع القطاع الأوسط عقد الأخ عثمان جلسة تنظيمية في إحدى القواعد وكان يستضيف عدداً من الكتاب والصحافيين اللبنانيين المعروفين في ذلك التاريخ، وكان العنوان في الجلسة الإجابة على سؤال هل نحن ثورة؟ أم مشروع ثورة؟ وعادت المجموعة من الزيارة لتحدث تحولات أثرت على بعض القيادات والكوادر في اليرموك بشكل عام وهكذا كانت تتغير الأوضاع في قواتنا وكتائبنا وقواعدنا بشكل إيجابي لا يخلو من النواقص والبحث الدائم عن التطور وتعزيز الخبرات.

مدرسة الكوادر:

وتناقشنا معمقاً بضرورات تطوير عملنا بالاهتمام بمدرسة الكوادر لعلنا نستطيع أن نُخرجّ من خلالها بعض الكوادر لتعزيز مهمة التفويض السياسي في القوات، ولهذا الغرض تم نقل الأخ عثمان من القطاع الأوسط وتعيينه مديراً لمدرسة الكوادر التي تغير مكانها لتصبح في الغوطة الشرقية من دمشق، وأخذنا قراراً بتنظيم الدوام الأسبوعي في المدرسة مع الأخ عثمان ولجميع أعضاء مجلس التفويض السياسي، وقد نجحت تجربة المدرسة في مهامها وجميع مراحلها.

دورات خارجية لتطوير الخبرات:

بُعث الأخ عثمان إلى أكاديمية فسترل في الاتحاد السوفييتي على رأس المجموعة المتخصصة بالتوجيه في البعثة العسكرية الفلسطينية، والتي كان قائداً لها الأخ موسى عرفات القدوة، وكانت الدورة متخصصة في قيادة الألوية وقيادة الكتائب بشكل عام، وبالنسبة لاختصاص التوجيه السياسي كانت الدورة بالمسمى المعمول به في القوات الروسية، وهو نائب قائد لواء لشؤون التوجيه السياسي، أما بالنسبة لباقي أعضاء الدورة فكانت دورة قائد لواء وقائد كتيبة، وبعد ستة أشهر عاد الأخ عثمان وأرسل مازن عز الدين على رأس المجموعة الفلسطينية التي تضم متخصصين في حقل التوجيه من جميع الفصائل الفلسطينية. وكان الأخ إسماعيل جبر قائد الفريق الفلسطيني الذي أخذ نفس المنهاج الذي حصلت عليه في الدورة التي سبقت، وتشاء الظروف أن تتواجد الدورة أثناء مجازر تل الزعتر وتسود الخلافات داخل البعثة الفلسطينية وتحديداً مع الأعضاء الذين جاؤوا من الصاعقة السورية  لتعود البعثة عن طريق البحر بعد تخرجها وحتى لا يتم اعتقالهم من الأشقاء السوريين الذين ساهموا مع الكتائب اللبنانية والقيادات العسكرية الإسرائيلية التي شاركت بالسلاح والتدريب والإشراف مع الكتائب في ذلك التاريخ، كان ذلك في العام 1976م واستمرت مرحلة الأخ ماجد لفترة حافلة بالأحداث وترك التوجيه السياسي ليتفرغ لعمل الإعلام الموحد.

مرحلة الأخ خطاب:

لقد تعرفنا على الأخ المناضل عزت أبو الرب "خطاب" قبل أن نراه في التوجيه السياسي، فهو الذي عرفنا على نفسه بالرسائل التي كان يرسلها إلى الأخ أبو عمار وهو في السجن، وكانت الرسائل تفوح منها رائحة العز والشموخ والكبرياء والصمود، وكان القائد العام أبو عمار يحدثنا عنه في اجتماعات المجلس العسكري الموسع، وبعد أن افرج عنه من سجنه عند الأشقاء في الأردن، وصل إلى دمشق ومن ثم إلى بيروت، صدر له قرار بتولي مسؤولية التفويض السياسي، لتبدأ مرحلة جديدة من العمل والأنشطة، ولكنها جميعها لم تأت من فراغ بل بالتراكم الإيجابي من الجميع، وهكذا بدأت مرحلة من عملنا لترسم وضعاً جديداً لمهام جديدة في العمل الصعب المتواصل لجميع قوات الثورة الفلسطينية، وتقريباً بدأت تلك المرحلة، مع النجاح الذي حققته القمة السداسية في الرياض التي عقدت بطلب الرئيس أبو عمار من الأمير فهد التدخل لإنهاء الحرب الأهلية التي حصدت أرواحاً ودمرت مدن وقرى، وقد حضر القمة في الرياض: (الملك خالد، والرئيس السادات، والرئيس الأسد، والرئيس سركيس، والرئيس ياسر عرفات، وأمير دولة الكويت صباح سالم الصباح) ونتج عن القمة وقف الحرب الأهلية، وعودة القوات الفلسطينية إلى الجنوب اللبناني، وتشكيل قوات الردع العربية.

وهذه المرحلة كانت بداية العودة إلى الطريق الصحيح في عمل الثورة وهو مواجهة العدو الرئيس وإعادة البناء وترميم ما تم هدمه لتبدأ المواجهة من جديد وبوضع جديد وبمسمى جديد وهو مواجهة دويلة سعد حداد واجتياز الشريط الحدودي لتنفيذ العمليات ضد القوات الإسرائيلية. وبدأت مرحلة جديدة ومتنوعة في أساليب القتال الكثير منها مع المنطقة العازلة التي أسستها "إسرائيل" والقليل من معاركها كانت مباشرة مع إسرائيل.

مهام التوجية السياسي لتلك المرحلة:

أولاً: ترميم العلاقة وتضميد الجراح بيننا وبين والقوات السورية، وهي من المهام الصعبة بعد القتال المباشر، وغير المباشر الذي جرى بين الطرفين وانعدام الثقة المصحوب بحاجز من الخوف الذي تراكم عبر متاهات الحرب الأهلية والتغيرات السياسية في خريطة التحالفات.

ثانياً: الإعداد النفسي للقوات التي انتشرت على امتداد مساحة لبنان الجغرافية ودخلت في قتال دموي أبعدها عن هدفها المركزي وهو قتال العدو الإسرائيلي، والبدء في تجميع القوات وإعادة البعض منها إلى شمال سوريا بغرض التدريب والراحة والتأهيل، والبعض منها إلى الجنوب لمواجهة جيب سعد حداد "المنطقة العازلة"، الذي فرض على قواتنا معارك وعمليات ونسج علاقات وتحالفات جديدة.

استكمال مأسسة التوجيه السياسي:

لقد كان عزت أبو الرب "خطاب" من المتميزين في عمل التوجيه السياسي، لتمتعه بالعمل المنغرس بمنطق الثورة ولا شيء غير ذلك، وهذا كان يسهل على العاملين معه مهمتهم، لأن ذلك كان يحتاج لاندفاع معنوي كبير من القادة والمفوضين السياسيين، فبدأ خطاب باستكمال مأسسة التوجيه السياسي ونجح في العديد من الخطوات التي دفعت الجهاز إلى الأمام ومنها إنهاء الإشكالية التنظيمية للعاملين في التوجيه السياسي ودمجهم بشكل نهائي في القوات والقطاعات العاملين بها في كل احتياجاتهم الإدارية ووضعهم في السلم القيادي للقوات أو القطاعات، ولهذا الغرض تم تقييم المفوضين السياسيين الذين لم يتخرجوا من كليات عسكرية أو لم يحصلوا على دورات تأهيلية عسكرية وسياسية، وتم اعتماد الرتب العسكرية في الجهاز ووقع على تلك الترقيات واعتمادها القادة الثلاث وهم العميد سعد صايل "أبو الوليد"، وخليل الوزير "أبو جهاد"، والقائد العام ياسر عرفات "أبو عمار"، وأخدت تلك الخطوة بعض الاعتراضات لكنها سرعان ما تم التأقلم معها، وأخد "خطاب" الخطوة التالية وهي إيجاد نشرة جادة تعزز عمل المفوضين في القوات وهي نشرة "صوت العاصفة"، وقد كان يتم مناقشة الموضوعات الخاصة بها في الاجتماع الدوري لمجلس التفويض السياسي، واستمرت صوت العاصفة في الصدور طيلة المدة التي أمضاها "خطاب" في التوجيه السياسي، ولكن الأهم أنه أوجد المادة المدروسة التي يجب أن تصل للمقاتلين في أماكن تواجدهم وجعلها ضرورة لعمل التوجيه في القوات. أما الخطوة الثانية التي نفدها الأخ خطاب فكانت تعيين المفوضين السياسيين على مستوى القوات مع العمل عبر مدرسة الكوادر على إقامة الدورات التي عرفت في حينها بتخريج رواد العمل السياسي في القوات، وهم من الضباط والكوادر الأساسية في قواتهم حيث يعودون إلى قواتهم بقدرات سياسية وتنظيمية مختلفة عما كانوا عليه قبل تخرجهم، وأصدر قرارات معتمدة من القائد العام ياسر عرفات تقضي بتعيين الإخوة عايش بدران مفوضاً سياسياً لقوات الكرامة، وعبد الناصر السوداني "وود ميرم" مفوضاً سياسياً لقوات القسطل ومن ثم جرى نقله لقيادة الجهاز وتعيين يحيى رباح المفوض السياسي لقوات القسطل، ومازن عز الدين مفوضاً سياسياً لقوات اليرموك، وعدلي الخطيب "أبو فاخر" مفوضاً سياسياً لقوات أجنادين، وحلمي أبو غربية "أبو ناصر" لسلاح المدفعية. وسعد جرجاوي "رضا محمد" مديراً لمدرسة الكوادر، وروحي رباح "أبو النمر" مفوضاً سياسياً لأجهزة الدعم المباشر. وبعد أن تم إعادة بناء الكلية العسكرية ونقلها إلى شاتيلا تم تعيين حسن صالح مفوضاً سياسياً لها، وبعد التطورات التي حدثت في جسم الثورة وتطور علاقاتها الداخلية، ووجود قوة مميزة من جيش التحرير الفلسطيني تطور عمل التوجيه السياسي ليشمل هذا القطاع الهام وتم تعيين خالد مسمار مفوضاً سياسياً له.

وانتظم عمل التوجيه السياسي وأصبح يعمل بمنظومة شبه متكاملة بعد أن كان يعتمد في السابق على إبداع ومبادرات القادة والكوادر التي كانت في غالبيتها من الصف الأول. وقد تغير اسم التوجيه السياسي عدة مرات منها مسمى (مديرية التوجيه السياسي، وهيئة التوجيه السياسي والمعنوي)  وكانت تلك المرحلة من عمل التوجيه السياسي في القوات مليئة بالمعارك الطاحنة والقاسية في وسائطها وفتراتها الزمنية، والعمليات النوعية، التي كانت تتسبب في اجتياحات تمتد لمسافات كبيرة وتحتاج لاحتلال مدن أساسية قامت به قوات سعد حداد وتحتاج منّا لجهود مكثفة لحشد القوات لتحريرها مثل (التوسع الذي حدث في مدن العرقوب "الخيام وابل السقي" أو العيشية في القطاع الغربي، ورب ثلاثين والطيبة وغير ذلك من المدن والبلدات والتلال)، وكان على قواتنا الحشد وتنسيق القوى بين القطاعات والقوات وتنظيم التعاون في اتجاهات الهجوم ومحاورة وتنظيم نيران المدفعية المساندة للهجمات وغيرها وفي هذا الاتجاه أذكر بعض المواقف التي لعب فيها العامل الذاتي منا جميعا، دوراً أساسياً:

الموقف الأول: قاعدة نبع الحاصباني، لقد اصطحبني الأخ خليل الوزير "أبو جهاد" برفقته في إحدى زياراته للقوات، ومنها زيارة لأبناء بلدتي رب ثلاثين والطيبة والذين أقاموا قاعدة لهم على نبع الحاصباني بانتظار العودة لقراهم بعد أن تم احتلالهما من قبل قوات العميل سعد حداد"، وبعد الشاي والحديث المعمق في التطورات السياسية والميدانية. ..الخ قال أحدهم لأبي جهاد نريد العودة مرفوعي الرأس، نريد تحرير الطيبة ورب ثلاثين حتى نعود لبيوتنا، وأضاف والدموع المكابرة تتحجر في عينيه قاتلنا معكم سنوات ولا زلنا، نريد منكم أن تقاتلوا معنا ومن أجلنا ساعتين إلا تستطيعون ذلك؟ فنظر إليّ أبو جهاد وقال "سمعت" وكان الموقف تسوده الانفعالات المتلاطمة كأمواج البحر الهائج واستكمل أبو جهاد حديثه سنفعل، فقلت له إن هذه الموجة من الانفعالات الصادقة تعبئ جيشاً وتجعله يحقق الانتصار وقد حدث ذلك وشنت قواتنا هجماتها المنسقة بدقة في القاطع الغربي والأوسط والشرقي، ونجحت في إنهاء تحرير غالبية المدن والقرى التي احتلتها قوات سعد حداد وكانت جميع قوات الثورة الفلسطينية تشارك في صنع ذلك الانتصار. لقد كان التدريب والتدريب المستمر والتعبئة المعنوية والنفسية والخبرة المتراكمة والمتنامية لقواتنا كانت تسابقنا وكنا نسابقها في إحداث المزيد من الإبداع الميداني.

الموقف الثاني: الرئيس الأسد والهجوم على مرج عيون.

لقد اتخذ القرار النهائي باستثمار انتصارات قواتنا في كل أماكن تواجدها بضرورة تتويج كل ذلك بتحرير مرج عيون، عاصمة دويلة سعد حداد التي صنعتها "إسرائيل" لتكون مانعاً وسداً يحول بيننا وبين فلسطين، ومعنوياتنا تسبقنا وتعميم انتصاراتنا كانت تصل إلى كل مقاتل وتم تنسيق القوى بين القاطع الشرقي الذي كان قائده العقيد غازي عطا الله "أبو هاجم" وبين القاطع الغربي الذي كان يقوده العقيد الحاج إسماعيل جبر، وتحركت القوات ووصلت طلائعها إلى مسافة ملامسة لبعض جدران منازل المدينة وكان الهجوم مع لحظات الفجر الأولى وكانت كلمة السر للهجوم "أبو هاجم، هاجم" وفجأة يتم استدعاء أبو هاجم لملاقاة أبو عمار، عند نقطة المصنع وهي النقطة الحدودية اللبنانية مع سوريا على طريق دمشق بيروت، ووصل وأبلغه بضرورة وقف الهجوم على مرج عيون لاعتبارات قومية، وعاد أبو هاجم الذي كان برفقته الأخ خطاب محبطاً وأبلغ خطاب بعدم قدرته على كسر معنويات قواته القادرة على تحقيق الإنجاز الكبير "فقام خطاب باستدعائي وإبلاغي بضرورة المرور وإبلاغ الجميع بإلغاء الهجوم، وقلت له لماذا لا يتم استخدام الأجهزة، فأشار حتى تنسحب قواتنا بنفس الهدوء والسيطرة وعدم إعطاء الطرف الآخر فرصة الاستفادة من اللحظة ومررت على الكثير من المواقع وكل مجموعة منادياً أبو هاجم مش هاجم، أبو عمار أجل الهجوم، وقد كان الموقف مقلقاً للجميع لكن التواجد الميداني وتنفيذ التعليمات كانت جزءاً من العمل الجماعي الذي تم نسيجه بمئات الجلسات.

الموقف الثالث: إنقاذ الكتيبة الثالثة:

لقد حدث الاختراق الإسرائيلي في حرب تشرين الأول/ أكتوبر للجبهة السورية ووصلت إلى تل شمس وتل أبو الشحم، وكان قائد القوات السورية في ذلك المحور اللواء علي زيود الذي استدعى قائد الكتيبة الثالثة من قوات اليرموك المقدم حسن أبو شنار وأبلغه أن يعد كتيبته للهجوم عل تلك التلال وطرد القوة الإسرائيلية التي تمركزت فيهما. وعاد المقدم حسن وأشار عليّ قائلا: انظر إلى تلك التلال،  وأبلغني بما حدث، وقلت له ماذا ستفعل؟ فأجاب سوف أمضي على رأس الكتية، لن نسجل أننا تقاعسنا، ولن ندعهم يقولوا عنا إننا جبناء فيما بينهم، فقلت له متى الهجوم؟ مع لحظات الفجر الأولى، فقلت له لدينا وقت، أعطني فرصة أن أذهب للعمليات المركزية وأقابل الأخ العميد سعد صايل أو الأخ أبو ماهر غنيم ونبلغهم بالموقف ودعني أصارحهم بالوضع، يمكن أن يكون لهم رأي آخر، وعلى أقل تقدير إذا قدر الله وتم شطب الكتيبة، تكون قيادتنا على علم بما جرى، وافق على الرأي وتوجهت إلى دمشق، وقابلت على الطريق الأخ أبو نائل القلقيلي وأخبرته بالموقف، فأشار عليّ بعدم تنفيذ الأمر، وقابلت العميد سعد صايل "أبو الوليد" وعلى الفور ذهب إلى غُرفة جانبية بها الخرائط التي تشمل كل جبهات القتال وطلب مني تحديد المكان المطلوب مهاجمته وسألني عن مستوى تدريب الك

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website