اسرائيل تنظر شرقاً: العلاقات الإسرائيلية مع كلمن الصين والهند، ايمن يوسف، العدد 269

إسرائيل تنظر شرقاً:

العلاقات الإسرائيلية مع كل من الصين والهند

في إطار الانتقال من التعاون الوثيق إلى الشراكة الاستراتيجية

 

د. أيمن يوسف[*]

تقديم نظري:

مع نهاية الحرب الباردة وتفكك المنظومة الاشتراكية في أوروبا الشرقية، بدأت إسرائيل بمراجعة شاملة لاستراتيجية علاقاتها الإقليمية والدولية آخذة بعين الاعتبار العوامل والمتغيرات المختلفة بعد الحرب الباردة، لا سيما تغير هيكلية النظام الدولي وميله إلى الأحادية القطبية بدل الثنائية القطبية، وتراجع دور الأيدولوجيا والاعتبارات السياسية لصالح المصالح الاقتصادية والاعتبارات الثقافية والحضارية[1].

دخلت السياسة الخارجية الإسرائيلية في تحد كبير في فترة ما بعد الحرب الباردة وبداية محادثات السلام مع الفلسطينيين والعرب في مدريد عام 1991، والتوقيع على إعلان مبادئ مع الفلسطينيين في عام 1993، ومعاهدة سلام مع الأردن في عام 1994، لأن المجتمع الإسرائيلي كان منقسماً حول ثمن السلام مع العرب لا سيما أن الدخول في عملية تفاوضية يعني انسحابات إسرائيلية حتمية من أراض عربية محتلة تعد في المخيلة الجماعية والدينية الإسرائيلية جزءاً أصيلاً من أرض إسرائيل. وقد تجلى هذا الانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي فيما يتعلق بعملية السلام في عام 1995 حينما قام متطرف يهودي باغتيال اسحق رابين بسبب رؤيته المؤيدة لسلام شامل مع الجيران العرب. وبالرغم من قدرة حكومة رابين على الدخول في عملية سلمية مع الفلسطينيين من خلال التوقيع على اتفاق أوسلو، إلا أن الدعم الإسرائيلي العام لهذه العملية التفاوضية الذي يتطلب تنازلات، لم يكن بمستوى عال حيث بقيت استطلاعات الرأي العام من الإسرائيليين تشير إلى أن 40-50% منهم عارضت أوسلو عند انطلاقتها[2].

مع نهاية الثمانينات وبداية التسعينات من القرن العشرين تبلورت المدرسة النيوليبرالية في إسرائيل، التي قادها شمعون بيرس ويوسي بيلين وحاييم رامون، حيث تؤمن هذه المدرسة أن التعاون الاقتصادي الإقليمي والدولي من خلال التجارة البينية والمشاريع الاقتصادية، المشتركة، والاستثمارات المتبادلة، والتبادل الثقافي والتعاون العلمي البحثي والأكاديمي، وتحسين العلاقات السياحية بحيث تخلق كلها بيئة مشجعة للتعاون وزيادة الحوافز لدى الدول أكثر من الصراع، ويؤدي ذلك في -المحصلة النهائية- إلى خلق حالة من الاعتمادية المتبادلة Interdependence and cross border cooperation صعبة الفكاك يمكن استغلاها سياسياً لعمل مقايضات ومساومات في ملفات أمنية وعسكرية واستراتيجية وسياسية. في سياق الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني يتم توظيف هذه المدرسة إسرائيلياً لإحداث وعي طبقي يتخطى الحدود القومية والوطنية لدى النخب العربية والفلسطينية بهدف تذويب الصراع بدلاً من حله جذرياً عبر مشاريع اقتصادية إقليمية مشتركة، وبمساعدة رأسمال في دول المركز العالمي، الاتحاد الأوروبي وأميركا واليابان.

منذ نهاية الحرب الباردة احتل الشرق الأوسط مركز الصدارة على الأجندة الأميركية الجديدة، وتم مكافأة إسرائيل بدور أكبر في هذه الأجندة نظراً لما قدمته من خدمات خلال الحرب مع الشيوعية، ولكونها الحليف الاستراتيجي للمنتصر. وقد جاء مشروع شمعون بيرس للشرق الأوسط الكبير متماهياً بشكل كلي مع المصالح الاستراتيجية الأميركية في المنطقة. وقد نظمت العديد من المؤتمرات مستهدفة مستقبل الشرق الأوسط من قبل العديد من المؤسسات الدولية والمالية والبحثية، مثل مجلس العلاقات الخارجية الأميركية، والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومعهد السياسات الاجتماعية والاقتصادية للشرق الأوسط في جامعة هارفارد، ومنتدى دافوس الاقتصادي. وبرز غياب الدور الأوروبي لأنه وفقا للعقيدة الأميركية الجديدة أضحت منطقة الشرق الأوسط تحت النفوذ الأميركي الشامل وانحسر الدور الأوروبي على تمويل مشروع السلم الأميركي العالمي والسلم الإسرائيلي الإقليمي. وهدفت هذه المؤتمرات والورشات العالمية والإقليمية لتعزيز الهيمنة الأميركية في المنطقة من خلال دمج إسرائيل في التركيبة الإقليمية وإدماج الدول العربية أيضا فيها من خلال مرحلة العولمة النيو ليبرالية وما تقتضيه من إصلاحات اقتصادية وسياسية واجتماعية ومفاهيمية لتتناغم مع المقترح الإقليمي الجديد. وما رافق هذه الأجندات من دعوات ورؤى تهدف إلى إطلاق طاقات الشباب والنساء ورجال الأعمال، و"لبرلة" الإعلام وإصلاح المنظومة الثقافية وتصحيح المناهج وإعادة ترتيب التربية الدينية لدول المنطقة، بما يتناغم مع مرحلة الوعي الجديد.

اختصاراً، فقد ت

 

 

صاغت إسرائيل سياساتها الخارجية في قالب معين عكس الخصوصية الاستثنائية للمشروع الصهيوني في فلسطين، وهي حالة من العمل المتواصل الدؤوب لإدارة الصراع وخوض الحروب والدخول في عمليات سلمية تسووية، هدفها إبقاء المشروع قابلاً للعيش والحياة في بيئة جغرافية ثقافية لها سماتها الخاصة. وبالرغم من السعي الإسرائيلي لتوسيع دائرة علاقاتها الدولية والإقليمية على أكبر نطاق، إلا أن هناك تركيزاً خاصًا على نوعية هذه العلاقات، ومع أي الدول  تنسج إسرائيل علاقات وثيقة مستفيدة من الظروف والمتغيرات الإقليمية والعالمية. ومنذ قيامها في عام 1948، عملت إسرائيل لاستراتيجية إدارة علاقاتها الدولية وسياساتها الخارجية، ضمن  مستويات عديدة وعلى مرتكزات متنوعة منها:

1-   تأمين الشرعية الدولية لدولة إسرائيل على أوسع نطاق في عيون حكومات العالم وشعوبه، والمحافظة على هذه الشرعية.

2-   احتلال قضايا الأمن والدفاع والاستعداد للدخول في مواجهات عسكرية مكاناً هاماً في السياسات الإسرائيلية المتتالية.

3-   اختراق الحصار الاقتصادي المفروض على إسرائيل عربياً في فترة ما قبل الدخول في ترتيبات السلام العربي- الإسرائيلي في عام 1991.

4-   التنسيق مع يهود العالم، وتحشيد قدراتهم وإمكانياتهم في كل المجالات لمصلحة إسرائيل.

5-   البحث عن تحالفات جديدة بعيداً عن ثنائيات الحرب الباردة التقليدية، والبحث عن هذه التحالفات في مواقع مختلفة من العالم، ومن خلال تحالفات عديدة سواء كانت اقتصادية، استراتيجية أو سياسية. وهنا تكمن الخصوصية الاستراتيجية والاستثنائية الجيوبوليتيكة مع كل من الهند والصين.

 

علاقات متنامية مع الصين:

قامت النظرة الأمنية والاستراتيجية الإسرائيلية على أساس افتراض أن إسرائيل بلد صغير مساحة وسكاناً، ولا يملك عمقاً استراتيجياً كبيرا، وأنه محاط ببيئة عربية معادية. ومن أجل التعويض عن هذه النقائص والثغرات الكبيرة، عملت إسرائيل على توسيع دائرة حلفائها وأصدقائها في العالم، وبدأت منذ عقد ونصف تماما بالتوجه شرقا نحو الصين، لما يملكه هذا البلد من مزايا اقتصادية واستراتيجية. وضعت إسرائيل مجموعة من الأهداف الهامة التي تقف وراء علاقاتها الاستراتيجية مع الصين، ومن هذه الأهداف عقد وتوليد قدرة إسرائيلية للتأثير على الصين بخصوص علاقاتها الاقتصادية والاستراتيجية المتنامية مع دول ما زالت جميعها ترفض أو تمانع أن تقيم علاقات مع إسرائيل خاصة في آسيا وإفريقيا بحكم علاقاتها الوثيقة مع الدول العربية. وتدرك إسرائيل جيداً خطورة العلاقة التكنولوجية والعسكرية التي تربط الصين بالقوى الشرق أوسطية خاصة إيران لأن هناك شكوكاً إسرائيلية من أن دولاً مثل إيران تسعى إلى الدخول إلى النادي النووي، وتقوي قدراتها النووية من خلال البوابة الخلفية الصينية. وهذا ما عبر عنه رؤساء الوزراء والمسؤولون الإسرائيليون الذين زاروا الصين في فترة ما بعد إقامة العلاقة الدبلوماسية بين البلدين[3]. مع توصل الحكومة الإسرائيلية والقيادات الأمنية والعسكرية في إسرائيل إلى استنتاج مفاده أن إيران هي أخطر أعداء إسرائيل في المنطقة والعالم أجمع بعد زوال تأثير التهديد العراقي في عام 2003، فقد بدأ الجميع يبذل جهدا لنشر هذه القناعة في الخارج. وبما أن الصين هي مصدر رئيس للسلاح إلى إيران فإسرائيل تفعل كل ما يمكن فعله لوقف تسليح إيران بالأسلحة التقليدية أو غير التقليدية، وهي مستعدة للتحدث لأي دولة، لكي تقطع هذه الإمدادات وقنوات التسليح لإيران. وقد أظهر هذا أيهود أولمرت خلال زيارته إلى الصين في بداية عام 2007 عندما طلب مساعدة الصين للحد من الطموحات الإيرانية النووية، ولقطع التواصل الإيراني مع مصادر المال والتجارة والسلاح في العالم[4].

حدث تغيير واضح في الاستراتيجية العسكرية والقتالية داخل المؤسسة العسكرية الصينية خاصة في فترة ما بعد ماوتسي تونغ، حيث كان ماو من المؤيدين لنظرية الحرب الشعبية طويلة الأمد القائمة أصلاً على إعداد جيش كبير الحجم ومدرب لخوض حرب شوارع وحرب غابات بغض النظر عن التقنية التي يستخدمها. لكن سياسة التحديث للجيش الصيني التي بدأت قبل فترة ليست بقصيرة أصبحت ترتكز على استراتيجية إعداد جيش صغير الحجم لكنه متميز بكفاءته العالية وقدرته على استيعاب التقنيات العسكرية المتطورة وإدخال مستويات تسليح جديدة. من هنا بدأت الصين تنظر إلى إسرائيل من أجل الحصول على التقنيات الغربية المتطورة وفي ضوء الرفض الأميركي تزويد الصين بالتكنولوجيا الرفيعة التي من الممكن أن تستخدم لأغراض عسكرية وخوفاً من حدوث خلل في موازين القوى الإقليمية في شرق آسيا لصالح الصين وعلى حساب أصدقاء وحلفاء أميركا هناك خاصة كوريا الجنوبية واليابان وتايوان. ورغم أن العلاقة العسكرية بين الطرفين لم تتطور إلى أقصى درجات التعاون بسبب الغضب الأميركي على إسرائيل في صفقة الفالكون للصين، إلا أن الدولتين قامتا بخطوات حقيقة على طريق خلق علاقة استراتيجية تعاونية في مجالات التسليح وتبادل المعلومات ومحاربة الإرهاب[5].

لكن هذه العلاقة الاستراتيجية مع الصين تأثرت بشكل مباشر بالمتغير الأميركي، لا سيما أن الولايات المتحدة ما زالت المزود الأول لإسرائيل بالمال والسلاح والدعم السياسي. وقد أظهرت الولايات المتحدة قلقاً واضحاً من تنامي التعاون العسكري الصيني- الإسرائيلي، لأنه اشتمل على إمكانية حصول الصين على أسلحة متطورة وتكنولوجيا غربية عبر البوابة الإسرائيلية، مثل صواريخ مضادة للصورايخ باتريوت وطائرات الفالكون وليفي. والمعروف أن الولايات المتحدة هي التي أوقفت صفقة الفالكون بين الصين وإسرائيل التي تعهدت بموجبها إسرائيل بتزويد الجيش الصيني بعدة طائرات فالكون، قيمة الواحدة منها 250 مليون دولار، وهي طائرات عصرية مطورة عن طائرات الإنذار المبكر أواكس. القلق الأميركي من هذا التعاون يقع وراء الحظر الأميركي – الأوروبي المفروض على تصدير التكنولوجيا العسكرية للصين بعد أحداث تيانامين في عام 1989، ومرتبط أكثر بتوازن القوى في منطقة شرق آسيا، حيث الصراع الصيني مع تايوان، لا سيما أن الولايات المتحدة هي المورد الرئيس للسلاح إلى تايوان بما فيها الدبابات والصواريخ وطائرات الإنذار المبكر من طراز،E-2T Hawkeye[6].

بالرغم من أن إلغاء صفقة الفالكون من قبل إسرائيل استجابة للضغط الأميركي، وما تبع ذلك من رضوخ إسرائيل لدفع ملايين الدولارات للصين كشروط جزائية على إلغاء الصفقة، أساء بعض الشيء إلى العلاقة الإسرائيلية- الصينية، إلا أن مثل هذه العلاقة نمت بشكل إيجابي في جوانب أخرى، مثل توقيع الطرفين على اتفاق للحصول على أقمار صناعية إسرائيلية لاستخدامها لغرض بث الألعاب الأولمبية في بكين في عام 2008، كما أن مراكز ثنائية متخصصة بين الطرفين استمرت في العمل ومنها مركز تطوير الأراضي الجافة، ومركز كونفوشيوس في جامعة تل أبيب الذي يعنى بتدريس الشؤون الصينية واللغة الصينية، وغيرهما من مظاهر الحياة العامة في الصين بهدف تعزيز ثقافة تدريس الصين كظاهرة شمولية معاصرة في العالم الناشئ الجديد.

هناك تعاون إسرائيلي- صيني في مشروع إنتاج طائرة مقاتلة من طراز (أف-15) في أعقاب رفض الكونجرس الأميركي لمشروع طائرة لافي كمشروع تعاون بين أميركا وإسرائيل بسبب التكلفة العالية. من المجالات الأخرى التعاونية التي قدمتها بكين، مشروع دعم أنظمة التحكم في القذائف المستخدمة في المعارك الحربية حيث زودت بها المدمرات والبوارج الصينية، كما أن هيئة الصناعات الإسرائيلية زودت الصين برادارات متطورة وأجهزة كمبيوتر فخمة تستخدم لأغراض عسكرية. في أوائل الثمانينات من القرن العشرين، عقدت الصين صفقة عسكرية مع إسرائيل قيمتها حوالي مليار دولار حيث حصلت على 54 طائرة كفير ودبابات المركفا وصواريخ جبرائيل، يضاف إلى ذلك صفقات ومشاريع مشتركة بين الدولتين لإنتاج صواريخ جو- جو من طراز بايتون 3. في كل الزيارات التي قام بها رؤساء وزراء إسرائيل إلى الصين منذ زيارة رابين في عام 1993 مروراً بزيارتي نتانياهو في عامي 1997 و1998 وانتهاءً بزيارة أولمرت في 2007، كان هناك تركيز خاص على العلاقات العسكرية والصفقات الحربية حيث وصل حجم تجارة السلاح بين البلدين في عام 2006/2007 إلى ما يقارب 4.4 مليار دولار[7].

حسب تقارير الكونغرس الأميركي تعد إسرائيل المورد الثاني للسلاح للصين بعد روسيا من العام 1993 وحتى اليوم، لصفقات تتعدى مليارات الدولارات. من هنا ترى الصين أنه لا بد من الاستفادة من إسرائيل من أجل الولوج إلى التكنولوجيا الأميركية. وقد نقل موقع الأهرام عن صحيفة هآرتس الإسرائيلية أن طائرة الاواكس التي أنتجتها مؤسسة ألفا، أحد فروع مصانع الطائرات الإسرائيلية هي عبارة عن طائرة نقل روسية من طراز اليوشن 76 والذي أثار حفيظة الولايات المتحدة[8].

إن أكبر عائق أمام تطور العلاقات الصينية الإسرائيلية في أبعادها الاستراتيجية والعسكرية بالشكل الأمثل هي الولايات المتحدة الأميركية حيث أن التخوف الأميركي من البروز الصيني يدفع باتجاه تبني استراتيجية أميركية ضاغطة على إسرائيل للحد من نقل تكنولوجيا متطورة إلى الصين[9].

خلال زيارة الرئيس الصيني السابق جيانغ زيمين إلى إسرائيل عام 2000 تم إبرام صفقات عسكرية كبيرة في مجالات متعددة أهمها إنتاج أنظمة رادارات متطورة، وبعض التجهيزات العسكرية الأخرى ذات التقنية العالية، وذلك بسبب دخول تقنية أميركية متطورة في صناعة هذه الطائرات، وهذا يمكن أن يسبب خللاً في موازين القوى في شرق آسيا، فضلا عن تهديد المصالح الأمنية الأميركية في تلك المنطقة، يضاف إلى ذلك نقاشات وحوارات إسرائيلية حثيثة مشتركة حول موضوع الإرهاب العالمي، وحول أفضل الطرق والوسائل لاحتواء الإرهاب باستخدام تقنيات متطورة في جمع المعلومات والتدريب والتكتيكات المختلفة[10].

تعد إسرائيل المصدر الأول للصين في Hi-Tech خاصة المتعلقة بالاتصالات عبر شركات إسرائيلية خالصة أو من خلال شراكات ثنائية، ومتصل مع هذا صادرات إسرائيل من التكنولوجيا المتطورة المستخدمة لأغراض عسكرية مثل المكونات الإلكترونية لأجهزة اتصال الدبابات وأجهزة تحديد وتحسين الرؤية والطائرات والصواريخ. الهدف الإسرائيلي المعلن من وراء هذه المبيعات هو الحصول على موارد مالية إضافية، لكن الهدف الأهم هو التأثير على الصين وإقناعها بعدم بيع أسلحة صينية إلى أعداء إسرائيل في الشرق الأوسط خاصة سوريا وإيران.

ويعتقد خبراء إسرائيليون أن العلاقات الاستراتيجية بين الصين وإسرائيل سوف تتحسن في المستقبل، وذلك على ضوء التقارب بين الولايات المتحدة الأميركية وبين الصين بسبب التحولات الدولية الحاصلة (العلاقة مع روسيا، والأزمة الاقتصادية وغيرها وانتخاب باراك أوباما في أميركا 2008-2016)، ما سينعكس إيجابياً على العلاقة مع إسرائيل[11]. إلا أن تحسين العلاقات الأميركية- الصينية سوف يؤدي إلى دخول الصين كلاعب مهم في المنطقة، نتيجة الطلب الكبير على مصادر الطاقة الموجودة في منطقة الشرق الأوسط، ولهذا السبب فإن المصلحة الإسرائيلية تقتضي تعزيز العلاقة مع الصين في حالة تعميق الانفراج في العلاقات الصينية- الأميركية. وتعلم إسرائيل أن الصين في هذا المرحلة لم تتخذ خطوات واضحة تجاه الملف النووي الإيراني سلباً أو إيجاباً، ولهذا السبب فإن سعي إسرائيل هو لجعل الصين حلقة من حلقات المواجهة للملف النووي الإيراني بمساعدة الولايات المتحدة الأميركية. وذلك عبر تدعيم السياسة الإسرائيلية تجاه الصين بأدوات التأثير المختلفة خاصة تجارة السلاح والتكنولوجيا المتطورة وعلاقات المال والاستثمارات، لدرجة لا تستطيع فيها الصين التخلي عن هذه المنافع الإسرائيلية لصالح علاقات اقتصادية وعسكرية متنامية مع إيران الصاعدة.

أما على الصعيد الاقتصادي، فالاقتصاد الصيني هو الاقتصاد الثالث من حيث الحجم في العالم (بعد الولايات المتحدة واليابان) مع ناتج قومي يصل إلى 4.2 تريليون دولار، وكان متوقعاً أن يتجاوز الاقتصاد الصيني الاقتصاد الياباني في العام 2010. نما الاقتصاد الصيني في العام 2008 بمعدل يصل إلى حوالي 9%، وكان من المتوقع أيضاً أن يتراجع إلى 6.5% خلال السنوات التالية وهو معدل النمو الأقل منذ العام 1990 بفعل الأزمة المالية العالمية وتراجع معدلات الاستثمار والادخار والاستهلاك العام[12]. وهذا ما تؤكده أغلب الإحصاءات الدولية حيث أضحت الصين القوة الاقتصادية الثانية بعد أميركا بحجم اقتصاد يتجاوز 14.5 تريليون دولار في العام 2016.

أما بالنسبة للعلاقات الصينية الإسرائيلية في العام 2009، فقد وصل حجم التبادل التجاري بين البلدين خلال الأشهر بين كانون الثاني ونيسان إلى حوالي 1.3 مليار دولار، وهي تشكل تراجعا بنسبة 18% مقارنة مع الفترة نفسها في العام 2008، أما تصدير المنتجات الإسرائيلية فقد هبط بحوالي 31% ليصل إلى 226 مليون دولار، أما الاستيراد الإسرائيلي فقد هبط بنسبة 15% إلى حوالي 1.1 مليار دولار. في العام 2008 وصل حجم التبادل التجاري إلى حوالي 5.5 مليار دولار حيث وصل حجم الصادرات إلى حوالي 1.3 مليار دولار أما الاستيراد فوصل إلى حوالي 4.2 مليار دولار.

منذ تأسيس العلاقات الدبلوماسية الكاملة بين إسرائيل والصين في عام 1992 وتدشين سفارات وقنصليات في كلا البلدين، كان هناك تركيز على تحفيز العلاقات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية، فضلاً عن تعزيز الروابط والشراكات الثقافية والعلمية والأكاديمية والتبادل الطلابي. وخلال زيارة أولمرت إلى الصين في عام 2007، كانت توقعاته تشير إلى أن حجم التبادل التجاري بين البلدين يمكن أن يصل إلى حدود 10 مليار دولار في عام 2010، مع أن هذا الرقم الملياري يستثني علاقات السلاح والتسليح وتطوير التقنيات العسكرية، وهو رقم ضخم يصل إلى المليارات أيضا. لكن هناك تحفظات من الجانبين على نشر أية معلومات أو معطيات بالشكل الكامل حول هذه الموضوع لكي لا يتم تعطيل مثل هذا النشاط العسكري- التجاري بفعل عوامل ومتغيرات خارجية على شاكلة المتغير الأميركي أو العربي أو حتى الهندي. لكن مع هذا تشير أغلب الإحصاءات والتقارير الرسمية وغير الرسمية أن حجم التبادل التجاري حتى العام 2015 لم يصل إلى مستوى 5 مليار دولار لعدة أسباب واعتبارات منها الاعتماد الصيني على الأسواق العربية والحاجة إلى مصادر الطاقة القادمة من المنطقة العربية[13]، وبهذا فإن الصين تحافظ على علاقة متوازنة بين العرب وإسرائيل في الوقت نفسه.

شراكة استراتيجية مع الهند:

دأبت إسرائيل بصورة ثابتة ومتصاعدة على توثيق أواصر علاقة حميمة متأصلة مع الهند وصلت إلى درجة الشراكة الاستراتيجية الفاعلة بين البلدين، بالتحديد منذ العام 1992. إلى ذلك كان لإسرائيل دوافعها وأسبابها المتعددة والمتشابكة لتعزيز علاقتها الاستراتيجية والعسكرية مع الهند حيث تعتبر الأخيرة القوة السكانية الثانية في العالم لمجموع بشري هائل يزيد عن المليار والمائة مليون، وما لذلك من تبعات وإسقاطات على القوة العسكرية الهندية، وقدرة الهند على حماية حدودها مترامية الأطراف، فضلاً عن بروز قوة سكانية شبابية يافعة ومتعلمة ولها توجهات علمية وتقنية عالية، حيث تعتبر الهند اليوم الأولى عالمياً احتضاناً لشهادات هندسة الكمبيوتر. وبما أن أعداداً كبيرة من المهندسين الهنود في الكمبيوتر والإلكترونيات قد أثبتوا أنفسهم ليس فقط في الهند، وإنما رحل عدد منهم للعمل في البلدان الأجنبية والشركات متعددة الجنسيات بما فيها أميركا وأوروبا الغربية واستراليا وهونغ كونغ وسنغافورة والخليج العربي. وبالتالي تبقي إسرائيل عيونها متيقظة على هذه القوة المؤهلة والمدربة من أجل الاستفادة من خدماتها وقدراتها في صناعات ومشاريع مشتركة بين البلدين قائمة، على الأرجح، في الهند للاستفادة من رخص القوة العاملة وحجم السوق الناشئة حيث إنها تعد من الأسواق الناشئة الجديدة Newly Emerging Markets مع الصين والبرازيل والمكسيك وجنوب إفريقيا. كما أن الهند دولة تمتلك موقعاً استراتيجياً هاماً في العمق الآسيوي حيث إنها حلقة الوصل بين غرب آسيا والمشرق العربي من جهة، وشرق آسيا، وآسيا- المحيط الهادي من جهة أخرى.

لقد نظرت إسرائيل بكل اهتمام إلى حدود الهند المشتركة مع الباكستان التي هي الدولة الإسلامية الوحيدة صاحبة القدرات النووية المعروفة. فاستراتيجياً المضي قدماً في توثيق الشراكة بين الهند وإسرائيل، سيمنح إسرائيل على المديين المتوسط والبعيد القدرة على تحييد القدرات النووية الباكستانية في أي صراع مستقبلي بين العرب وإسرائيل، خاصة إذا حدث تغيير مفاجئ في الباكستان ووصلت نخبة سياسية وعسكرية إسلامية تؤمن فعلاً أن تكون الباكستان جزءاً من معادلة الصراع بين العرب والإسرائيليين على اعتبار أن الباكستان وقدراتها النووية يجب أن تكون في خدمة المشروع الإسلامي الكبير ذي الميول العالمية، فضلاً عن أن المشروع النووي الباكستاني نفسه قد تم تمويله بأموال إسلامية خالصة (السعودية والإمارات العربية)، إضافة إلى ذلك موجات الأسلمة والتزمت الديني التي تجتاح الشارع الباكستاني خاصة بعد أحداث أيلول (سبتمبر) من عام 2001، ولاحقاً الاحتلال الأميركي لأفغانستان والعراق المثيرين للحفيظة والمشاعر الدينية لدى الباكستانيين[14]. وخوفاً من تحول شعار باكستان حول القنبلة الإسلامية  Islamic Bomb في إشارة واضحة إلى القنبلة النووية الباكستانية التي يجب أن تكون في خدمة الأغراض الإسلامية والمصالح العليا للأمة الإسلامية، مع أن هذا الشعار تحول مع مرور الوقت إلى مجرد "بروباغندا" دعائية  Propagandaتهدف إلى تحشيد الدعم العربي والإسلامي من ورائها في صراعها المرير ضد "الهند الهندوسية".

تعود العلاقات والتعاون العسكري بين الهند وإسرائيل إلى ما قبل بداية العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، إلا أنها كانت محدودة مقارنة مع تلك التي نشأت بينهما بعد العلاقات الدبلوماسية، وقد سادت علاقات أمنية سرية بين جهاز المخابرات الهندي وجهاز المخابرات الإسرائيلية "الموساد". فعلى سبيل المثال فقد زار عضو المجلس الأمني المصغر يغئال ألون الهند عام 1965 وموشيه ديان في العام 1977[15]. ربما في محاولة منهما لاستغلال حاجة الهند للمعلومات والتكنولوجيا والخبرات والاستخبارية العسكرية في مواجهة دول الجوار المعادية خاصة الصين وباكستان. إلا أن العلاقات الأمنية بينهما أصبحت سريعة مكثفة ومكشوفة بعد العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، ففي أيار 1993 زار وزير الخارجية شمعون بيرس الهند للتباحث في موضوع محاربة "الإرهاب"، حيث عبرت إسرائيل عن تأييدها للهند في موقفها من قضية كشمير، وصرح بيرس خلال زيارته: "نحن ندعم بشكل كامل وشامل الوحدة الإقليمية للهند"، وفي نيسان (أبريل) 1995 زار الجنرال الإسرائيلي "هيرلز بودنغر" الهند وتباحث حول التعاون في المجالات العسكرية مثل تزويد الهند بأجهزة الإنذار المبكر وغيرها من القضايا، وفي تموز من العام نفسه زار وفد أمني هندي رفيع المستوى برئاسة وزير الدفاع الهندي، إسرائيل وتمحور اللقاء حول إمكانية مساهمة إسرائيل في تطوير الأسلحة الهندية وصيانتها عموما وخصوصاً السوفييتية منها.

 وقد ضرب الساسة في إسرائيل على وتر أهم قضيتين وهما "كشمير والإرهاب الإسلامي"، لا سيما أن كشمير تعد قضية معنوية ونفسية ووطنية في السياسة الداخلية والخارجية الهندية، كما أن الهند تريد أن تسمع كلاماً وتصريحات واضحة تدين الباكستان فيما يتعلق بالإرهاب القادم من وراء الحدود الهندية الباكستانية. وتتنوع العلاقة العسكرية بين الهند وإسرائيل في مجالات شتى، أهمها صناعة الصواريخ وتبادل المعلومات وعلاقات الاستيراد والتصدير في السلاح وتكنولوجيا الفضاء الخارجي وتكنولوجيا التجسس والتعاون النووي والتعاون في مجال السفن البحرية والغواصات والأبحاث العلمية المشتركة[16].

 كما زار رئيس دولة إسرائيل عازار فايتسمن الهند في كانون الثاني (يناير) 1997، وتباحث مع الهند في إمكانيات التعاون في مجالات سلاح الجو، وكان أحد أهداف الزيارة دفع التعاون في المجالات الدفاعية، وفي أعقاب زيارة فايتسمن زار وفد هندي إسرائيل استمراراً لنقاش التعاون الأمني والعسكري بين البلدين، كما زار وفد أمني رفيع المستوى برئاسة وزير الدفاع الهندي إسرائيل في شباط (فبراير) من العام نفسه أي بعد شهر من زيارة فايتسمن، تبعها زيارة قائد هيئة الأركان الهندية لإسرائيل خلال شهر آذار (مارس) 1997، زيارة استمرت أسبوعا كاملاً، وفي العام 1998 قطفت الدولتان ثمار الزيارات خلال الأعوام السابقة حيث وقعتا على اتفاقيات عديدة في المجالات العسكرية، واستمر هذا التعاون وتعمق خلال العام 1999[17].

على هذا الأساس، تعد العلاقات الهندية الإسرائيلية في المجالات الأمنية والعسكرية علاقات وطيدة، فمنذ المواجهة العسكرية بين الهند وباكستان في العام 1999 في مواجهة مرتفعات كارجيل بالاشتراك مع حركات كشميرية مسلحة تدعمها باكستان، والهجمات التي طالت البرلمان الهندي في كانون الأول (ديسمبر) 2001، ارتفع حجم التجارة العسكرية بين البلدين، وشمل أيضا رادار صاروخ "حيتس" الإسرائيلي، كما أعلنت الهند عن رغبتها في شراء صاروخ "حيتس 2". وقد أشارت التقارير الصادرة في السنوات الأخيرة عن إجراء تجارب هندية إسرائيلية مشتركة على صواريخ أرض جو التي ستشكل بديلاً للدرع الدفاعي الهندي الذي يعتمد على الأجهزة الدفاعية الروسية غير المتطورة[18].

وقد أثارت شركة "رفائيل" الإسرائيلية للصناعات العسكرية إعجاب الهند، فقررت الأخيرة شراء بالونات مراقبة بالإضافة إلى شراء صواريخ "بوباي" وصواريخ "سبايدر" للدفاع الجوي. كما تقيم شركة رفائيل مشروعاً مشتركاً مع سلاح الجو الهندي يهدف إلى صيانة طائرات سلاح الجو الهندي، ووقعت اتفاق تعاون في مجال الأجهزة الأمنية مع شركة "بال" الهندية، وتقوم الصناعات العسكرية الإسرائيلية بالتعاون مع نظيرتها الهندية (BDL) في المجالات الأمنية والصناعات العسكرية المشتركة. تجدر الإشارة إلى أن الهند تشكل اليوم الدولة الثالثة من حيث استيراد الأجهزة القتالية الإسرائيلية بعد الصين وتركيا، وتعد إسرائيل المصدر الثاني لتسليح الهند بعد روسيا. فالهند اليوم تعتمد على الصناعات العسكرية الإسرائيلية في تحديث جيشها لا سيما أن التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية متطورة مقارنة بالتقنية الروسية/ السوفيتية التي اعتمدت عليها الهند بفعل توازنات الحرب الباردة ومعادلات النظام الدولي ثنائي القطبية.

كان العام 2007 مليئا بالأحداث والوقائع والمستجدات على صعيد العلاقة الإسرائيلية- الهندية حيث توثقت الصلات في المجالات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية. وأصبحت إسرائيل المورد الثاني للسلاح والعتاد العسكري بعد روسيا، إضافة إلى أن الدولتين دخلتا في شراكات اقتصادية واستراتيجية تجلت بوضوح من خلال نجاح إسرائيل في إطلاق قمر صناعي من داخل الأراضي الهندية حيث صمم خصيصاً للتجسس على إيران. كما أن الدولتين شكلتا ما يسمى بالمجموعة المشتركة لمحاربة الإرهاب من خلال تبادل المعلومات وتنسيق خطط التدريب ورصد "الأعداء المحتملين".

وقد عملت بعض الدوائر الأمنية والأكاديمية في كل من الهند وإسرائيل على إثارة موضوع إسلام فوبيا والأصولية فوبيا من أجل تمتين أواصر الشراكة البينية من جهة، وشراكة مع الولايات المتحدة الأميركية من جهة أخرى التي تخوض "حربا عالمية على الإرهاب". في عام 2007، تنوعت مظاهر التعاون بين البلدين لتشمل مجالات متعددة مثل "محاربة الإرهاب" ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل ومبيعات السلاح، هذا إضافة إلى التعاون في مجالات الزراعة والتكنولوجيا والاستثمارات والطيران المدني والتجارة الخارجية خاصة تجارة الماس. وقد تجلت مجالات التعاون هذه بوضوح من خلال الزيارات المتبادلة التي قام بها مسؤولون من كلا الطرفين لتوثيق أواصر هذه العلاقة[19].

وأظهرت مواجهات مرتفعات كشمير في العام 1998 مع المسلحين الكشميريين المدعومين من الجيش الباكستاني وقدرة المسلحين لتكبيد الجيش الهندي خسائر في العتاد والأرواح، حاجة الهند الشديدة إلى طيارات بدون طيار من أجل استخدامها لأغراض الرصد والتجسس وتتبع المسلحين الكشميريين العابرين من كشمير الباكستانية إلى كشمير الهندية المتنقلة عبر الحدود بين الهند والصين. وتعتبر طائرة UAV الإسرائيلية بدون طيار أحدث ما توصلت إليه الصناعات الإسرائيلية في هذا المضمار، وبالفعل حصلت الهند على 100 طائرة من هذا النوع. وفي المقابل، استفادت إسرائيل من موجات الانتفاضة الثانية ومن يومياتها خاصة تلك المتعلقة بهذه الطائرة، حيث قامت إسرائيل بتصوير عمليات استهداف المقاومين الفلسطينيين على الأرض باستخدام الطائرات بدون طيار والترويج لهذه الصور في معارض الطيران الدولي من أجل كسب زبائن جدد في العالم. وذهبت الدوائر الأمنية والعسكرية الإسرائيلية إلى درجة الربط بين خطر "الإرهاب الفلسطيني" على إسرائيل بخطر "الإرهاب الكشميري" على الهند وأن على الهند أن تستفيد من تجربة إسرائيل في محاربة ما يسمى الإرهاب. إذن هناك تعاون في مجال "محاربة الإرهاب" بين البلدين من خلال تكييف حملات تبادل المعلومات حول الجماعات "الإرهابية" المختلفة، وطرق تمويلها، وإدارة العمليات الخفية. وكان من المتوقع أن يصل حجم مشتريات الهند من السلاح الإسرائيلي في فترة 2002-2007 إلى أكثر من 5 مليارات دولار[20]. استغلت إسرائيل يوميات الانتفاضة الفلسطينية الثانية لتجريب أنواع جديدة من الأسلحة خاصة الطائرات بدون طيار التجسسية وترويج هذه الطائرات على اعتبار أنها صائدة "الإرهابيين المتربصين بإسرائيل"[21].

هناك أيضا تعاون إسرائيلي هندي في مجال الصواريخ، حيث تقوم سلطة تطوير الأسلحة في  إسرائيل (رافئيل) بتزويد الهند بصواريخ مضادة للصواريخ وصواريخ جو-جو، إضافة إلى بعض المعدات الالكترونية. كما أن هناك إشاعات قوية حول موافقة الهند على إنشاء قوة خاصة في الجيش الهندي تصل إلى 30.000 جندي مهمتها "محاربة الإرهاب والإرهابيين" بمقدورها أن تحصل على تدريب مكثف في قواعد الجيش الإسرائيلي. وبعد نجاح الباكستان بالرد على التفجير النووي الهندي شعرت الهند بحاجاتها الشديدة للحصول على رادارات لتركيبها على الطائرات الروسية التي بحوزة الجيش الهندي. ورغم أن أحداث أيلول (سبتمبر) 2001 قربت وجهات النظر الأميركية والهندية من "الإرهاب العالمي" "والإرهاب الإسلامي" إلا أن العلاقة بين الهند وإسرائيل قد ساهمت في تمتين أواصر العلاقة بين الهند وأميركا[22].

وهذا يعني تبادلية العلاقة بين الهند وإسرائيل من جهة، والعلاقة الهندية- الأميركية من جهة أخرى، حيث ساعدت عوامل داخلية أميركية في تعزيز العلاقة الهندية– الإسرائيلية خاصة جماعات الضغط اليهودي واللوبي اليهودي وبالذات الآيباك وبعض أعضاء مجلس الكونغرس في الولايات المتحدة المعروفين بمناصرتهم لإسرائيل ودعمهم لها. فقد دافع كل من فرانك جافني، مؤسس مركز سياسات الأمن في واشنطن، ومايكل ليدن من مركز دراسات الأمن القومي عن العلاقة المميزة التي تربط الهند بإسرائيل في نفس الوقت الذي حذرا فيه من اعتماد أميركا على باكستان فيما يسمى بالحرب على الإرهاب[23].

توازت الشراكة الاستراتيجية بين البلدين مع شراكة اقتصادية فاعلة في الحقول الاقتصادية والحياتية المختلفة. ويبدو أن الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي في تعاطيه مع الهند ينصب حول فرضية أن التعاون الاقتصادي والروابط الاستراتيجية تبقى ضعيفة، وغير راسخة في أرض صلبة إذا لم تدعم بآفاق اقتصادية رحبة تنعكس إيجاباً على الوضع الاقتصادي ومستوى المعيشة في البلدين، خاصة في الهند التي تعتبر من دول العالم الثالث بالمعايير الاقتصادية الرئيسية مثل الدخل القومي ومستوى المعيشة. تصريحات ولقاءات المسؤولين من البلدين اعتبرت أن التبادل التجاري الحر والانفتاح الاقتصادي والتبادل الحر للاستثمارات والسلع والخدمات بين البلدين يخدم أهدافاً استراتيجية عليا ممثلة في تدعيم وبناء "مجتمعات ديمقراطية حرة" قادرة على الاستفادة من الخبرات المشتركة. وقد تنوعت مشاريع التعاون الاقتصادي مع الهند في مجالات متعددة ومختلفة أهمها الهندسة وإدارة المياه الجوفية ومحاربة التصحر والتكنولوجيا الرفيعة. وفي محاضرة للسفير الهندي في جامعة تل أبيب أسهب في مداخلته عن أوجه التعاون بين البلدين، ومن المجالات الكثيرة التي وقف عندها السفير، كان البحث العلمي والتطوير والتنمية، وتكنولوجيا الزراعة والتكنولوجيا الحيوية وصناعة الأدوية، ومجالات الطاقة غير التقليدية، والمعدات الطبية وتكنولوجيا المعلومات[24].

وعليه، فقد تطورت العلاقات الاقتصادية بوتيرة متصاعدة منذ تأسيس العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في عام 1992 حيث اشترك الطرفان في إدارة عشرات المشاريع التجارية والاقتصادية المتبادلة. وفي عام 1992 وصل التبادل التجاري بين الطرفين إلى 200 مليون دولار، وتضاعف هذا الرقم إلى أكثر من مليار ونصف مليار في العام 2002، وكان من المتوقع أن يتجاوز هذا الرقم 5 مليارات في العام 2008، وبهذا أصبحت إسرائيل الشريك التجاري الثاني للهند في آسيا بعد هونغ كونغ. وقد تكررت زيارات المسؤولين الإسرائيليين للهند، وكان أهمها زيارة شمعون بيريز كوزير لخارجية إسرائيل في العام 1993، والتوقيع على مذكرتي تفاهم بين البلدين في مجالات السياحة والثقافة والنقل الجوي والعلوم الزراعية، ثم جاءت زيارة شارون في العام 2003 لتنتقل العلاقات مع الهند نقلة نوعية كبيرة في المجالين العسكري والاقتصادي. وقد كان لربط العلاقات الدبلوماسية بين الطرفين انعكاسات واضحة على قطاع الزراعة بالتحديد، حيث اشترك الطرفان في أكثر من 60 مشروعاً زراعياً مشتركاً حتى العام 2000 في مجالات متعددة منها الري وإدارة المياه والأسمدة والبستنة واستخدامات الطاقة الشمسية لأغراض زراعية، والهندسة الوراثية النباتية والحيوانية، وصناعة الألبان، وصناعة القطن واستصلاح الأراضي البور[25]. وفي كانون الأول (ديسمبر) من العام 2004، زار وزير التجارة والصناعة في حينها ايهود أولمرت الهند يرافقه وفد كبير في مجالات الصناعات الإسرائيلية، وأعقب هذه الزيارة زيارة وزير الدولة الهندي "سيبال كفيل" لإسرائيل في أيار (مايو) 2005 ووقع على اتفاق للتطوير والبحث الصناعي مع إسرائيل، وتعزيز أواصر الشراكة الاقتصادية/التجارية/الصناعية. وبعد وفاة الرئيس ياسر عرفات في العام 2004، توسع نطاق العلاقة الهندية الإسرائيلية على اعتبار أن ياسر عرفات احتفظ بعلاقات تاريخية مع الهند، وفي الفترة نفسها تراجع منسوب الصراع بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي ما مهد الطريق لزيادة التبادل الاقتصادي بين الطرفين بما فيها زيارة أيهود أولمرت لدلهي كمساعد لرئيس الوزراء الإسرائيلي، وزيارة بنيامين نتنياهو كوزير للمالية في الفترة نفسها[26].

يسيل لعاب الشركات الإسرائيلية على كعكة الاستثمار في الهند لأن هذا البلد يعتبر الاقتصاد الرابع في العالم من حيث القوة الشرائية، وذلك بعد الولايات المتحدة والصين واليابان. وقد ساهمت سياسة الانفتاح الاقتصادي وتبني الليبرالية الاقتصادية قبل حوالي 15 عاما في زيادة نسبة النمو الاقتصادي، حيث يعتبر الاقتصاد الهندي من أكثر الاقتصاديات نمواً في العالم في الدرجة نفسها تقريبا مع الصين وفيتنام والأرجنتين. فقد نما الاقتصاد الهندي بنسبة 7.5% في سنة 2004/2005 وقد ارتفعت هذه النسبة إلى 8.1% في العام 2005/2006 وكان من المتوقع أن لا تقل نسبة النمو الاقتصادي 6.5% في العقدين التاليين، ما يعني طبقة وسطى كبيرة تزيد عن 300 مليون، وقوة شرائية هائلة ومتصاعدة. كما أن حجم المساهمة الهندية في التجارة العالمية زاد عن 500 مليار دولار في حدود عام 2010، وما يزيد من حيوية الاقتصاد الهندي وقابليته للنمو السريع هو التركيبة العمرية للشعب الهندي حيث أن 20% من الهنود أقل من عمر 20 عاما، بينما يقع حوالي 70% من السكان في قائمة الأقل من 36 عاما. كما أن الهند تخرج ما يقارب 3 مليون حامل شهادة بكالوريوس كل عام من 350 جامعة و11200 كلية، فضلاً عن تواجد أكثر من 1500 مركز بحثي، كما أن الهند تحتل المرتبة الأولى من المهنيين المؤهلين في حقل تكنولوجيا المعلومات حيث يصل عددهم أكثر من 120.000. وفي عام 2005 وضعت منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية UNCTAD الهند كأول دولة في العالم استقطاباً للاستثمارات الأجنبية، حيث وصلت مساهمة إسرائيل في الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الهند إلى أكثر من مليار دولار حتى عام 2006، وهذا يضعها في المرتبة 14 على قائمة الدول المستثمرة في الهند. هناك تركيز إسرائيلي خاص على قطاع تكنولوجيا المعلومات في الهند الذي ينمو بنسبة 30-40% سنويا، ومن المتوقع أن تصل صادرات هذا القطاع في عام 2008-2009 إلى أكثر من 60 مليار دولار[27].

وصل حجم التبادل التجاري بين الهند وإسرائيل في النصف الأول من العام 2009 إلى 1.2 مليار دولار أي بهبوط وصل إلى 38% مقارنة مع الفترة نفسها في العام السابق، وقد هبطت الصادرات الإسرائيلية إلى الهند في النصف الأول من العام 2009 بنسبة 33% مقارنة بالفترة ذاتها في العام 2008، ووصلت إلى 742 مليون دولار، أما الصادرات الهندية إلى إسرائيل فقد تراجعت بنسبة 45% مقارنة مع العام 2008 ووصلت إلى 485 مليون دولار[28]. وكان متوقعاً أن تصل هذه النسب إلى ما يقارب 8 مليار دولار في العام 2014- 2015 بما فيها صفقات السلاح التي تبيعها إسرائيل للهند لتصبح المصدر الثاني للسلاح إلى الهند بعد روسيا، ومنها تكنولوجيا متطورة لسلاح الجو وصواريخ مضادة للدبابات[29].

ختاما، يمكن القول إن تطور علاقات إسرائيل مع عملاقي آسيا الصاعدين (الصين والهند) جاء بفعل تضافر عوامل ومتغيرات متعددة، منها الدولي والمرتبط مع تغير تركيبة المنظومة الدولية في آخر عقدين وسيادة المصالح الاقتصادية على حساب الأيدولوجيا، وفيها ما هو إقليمي حيث استغلت إسرائيل بيئة السلام التي خلقتها اتفاقيات أوسلو لفتح آفاق علاقات مع دول كانت بواباتها مغلقة أمام المد الإسرائيلي حتى فترة قريبة. أما محليا، فكان للتركيبة الحزبية والإعلام والدبلوماسية العامة والجامعات والمؤسسات الثقافية أدوار هامة في تدعيم علاقات وثيقة ومتداخلة مع كل من الصين والهند على مختلف المستويات.

 

 

 

الهوامش:


[*] الجامعة العربية الأميركية.

 


[1] إحسان مرتضى، استراتيجية إسرائيل في العلاقات الدولية، شؤون الشرق الأوسط، عدد 22، آب 1994، ص44-58.

[2] Dov Waxman, Israel's Dilemma: Unity or Peace, Israel Affairs, Vol.12, No.2, April 2006, p. 208

{C}[3]{C}. Olmert Visit Refreshes Personal Bond with China: Available from:

English.propledaily/coml/cn        

{C}[4]{C} . Israel PM buoyed by China, available from: http://news.bbc.co.uk

{C}[5]{C} . Shai Feldman, China's Security: Implications for Israel, Strategic Assessment, Jaffee Center for Strategic Studies, Vol. 2, No.4, Feb.2000,p.8

[6] .المصدر نفسه.

[7] . http://www.jamestwon.org/china_brief

[8] . www.ahram.org.eg

[9] . Yoram Evron, Sino-Israel relations: opportunities and challenges, strategic assessment, August 2007, vol.10, no.2, p1-8

[10] . Yoram Evron, China and Terrorism Policy, Strategic Assessment, Dec. 2007, Vol.10, No. 3

[11] يورام عبرون. العلاقات الصينية الأميركية بعد الانتخابات: التحولات ومعناها. عدكان استراتيجي (بالعبري). العدد الثاني 2009. ص:37.

[12] . المعهد الإسرائيلي للتصدير والتعاون الدولي (2009). الصين-إسرائيل 2009. ص:2.

[13] تقرير مدار الاستراتيجي 2015، رام الله: مركز مدار الاستراتيجي، 2015، ص 38-48.

[14] Indiastat. "Indian Official Population Clock". http://www.indiastat.com/. Retrieved 27 January 2010 

[15] Ninan Koshy, U.S Plays Match-maker to India-Israel, Asia Times, June 2003,p.1-4

[16] Farah Naaz (2000). Indo-Israel Cooperation. Delhi: Institute of Defense Studies and Analyses. Pp:32-40.

[17] Zahid Ali Khan, Development in Indo- Israel Defense Relations Since 9/11: Pakistan's Security Concern and Policy Options, South Asian Studies, A research Journal of South Asian Studies, Vol. 26, No., Jan-June 2011, pp. 131-151.

[18] المصدر السابق.

[19] "The Marker" ملحق هآرتس الاقتصادي. 18/2/2008.

[20] أيمن يوسف وامطانس شحادة، مصدر سبق ذكره.

[21] Haaretz, 13-7-2007.

[22] المصدر السابق.       &

الملفات المرفقة

أيمن يوسف.docx
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website