موقف الزعماء العرب من وعد بلفور 1917-1919م، جهاد البطش، العدد 269

موقف الزعماء العرب من وعد بلفور

1917-1919م

 

جهاد البطش[*]

 

حرص المؤرخون للصراع العربي الصهيوني على التوقف عند وعد بلفور، ذلك المفترق الذي أحدث تحولاً هاماً وتقدماً ملحوظاً في سير عربة المشروع الصهيوني، وقد دوّن هؤلاء المؤرخون وتفحصوا ومحصّوا في المصادر التاريخية ليقوموا بتحليل الأدوار والمواقف من زوايا مختلفة، إن إحدى أهم تلك الزوايا التي تقتضي البحث والتي ربما ورغم مرور مائة عام على الوعد من الممكن الاستفادة منها، كون السياسة زئبق التاريخ، يجب أن يدرك الباحث تأثير درجة الحرارة عليه سابقاً ليتم فهم صعوده وهبوطه في الوقت الحالي، ريثما تكون هذه الزاوية المقصودة هي الموقف العربي من وعد بلفور، موقف العرب غير الفلسطينيين من ذلك الوعد، وكيف تعاملوا معه بالدعم أو التخاذل، وربما من غير المنصف علمياً أن يكون فقط هذا هو المقياس.

_ الحالة العربية قبيل وعد بلفور:

نحن لسنا بصدد الحديث عن موقف دول تتمتع باستقلالية أو مراحل أو مقومات كتلك التي يصفها ابن خلدون أو بسلطات منتسكيو، إنما الحديث يدور عن كيانات مجزأة، أو دول لا تمتلك قوت يومها؛ بل عن أشخاص دان لهم بالولاء بضع قبائل، أو وصلت أقدام خيلها لمسافة كيلومترات غير بعيدة.

كانت هذه الصورة المنصفة لتعريف العرب عقب الحرب العالمية الأولى، وذلك حتى يسهل علينا تحليل مواقفهم من وعد بلفور، ولنا أن نتساءل: هل بالفعل كان الموضوع حاضراً في أذهان وآلية تفكير العرب؟ أم أن الموضوع لا يتعدى الارتباط الوجداني تجاه فلسطين وما تمثله في قلب كل عربي ومسلم؟.

وعلى الطرف الآخر يجب علينا التسليم علمياً أو منطقياً بأن الغرب خاصة بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية هم من وقفوا لمساندة هذه التي لم تكن مجرد وثيقة أو رسالة أو ورقة، إنما كانت مشروعاً بمعنى الكلمة، مشروعاً ولد بتفكير وتعرض للنقاش، ومر بأهم المراحل النظرية، إلى أن خرج إلى الواقع، وليس كالدهماء يجب جزم أن الأمر يتعلق بعشق ومحبة الإنجليز لليهود... أو جاء كرهاً للعرب تحت ذرائع أهمها وقوف بعضهم إلى جانب العثمانيين بالحرب، لا.. فالأمر هو أقرب مسافة بين هاتين النقطتين في ذلك المستقيم الذي خطه المفكرون السياسيون في بريطانيا، ولسنا بصدد فهم دوافع هذا الوعد إلا من زاوية العرب، وذلك لنصل إلى نهاية الطريق التي توصلنا إلى معرفة كم كان الرقم العربي مهماً في أروقة السياسة البريطانية!؟

يجب التسليم سلفاً بأن وعد بلفور لم يولد يوم 2/11/1917م، بل كان في تفكير وذهن الساسة الإنجليز وكذلك في مفاوضاتهم مع قادة المنظمة الصهيونية العالمية[1]، لكن عام 1917م كان عاماً حاسماً لبريطانيا خاصة في موضوع خسارة الغواصات بالحرب وحركات الانفصال عن الجيش الفرنسي، وأن روسيا باتت على أهبة توقيع صلح مع الأعداء، ولم تكن الولايات المتحدة قد قررت دخول الحرب، وهذا يعني أن بريطانيا وجدت نفسها وحيدة في وسط الميدان[2]، وهذا يعطي تفسيراً منطقياً للتوقيت أكثر من دوافعه الحقيقية، فالدوافع عمرها سنون عديدة إن لم يكن أكثر، لكن التوقيت كان يتطابق ويتلاءم مع حالة بريطانيا والتي كانت بحاجة إلى تقوية أي جهات وعلى الأقل اقتضته ضرورات الدعاية، وكذلك سيكون العامل الحاسم في استمالة يهود أميركا للضغط على حكومتهم لإقرار دخول الحرب.

وعلى المنوال نفسه كانت استمالة ومماطلة وتسويف الشريف حسين والتأكيد له على وعود بريطانيا بتحقيق أحلامه، وعدم مساندة آل سعود المنتظرين للدوس على الزناد وهم على حدود مشيخة الكويت والاكتفاء بالعلاقة الحسنة معهم[3]، وكل هذه الظروف والبيئة صنعت أسباب ودوافع إصدار وعد بلفور عام 1917م، والتي يتضح فيها أن الواقع الأساسي فيها كان المصلحة البريطانية.

ويرى الباحث عدم منطقية أن الوعد جاء مكافأة لحاييم وايزمن في اكتشاف الأسيتون الصناعي في مرحلة هامة من الحرب، فالموضوع أكبر من ذلك بكثير ونابع من فكرة أيديولوجية للصهيونية غير اليهودية ومصلحة بريطانيا، إضافة إلى نظرتهم للعرب ومعرفتهم الأكيدة بالحدود الضيقة لردة فعلهم.

إن المتتبع لموقف الشريف حسين وموقف الملك عبد العزيز من وعد بلفور يجب عليه أن يدرك العلاقة البريطانية مع كليهما، تلك العلاقة التي تنبع بالأساس من مدى قوة الطرفين على الأرض لأنها هي التي تستطيع الحسم في نظرة بريطانيا تجاههما، ولأن كلاً من الطرفين كان بأمس الحاجة لبريطانيا لمساندته في حربه تجاه الأخر، وعليه يمكن هنا وضع سؤال أين كانت أهمية الموقف من وعد بلفور على سلم أولويات الميزان السياسي للشريف حسين وللملك عبد العزيز؟

كان موقف الزعيمين من وعد بلفور بمقياس مدى مساندة بريطانيا لأي منهما من المعارك التي دارت بينها على أرض الجزيرة العربية: حائل والرياض وقربة والطائف... إلخ، ولا شك أن بريطانيا وفي المناقشات التي دارت في أروقة مؤسساتها رجحت الوقوف إلى جانب الشريف حسين وذلك حتى نهاية 1918م وبداية 1919م، لكنها فيما بعد رجحت كفة عبد العزيز آل سعود، ويتضح ذلك من مساومة بريطانيا للشريف حسين عبر محاولة لورانس إقناعه بالتوقيع على مطلب الإنجليز بإعطاء فلسطين وطناً لليهود حتى يستطيع إقناع المخابرات البريطانية إيقاف الدعم عن ابن سعود، وحتى سقوط حائل لم يكن الشريف حسين قد أعطى أي تنازل فيما يخص اليهود برغم أن وضع الشريف حسين قد أصبح محرجاً جداً على الأرض، وأن الإنجليز سيساندون ابن سعود في معركة الطائف إن لم يحل الشريف حسين أمره مع بريطانيا فيما يخص قضية فلسطين[4]، وهذا ما لا يدعو للشك أن بريطانيا ربطت علاقتها بالشريف حسين بمجرد انتهاء الحرب، ووضع الحاجة له على الركن الأيمن بتأييده للمشروع الصهيوني في فلسطين ولو جزئياً فهي لا تتوقع أن يكون صهيونياً، لكنها تعرف حاجته الماسة في الإبقاء على آل سعود.

وعلى الطرف الآخر لم يكن الأمر أحسن من ذلك، فقد بذلت بريطانيا جهوداً حثيثة عبر ممثليها بالعراق والكويت لدى الملك عبد العزيز لانتزاع شبه اعتراف بوجود اليهود في فلسطين، ولا يمكن لنا تثبيت أن اعترافاً وقع من أحد الطرفين (الشريف حسين والملك عبد العزيز) بالمشروع الصهيوني في المرحلة المبكرة من الحرب بينهم.

_ ردود الفعل العربية الأولية على وعد بلفور:

يمكن القول بأن ردود الفعل العربية غير الرسمية هي التي سبقت تلك الرسمية، وهذا مبرر للفهم...، فلم يكن في حسبان السلطان فؤاد الأول، والذي قُلد فيما بعد ملكاً، الخوض في الموقف من وعد بلفور وسط حراك المثقفين الوطنيين في مصر، والذي آل إلى ثورة عام 1919م بقيادة سعد زغلول، ولم يكن أطراف الصراع في الجزيرة العربية على عجالة من أمرهم لينقضوا على بريطانيا صاحبة سهم النصر في الصراع بينهما، لكن لم يكن للشعوب ما تخسره عندما تعبر عن رفضها لهذا الوعد.

وبالتالي ليس غريباً أن تقدم الجالية الإسلامية في بريطانيا احتجاجاً إلى وزير الداخلية البريطاني على الوعد، الذي لم يمضِ على صدوره خمسة أيام، فكان الرد من وزير الخارجية مارك سايكس (صاحب اتفاقية سايكس بيكو)، فبعثوا من قدّموا عريضة الاحتجاج بالموالاة لتركيا وأنهم عملاء، وكذلك كانت ردة فعل بريطانيا القاسية تجاه الاحتجاج الذي قدمه الأمير علي من مجلس الشورى الملكي بعد أسبوع من صدور الوعد إلى الوكيل الدائم لوزارة الخارجية البريطانية، وقصد فيه استرعاء بلفور إلى خطورة وعده، وتلاه بعدة أيام عقد الوطنيين السوريين الممثلين لسوريا الكبرى اجتماعات للتعبير عن معارضتهم للصهيونية ولوعد بلفور، ورغم طلبهم رداً على الاجتماع فقد كانت نظرة بريطانيا لهم تجاهل الرد[5]، ولا يمكن قياس ردة الفعل العربية هذه بحجم الحدث، ومن الصعب قبول مبرر أن المجتمع العربي ونظامه الاجتماعي في تلك الأيام بسبب عدم وجود مؤسسات على حجم المسؤولية المجتمعية، وأن النظام السياسي العربي كان يفتقر إلى الأحزاب والحركات السياسية التي كان من الممكن أن يكون لها ردة فعل أقوى من هذا.

لم تكن دولة عظمى بحجم بريطانيا تتجاهل أن الضغوط العسكرية يجب أن يتم استثمارها سياسياً وبالتحايل لتحقيق الغاية، وهذا ما كان يتم في التعامل مع الزعماء العرب لصياغة موقفهم من وعد بلفور، أو حتى كل قضية فلسطين أو المشروع الصهيوني، كون هذه المصطلحات انتشرت مختلفة هكذا في المصادر المختلفة خاصة العربية والإنجليزية والصهيونية، حيث أرسلت بريطانيا رسالة إلى الشريف حسين مع مبعوث على مستوى عسكري وليس مستوى سياسياً وهو الكولونيل "PAST" تؤكد فيها أنها لن تسمح بالاستيطان اليهودي في فلسطين، إلا بقدر ما يتفق مع مصلحة السكان العرب[6]، ويرجح هنا الافتراض أن بريطانيا كانت تهدف في هذه المرحلة المبكرة التي تلت صدور الوعد أن يكون موقف الزعماء العرب نوعاً من الصمت، وأن لا يرتقي إلى درجة الرفض أو حتى الموقف بشكل عام.

وقبل عام 1918م كانت الجيوش البريطانية التي كان يقودها الجنرال اللنبي قد دخلت القدس براً، وربما بطبيعته العسكرية لم ينس أن يذكّر الناس خاصة زعماء القدس بأن الحروب الصليبية انتهت، ولم يكن يراعي ذلك الاحتقان الذي لم يمر عليه أقل من شهرين والذي زرعه وعد وزير دولته بلفور، وأن الزعماء العرب الذين قدموا ليحضروا احتفال المدينة، كانوا بحاجة أقل مما يوصف بطمأنة هذا القائد عن سبب احتلاله للقدس، ولو بلغة السياسة التي قد لا يعيها البعض، إلا أنه كان العكس تماماً، فقد جاء للتأكيد على موقف بلده من وعد بلفور.

_ردة فعل الزعماء العرب على وعد بلفور:

بلغت ذروة الضغوط التي مارستها بريطانيا على الزعماء العرب مع نهاية عام 1918م وبداية عام 1919م، والتي تمثلت بإيقاع الهزيمة تلو الهزيمة بقوات الشريف حسين في الجزيرة العربية على يد آل سعود، وإذا أردنا الإنصاف فإنه على الأقل لم تقم بريطانيا بنصرة أو مساندة الشريف الحسين البتة، إضافة للضغوط التي مارسها الشعب المصري على بريطانيا وعلى ملكهم فؤاد الأول والتي يمكن القول إن مصيره هو بأيدي المحتلين البريطانيين ولا مجال للحديث عن اتخاذ موقف تجاه وعد بلفور أو حتى ما يجري في فلسطين، وإزاء كل ذلك فقد أسفرت هذه الضغوط عن حدث سيكون له من الأهمية ما ينعش الحركة الصهيونية وهو تلك الاتفاقية أو المذكرة أو المعاهدة أو المحضر، فلا يهم هنا الاسم بقدر أهمية ما في داخل هذه الوثيقة، وهي اتفاق الأمير فيصل بن الحسين وحاييم وايزمن حول فلسطين، والتي تم توقيعها بين الطرفين في الثالث من كانون الثاني (يناير) 1919م[7]، والذي لنا أن نفهم من خلالها موقف أكبر زعيم عربي هو الشريف حسين كون ابنه كان وكيلاً عنه، ولا يمكن أن يقوم بمثل هذا العمل دون مشورة والده، ولا يمكن الافتراض بأن هذا لا يعبّر عن موقف، وأنه مجرد جولة تحايل سياسي كالجولات التي تقوم بها بريطانيا مع العرب، بل إن بعض الباحثين والزعماء قد حاولوا نفي مثل هذه الوثيقة، لكنها وجدت في أرشيف وزارة المستعمرات البريطانية، ومن باب الموضوعية فلا يمكن الحصول في المصادر الصهيونية والإسرائيلية على ما قد يفهم سعادة القادة الصهاينة على ما ورد داخل الوثيقة بقدر تلك السعادة التي شعروا وعبّروا عنها أنها وثيقة اتفاق للمنظمة الصهيونية العالمية مع زعيم عربي هام إن لم يكن هو الأهم من غير الفلسطينيين، ويمكن فهم هذه الوثيقة بـــ:

-                  أنها وثيقة بين زعيمي طرفي الصراع الصهيوني والعربي وبرعاية بريطانية.

-                  سمت الوثيقة شيئاً من العلاقات المستقبلية (وكالات) كدليل للنوايا الحسنة.

-                  نصت الوثيقة على ترسيم حدود مستقبلية بين الدول العربية وفلسطين.

-                  قبلت الوثيقة بالهجرة اليهودية بصورة مزينة كالحفاظ على الفلاحين وعدم تأثرهم سلباً.

-                  أكدت الوثيقة على "رقابة" المسلمين على الأماكن المقدسة رغم أن مصطلح الرقابة لا يمنع الآخرين من استعمال هذه المقدسات.

-                  قبول الطرفين باعتبار بريطانيا الوسيط؛ بل هو من يحكم على حدوث خلاف حول تفسير بنود الوثيقة.

لقد أدرك فيصل وبعد أقل من يوم واحد أن التجزئة في الوثيقة ستعني التحايل عليها بشكل كامل، ولكن الأهم لديه كان حصول العرب على الوعد الذي أعطاه السير ماكماهون لوالده بدولة عربية كبرى مستقلة، وأنه ربط ذلك ببنود المذكرة[8]، ولكن من الصعب أن نقول إن الأمير فيصل لن يندم على توقيعه في اليوم السابق، ولذلك بعد هذه التحفظات والتي يمكن أن تكون مخرجاً لتهربه من الاتفاقية، فهو يدرك أن البريطانيين قد سعوا منذ أشهر وفي مفاوضات وضغوطات عليه لتوقيعها.

كان أول من تأثر بالموقف العربي هذا هم العرب الفلسطينيون الذين عقدوا مؤتمرهم الأول في 27/1/1919م، وقرروا رفض تقسيم الشام إلى كيانات، لأن فلسطين هي جزء من بلاد الشام وليست دولة مستقلة، بل شكلّوا ما يشبه حكومة فلسطينية وطنية، وبعد أيام من ذلك كان مؤتمر الصلح في باريس، وكان الجميع ينتظر ما الجديد في جُعبة الأمير فيصل الذي سيتحدث عن القضايا العربية، والذي لا يخفى على أحد أن قضية فلسطين هي العقدة بالموضوع، وكذلك ما يحمله حاييم وايزمن والذي يمكن الافتراض بأن أي شيء سيأتي به سيكون عادياً كون أي حراك سيكون مربحاً لمنظمته، وأن ليس لديه ما يخسره.

إن أقل ما يمكن فهمه من خطاب فيصل بن الحسين أمام مؤتمر الصلح أنه يؤكد على وجود وفاء الغرب خاصة بريطانيا لوعودها لوالده بإعطائهم دولة عربية موسعة مستقلة في بلاد الشام، وأنه لا يمانع في وضع فلسطين في شكل نظام دولي وليس بالضرورة أن تكون تابعة للدولة العربية الكبرى المنشودة، ودعم تفسيره هذا بالمذكرة التي أرسلها إلى الزعيم الصهيوني الأميركي فرانك قورنر والتي يؤكد فيها رغبته في مساعدة اليهود في فلسطين دون التأثير على العرب الفلسطينيين[9]، إن هذا الموقف لم يكن حتى بالوضوح الذي اتسمت به المذكرة التي وقعها الأمير فيصل بن الحسين مع حاييم وايزمن، وأن خطابه أمام المؤتمر يتسم بالموقف غير الرافض لوعد بلفور لكن لم يؤيده، ومن هذا يُفهم الموقف من الوعد بأنه يصل بالمقياس السياسي إلى التجاهل علناً، وإلى عدم المعارضة ضمناً من خلال المذكرات والوثائق، بل إن ردة فعل لم تكن هناك على الأرض.

لنا أن ندرك الحالة السياسية التي كانت قائمة في الأشهر الأولى من عام 1919م، خاصة بالجزيرة العربية ليتسنى لنا تحليل موقف الملك عبد العزيز والذي صحيح أنه كان بحاجة إلى مساندة بريطانيا، فهو لم يوحد بلاده بعد، ولم يستطع بعد السيطرة على كل الجزيرة العربية، ولم يرسّخ أركان دولته، والمقصود هنا مقارنة أوضاعه بأوضاع خصمه اللدود الشريف حسين وأولاده، الذي كان عبد العزيز أحسن حالاً ربما من الشريف حسين، وعلى الأقل لم يكن يسمي نفسه بعد مسؤولاً عن بلاد الشام على سبيل المثال، ولم يكن قد ارتبط كما تفيد المصادر التاريخية بأي اتفاق مع بريطانيا بشأن فلسطين، وهذا سيفسر ربما موقفه من وعد بلفور وقضية فلسطين في تلك الأشهر من بداية عام 1919م.

تميز عام 1919م بأن المنظمة الصهيونية العالمية قد زادت بوتيرة عالية من فتح قنوات مباشرة مع العرب دون الحاجة إلى وساطة بريطانية، وقامت بعرض دعم مالي كبير كان الملك عبد العزيز بحاجة ماسة إليه لإكمال الانتصارات والسيطرة على كل الجزيرة العربية وتثبيت أركان الدولة والقضاء على آخر جيوب الشريف حسين، ومقابل ذلك البحث عن أي صيغة لقبوله أو اعترافه بوعد بلفور وتأسيس الوطن القومي لليهود في فلسطين، ورفض الملك عبد العزيز ذلك، ويمكن فهم هذا الرفض من خلال احتجاجه للرئيس الأميركي روزفلت على الوسائل التي استخدمها معه حاييم وايزمن؛ بل إنه اتهم وايزمن بالسعي للاستيطان حول المدينة المنورة بحجة الحق التاريخي لليهود هناك[10]، وصحيح أن هذا الموقف كان رفضاً لوعد بلفور لكنه لم يرقَ إلى حجم الحدث، فالمصادر التاريخية خاصة العربية الفلسطينية لم يَرد فيها ما يمكن فهمه أدنى شكل أو دعم من آل سعود للفلسطينيين في السنوات التي تلت وعد بلفور، وربما يمكن هنا تفسير ذلك بأن غالبية العرب في بلاد الشام في أعوام 1917-1919م كانوا موالين للشريف حسين أو أبنائه فيصل وعبد الله.

_ تأثير دور الزعماء العرب على الموقف:

كلما كانت أشهر عام 1919م تمضي كانت تتضح صورة أن بريطانيا قد نفضت يدها من الشريف حسين، وأن الحاجة إليه انتهت ويجب أخذ أبنائه كجسر لضمان عدم معارضته سياستها في بلاد الشام والعراق، وأن أمره شبه انتهى بالجزيرة العربية، وأنه أصبح هناك شرطي جديد بالمدينة هم آل سعود، والذين ليس بينهم وبين بريطانيا أي عهد أو اتفاق بأي دولة لهم في بلاد الشام وأن الحصول على صيغة علاقات مشتركة بينهم وبين بريطانيا هي مريحة ولا تقارن بالعلاقة مع الشريف حسين، الذي لا يكل عن المطالبة بتلك الدولة التي وعدته إياها بريطانيا أثناء الحرب العالمية الأولى والتي انتهت، ولا داعي لأي مصلحة أو مساندة منه للحلفاء.

من هذا الباب استوجبت المصلحة البريطانية بالعراق، وكذلك إطلاق يد فرنسا لتحقيق مصالحها في سوريا عدم مساندة الشريف حسين بل ونصحه بالاستجابة لمطالب فرنسا، فعندما قرر الملك فيصل وحكومته الحرب والمقاومة في سوريا تحطم الجيش العربي في ميسلون، وما كان من فرنسا إلا أن طاردت فيصل ومنعته من البقاء في أي أرض سورية، وحتى في معقله في حوران، تسلم إنذاراً من الحكومة السورية الموالية لفرنسا بمغادرة أي أرض سورية، وعندما استنجد ببريطانيا لم يكن ما تقدمه غير النصح بعدم إقحام نفسه بمقاومة فرنسا، حتى إنها لم تتوسط لأولئك المقاتلين أعوان الشريف حسين وهم في سجون فرنسا والذين قاتلوا إلى جانب بريطانيا ضد الأتراك العثمانيين قبل بضع سنوات، وكذلك الأمر حصل في العراق والذي كان حاضراً في وعود بريطانيا للشريف حسين سابقاً، فقد دخلته الجيوش الإنجليزية واستمروا في إجراءاتهم حتى تم لهم تعيين السير براسي كوكس معتمد بريطانيا في الخليج رئيساً للدولة العربية العراقية[11]، وهنا يمكن لنا القول إن موقف الشريف حسين بصفته زعيماً عربياً في السنوات التي سبقت والتي تلت وعد بلفور قد انتهت، أو على الأقل لن يكون له أهمية كبيرة لدى الأطراف المختلفة كبريطانيا وأميركا، وحتى المنظمة الصهيونية والتي حافظت أن يكون لها علاقة مع سلالته في إمارة شرق الأردن فيما بعد.

اعتقد حاييم وايزمن أن قبول الزعماء العرب بوعد بلفور سيسهل الطريق للوصول إلى رضى عرب فلسطين، وعلى الأقل تخفيض الضغط وردّات الفعل الوطنية التي قاموا بها، والتي يبدو أن زعماء بريطانيا كانوا يبدون انزعاجهم من هذا الأمر أمام وايزمن الذي كان يسير وكأنه في سباق مع الزمن، فتارة ترى خطاباته متطرفة، وتارة أخرى تراه يستميل عرب فلسطين، فها هو يؤكد في خطاب له عام 1919م في لندن أن وعد بلفور هو المفتاح الذهبي الذي يفتح أبواب فلسطين ويتحدث عن تساؤلات الزعماء العرب حول هذا الوعد، وتارة أخرى يناشد اليهود عدم مساس شعرة واحدة من رؤوس عرب فلسطين، ومن المؤكد أن أي منطق بالعالم يعطي الحق لهم بالعيش في وطنهم فلسطين، وهذا التزام منا نحن اليهود للعرب بذلك[12]، ولربما كان الرجل يقصد إيصال رسالته للشريف حسين وللملك عبد العزيز وللملك فؤاد الأول، ويعتقد أنها ستساعدهم في تزيين أو تخفيض الضغط عليهم أمام شعوبهم، وبالذات أمام عرب فلسطين.

إنما يعزز ذلك رفض الشريف حسين التوقيع على صك الانتداب بما يحتوي من كل المواد، باعتباره مغايراً ومخالفاً لما أُعطي من عهود، وهنا يلاحظ يأس الشريف حسين من تحقيق أي تقدم من الموقف البريطاني في فلسطين؛ بل إنه من الصواب الاعتقاد بأن شيئاً لن يخسره أو لم يعد يأمل في تحقيق حلمه الذي وُعد به أثناء الحرب العالمية الأولى، ولكن لا أرى أن الشريف حسين قد قرر قطع شعرة معاوية مع الإنجليز، فلا زالت مصالحه معهم بالجزيرة العربية ولو اسمياً، وكذلك في إمارة شرق الأردن التي بات يعتبرها بادية الأمان بالنسبة له خاصة لبعدها عن آل سعود.

لقد بدا أن عرب فلسطين باتوا يعملون دولياً ودون غطاء أو مسانده عربية، وصحيح أنهم لم يتعرضوا لضغوط عربية، لكن أيضاً لم يجدوا أي مساندة منهم، وهذا يتضح من سفر الوفد الفلسطيني الأول إلى لندن، الذي استعان ببعض الصحفيين العالميين، واستطاع الوفد إقناع مجلس اللوردات برفض صك الانتداب، لكن دون رفض وعد بلفور[13].

ويمكن هنا ملاحظة التقدم لأن صك الانتداب جاء ضمن إطار الخطة البريطانية الصهيونية لتنفيذ وعد بلفور، والأهم ما استطاع زعماء عرب فلسطين تحقيقه دون الزعماء العرب.

دخل عام 1921م وبدت بوادر تنفيذ وعد بلفور على الأرض تتضح من خلال سلوك المندوب السامي هربرت صموئيل الذي سيمارس على الأرض، خاصة قضية الاستيلاء على الأراضي ونقلها لليهود، وكذلك فتح أبواب الهجرة، ولقد كانت بريطانيا تعرف مدى غضب الشريف حسين عليها، لكنها لم تقطع التواصل معه خاصة توفير ملاذ آمن له في شرق الأردن من ملاحقة آل سعود له ولأتباعه، والسؤال ما هي مصلحة بريطانيا من إعادة ترتيب العلاقة وترميمها مع الشريف أو الملك حسين؟ إنها اعتراف أي زعيم عربي خاصة في بلاد الشام بمركز بريطانيا في فلسطين والعراق والأردن هو الهدف الأكبر من ذلك، وبالفعل رفض الملك حسين توقيع أي معاهدة من هذا القبيل رغم توقيع ابنه الأمير عبد الله، وكان السبب أن هذه المذكرة تتضمن اعترافاً بسياسة بريطانيا في فلسطين ومن ضمنها وعد بلفور[14]، وربما كان رفض الملك هذه المرة بسبب الثورة في فلسطين التي اندلعت في يافا، وعدم تنسيق بريطانيا معه في إرسالها لجنة هيكرافت للتحقيق في الأحداث، إضافة إلى إجماع زعماء فلسطين على هذا الأمر.

إن النظر إلى البيئة السياسية والأجواء والعوامل الذاتية والموضوعية التي كانت تحيط بالقضية الفلسطينية سيجعل من السهل تفسير الظواهر والأحداث التي تحيط بالمنطقة؛ بل وتفسير المواقف، لكن مجيء وفد يهودي من المنظمة الصهيونية العالمية لمقابلة الملك حسين في عمان وخطبة أحدهم باللغة العربية متمنياً أن يعم السلام بين العرب واليهود، وأنهم بدأوا بطرح شيء جديد وهو إغراء الأمير عبد الله بأن اليهود يطالبون بأن يستلم حكم فلسطين لأنهم واثقون بمساواته بين العرب واليهود، والسماح لهم باستعمال اللغة العبرية، ومن تحدث عن تسهيل هجرة لن تمس بالسكان العرب، ورفض الملك حسين هذا الأمر، لأنه كما تحدث لهم يعني الموافقة على وعد بلفور[15]، وهذا ما يؤكد أن كل الأحداث التي مرّت في محطات العلاقة البريطانية مع الزعماء العرب، والتي كانت سياسة بريطانيا تجاه فلسطين خاصة وعد بلفور كمحطة رئيسة في هذه العلاقة، إلا أن ذلك لم يقطع العلاقة بين هؤلاء الزعماء وبريطانيا؛ بل لم يقطع العلاقة مع الزعماء الصهاينة، وأن هذه الزيارة التي قام بها وفد المنظمة الصهيونية العالمية واستعمالها أساليب التحايل والذكاء أمام الملك لم تجدِ نفعاً، ومن باب الإنصاف أن الشريف حسين قد استفاد من دروس علاقاته مع بريطانيا التي لم توفِ بوعودها غير مرة؛ بل تركته وحده في الميدان في صراعه مع ابن سعود، ويمكن أن يجد ذلك تعبيراً له في تطور موقفه تجاه القضية الفلسطينية بعد عام 1919م، والذي لم يثبَت بالمصادر التاريخية توقيعه لأي وثيقة مع بريطانيا تخص فلسطين بعد استقراره بالبادية الأردنية.

ويمكن الخروج بعدة نتائج أهمها:

-                  أصدرت بريطانيا وعد بلفور وهي تعرف بأن الظروف العربية القائمة لن يكون لها أي تبعات سلبية كبيرة على علاقتها معهم.

-                  استغلت بريطانيا الموقف الصعب والصراع في الجزيرة العربية بين الشريف حسين والملك عبد العزيز لانتزاع موقف مؤيد أو غير معارض لوعد بلفور.

-                  استطاعت المنظمة الصهيونية العالمية التنسيق الكامل مع بريطانيا وفرنسا في مواجهة؛ بل صياغة مواقف الزعماء العرب من وعد بلفور.

-                  أن العدد الأكبر من الزعماء العرب خاصة الواقعة دولهم في أفريقيا لم يهتموا بما فيه الكفاية بالرد على وعد بلفور، وربما لِما كانوا يمرون فيه من ظروف قاسية.

-                  أن تطور الموقف العربي من وعد بلفور كان مقياساً لمدى استقرار أحوال هؤلاء الزعماء خاصة بمقياس العلاقة مع بريطانيا.

 

 

 

 

 

 

 

الهوامش:


[*] أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر في جامعة القدس المفتوحة.


[1] Wasser Stein, Bernand, "Herbert Samuel": A Political Life, A Broken Trust, London, 1992, P.9.

[2] Leonard Stein: The Balfour Declaration, London, 1961, P.72-76

[3] طالب محمد برهم: مملكة الحجاز 1916-1925، دراسة في الأوضاع السياسية، ط1، منشورات مركز دراسات الخليج العربي، البصرة، 1982، ص18.

[4] إبراهيم الراوي: من الثورة العربية الكبرى إلى العراق الحديث ذكريات، ط1، دار الكتاب، بيروت، 1969، ص68.

[5] Dan Eldar: French Policy Towards, Hussain, Sharif of Mecca, Middle Eastern Studies, published by Frank Cass London, Volume 26, July 1990, number 3, P329.

[6] Leonard Stein: The Balfour Declaration, OP. Cit., P.96.

[7] مقابلة مع المؤرخ تيسير جبارة بتاريخ 12/8/2017م، رام الله، وقد رأى المؤرخ الوثيقة الأصلية لدى معاينته الوثائق الفلسطينية في أرشيف وزارة المستعمرات البريطانية.

[8] المركز القومي للدراسات والتوثيق: وثائق القضية الفلسطينية، جزءان، ج1، غزة، 2005، ص163.

[9] مذكرات محمد عزة دروزة: سجل حافل بمسيرة الحركة العربية والقضية الفلسطينية، مج6، دار الغرب الإسلامي، مج1، ص 434.

[10] James Wynbrandt; Brief History of Saudi Arabia, InfoBase Publishing, 2010, P.184.

[11] صالح مسعود بويصر: جهاد شعب فلسطين خلال نصف قرن، ط1، دار بويصر، طرابلس، 1987، ص85.

[12] حاييم وايزمن: مختارات من بياناته التاريخية، كتاباته وخطبه عن كتاب الدبلوماسية الصهيونية، د. فايز صايغ، مركز الأبحاث- منظمة التحرير الفلسطينية، دراسات فلسطينية (13)، بيروت، 1972م، ص112.

[13] صالح مسعود بويصر: جهاد شعب فلسطين، مرجع سابق، ص145.

[14] Kimchejon: Seven Fallen Pillars, The Middle East, 1915-1950, London, 1950, P.46.

[15] مذكرات محمد عزة دروزة: سجل حافل بمسيرة الحركة، مرجع سابق، مج1، ص578.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصادر والمراجع:

-    إبراهيم الراوي: من الثورة العربية الكبرى إلى العراق الحديث ذكريات، ط1، دار الكتاب، بيروت، 1969م.

-    حاييم وايزمن: مختارات من بياناته التاريخية، كتاباته وخطبه عن كتاب الدبلوماسية الصهيونية، د.فايز صايغ، مركز الأبحاث- منظمة التحرير الفلسطينية، دراسات فلسطينية (13)، بيروت، 1972م.

-    صالح مسعود بويصر: جهاد شعب فلسطين خلال نصف قرن، ط1، دار بويصر، طرابلس، 1987م.

-    طالب محمد برهم: مملكة الحجاز 1916-1925، دراسة في الأوضاع السياسية، ط1، البصرة، منشورات مركز دراسات الخليج العربي، 1982م.

-    المركز القومي للدراسات والتوثيق: وثائق القضية الفلسطينية، جزءان، غزة، 2005م.

-    مذكرات محمد عزة دروزة: سجل حافل بمسيرة الحركة العربية والقضية الفلسطينية، 6 مج، دار الغرب الإسلامي.

-    مقابلة مع المؤرخ تيسير جبارة بتاريخ 12/8/2017م، رام الله، وقد رأى المؤرخ الوثيقة الأصلية لدى معاينته الوثائق الفلسطينية في أرشيف وزارة المستعمرات البريطانية.

-   Dan Eldar: French Policy Towards, Hussain, Sharif of Mecca, Middle Eastern Studies, published by Frank Cass London, volume 26, July 1990, number 3.

-   James Wynbrandt; Brief History of Saudi Arabia, InfoBase Publishing, 2010.

-   Kimchejon: Seven Fallen Pillars, The Middle East, 1915-1950, London, 1950.

-   Leonard Stein: The Balfour Declaration, London, 1961.

-   Wasser Stein, Bernand, "Herbert Samuel": A Political Life, A Broken Trust, London, 1992.

 

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website