دور الحركة النسوية الفلسطينية في النضال الوطني وعد بلفور والانتداب البريطاني انموذجاً، نور صالحية، العدد 269

 

دور الحركة النسوية الفلسطينية في النضال الوطني

وعد بلفور والانتداب البريطاني أنموذجاً

 

نور صالحية[*]

 

نشأت الحركة النسوية في الدول المستعمَرة، والتي كانت فلسطين واحدة منها، كرد فعل على سياسات ونهج الاستعمار في السيطرة على الشعوب المستعمرة، ونهب مواردها وتسخير طاقاتها وإمكانياتها لخدمة المستعمِر وأهدافه التي قام لأجلها. ولقد تنبهت الشعوب المستعمرة لخطر المستعمر على وجودها وثقافتها، فرفضت وجوده وقاومته وحاربته بكافة الأشكال والوسائل في سبيل الحصول على الاستقلال والتخلص من الاستعمار، ولم تكن المرأة بمنأى عن المشاركة في أعمال ونشاطات محاربة المستعمر، بل إنها لعبت دوراً مهماً في مقاومته ومحاربته، ويدلل على ذلك طابع العمل النضالي والوطني المقاوم للاستعمار الذي اتخذت الحركة النسوية هدفاً رئيساً لها، وذلك من خلال مشاركتها في التحرر الوطني ومقاومة الاستعمار، ومطالبتها بحق شعوبها في تقرير مصيرها والخلاص من الاستعمار، أما في فلسطين فلقد أخذ هذا الاهتمام يتبلور بشكل أكبر مع وقوع فلسطين تحت الانتداب البريطاني بشكل عام، وإعلان وعد بلفور بشكل خاص، الذي صدر في العام 1917، وأكد فيها آرثر جيمس بلفور تأييد الحكومة البريطانية إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين. وإن ما يهمنا في هذه المقالة هو تسليط الضوء على أعمال الحركة النسوية ونشاطاتها التي قامت بها منذ إصدار وعد بلفور ووقوع فلسطين تحت الانتداب البريطاني، حتى نهاية الثلاثينات من القرن الماضي.

عندما وقعت فلسطين تحت الانتداب البريطاني في العام 1920، أعلنت بريطانيا منذ البداية هدفاً لها وهو تحقيق وعد بلفور، أي فتح الباب أمام اليهود الراغبين في الهجرة إلى فلسطين وإقامة "بيت وطني" يهودي فيها[1]. لذلك فإن الانتداب البريطاني، وتسخيراً لكل إمكانياته، حاول تهيئة الوضع لإقامة الوطن القومي وذلك باعتماد مجموعة من الوسائل لتعزيز سيطرته حتى تبقى المقاومة المحلية مقاومة ضعيفة ومشتتة، فمن جهة عمل على تعزيز التخلف الاقتصادي الاجتماعي، واعتماد سياسة "فرق تسد" بهدف تقسيم الناس إلى مجموعات وفئات يتحكم هو فيها، وتكون مرجعية هذه المجموعات للانتداب نفسه، وتعزيز دور المؤسسات التقليدية المختلفة وإنكار الهوية الموحدة للسكان، ومن جهة أخرى ركز على إنتاج خطاب ومعرفة لغرض تبرير انتدابه لفلسطين بحيث يركز هذا الخطاب على الأبعاد الثقافية التي افترض أنها تثبت دونية الشعوب المستعمرة والتي كانت فلسطين واحدة منها، وهذه الدونية يتم تحديدها بقياسها على الغربي الذي اعتبره المعيار بتفوقه المادي والعسكري والاقتصادي والعلمي والتكنولوجي، وبالتالي حاجة هذه المرأة إلى التقدم الذي يجلبه الاستعمار بحيث تكون أوضاعهن التي يتم التأكيد على دونيتها رمزاً لدونية الثقافة[2]، فمن جهة كان الانتداب البريطاني يبني حجته الرئيسة بزعم أن هدفه هدف إنساني بحت، في دول قابعة تحت الجهل والظلم الذي يتركز ظلمه بشكل أساسي على النساء، ومن جهة أخرى كان يناقض هذا الهدف بمحاولته طمس أي تحركات نسوية حقيقية، وذلك من خلال محاولته إنتاج خطاب ومعرفة تظهر بأن المرأة غير متعلمة وجاهلة، تتعرض للاضطهاد وغير مسموح لها بالكلام ولا بالخروج من المنزل إلا ضمن معايير وحدود، تتعرض للضرب والإهانة، ومسيطر عليها من قبل الرجل، وأن المرأة الفلسطينية تعيش حياة معزولة، لا يحق لها الكلام والتعبير والاختلاط مع الرجال، في الوقت الذي حاولت فيه أيضاً إنتاج معرفة تؤكد أن ظهور المرأة بالشكل الحضاري يُقاس بمدى ارتباطها بثقافة الإنجليز وحضارتهم، ففي إحدى المرات صرحت الكاتبة ماري روجرز بأن الأمل الوحيد بتقدم المرأة الفلسطينية يعتمد على مدى استفادتها من التعليم الذي يقدمه لها الإنجليز ومدى اطلاعها على الثقافة البريطانية[3]، على اعتبار أن الثقافة الغربية هي الثقافة الحضارية المتميزة، التي تقف في مقابلها الثقافة المحلية الفلسطينية التي تمثل التخلف والرجعية واضطهاد المرأة، إلا أن الحقيقة التاريخية تبين أن حكومة الانتداب كانت تعمد إلى تجهيل العرب، حيث اتصف التعليم في فترة الانتداب البريطاني في فلسطين بالقصور من نواح عدة: سواء من ناحية مراحله أو من ناحية المبالغ المخصصة له، أو من ناحية المناهج المتبعة، أو من ناحية عدد المدارس والطلاب، فقد بلغت النسبة المئوية لأولاد العرب الذين هم في سن التعليم – وقد حرموا منه –في1/7/1944 حوالي 67.5%، بينما كانت هذه النسبة تقارب الصفر لدى اليهود الذين كانوا مستقلين استقلالاً تاماً في تعليم أولادهم،[4] وهذا دليل على الفجوة الكبيرة بين القول والفعل، أي بين الحجة التي يبنى عليها والتي تأتي الوقائع التي تنفذ على الأرض لدحضها وتفنيدها، وبين ما هو مخطط له وما يتم تنفيذه على أرض الواقع، لذلك فالوقائع تثبت أن الانتداب البريطاني لم يعمد إلى الاهتمام بالقطاع التعليمي ولم يفرد له ميزانية مناسبة للنهوض به، إلا أننا نستطيع القول إنه بالرغم من واقع التعليم السيء لكلا الجنسين، إلا أن هناك عدداً لا بأس به خصوصاً في المدن الفلسطينية الرئيسة قد استطاعوا الالتحاق بالدراسة من خلال المدارس التي أشرفت عليها الإرساليات التبشيرية وغيرها، لقد كان من هؤلاء القلة القليلة اللواتي استطعن استكمال تعليمهن مجموعة من النسوة اللواتي مكنهن التعليم الذي حصلن عليه من الانخراط في العمل السياسي في فلسطين كحركة نسوية مستقلة ارتأت ضرورة أن يكون لها موقع ضمن هذه الحركة الوطنية، والوقوف كنساء ضد أعمال الانتداب والاعتراض على ممارساته، وبالتالي فإن الصورة التي حاول الانتداب البريطاني أن يبني عليها شرعية انتدابه وسيطرته على فلسطين، قد عرفت طريقها للفشل، والدليل ظهور مجموعة من التحركات النسوية منذ وقوع فلسطين تحت الانتداب البريطاني.

الحركة النسائية الفلسطينية في بداية القرن العشرين:

انطلاقاً مما ذكر يظهر لنا أن الحركة النسائية في فلسطين منذ بداية القرن العشرين اتخذت من العمل النضالي والمقاوم طابعاً وهدفاً رئيساً لها، لذلك فإن الحركات والنشاطات والفعاليات التي قامت وأشرفت عليها النساء، لم تنشأ ولم تتوسع إلا ضمن التحرك الوطني والنضالي بدافع المطالبة بإلغاء وعد بلفور ووقف الهجرة اليهودية إلى فلسطين، والتي أخذت ترتفع بمعدلات قياسية وتتوسع بشكل كبير، ومقاومة الانتداب البريطاني والاعتراض على سياساته التي رأت الحركة النسائية الفلسطينية أنها متحيزة بشكل واضح وصريح لليهود، وتهدف لإقامة الوطن القومي لليهود على أرض فلسطين، وقد طغى هذا الهدف على كافة الأهداف الأخرى ذات العلاقة باهتمامات النساء، مثل حق المرأة في التعليم، حيث أكدت إحدى القيادات النسوية الفلسطينية التي قادت النضال ضد الانتداب البريطاني ووعد بلفور وتدعى متيم مغنم بأنه "لا حديث عن حقوق المرأة ما دمنا تحت الاحتلال"، بالرغم من ظهور بعض التحركات الاجتماعية التي تعرضت لحق المرأة في العمل والتعليم، "إلا أن هذه المطالب التي تبنتها النخبة من الرجال والنساء سنة 1927، أبقت موقف الحركة النسائية بشكل عام كما هو.{C}[5]{C}

العمل المقاوم النسوي بين الريف والمدينة:

تنوعت الأشكال والوسائل التي ساهمت من خلالها المرأة الفلسطينية سواء في الريف أو المدينة في المطالبة بإلغاء وعد بلفور، والاعتراض على سياسة الانتداب البريطاني المتحيزة لليهود، سواء أكانت بطريقة منظمة، أم بطريقة عفوية، ضمن جماعات أم بطريقة فردية.

تعتبر المظاهرات إحدى أبرز أشكال العمل النسوي المقاوم الذي انخرطت المرأة فيه، ويمكن اعتبار أن أول نشاط نسائي في المدينة بدأ حينما "خرجت المرأة والفتاة الفلسطينية بقيادة المثقفات المسلمات والمسيحيات على السواء في مظاهرات كبيرة في القدس ويافا وحيفا، حيث شاركت المرأة في أول ثورة للشعب ضد الانتداب البريطاني، عندما طافت تظاهرة من 40 ألف مواطن شوارع القدس في 27 شباط (فبراير) 1920[6]. كما شاركت المرأة في المسيرات التي جابت المدن الفلسطينية للاعتراض على ما كانت تقوم به حكومة الانتداب، وللمطالبة بوقف الهجرة اليهودية إلى فلسطين، في الوقت الذي يجب أن نوضح فيه أنه كان هناك خشية دائمة من هذه التظاهرات النسائية، وذلك لما جرت عليه العادة في فلسطين باعتبار أن الاقتراب من النساء يعتبر من المحظورات وقد تثار ثائرة السكان على الإنجليز لهذا التصرف، لذلك حرص الإنجليز على عدم تجاوز الحدود الأخلاقية عند مهاجمة النساء خوفاً من غضب السكان الفلسطينيين الذين كانوا دائماً يرفعون شعار العرض قبل الأرض.

وفي السياق ذاته برز شكل آخر للعمل المقاوم وهو "رسائل الاعتراض والاحتجاج" حيث بدأت المرأة الفلسطينية في المدينة بإرسال عرائض احتجاج إلى حكومة الانتداب والمندوب "السامي" للمطالبة بإلغاء وعد بلفور ووقف هجرة اليهود إلى فلسطين، فمثلاً في العام 1920 قامت تسع وعشرون سيدة من شمال فلسطين بإرسال رسالة إلى الحاكم الإداري في المنطقة يعربن فيها عن انزعاجهن من تداعيات وعد بلفور جاء فيها:

"لقد قرأنا وعدكم بشأن توطين اليهود في بلدنا وجعله وطناً قومياً لهم. ولما كان هذا الوعد مدمراً لنا من كل الوجوه.. نحن النساء المسلمات والمسيحيات الفلسطينيات اللواتي يمثلن نساء فلسطين الأخريات، نحتج بشدة على هذا الوعد الذي يؤدي إلى تقسيم وطننا".

وفي سنة 1922، قامت مجموعة من النساء الفلسطينيات بإرسال رسالة إلى وزير المستعمرات جاء فيها:

إلى رئيس الحكومة، وزير المستعمرات: النساء الفلسطينيات في حيفا يحتججن على وعد بلفور. نطلب وقف الهجرة اليهودية، ونطلب الاستقلال.[7]

وفي سنة 1929 أرسلت اللجنة التنفيذية للسيدات العربيات برقية احتجاج بمناسبة وعد بلفور إلى عصبة الأمم المتحدة والمندوب "السامي"، حيث أكدت اللجنة في برقيتها «على متابعة الجهاد، إلى أن يأخذ العدل مجراه، ويُلغى وعد بلفور وتنعم البلاد بتحقيق الأماني الوطنية»، وفي سنة 1930 احتجت اللجنة ذاتها في برقية إلى المندوب "السامي" على تهريب اليهود للسلاح، وطالبته باتخاذ احتياجات كافية لتضع حداً لتهريب سلاح اليهود، وإجراء تفتيش تام للأماكن اليهودية المشبوهة بتلك الفترة.[8]

أضف إلى ذلك الإضرابات التي عمت فلسطين والتي شاركت فيها المرأة الفلسطينية، ففي يوم وصول اللورد بلفور إلى القدس لافتتاح الجامعة العبرية في 25 آذار (مارس) 1925، عمّ فلسطين إضراب عام احتجاجاً على قيامه بزيارة القدس لافتتاح الجامعة العبرية، حيث شاركت المرأة في هذا الاضراب الشامل وإعلان الحداد[9]، وفي إضراب العام 1936، أصدرت اللجنة النسائية ذاتها بياناً لحث الجماهير على الإضراب والصمود، وفي بيان آخر عقب اجتماع كان في القدس في أيار سنة 1936 اتخذت الحركة النسائية عدة قرارات سياسية، منها التحريض على العصيان المدني واستمرار الإضراب، بالإضافة إلى انعقاد اجتماع آخر يوم 11 أيار (مايو) سنة 1936 تم فيه «قَسَم» على مقاطعة البضائع اليهودية وتأييد مقررات الأمة وموقفها.[10]

أما الوجه الأبرز للنشاط النسوي والذي شغل حيزا مهماً خصوصاً في المدن الرئيسة فكان تأسيس الجمعيات والمنظمات النسائية، والتي نشأت في المدن الرئيسة، بأيدي مجموعة من النساء اللواتي حظين بقدر كاف من التعليم، وخصوصاً في مدينة القدس، فقد عاشت الكثير من نساء مدينة القدس حياة نشيطة، وكان بإمكان النساء فيها من الطبقات العليا والوسطى أن يبدأن بالانخراط في الحياة العامة، وتركزت هؤلاء النسوة بشكل أساسي بين عائلات متنفذه برجوازية أمثال عائلات الحسيني، والنشاشيبي، والخالدي وعبد الهادي، وكن في الغالب مرتبطات مع قياديين بالحركة الوطنية إما كزوجات أو أخوات أو قريبات[11]، بشكل عام نجد أن النساء أخذن يشاركن في حياة المدينة السياسية والاقتصادية والثقافية، الأمر الذي نتج عنه نشوء مجموعة من الجمعيات والمنظمات النسوية. التي اتخذت في بداية عملها الطابع الخيري وتقديم المساعدة، ثم ما لبثت أن تحولت إلى العمل السياسي، والمطالبة بإلغاء وعد بلفور، ووقف هجرة اليهود إلى فلسطين، وكان من أهم وأبرز هذه الجمعيات: اتحاد السيدات العربيات في فلسطين الذي تأسس في العام 1919، وفي الفترة ذاتها تأسست في حيفا منظمة نسائية باسم الاتحاد النسائي برئاسة ساذج نصار، كما تأسست في يافا جمعية المرأة العربية، وفي العام 1921 تأسست في نابلس الجمعية النسائية[12]، كما أسست السيدة زليخة الشهابي وكاميليا سكاكيني في سنة 1921، أول نواة لاتحاد نسائي، وقد عني في بداية إنشائه بتقديم المساعدة للفقراء وفي حقل التعليم، إلا أنه سرعان ما أخذ منحىً وطنياً من خلال المشاركة في التظاهرات ضد الانتداب البريطاني، وتأليف عدة لجان غايتها مناهضة الانتداب، والوقوف في وجه الاستيطان الإسرائيلي، إلا أنه أجبر على الإغلاق، وفي نابلس أسس الاتحاد النسائي برئاسة مريم هاشم في سنة 1921، وكان الهدف من تأسيسه تحسين حياة المرأة الاجتماعية والثقافية والصحية، ثم ما لبث أن اتجه إلى النشاط السياسي بعد العام 1929.[13] وكان من أبرز القيادات النسوية التي عملت في تلك الفترة زليخة الشهابي/ وعندليب العمد/ وبديعة خوري سلامة/ وحلوة جقمان/ وكاميليا السكاكيني/ وزهية النشاشيبي/ ونعمتي الحسيني/ ومتيل مغنم. ومن الأمثلة الأخرى على بعض القيادات في الحركة النسائية: (طرب عبد الهادي، وكاترين ديب، وشاهندة دزدار، وفاطمة آل الحسيني، وخديجة الحسيني، ونعمتي العلمي الحسيني، وأنيسة الخضرا، ووحيدة الخالدي، وضياء النشاشيبي).

من ناحية أخرى نتحدث أيضاً عن المرأة الريفية والتي لعبت دوراً لا يقل أهمية عن دور المرأة في المدينة في النضال الوطني ولو اختلفت طريقة هذه المشاركة عنها في المدن، فقد تركزت في القرى على دعم الثورة والثوار إما عن طريق تزويدهم بالسلاح، أو تأمين الغذاء والمعدات للثورة، أو مداواة الجرحى، وإخفاء الثوار، أو القيام بمهمات استطلاعية للثوار، ورصد عمليات بيع الأراضي لليهود، أضف إلى ذلك قيام عدد من النساء ببيع مصاغهن الذهبي لشراء قطع سلاح لأزواجهن وإخوانهن وأبنائهن للمشاركة في الثورة. وشهد فوزي القاوقجي في مقابلة أجرتها معه فتاة عراقية على دور المرأة في تقديم الدعم للثورة والثوار فقال: "كانت النساء في معركة بلعا ينجدننا بالماء والطعام ونقل العتاد ويثرن الشعور بالزغاريد الوطنية وأناشيد البطولة، وحين حاصرت قوات الإنجليز قوات الثوار كانت النساء تمدنا بكل ما نحتاجه، وبتأثير تحميسهن انتصرنا".

كما شاركت المرأة الريفية في احتجاجات ثورة البراق، فسقطت في هذه الهبة تسع شهيدات من قائمة ضمت 123 شهيداً وشهيدة وهن: عائشة أبو الحسن، وعزية محمد علي سلامة، وجميلة محمد أحمد الأزعر، ونشاويك حسين، ومريم علي أبو محمود، وحليمة يوسف الغندور، وفاطمة محمد علي حاج محمد، وامرأتان مجهولتا الاسم من قرية التليل[14]، كما أن بعض النساء استشهدن وهن يشاركن في المعارك بالقتال أو في أثناء تزويد الثوار بالطعام والماء مثل جولييت زكا، وجميلة أحمد، وذيبة عطية، وحلوة زيدان التي استشهدت مع ابنها وزوجها في مذبحة دير ياسين وهم يقاومون العصابة اليهودية التي اقترفت المجزرة، وحياة البلبيسي، وحلوة حسين خليل من سلوان، وحلوة سالم وهي تنقل الماء للثوار، والممرضة مرغريت جورج أبو كيان التي استشهدت وهي ترافق أحد الجرحى إلى المستشفى.[15]

وكان هذا النشاط في الريف أو المدينة ناتجاً من مخاوف المرأة على أسرتها وعائلتها وإدراكها للمخاطر التي تهددها، وقد رأت المرأة بأن هذا الخطر هو خطر يتهدد كل المجتمع بشكل عام، وعائلتها بشكل خاص، فالمرأة تاريخياً في مثل هذه الصراعات يُعهد إليها مهمة تأمين أسرتها لغرض بقاء هذه الأسرة على قيد الحياة، وهذا يدل على أن المرأة الفلسطينية كانت على وعي وإدراك لما ترتب على إصدار وعد بلفور وهو إقامة دولة يهودية وطرد السكان المحليين من مدنهم وقراهم، في الوقت الذي جاء الانتداب البريطاني لتسهيل هذه المهمة.

المؤتمر النسائي الأول في العام 1929

كان التدشين الرسمي للحركة النسائية عندما تقرر عقد المؤتمر النسائي الأول، في منزل السيدة طرب عبد الهادي في مدينة القدس في 26 تشرين الأول (أكتوبر) 1929، وذلك في أعقاب (ثورة البراق) التي وقعت في العام 1929. والتي أسفرت عن مقتل وجرح الكثير من الفلسطينيين، واعتقال المئات من الشباب من قبل سلطات الانتداب، وإصدار الأحكام المختلفة عليهم، وقد تمثل هدف المؤتمر بتوحيد الجهود النسائية والعمل على تأسيس حركة نسائية منظمة، في الوقت الذي حضره أكثر من مئتي امرأة من مختلف المدن الفلسطينية، واعتبر المؤتمر وعد بلفور "ضاراً بحقوق ووضع عرب فلسطين، وعملاً غير مسبوق في التاريخ، وانتهاكاً متعمداً لكل العهود التي أعطيت للعرب قبل الهدنة"، وأنه في نصه وروحه تدمير للقومية العربية في فلسطين "بهدف إحياء القومية اليهودية"، واعتبر أن كل عربي يقبل بوعد بلفور "خائناً لوطنه وأمته"، وقد انتخب في المؤتمر لجنة تنفيذية مكونة من أربع عشرة سيدة وهن: وحيدة الخالدي رئيسة، وماتييل مغنم سكرتيرة، وشاهنده دزدار، أمينة صندوق، وحرم جمال الحسيني وحرم موسى العلمي، وحرم عوني عبد الهادي، وحرم شكري ديب، وحرم صبحي الخضرا، وزاهية النشاشيبي، وفاطمة الحسيني، وخديجة الحسيني، وزليخة الشهابي.[16]

وقد اتخذت في هذا المؤتمر عدة قرارات كان أهمها تأسيس جمعية السيدات العربيات في مدينة القدس، واعتمدت هذه المنظمة منذ تأسيسها على استخدام الكلمة المكتوبة، حيث كانت شكل الاحتجاج الأكثر استعمالا لديها، فقد أرسلت مئات من البرقيات والمذكرات، وكان ذلك أحيانا بشكل يومي إلى الحكومة البريطانية وإلى المتعاطفين في الصحافة البريطانية والجمهور البريطاني، ولجنة الانتداب الدائمة التابعة لعصبة الأمم، والملوك ورؤساء الدول العرب وإلى المنظمات النسوية في العالم وخاصة في الشرق العربي[17]. كما قامت بإرسال برقيات احتجاج ومذكرات إلى سلطات الانتداب البريطاني، ووزير المستعمرات ومجلس عصبة الأمم المتحدة والمندوب "السامي"، ومن النشاطات الأخرى التي قامت بها هذه المنظمة عقد لقاءات عديدة مع مسؤولي الحكومة، للاحتجاج على السياسة البريطانية وهجرة اليهود إلى فلسطين، وتهريب اليهود السلاح، وإعدام رجال شاركوا في أحداث العام 1929.

استمرت هذه الفروع بالعمل حتى انقسام الحركة النسائية في العام 1938، والذي نتج عن الخلافات العميقة واختلاف وجهات النظر بين العائلتين المتنفذتين الحسيني والنشاشيبي، وإذا أخذنا بعين الاعتبار بأن قيادات الحركة النسائية وبالذات في القدس تربطها صلة قرابة أو مصاهرة بعائلتي النشاشيبي والحسيني، فقد أثرت هذه الخلافات على الحركة النسائية وانقسمت بذلك الحركة النسائية إلى قسمين: جمعية الحركة النسائية، واتحاد الحركة النسائية. ونتيجة لارتباط النساء الفلسطينيات النشيطات بإحدى هاتين العائلتين فقد انقسمت الحكرة النسائية وتشتت وضعفت بعد هذا العام بالتحديد.

الحركة النسوية بعد منتصف الثلاثينات:

تعتبر هذه الفترة فترة حرجة في تاريخ الحركة النسوية الفلسطينية، إذ أننا لا نستطيع بأي حال من الأحوال أن نفصل النشاط النسوي العام عن الوضع السياسي الفلسطيني الذي أخذ بالتردي أكثر وأكثر، إذ انخفضت ثقة الناس بالأحزاب الرئيسة الموجودة، نتيجة للخلافات الداخلية التي أخذت تنشأ بين هذه الأحزاب من جهة، وفشلهم في تحقيق أي إنجاز ملموس بل بالعكس أخذ الوضع يزداد سوءا وظهر استياء عام خصوصاً بين أوساط الشباب الفلسطينيين، نتيجة ارتفاع البطالة، ووصول الهجرة اليهودية إلى أرقام قياسية، أدى هذا الحال إلى ظهور رغبة لدى الناس بالتوجه نحو التصعيد وأعمال المقاومة، مثل الشيخ عز الدين القسام، وفوزي القاوقجي، وعوني عبد الهادي وأكرم زعيتر، إلا أنه يمكننا القول بأنه في هذه الفترة برزت أهمية كبيرة لدور المرأة الريفية وذلك من خلال الدور الذي قامت به لدعم الثورة والثوار الذين اتخذوا من الجبال والمناطق الريفية ملجأ لهم.

وقد تواصل الكفاح في فلسطين ضد الإنجليز والصهاينة حتى سنة 1939، عندما دخلت بريطانيا في الحرب العظمى الثانية، وقد قاطع العرب الانتداب في كل ما يتعلق بهم، بينما اليهود استغلوا هذا الموقف فدخلوا في صفوف الجيش وتمتعوا بمنشآته وحركاته الحربية، وبعد الحرب مباشرة وجد اليهود أنهم انتصروا في هذه الحرب فبدأوا يطالبون الإنجليز بالعمل الجدي لسرعة تنفيذ هدفهم، وهو الوطن القومي".{C}[18]{C}

وفي سياق آخر يهمنا هنا أن نتحدث أيضاً عن الدور الذي لعبته المرأة في حفظ الرواية الشفوية، مع الأخذ بعين الاعتبار أن العمل على توثيق هذه الرواية الشفوية للمرأة ظل محصوراً إلى حد كبير، ولم يفسح المجال لأخذ رواية المرأة التي توضح مدى أهمية وعمق الدور التاريخي الذي لعبته، خصوصاً إذا افترضنا أن المرأة امتلكت ذاكرة استطاعت من خلالها حفظ التفاصيل وروايتها، فمجمل الحديث كان يقف للتحدث عن قصص البطولة التي تركز في المعظم على دور الرجل في المعركة وقوته وبأسه في القتال، بينما نجد بأن دور المرأة يظهر وكأنه مكمل لدور الرجل، وقليلا ما يتم التحدث عن دورها في المعركة، وهذا ربما يعود إلى الصورة النمطية حول طبيعة تقسيم الأدوار الجنسانية بين الرجل والمرأة،{C}[19]{C} لذلك يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أن المرأة هي الوحيدة التي تستطيع تقديم رواية تاريخية توضح الدور الذي قامت به وهو دور لا يقل أهمية عن دور الرجل، فتاريخ المرأة الفلسطينية هو تاريخ مليء بالأحداث والتجارب الهامة التي عاشتها مع عائلتها وأسرتها، وقد كان لها دور محوري ومركزي في بقاء العائلة الفلسطينية واستمرارها وحمايتها من التمزق والانهيار، فظهرت المرأة وكأنها "جمل المحامل" الذي يحمل الآخرين ويجتاز بهم الشدائد والمحن، كما لعبت الدور المحوري في وحدة عائلتها، وفي توفير متطلبات الحياة المعيشية لأسرتها (السكن، والطعام، والماء، ووسائل التدفئة، واللباس).{C}[20]{C}

الخاتمة:

أدركت الحركة النسائية في فلسطين منذ مطلع القرن العشرين ما يحاك ضد الشعب الفلسطيني من مؤامرات لطرده من أرضه، وجلب اليهود من كافة أنحاء العالم وتوطينهم في فلسطين، وقد شكل وعد بلفور حجر الزاوية في هذه القضية وجاء الانتداب البريطاني على فلسطين لتحقيق ما وعدت به بريطانيا اليهود في هذا الوعد المشؤوم بإقامة وطن لهم في فلسطين، على أنقاض السكان المحليين، وقد اعتبرت المرأة الفلسطينية أن هذا يشكل خطراً على وجودها ووجود عائلتها فعمدت إلى محاربته ومقاومته، فتنوعت الأشكال والوسائل التي قامت من خلالها المرأة الفلسطينية بذلك إما بالانخراط في النضال الوطني والثوري جنباً إلى جنب مع الرجل تارة، وتارة أخرى كحركة نسوية مستقلة، فشاركن في المظاهرات، والإضرابات، وإرسال رسائل احتجاج واعتراض إلى الحكومة المنتدبة وإلى الأصوات الحرة في العالم، وشاركن في الكفاح، من خلال تزويد الرجال بالعتاد والسلاح، والدعم بمهمات استطلاعية، وغير ذلك من الأشكال التي تحدثنا عنها سابقاً، كما كان للدور الإنجابي أهمية قصوى فهي من ستنجب المناضلين والمناضلات الذي سيعملون على محاربة المحتل ومقاومته، لذلك نجد أن هناك إشادات بالنساء اللواتي ينجبن أكبر عدد من الأطفال، أضف إلى ذلك الدور الأبرز في تثبيت الهوية الفلسطينية، من خلال التاريخ الشفوي الذي روته ودورها في حفظ الذاكرة، والتدقيق في تفاصيلها، وهذا بالتالي أضفى أهمية كبيرة على الرواية الشفوية للمرأة ودورها في توثيق الأحداث التاريخية وحمايتها من الطمس والضياع.

 

 

 

الهوامش:

{C}
{C}

{C}[*]{C} باحثة مقيمة في رام الله.

{C}
{C}

{C}[1]{C} ويكيبيديا. الانتداب البريطاني على فلسطين

 https://ar.wikipedia.org

2 سلمي. أميرة، عن النساء والمقاومة الرواية الاستعمارية، ص92.

{C}[3]{C} شهابي، حنان. المرأة الفلسطينية في عهد الانتداب البريطاني. ص 41.

{C}[4]{C} مركز المعلومات الوطني- وفا.

 http://info.wafa.ps

{C}[5]{C}شهابي، حنان، مرجع سابق، ص16.

{C}[6]{C} علقم، نبيل، تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية ودور المرأة فيها، ص83.

{C}[7]{C} شهابي، حنان، مرجع سابق، ص 172-173.

{C}[8]{C} دور المرأة الفلسطينية بين النضال وتربية الأجيال

http://www.radionisaa.ps

{C}[9]{C}الخالدي. وليد. التسلسل الزمني للأحداث 1919-1936. مؤسسة الدراسات الفلسطينية

http://btd.palestine-studies.org

{C}[10]{C} دور المرأة الفلسطينية بين النضال وتربية الأجيال.

http://www.radionisaa.ps

{C}[11]{C} الشوملي، روز، المشاركة السياسية للمرأة الفلسطينية وصنع القرار، ص11.

{C}[12]{C} خليل، عوض، مجلة شؤون فلسطينية. الحركة النسائية الفلسطينية 1900-1939، العدد 244-245، ص20.

{C}[13]{C}شهابي، حنان، مرجع سابق، ص163.

{C}[14]{C} خليل، عوض، مرجع سابق، ص21.

{C}[15]{C} علقم، نبيل، مرجع سابق، ص98.

{C}[16]{C} عوض، خليل، مرجع سابق، 22.

{C}[17]{C} فليشمان، الين. التنظيمات النسائية في القدس في فترة الانتداب البريطاني، ص29.

{C}[18]{C} الكتاب الثاني من مذكرات الموسيقي واصف جوهرية 1918-1948. القدس الانتدابية في المذكرات الجوهرية. ص559.

{C}[19]{C} عبد الهادي. فيحاء. المرأة الفلسطينية والذاكرة" أوراق ورشة عمل حول التأريخ الشفوي السياسي للمرأة الفلسطينية"، ص30.

{C}[20]{C} علان. ربيحة. من القرية إلى المخيم. جمعية إنعاش الأسرة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصادر والمراجع:

 

{C}1.     {C}دراغمة، عزة. (1990) الحركة النسائية في فلسطين 1903-1990. الطبعة الأولى. القدس.

{C}2.     {C}شهابي، حنان 2016. المرأة الفلسطينية في عهد الانتداب البريطاني دار منشورات الرمال. قبرص.

{C}3.     {C}سلمي. أميرة. 2009. عن النساء والمقاومة، الرواية الاستعمارية. مواطن المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية. رام الله-فلسطين.

{C}4.     {C}خليل، عوض. (1993). مجلة شؤون فلسطينية. الحركة النسائية الفلسطينية 1900-1939. العدد 244-245. رام الله. فلسطين.

{C}5.     {C}فليشمان، الين. (1995) التنظيمات النسائية في القدس في فترة الانتداب البريطاني، الجمعية الفلسطينية الأكاديمية للشؤون الدولية. القدس.

{C}6.     {C}علقم، نبيل (2005). تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية ودور المرأة فيها. مركز دراسات التراث والمجتمع الفلسطيني جمعية إنعاش الأسرة. رام الله. فلسطين.

{C}7.     {C}ويكيبيديا. الانتداب البريطاني على فلسطين https://ar.wikipedia.org

{C}8.     {C}مركز المعلومات الوطني- وفا.

 http://info.wafa.ps

{C}9.  {C}أدوار المرأة الفلسطينية بين النضال وتربية الأجيال

http://www.radionisaa.ps

{C}10. {C}الخالدي. وليد. التسلسل الزمني للأحداث 1919-1936. مؤسسة الدراسات الفلسطينية

http://btd.palestine-studies.org

{C}11.       {C}الشوملي. روز.2012. المشاركة السياسية للمرأة الفلسطينية وصنع القرار. مركز الأبحاث منظمة التحرير الفلسطينية. رام الله. فلسطين.

{C}12.    {C}الكتاب الثاني من مذكرات الموسيقي واصف جوهرية 1918-1948. القدس الانتدابية في المذكرات الجوهرية. تحرير وتقديم عصام نصار وسليم تماري. مؤسسة الدراسات المقدسية. 2005.

{C}13.       {C}عبد الهادي. فيحاء. المرأة الفلسطينية والذاكرة"، أوراق ورشة عمل حول التأريخ الشفوي السياسي للمرأة الفلسطينية" إدارة تخطيط وتطوير مشاركة المرأة. القاهرة 1998.

14.    علان. ربيحة. من القرية إلى المخيم. جمعية إنعاش الأسرة.

الملفات المرفقة

نور-صالحية.docx
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website