الثورات العربية والعلاقات الاقتصادية بين الدول العربية وإسرائيل - عزيز حيدر - عدد 249 - 250

الثورات العربية والعلاقات الاقتصادية بين الدول العربية وإسرائيل

عزيز حيدر [*]

تتناول هذه الدراسة الانعكاسات الاقتصادية للثورات العربية على إسرائيل، مع التركيز على وجهة النظر الإسرائيلية في العلاقات الاقتصادية مع هذه الدول وتقديراتها وتخميناتها للتحولات التي حدثت وأخرى محتملة. دراسة هذه الانعكاسات لا تكتمل إلاّ من خلال التعمق في أبعادها السياسية- الإستراتيجية وليس في بعدها الاقتصادي البحت فقط. كما أنها لا تكتمل إلاّ باحتساب انعكاس الثورات على العلاقات الاقتصادية بين إسرائيل ودول غير عربية، وتزامن الثورات مع الأزمات الاقتصادية العالمية، وأهم الاقتصادات التي تؤثر في الاقتصاد الإسرائيلي مثل أزمة الاقتصاد الأمريكي وأزمة منطقة اليورو. كذلك الأخذ بالحسبان أن الثورات العربية ما زالت في أوجها وأن نتائجها على أنظمة الحكم وعلى الشعوب غير معروفة، مع أن بعض التغيرات قد حدثت بالفعل غير أنها لم تكتمل. لذلك فإن تأثير هذه الثورات على العلاقات الخارجية، خاصة العلاقات مع إسرائيل، غير واضح بعد ما يجعلنا نؤكد أن هذه الدراسة تعنى بالفترة الممتدة لعام ونصف العام بعد بداية الثورات فقط وليس بالإمكان تقدير التطورات المستقبلية.

تلزمنا الغاية من هذه الدراسة تتبع مسار تطور علاقات إسرائيل مع الدول العربية، مع التركيز على العلاقات الاقتصادية، في ضوء تغير الظروف الدولية والشرق أوسطية والتحولات التي مرت بها استراتيجية التطبيع الإسرائيلية مع دول المنطقة. ومن ثم سوف نركز على نوع العلاقات التي تراكمت وتبلورت بمرور الوقت وحجم هذه العلاقات في السنوات الأخيرة حتى اندلاع الثورات وتأثير الأخيرة عليها، مع الأخذ بالحسبان احتمالات حصول تطورات جديدة يمكن أن تؤثر في اتجاهات وبدرجات مختلفة.

حتى أواسط التسعينات نشرت الكثير من الدراسات، التي عالجت موضوع التطبيع، خاصة الاقتصادي منه، بين إسرائيل والدول العربية.[1] لكن أثّر تعثر المفاوضات الإسرائيلية- الفلسطينية وتغير الظروف بالنسبة لإسرائيل، ما جعلها تغيِّر من إستراتيجيتها الشرق أوسطية. هبط عدد الدراسات التي تبحث هذا الموضوع بشكل بارز. ثم عاد الاهتمام البالغ في إسرائيل بدراسة هذه العلاقات، منذ اللحظة الأولى من اندلاع الثورات مع تركيز ملحوظ على الانعكاسات السياسية- الإستراتيجية والاقتصادية، مع أن هذه الدراسات أكّدت دائماً أن أهميتها الحقيقية بالنسبة لإسرائيل هي الأهمية السياسية-الإستراتيجية لهذه العلاقات.

العلاقات السياسية والاقتصادية بين إسرائيل والدول العربية حتى العام 2011

1-   المقاطعة الاقتصادية العربية ومقاومة التطبيع: نشأت فكرة المقاطعة العربية لإسرائيل وصيغت مبادئها العامة في ظل ظروف اقتصادية ودولية كان فيها الاقتصاد العالمي متشبعاً بفكرة القومية والوطنية والانغلاق. وكان الاقتصاد الإسرائيلي أقل اندماجا مع الاقتصادات العالمية، فلم تكن هناك علاقات اقتصادية قوية بين إسرائيل ومعظم الشركات العالمية، ولم تكن لإسرائيل علاقات اقتصادية مع الدول الآسيوية والأفريقية والإسلامية التي كانت تعطي أولوية لعلاقاتها مع الدول العربية وتتجنب التعامل مع إسرائيل، وكذلك لم تكن للدول العربية نفسها علاقات اقتصادية مع إسرائيل. على هذا الأساس وانطلاقاً من تلك الظروف تم وضع مبادئ المقاطعة العربية لإسرائيل لتكون على مستويين: الأول، مباشر ويتمثل في مقاطعة الاقتصاد الإسرائيلي ذاته، والثاني غير مباشر ويتمثل في مقاطعة الشركات والتجار والسفن والمصارف وأيّ جهة تتعامل مع الاقتصاد الإسرائيلي.

وضعت مواقف الدول العربية من إسرائيل، ثلاث عقبات أمام اندماج إسرائيل في الاقتصاد العالمي: المقاطعة العربية التي كانت تمنع العديد من الشركات الأمريكية والأوروبية من التعامل مع إسرائيل؛ عدم وجود علاقات دبلوماسية بين إسرائيل وكثير من دول آسيا وإفريقيا وخصوصاً الصين والهند؛ أجواء عدم الاستقرار التي كرسها الصراع العربي- الإسرائيلي في المنطقة بشكل جعلها -ومن ضمنها الاقتصاد الإسرائيلي- مكاناً غير ملائم للاستثمار الأجنبي.[2]

محاولة تقدير حجم الخسارة التي نتجت عن المقاطعة العربية، أدت بالمصادر الإسرائيلية المختلفة إلى الاستنتاج، أنها تسببت في خسارة تتراوح بين 50 و75 مليار دولار وقد يكون أكثر من ذلك في الخمسين عاماً الأولى من قيام الدولة.[3]

تغيَّرت هذه الظروف بعد توقيع بعض الدول العربية معاهدات سلام مع إسرائيل، وإقامة الكثير من هذه الدول علاقات علنية أو سرية معها. تبنّت القوى السياسية في العالم العربي -المعارِضة لمعاهدات السلام- مصطلح «مقاومة التطبيع»، لبناء سد منيع ضد الاختراق الإسرائيلي للمجتمعات العربية، وتحديد العلاقات مع إسرائيل في الإطار الرسمي العربي فقط. ترتب على ذلك تحول جزء كبير من عملية التطبيع إلى الطابع السري. وبناء على ذلك كانت إسرائيل وما زالت تغيّر إستراتيجيتها وتعدّل فيها حسب الظروف التاريخية والمسيرة التي قطعتها في علاقاتها مع الدول العربية والفلسطينيين.

 2- تحوّل مواقف إسرائيل من التطبيع

مرت الاستراتيجية الإسرائيلية لعملية التطبيع مع الدول العربية في عدة مراحل تاريخية. وفي كل مرحلة عكست هذه الاستراتيجية الظروف التاريخية-السياسية وموازين القوى القائمة: ففي حين كان التطبيع قبل اتفاق كامب ديفيد 1978 سرياً مع بعض الأطراف العربية، والهدف منه اختراق النخب السياسية العربية، فإن الاتفاق يشكل مرحلة انتقالية تحول فيها التطبيع مع إسرائيل إلى العلنية وأصبح رسمياً، لكنه بقي تطبيعاً محدوداً ووصف السلام بين مصر وإسرائيل بأنه "سلامٌ بارد".

تضمنت المعاهدة بين مصر وإسرائيل عام 1978 إقامة علاقات طبيعية وودية بين الجانبين. لكن المجتمع المصري عارض تطبيع العلاقات، وبقي المزاج الشعبي ومزاج معظم النخب معادياً لإسرائيل، ولذلك وصفت العلاقات بين البلدين، كما أسلفنا" بـ«السلام البارد». انطلاقاً من ذلك توجه الإسرائيليون والأمريكان إلى السعي لبناء الثقة المتبادلة بين الشعوب العربية وإسرائيل عن طريق العمل على هدم الحواجز النفسية والثقافية والذهنية، التي تمنع الاستقرار في الشرق الأوسط.[4]

إثر ذلك، انتشرت أفكار عديدة تحت عنوان «اقتصاديات صنع السلام»، وخلاصته أن التفاعلات الاقتصادية تشكل المضمون الملموس للسلام، ودون ذلك سيبقى السلام فارغاً من أي معنى عملي ويبقى الشك باحتمال عودة حالة المواجهة في كل لحظة.[5] والهدف من إقامة العلاقات الاقتصادية هو خلق «نظام تبادل» أو «توازن الازدهار».[6]

أثمر هذا الطرح جملة من دراسات وأبحاث ترى أن «الاقتصاد» يمثل حجر الأساس لأي مشروع سلام مستقر ودائم بين العرب وإسرائيل، وأن العمل والأرباح والمصالح المتبادلة على أرض الواقع ستشكل حافزاً حيوياً لتطبيع العلاقات بين إسرائيل والعالم العربي.[7]

عبّرت تلك الدراسات عن جوهر الرؤية الإسرائيلية للتطبيع في مرحلة الثمانينات من القرن العشرين؛ إذ بدأت عملية التمهيد لاتفاقيات السلام المحتملة بين إسرائيل والعديد من الدول العربية، إلا أن هذه الرؤية تطورت مع بداية عقد التسعينات بتأثير التطورات التالية:

1)  قرار إسرائيل بخصخصة اقتصادها والدخول في عصر العولمة كمنتج وليس مستهلكاً، والمتمثل في خطة "الاستقرار الاقتصادي" منذ عام 1985.

2) انهيار الاتحاد السوفييتي والمعسكر الشرقي وبداية نشوء نظام عالمي جديد من قطب واحد في صالح إسرائيل.

3) تصدع النظام الإقليمي العربي جراء حرب الخليج ودخول دول الطوق العربي في مفاوضات السلام من خلال مؤتمر مدريد عام 1991، وتوقيع اتفاقية تواجد القوات الأمريكية في منطقة حفر الباطن السعودية.

4)  توقيع اتفاقية المبادئ المعروفة باتفاقية أوسلو 1993 مع منظمة التحرير الفلسطينية ومعاهدة وادي عربة 1994 مع الأردن التي أنهت حالة الحرب بين الجانبين. وقد تضمنت كلتا المعاهدتين بنوداً خاصة بتطبيع العلاقات من خلال التنسيق والتعاون الأمني والاقتصادي وإزالة الحواجز التي تحول دون تحقيق عملية التطبيع.[8]

انعكس تطور الرؤية الإسرائيلية للتطبيع من خلال المشروع الذي نشره شمعون بيرس تحت عنوان "الشرق الأوسط الجديد".[9] وقد انتقلت فكرة التطبيع من إقامة علاقات اقتصادية، إلى مشروع كامل عماده إقامة نظام إقليمي يؤدي إلى إدماج إسرائيل في المنطقة، ويستند إلى مجموعة كبيرة من التفاعلات والنشاطات المتشابكة والمصالح المشتركة.

تستعرض دراسة شمعون بيريس معالم هذا النظام الإقليمي، والذي يمر بمراحل تبدأ بإقامة شبكة علاقات متكاملة وبنية تحتية قوية بين الأردن وإسرائيل وفلسطين، ومن ثم تتوسع دائرة العلاقات لتشمل مختلف الدول العربية. من الواضح أن مشروع «الشرق الأوسط الجديد» كان يهدف إلى خلق آليات للتطبيع من خلال إنشاء شبكة علاقات تحمي اتفاقيات السلام.

استندت فكرة الشرق الأوسط الجديد أو استراتيجية السلام الإسرائيلية، إلى عدد من الفرضيات أهمها: أن إسرائيل يمكن أن تجري في البلاد العربية ثورة اقتصادية تؤدي بدورها إلى ثورة اجتماعية ونفسية. والفكرة من وراء هذه الفرضية أن "الازدهار يساوي السلام"[10]. أما العلاقة بين السلام مع إسرائيل والازدهار، فتُستَمدُّ من أن السلام يؤدي إلى تقليص موازنات الأمن في دول المنطقة وزيادة المساعدات من أمريكا و"الدول المانحة". والفرضية الأخيرة هي أن التطبيع الاقتصادي يزيل الحاجز النفسي أمام السلام بعد أن يتعلم الطرفان "معرفة كل منهما الآخر كإنسان".[11]

استمدت هذه الفرضيات من اعتبار أن إسرائيل دولة عظمى عسكرياً واقتصادياً، وأن الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني يشكل قضية مركزية بالنسبة للدول العربية. كذلك كانت هناك فرضية أخرى من وراء فكرة الشرق الأوسط الجديد تقول: إن السلام سوف يؤدي إلى تحول الأنظمة العربية نحو الديموقراطية، تأثراً بإسرائيل ونتيجة التطبيع معها، وهذان بدورهما يعززان السلام واستقرار المنطقة.

اكتسبت فكرة بيرس حول الشرق الأوسط الجديد أهميتها من حقيقة إشغاله لمنصب وزير الخارجية في تلك الفترة ومن كونه من أحد أهم الشخصيات التي وضعت أسس اتفاقية أوسلو. وقد اعتبرت انعكاساً للتوجّه السياسي الجديد، خاصة في أجواء النشوة التي رافقت التوقيع على اتفاقية المبادئ مع الفلسطينيين.

أثبتت التطورات منذ نشر استراتيجية الشرق الأوسط الجديد، أن هذه الفرضيات كانت خاطئة في معظمها، خاصة أن السلام بين إسرائيل ومصر لم يؤد إلى خفض وتيرة التسلح، وإنما زاد التسلح المصري أضعافاً؛ ذلك أن تسلح الدول العربية ليس متعلقا بالحرب مع إسرائيل وإنما خوفاً من بعضها بعضاً، وخوف الأنظمة من الشعوب المحكومة. كما تبين أن القضية الفلسطينية ليست القضية المركزية بالنسبة للأنظمة العربية وإنما استقرارها واستمرارها نفسها. لذلك يمكن لهذه الأنظمة أن تقيم علاقات مع إسرائيل وتسعى للتعاون معها، أو تقبل بها، بغض النظر عن وضع العلاقات الإسرائيلية- الفلسطينية. كذلك تبيّن أن الديموقراطية قد تؤدي بالذات إلى انتصار الأصوليين كما حدث في الجزائر، وكما حدث في بعض الدول العربية بعد سقوط الأنظمة السابقة. وأخيرا، إن التطبيع الإسرائيلي- الفلسطيني لم يقف حائلاً أمام إطلاق النار كل على الآخر في انتفاضة النفق عام 1998 وفي انتفاضة عام 2000.

3- مردود السلام الاقتصادي على إسرائيل

بعد نشر مشروع الشرق الأوسط الجديد، نُشرت الكثير من التحليلات حول الفرضيات التي قام عليها، وتوقعات المستقبل.[12] بالرغم من الأفكار والمواقف الكثيرة التي ناقشت المشروع بين معارض ومؤيد إلاّ أنه يمكن تقسيم أصحاب هذه المواقف إلى معسكرين مختلفين وليسا متناقضين؛ معسكر المتشائمين، مقابل معسكر المتفائلين: أثبتت التطورات اللاحقة إلى حد كبير صحة طروحات المتفائلين في أكثر الحالات، وليس في جميعها، وخاصة فيما يتعلق بتقليص الإنفاق على الأمن في إسرائيل، وتوسيع التجارة بعد رفع المقاطعة العربية نتيجة فتح أسواق جديدة للتصدير (للأسواق العربية وغيرها) وفرص استيراد بضائع رخيصة ومواد خام، خاصة الاستراتيجية، مثل الطاقة (الغاز الطبيعي والنفط)، وزيادة الاستثمار الأجنبي في إسرائيل بسبب الاستقرار وإلغاء المقاطعة العربية، وزيادة المساعدات الخارجية.

في هذه المرحلة، لم يشكك أحد في هذه المرحلة بفرص السلام وانفتاح الدول العربية على إسرائيل بعد التوصل إلى حل القضية الفلسطينية. من هنا علا صوت المتفائلين على صوت المتشائمين. لكن التطورات والمستجدات بعد توقيع اتفاقية أوسلو (1993) قلبت الكثير من الحسابات والتنبؤات السابقة، المتشائمة والمتفائلة على حد سواء، رأساً على عقب، وتسببت في إعادة النظر في التوقعات وفي صياغة استراتيجيات التطبيع من جديد.

4- التطورات والمستجدات بعد توقيع اتفاقية أوسلو

كما أسلفنا، حدث بعد توقيع اتفاقية أوسلو، والمعاهدة الإسرائيلية – الأردنية، عدد من التطورات غيّرت الأوضاع التي كانت قائمة وكذلك التوقعات والاستراتيجيات. فقد وصلت عملية السلام بين إسرائيل والفلسطينيين إلى طريق مسدود مع مفاوضات كامب ديفيد 2؛ وحدثت صدامات عسكرية في عهد حكومة نتانياهو (مثل انتفاضة النفق)، ومن ثم اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000 في عهد إيهود براك. كان من المتوقع أن تؤدي هذه التطورات في العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية إلى تحول كبير في رؤيا الشرق الأوسط الجديد، خاصة في ضوء الفرضية التي تدعي العلاقة الوثيقة بين انفتاح الدول العربية على إسرائيل وبين نجاح عملية السلام بين الأخيرة والفلسطينيين؛ فتعثر المفاوضات حسب هذه الفرضية يتسبب مباشرة في قطع العلاقات مع إسرائيل وتوقف عملية التطبيع، بما فيه التطبيع الاقتصادي.

إلاّ أنه في هذه الأثناء، حدثت تحولات كانت ذات أثر أعمق بكثير من الأثر الذي تركته التطورات التي شهدتها العلاقات الإسرائيلية–الفلسطينية، والتي تمثلت بتعثر المفاوضات واستئناف الصدامات العسكرية. وهي تحولات غيرت بشكل جوهري الأوضاع السابقة، خاصة بالنسبة لإسرائيل، وإثر ذلك تغيّرت الطروحات والمفاهيم حول معنى السلام والتوقعات التي بنيت عليه ومن ثم غيرت الحسابات الإسرائيلية واستراتيجية التطبيع. وكانت أهم وأبرز نتيجة لهذه التطورات الجوهرية، فك الارتباط بين القضية الفلسطينية وبين علاقات إسرائيل بالدول العربية ودول عديدة وأسواق اقتصادية ذات طابع وأحجام لم تؤخذ بالحسبان سابقاً. كان أهم هذه التطورات:

أولا، تحولات الاقتصاد الإسرائيلي:

1) في الفترة 1994- 1999، ارتفعت الاستثمارات الأجنبية في إسرائيل خمس مرات تقريباً من 442 مليون دولار إلى 2.3 بليون دولار.[13]

2) التحولات البنيوية في الاقتصاد الإسرائيلي: جزء من الاستثمارات الأجنبية، التي أشرنا إليها في الفقرة السابقة، كان بتأثير تطور الصناعات التكنولوجية المتطورة (الهايتك) وليس بسبب السلام. وحدثت تطورات جوهرية، أهمها تطور صناعات الهايتك، أدت إلى تحولات بنيوية عميقة في الاقتصاد الإسرائيلي كان ذلك إلى جانب مصالح إسرائيل الاقتصادية في الشرق الأوسط. ذلك أن الأسواق الرئيسة لهذه الصناعات هي في أوروبا والولايات المتحدة والصين ودول أخرى وليست أسواق الشرق الأوسط.

3) في الفترة 1995- 2000 وصل متوسط عدد السياح إلى إسرائيل سنوياً إلى 2 مليون (في العام 2000 وصل العدد إلى 2.7 مليون سائح)، زيادة بنسبة الثلث عن الفترة التي سبقت توقيع اتفاقية أوسلو.[14] كان أثر الانتفاضة الفلسطينية كبيراً على قطاع السياحة الإسرائيلي بحيث وصل حد الانهيار. إلا أن هذا الوضع بدأ يتغير في العام 2003، وفي العام 2005 عاد مستوى السياحة تقريبا إلى ما كان عليه عام 2000.[15]

ثانياً، كان تأثير السلام أيضاً واضحا على الاقتصاد الإسرائيلي على النحو التالي:

1) بدأت شركات عالمية كبيرة نشاطها في إسرائيل بعد رفع المقاطعة العربية وأخرى وسَّعت من نشاطها بعد أن كان محدوداً.

2) تدفق العمال الأجانب إلى السوق الإسرائيلي واستغناء إسرائيل عن العمال الفلسطينيين والعرب عامة، باستثناء الأردن.

3) قدمت العملية السلمية لإسرائيل الفرصة التاريخية لقطع مسافة كبيرة في التخلص من هذه العقبات الثلاث: فعندما أعلن مجلس التعاون الخليجي في أيلول 1994 أن دوله لم تعد معنية بالعمل وفق قيود المقاطعة الثانوية لإسرائيل (مقاطعة الشركات التي تتعامل مع إسرائيل)، تم فتح الباب أمام كثير من الشركات متعددة الجنسية كي تتعامل مع إسرائيل وتستثمر في اقتصادها من دون أن تخسر الأسواق العربية. خلال عام واحد من توقيع اتفاق أوسلو، أقامت إسرائيل علاقات دبلوماسية مع عشرين دولة وبعد ذلك استمرت في إقامة علاقات مع دول أخرى. وكان من أهم ما حدث انفتاحها على أسواق الصين والهند، ثم إقامة علاقات اقتصادية مباشرة أو غير مباشرة مع الدول العربية نفسها.

ثالثاً، المقاطعة والتطبيع: بعد اغتيال اسحق رابين عام 1995، وخلال السنوات اللاحقة تباطأت عملية التطبيع العلنية بشكل واضح؛ إلاّ أن عملية التطبيع السرية بدعم من الحكومات العربية بقيت مستمرة، وظل الجانب الرسمي العربي في العديد من الدول، خاصة مصر والأردن مصرّاً على التطبيع ولو سراً، كما وُقعت اتفاقيات اقتصادية وتجارية شكَّلت معبراً غير معلن للبضائع والمنتجات الإسرائيلية إلى الأسواق العربية الأخرى. وقد شهد التطبيع السري ازدهاراً غير مسبوق في الفترة التي تلت احتلال العراق، وهو الأمر الذي يؤشر إلى أن السياسة الإسرائيلية بخصوص التطبيع كانت تتجه إلى أن يكون جزءٌ كبيرٌ منه سرياً في السنوات الأخيرة. تشير إحصائيات معهد التصدير الإسرائيلي إلى أن الصادرات الإسرائيلية إلى الدول العربية ارتفعت في الأشهر التسعة الأولى من عام 2004 بنسبة 53%، وفي نفس الفترة ارتفعت الصادرات إلى الأردن بنسبة 63% لتبلغ 100.7 مليون دولار، أما دول الخليج؛ فقد ارتفعت الصادرات الإسرائيلية إليها بنسبة 143%.[16] إلى ذلك تجب إضافة الحقائق التالية: نقل الصناعات الإسرائيلية (خاصة النسيج) إلى الأردن وإلى مصر وتدفق العمال الأردنيين إلى سوق العمل الإسرائيلي،[17] وكذلك تطور السياحة الإسرائيلية في المغرب وتونس ودول الخليج.

رابعا، استُؤنِفت محادثات السلام مرة أخرى بعد احتلال العراق وعلى أثر وفاة الرئيس ياسر عرفات، ودَخَل الفلسطينيون المفاوضات بشروط أصعب من السابق في ظل ضغوط أمريكية شديدة على الحكومات العربية لإجراء إصلاحات داخلية، وهو الأمر الذي حاول كثير من الدول العربية الهروب منه من خلال تقديم تنازلات في مجال التطبيع مع إسرائيل سعياً إلى تخفيف الضغوط الداخلية عليها.

يجب التنويه إلى أن المملكة العربية السعودية تعهدت في اتفاق ثنائي للتجارة مع واشنطن (عام 2005) بالالتزام بقواعد منظمة التجارة العالمية في تجارتها مع كل أعضاء المنظمة ومنهم إسرائيل. إلا أنه يجب الإشارة إلى أن العربية السعودية أنكرت أنها تعهدت بإقامة علاقات اقتصادية مع إسرائيل[18] كما قررت حكومة البحرين رفع الحظر المفروض على دخول البضائع الإسرائيلية إلى الأسواق البحرينية، وذلك بموجب اتفاق التجارة الحرة الموقع مع الولايات المتحدة منذ العام 2004 (بدأ العمل بها عام 2006)،[19]والذي لا يطبق قرارات المقاطعة مع إسرائيل.

واضح اليوم أن الظروف تبدلت وأصبحت معظم الشركات العالمية لها فروع، أو وكلاء أو استثمارات في إسرائيل، وقامت الدول الآسيوية ومعظم الدول الإسلامية بإقامة علاقات اقتصادية مع إسرائيل، بل وأصبحت الدول العربية نفسها لها مصالح اقتصادية مع إسرائيل في صورة تجارة أو استثمارات مشتركة أو هجرة عمالة؛ فقد اختلط الحابل بالنابل في موضوع المقاطعة. لا يمكن إرجاع هذا التعقد في عملية المقاطعة الاقتصادية لإسرائيل، إلى الظروف الدولية وعولمة الإنتاج وحدها، ولكن هرولة الدول العربية والتوجهات الاقتصادية نحو إسرائيل والدول التي تساندها وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، تفسر سقوط المقاطعة والتحول من التطبيع السري إلى التطبيع العلني. ننوه هنا أن إسرائيل أقامت لها مكاتب تمثيل في مراكش وتونس وقطر ودبي.

خامسا، في نهاية هذا الجزء يجب أن نذكر أن الاقتصاد الإسرائيلي حقق معدلات نمو تماثل تلك التي حققها في فترة الازدهار، التي تلت توقيع اتفاقيات السلام: في العام 2004 وصل معدل النمو إلى 4.3% وفي العام 2005، 5.1%.[20] وهذا يعني بوضوح أن اتفاقية أوسلو كانت سبباً مهماً في ازدهار الاقتصاد الإسرائيلي بينما لم يكن أثر كبير لتعثّر المفاوضات مع الفلسطينيين والصدامات العسكرية على هذا الاقتصاد، الذي استطاع تجاوز هذا الأثر، مما سمح لإسرائيل بإعادة حساباتها وصياغة استراتيجيتها من جديد.

5- تغير حسابات إسرائيل وإعادة صياغة استراتيجيتها

على ضوء هذه التطورات، التي غيرت وجه المنطقة والعلاقات الدولية وسناريوهات السلام فقد تغيرت حسابات إسرائيل وطورت استراتيجية مختلفة بناء على تصورها الجديد للسلام. فقد تبلورت لدى الإسرائيليين تصورات للعلاقات الاقتصادية مع الدول العربية في المستقبل بناءً على احتمالات السلام الممكنة، التي ترى أن الاحتمال الأوفر حظاً من بين ثلاثة احتمالات هو السلام البارد، وهو الاحتمال الوسط بين سلام حار وبين سلام عنيف. في حالة السلام البارد تبقى فرص حركة القوى الاقتصادية محدودة ولا تتمتع بحرية واسعة. وبناء على ذلك، لم تكن هناك فرصة لتطور حيز شرق أوسطي يتسم بعلاقات اقتصادية واسعة لدرجة تطور تبعية متبادلة بين وحداته المختلفة. من هنا تم التوصل إلى قناعة أن علاقات إسرائيل الاقتصادية مع الدول العربية، يجب أن تكون على أساس انتقائي، أي علاقات مختلفة مع كل دولة على حدة. هذه القناعة تأخذ بالحسبان عدداً من الاعتبارات أثرت على واقع الشرق الأوسط وأثرت على صياغة المصالح الإسرائيلية وماهية التطبيع الذي تنشده:

1) هناك ثقة إسرائيلية مطلقة من فك الارتباط بين مواقف الدول العربية والإسلامية من إسرائيل وبين العلاقات الإسرائيلية – الفلسطينية؛ أي أن إقامة علاقات بين هذه الدول وإسرائيل وتطور هذه العلاقات لم يعد مرتبطاً بحل القضية الفلسطينية.

2) لا يرى الإسرائيليون أن مصلحتهم في تحقيق التعاون التكاملي في الشرق الأوسط: أولاً، بسبب وجود فجوات كبيرة بين الاقتصاد الإسرائيلي واقتصادات دول المنطقة، وفي السوق الشرق أوسطي، لا يتوقع طلب كبير على منتجات السوق الإسرائيلي من صناعات التكنولوجيا المتقدمة. ثانياً، يتوقع تردد المستثمرين من الدول العربية عن العلاقات المباشرة مع رجال الأعمال الإسرائيليين. ثالثاً، للتعاون الاقتصادي الإقليمي هناك ثمن سياسي واجتماعي: من جهة اختلاف درجة التطور بين اقتصاد إسرائيل واقتصادات المنطقة يثير توتراً سياسياً بسبب تخوف الدول العربية من "إمبريالية اقتصادية" إسرائيلية. كذلك يمكن أن تدفع إسرائيل ثمناً إضافياً: دخول قوى عاملة من دول عربية رخيصة يمكن أن يحدث تطورات ديموغرافية غير مرغوبة إثر إقامة العمال العرب في البلاد.[21]

3) الاعتبارات الأمنية: بسبب تطور الأوضاع الأمنية في الشرق الأوسط تبرز العراقيل أمام رجال الأعمال القادمين من الدول العربية، وكذلك أمام السياحة القادمة من هذه الدول. فقد نشرت أخبار حول وضع العقبات أمام رجال الأعمال المصريين من مجرد السفر إلى إسرائيل ولم تتجاوب مع مبادرات مستثمرين من الخليج لاستثمار أموالهم في إسرائيل.[22]

4) معظم التقديرات حول احتمال تطور التبادل التجاري بين إسرائيل والدول العربية ترى أن الفرص محدودة بسبب بنية التجارة الإسرائيلية والعربية مع دول العالم.[23]

رغم أن التقديرات الإسرائيلية ترى أنّ تطبيعاً كاملاً مع الدول العربية، يمكن أن يوصل التبادل التجاري بين إسرائيل وبينها إلى مليارات الدولارات، والذي يمكن أن يتسبب بنمو الإنتاج القومي المحلي في إسرائيل بنسبة 3-5% سنويا،[24] إلا أن توقعات السلام والاعتبارات المذكورة أعلاه تجعلهم يضعون سيناريوهات مختلفة: في خطة إسرائيل 2020 وضعوا السيناريو التالي: إن الوضع القادم هو عبارة عن "إسرائيل في بيئة سلام"، وهي تعني "تخفيف حدة النزاع في الشرق الأوسط"، وعن ذلك تنتج علاقات سياسية واقتصادية بين إسرائيل وجاراتها. يعني ذلك أن الإسرائيليين توقفوا عن توقع سلام "حقيقي" مع الدول العربية وتحولوا إلى محاولة التوصل إلى هدنة أو سلام بمعنى حالة لاحرب، أو سلام بارد. بلا شك كان ذلك بتأثير تجربة السلام مع مصر: إذ رسخت القناعة أن السلام يمكن أن يسود فقط بين دول ديموقراطية، ولذلك يجب توجيه مجهود الدول الغربية وخاصة الولايات المتحدة نحو إجبار الدول العربية على القيام بإصلاحات ديموقراطية. ورد في كتاب شمعون بيرس أن "الشرق الأوسط بحاجة للديموقراطية مثل حاجة الروح للهواء... في النهاية ليس هناك رفاه حقيقي وليس هناك ازدهار اقتصادي لمدى بعيد إلا في إطار ديموقراطي، وكذلك لا يستمر الأمن القومي والشخصي إلا في إطار ديموقراطي".[25]

بناء على هذا الفهم تبلورت استراتيجية إسرائيلية جديدة: تقليص الاحتكاك بالدول العربية والفلسطينيين إلى أدنى حد، وزيادة قوة الردع الإسرائيلية. الأول عن طريق الانسحاب من قطاع غزة، والانسحاب بقدر معين من الضفة الغربية، وفصلها بواسطة الجدار "الأمني"، والتوقف عن الحديث بضرورة تغيير الأنظمة العربية إلى أنظمة ديموقراطية. والثاني، أي الردع، فهو يتحقق عن طريق تطوير الجيش والسلاح والرد بحزم على أية هجمات ضد إسرائيل.

في مجال العلاقات الاقتصادية كان المنتظر من هذا السلام البارد أو حالة اللا-حرب:

1) أن تنحصر العلاقات الاقتصادية في مشاريع محددة في مجالات البنية التحتية، والمياه، والمواصلات والسياحة، باستثناء الأردن ومصر. وتسعى إسرائيل لإقامة علاقات بمستويات مختلفة مع الدول العربية كل على حدة، دون السعي للتوصل إلى نظام إقليمي مشترك.

2) هناك تقديرات أخرى أن السلام مع الدول العربية يمكن أن يؤثر كثيراً على الصناعات الإسرائيلية خاصة التي تنتج منتجات تتأثر بالبعد الجغرافي: منتجات مكلفة من ناحية النقل، منتجات ذات حجم كبير وغير ذلك. بعض هذه الصناعات يمكن نقلها إلى البلاد العربية المجاورة واستغلال القوى العاملة الرخيصة والمواد الأولية المتوفرة: الحديد والفولاذ، ومنتجات ورقية، ومواد بناء، ومنتجات معدنية، والسماد ومواد الإبادة، ومواد كيماوية وغير ذلك. أما تحول الصناعات التقليدية إلى صناعات ذات تكنولوجيا عالية فيحتاج إلى فترات طويلة. من هنا فإن العلاقات مع الدول العربية يمكن أن تفتح أمام هذه الصناعات فرص تنافس جيدة وأن تمهلها فترة 15-20 عاماً من الإنتاج دون الاستثمار في تكنولوجيا جديدة.[26]

نقل الصناعات التقليدية إلى الدول العربية المجاورة، هو في الحقيقة خطوة في سبيل تعزيز تفوق الاقتصاد الإسرائيلي لأنه يساهم في إحداث تحولات اقتصادية بنيوية في إسرائيل من خلال تسريع تخصص الاقتصاد الإسرائيلي: إذ ينتج تقسيم عمل أساسه تخصص الاقتصاد الإسرائيلي في الصناعات كثيفة المعرفة، بينما يتخصص الفلسطينيون والدول المجاورة في الصناعات ذات العمل المكثف. هذا التخصص ينتج تحولات بنيوية في الاقتصاد الإسرائيلي: إذ تتطور فروع التكنولوجيا العليا والاتصالات والمواصلات والخدمات والأعمال والمصرفية، وبالعكس من ذلك يتقلص فرع الزراعة وفرع الصناعات العسكرية.

3) الفائدة الاقتصادية الأولى من السلام مصدرها عدم اندلاع الحروب. في حالة السلام مع مصر هذه هي الفائدة الحاسمة، لأن الحرب بينهما مكلفة جدا للطرفين... لذلك فإن السلام مع مصر، حتى لو كان بارداً، على الأقل منع حرباً بين البلدين وخسارة اقتصادية في حدود 150-300 مليار دولار حسب أسعار 2004.[27]

تطور العلاقات الاقتصادية بين إسرائيل والدول العربية:

تلزم دراسة تأثير الثورات العربية على الاقتصاد الإسرائيلي، التمييز بين مستويات العلاقات التي نشأت بين إسرائيل ودول عربية وغير عربية، تأثرت مواقفها بدعم القضية الفلسطينية، ونوعية هذه العلاقات. لذلك سوف نجزئ الدراسة حسب مستوى العلاقات على النحو التالي:

1- الاقتصاد الفلسطيني، وهو لا يدخل في إطار هذه الدراسة نظراً لكون المناطق الفلسطينية محتلة، ومن هنا علاقة هذا الاقتصاد بالاقتصاد الإسرائيلي هي علاقة تبعية وخضوع لهيمنة الاحتلال.

2- دول عربية أقامت علاقات دبلوماسية مع إسرائيل وهي مصر والأردن، والعلاقات الاقتصادية بينها مؤسسة على اتفاقيات سياسية وأخرى خاصة بالنشاط الاقتصادي.

3- بقية الدول العربية، وهي تنقسم إلى دول عربية تقيم علاقات مباشرة مع إسرائيل بواسطة مكاتب تمثيل تعنى بالعلاقات الاقتصادية والسياحة، ودول ليست لها علاقات مباشرة مع إسرائيل ولكنها تقيم معها علاقات تبادل تجاري بواسطة طرف ثالث، أو علاقات مباشرة ولكنها سرية.

4- دول غير عربية تأثرت علاقاتها مع إسرائيل بتطور العلاقات العربية- الإسرائيلية، خاصة الدول الإسلامية (مثل تركيا التي أقامت علاقات مع إسرائيل منذ نشوئها، وإيران، وإندونيسيا وماليزيا).

إلى ذلك يجب التنبيه إلى ثلاثة متغيرات هامة في بحث تأثير الثورات على الاقتصاد الإسرائيلي:

أ‌-  إن هناك علاقات اقتصادية بين إسرائيل والدول العربية من خلال شركات إسرائيلية مسجلة في دول أخرى خاصة الولايات المتحدة.

ب‌- هناك أهمية لتوقيت حدوث هذه الثورات، وتزامنها مع تطورات اقتصادية في العالم (خاصة أوروبا وأمريكا) ذات أثر كبير على الاقتصاد الإسرائيلي.

ت‌- التأثير غير المباشر على الاقتصاد الإسرائيلي، خاصة المتعلق بالإنفاق على الأمن.

ث‌-  إن هذه الدراسة، كما هي كل دراسة مشابهة، تستند إلى المعطيات المنشورة في تقارير رسمية صادرة عن مؤسسات ذات صلة بموضوعها، معطيات مراكز الأبحاث ومكاتب الإحصاء وتقارير وسائل الإعلام. ويجب التنبيه أنه قد تكون هناك علاقات اقتصادية مباشرة، وخاصة غير مباشرة، لا يتم الإعلان عنها ولكنها قد تكون ذات أهمية في النتائج والاستنتاجات التي نحصل عليها في دراستنا.

بناء على ما تقدم من ملاحظات، والتنبيه للمتغيرات المؤثرة في هذه الدراسة، فإننا سوف نستعرض العلاقات الاقتصادية حسب الاعتبارات المذكورة على النحو التالي: مصر والأردن، والدول العربية الأخرى والدول الإسلامية:

1- علاقات إسرائيل الاقتصادية مع مصر والأردن:

تختلف علاقات إسرائيل بمصر والأردن عنها مع باقي الدول العربية، بسبب أنها وقعت معهما معاهدات سلام ومن ثمة اتفاقيات تنظم التبادل التجاري والاستثمار. فقد وقّعت هذه الدول الثلاث معاهدة المناطق الصناعية المؤهلة (QIZ)، الأولى عام 1997، والثانية عام 2004، واتفاقية التجارة الحرة بين إسرائيل وكل من البلدين عام 2005.

تكتسب العلاقات الاقتصادية بين مصر وإسرائيل أهمية خاصة، نظراً لأهميتها الأمنية والاستراتيجية وتأثيرها على علاقات الأخيرة بدول عربية وإسلامية أخرى. في بحث هذه العلاقات نستعرض ثلاثة مجالات من النشاط الاقتصادي؛ التبادل التجاري، والاستثمارات الإسرائيلية في مصر واستيراد الغاز الطبيعي منها:

قفزت الصادرات الإسرائيلية إلى مصر، إثر توقيع اتفاقية المناطق الصناعية المؤهلة QIZ  الثلاثية مع أمريكا، التي تنص على إعفاء الصادرات المصرية إلى أمريكا من الجمارك، بشرط أن تشمل صناعتها مدخلات إسرائيلية بقيمة 10% على الأقل..[28] بلغت الصادرات لمصر عام 2007، 140 مليون دولار، وبلغ عدد المصدرين لمصر 329.[29] في العام 2008 ارتفعت الصادرات لمصر إلى 160 مليون دولار (منها 153.6 صادرات صناعية). في العام نفسه بلغ التبادل التجاري مع مصر 271 مليون دولار.[30] استمر التبادل التجاري في الارتفاع وبلغ 503 ملايين دولار في عام 2010، زيادة بـ24% عن السنة السابقة.[31] شملت الصادرات الإسرائيلية الرئيسية المنتجات الكيماوية، والنسيج، والخشب والأثاث والآليات الزراعية.[32]

في مجال الاستثمارات الصناعية الإسرائيلية، هناك حوالي 20 شركة إسرائيلية لها استثمارات في مصر في فروع النسيج، والتجهيزات الزراعية، والأجهزة الطبية، والبلاستك وأجهزة التكييف.[33] أكثر الاستثمارات الصناعية هي في قطاع النسيج خاصة استثمارات شركتي دلتا وبجير: تشغل شركة دلتا ثلاثة آلاف عامل مصري.[34]

تصل أرباح مصانع النسيج الإسرائيلية في منطقة التجارة الحرة في مصر إلى 1.5 مليار دولار سنويا، وهذه المصانع تستورد من إسرائيل مواد خام بقيمة 100 مليون دولار في العام.[35] وفي قطاع الزراعة هناك استثمارات إسرائيلية عديدة منذ الثمانينات تشمل مزارع إسرائيلية (تسمى العزب الزراعية)، ومراكز تدريب للمزارعين وفي آب 2005 تم التوقيع على اتفاق للتعاون بين البلدين في هذا القطاع.

تحول العلاقات بعد الثورة؟

عبّر رجال الأعمال الإسرائيليون العاملون في مصر، في بداية الثورة، عن قلقهم من نتائجها المتوقعة على استثماراتهم وعلاقاتهم: فقد صرح رجل أعمال إسرائيلي في بداية الثورة أنّ الوضع الجديد في مصر، خاصة اعتقال جمال مبارك، يؤثر مباشرة على رجال الأعمال الإسرائيليين الناشطين في مصر... فقد تسلط جمال على اقتصاد مصر وكان شريكاً في صفقات بين رجال أعمال مصريين وإسرائيليين... مع غيابه يشعر رجال الأعمال أنهم أيتام وهناك عدم يقين بالنسبة للمستقبل". للتغلب على رقابة الجمهور المصري أحياناً بدأ إرسال البضائع إلى مصر عبر قبرص. يمكن وصف الحالة مع مصر حالياً بالجمود. كما صرح مصدر إسرائيلي أنه بدأ يزيف مصدر البضائع الإسرائيلية لأن الوضع معقد وحساس.[36] ولكن الواقع لم يدعم المخاوف من تدهور العلاقات، خاصة الاقتصادية منها، بل أكد على أن التطورات جاءت معاكسة: تثبت المعطيات بعد عام أن الثورة في مصر لم تؤثر على العلاقات التجارية (باستثناء ضخ الغاز لإسرائيل) خاصة الصادرات الإسرائيلية لمصر، بل توثقت هذه العلاقات أكثر من السابق: في نهاية العام تبين أنه في 2011 ارتفع التصدير لمصر بنسبة 40% عن السنة السابقة، بشكل خاص المنتجات الكيماوية التي ارتفعت بـ57% وبلغت 118 مليون دولار.[37] ويتبيّن من معطيات نشرها معهد التصدير الإسرائيلي أن زيادة الصادرات الإسرائيلية كانت أكثر بكثير من زيادة التصدير المصري لإسرائيل حيث بلغ التبادل 503 ملايين دولار في عام 2010 وهبط إلى 415 مليون دولار في العام 2011، منها 236 مليون دولار صادرات إلى مصر بزيادة 60% عن العام السابق (هذا التقدير عن زيادة الصادرات إلى مصر أعلى من تقدير المصدر السابق)، أما الاستيراد فقد هبط بنسبة 50% إلى 180 مليون دولار.[38] يذكر أن السلطات المصرية كانت قد أصدرت أمراً بمنع تصدير سعف اللولاب (هي سعف نخيل تستخدم في عيد العرش اليهودي) إلى إسرائيل في نهاية عام 2011 إلا أن المنتجين المصريين استطاعوا تصديرها إلى السوق الإسرائيلي بواسطة تجار من الأردن.[39]

تشير المعطيات عن الربع الأول من عام 2012، أنه حدث تحوّل في التجارة مع مصر بسبب استمرار الارتفاع الكبير في تصدير المنتجات الكيماوية، رغم استمرار الهبوط في الاستيراد منها، الذي تأثر بشكل خاص من الهبوط الحاد في استيراد الغاز الطبيعي.

في الأشهر كانون الثاني-آذار 2012، ارتفع التبادل التجاري بين البلدين بنسبة 43%، حيث ارتفع التصدير إلى مصر بنسبة 400% بينما تقلص الاستيراد بنسبة 73%، مقارنة بنفس الفترة من العام 2011،[40] إذ بلغت الصادرات إلى مصر 200 مليون دولار في مدة ثلاثة أشهر.[41] أما مصانع شركتي دلتا وبجير للنسيج في مصر فقد تأثرت بشكل آخر: فهذه الشركات كانت تدفع أجر 60-80 دولار للعامل المصري شهرياً. بعد الإضرابات في مصانعهما، إثر الثورة، رفع الأجر إلى 100 دولار.[42]

استيراد الغاز الطبيعي من مصر

اكتسبت قضية استيراد إسرائيل الغاز الطبيعي من مصر أهمية خاصة في العلاقات بين البلدين وعلاقات إسرائيل بدول الشرق الأوسط عامة. فهي ذات أبعاد اقتصادية واستراتيجية وسياسية من الدرجة الأولى بالنسبة لإسرائيل: في البعد الاقتصادي، بعد وقت قصير من اندلاع ثورة مصر وسقوط مبارك، قدرت القيمة الاقتصادية لتزويد مصر لإسرائيل بالغاز على النحو التالي: "رغم أن ضخ الغاز بدأ عام 2008 من مصر إلا أن تأثيره بدأ عملياً عام 2004. في ذاك العام بدأت شركة الكهرباء الإسرائيلية باستخدام الغاز في إنتاج الكهرباء. لكن بفضل وجود الغاز المصري كبديل رخيص الثمن فقد دفعت الشركة ثمن الغاز للمصادر الإسرائيلية أقل بعشرات المرات من ثمنه في السوق: ففي العام 2000، أعلنت الشركة مناقصة لتزويدها بالغاز، وقد فاز بها الغاز المصري في مواجهة المزود الإسرائيلي، مما اضطر الأخير إلى تخفيض الثمن ليساوي نفس سعر الغاز المصري. بدأ ضخ الغاز المصري عام 2008 وما زالت إسرائيل تتمتع بأسعار غاز من أدنى الأسعار في العالم. فثمن الغاز في إسرائيل يساوي نصف ثمنه في أوروبا. وصل حجم الدعم المصري لإسرائيل في 2010 حوالي 1.7 مليار دولار، ولذلك فمنذ عام 2004 يصل مجمل الدعم من 8-10 مليارات على الأقل. هذا إضافة إلى أهميته في الحفاظ على البيئة. هكذا تكون مصر هي الصديق الأفضل بعد الولايات المتحدة".[43]

شكَّل الغاز المستورد من مصر 40% من الغاز الذي تستخدمه شركة الكهرباء الإسرائيلية. أهمية شراء هذا الغاز ليست في صعوبة إيجاد مصادر بديلة للتزود بالغاز ولكن في الثمن. فقد رأينا في الفقرة السابقة قيمة الربح الاقتصادي الذي تجنيه إسرائيل من شراء الغاز المصري. وقد برزت هذه الأهمية الاقتصادية مباشرة بعد أول مرة توقف تدفق الغاز المصري إلى شركة الكهرباء، إذ أدى إلى رفع سعر الكهرباء في إسرائيل بـ2.5%.[44] ولكن مسألة سعر الكهرباء قد تكون أعمق وأبعد من ذلك بكثير؛ فقد أدى انقطاع تدفق الغاز إلى إصدار وزير البنى التحتية تعليماته لشركة الكهرباء بتقليص شراء الغاز الطبيعي من الشركات التي تمتلك بئر "ماري ب" مقابل شواطئ عسقلان، وتوزيع استعمال الغاز على فترات زمنية أطول للحفاظ على مستوى استهلاك متوازن باستمرار حتى بداية ضخ الغاز من بئر "تمار"، الذي أعلن عن اكتشافه في البحر المتوسط. "وهذا يعني استهلاك مليار متر مكعب في العام، بينما كان الاستهلاك 4 مليارات عندما كان يضخ الغاز المصري... معنى ذلك استمرار ارتفاع سعر الكهرباء في العامين القادمين بالإضافة إلى رفع سعرها في الأيام القادمة بـ4-5%".[45] وقدر رئيس شعبة الاقتصاد في سلطة الخدمات العامة الإسرائيلية أن رفع سعر الكهرباء الناتج عن وقف ضخ الغاز سوف يبلغ 30%.[46]

كما أن تزويد مصر الغاز لإسرائيل، كما أسلفنا، مكّن الأخيرة أن تواجه مصادر تزويد الغاز وأن تجعلهم في حالة تنافس تضطرهم إلى تخفيض ثمن الطاقة بشكل كبير. وقد منع الغاز المصري احتكار الشركات الإسرائيلية وحقق الأمان في حالة حدوث خلل في تزويد الغاز من مصادر إسرائيلية (أي ضمان بدائل).[47]

في العام 2009 تم تجديد اتفاقية استيراد الغاز لمدة 20 سنة، ما يعني أن إسرائيل كانت مطمئنة اقتصاديا واستراتيجياً على المدى البعيد. إلا أن شركات الغاز المصرية أعلنت عن إلغاء الاتفاقية في 22 نيسان (إبريل) 2012. إضافة إلى الخسارة الاقتصادية الكبيرة التي ينطوي عليها إلغاء الاتفاقية، ومع أهمية مليارات الدولارات التي يوفرها الغاز مقابل شواطئ إسرائيل، فإن اتفاقية السلام مع مصر تساوي أضعافها بالمعنى الاستراتيجي بسبب أهمية العلاقات بين إسرائيل ومصر: "الضرر السياسي كبير: فالتوقف عن تزويد الغاز يلغي واحداً من مؤشرات التطبيع القليلة بين إسرائيل ومصر، وينضم إلى عدد من مؤشرات تدهور العلاقات بين الدولتين. كما أن هذا واحد من أسباب ارتفاع أسعار الكهرباء في إسرائيل وتشويش تزويد الكهرباء في الصيف القريب".[48] فضلاً عن أهمية الغاز في إنتاج الطاقة الكهربائية، وتطوير الصناعة وتحسن البيئة، وكانت هنا

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website