اعترافات "السفرجلة"، مراجعة: نادية عيلبوني، العدد 268

اعترافات "السفرجلة"

نادية عليبوني[*]

 

ربما تكون روايات البوح، أو السيرة الذاتية في بلادنا، من أصعب الأعمال الأدبية على الإطلاق، وليس مرد هذه الصعوبة بأساليب السرد الأدبية التي يختارها الكاتب لبوحه، بقدر ما تتعلق باستعداده الذاتي لاختراق الحواجز والمحرمات الكثيرة التي يضعها مجتمعه أمامه، ومدى استعداده لنقل حقائق سيرته، حتى لو أدت إلى الاشتباك مع حراس تلك الحواجز، واخترقت جدران خزان الموروث والمسكوت عنه.

من الصعب الحكم على مصداقية أي سيرة ذاتية، خصوصا إذا ما أخضع كاتبها نفسه لأحكام مجتمعه وانصاع لها. وإذا كانت الأعمال الأدبية الناجحة تحتاج إلى مساحة كبيرة من الحرية، فإن أدب السيرة تحديدا يحتاج إلى فضاءات لا متناهية منها، وتلك الفضاءات لا توفرها المجتمعات غالباً، بقدر ما ينتزعها الكاتب الناجح لنفسه انتزاعاً. ولهذا يمكننا اعتبار التسويغ والتبرير، كما الاحتكام إلى الأيديولوجيا والرضوخ للمحمولات الفكرية والاجتماعية والثقافية السائدة في أي عمل أدبي بوحي، هي معاول هدم في صلب ذلك البوح، لما لها من قدرة ليس فقط، على تشويه الحوادث المروية، بل أيضا على إفقاد تلك السير لمصداقيتها وعفويتها.

لا شك أن الأدب بعمومه وخصوصا، أدب الرواية، يحتل دورا مميزا ورائدا في الكشف عن طريقة تفكير المجتمعات، ربما فاق دوره في أحايين كثيرة دور الدراسات الاجتماعية والأنثروبولوجية الرصينة، ذلك أنه يعرض أمامنا الصورة الحقيقية للمنظومة الاجتماعية بعلاقاتها المتشابكة في سلوكها وديناميتها اليومية، ودونما تزويق أو ستر أو إخفاء أو حتى تبرير يلجأ إليه أصحاب الأفكار الأيديولوجية المسبقة عادة، لإخفاء عورات المجتمع، وإظهاره بصورة مثالية تتواءم مع اعتقاداتهم، فإلى أي حد تمكن الكاتب حيدر عوض الله. ومن خلال سرده لسيرته الذاتية، من النجاة من هذا الفخ؟

قبل الإجابة عن هذا السؤال، لا بد وأن نتوقف قليلا عند اختيار الكاتب لاسم ”السفرجلة“ كعنوان لاعترافاته، ذلك الاختيار الذي لم يأت مصادفة بالتأكيد، فالسفرجل كما هو معروف، فاكهة جافة وحامضة، لدرجة يصعب ابتلاعها، واستخدامه هذا الاسم كعنوان في اعترافاته، لا بد وأن يحمل معه مدلولات رمزية تشير حتما للمعاناة التي عاشها الكاتب، والتي كان من الصعب عليه ابتلاعها، فالسفرجل، بما هو رمز شعبي للتعبير عن المرارة، موجود بدلالاته الرمزية في الثقافة الفلسطينية التي يعبر عنها بوضوح، المثل الشعبي الفلسطيني القائل: “بشو بدي أتذكرك يا سفرجلة؟ كل لقمة بغصة”.

يشق الكاتب سفرجلته مفتتحا زمن الستينات من القرن الماضي، فتندلق أمامنا مشاهد البؤس في معسكر اللاجئين في المغازي (قطاع غزة)، وإذا كان القول إن تفاصيل حياة البؤس والقسوة والفقر والافتقار لأبسط مقومات الحياة التي عاشها الفلسطينيون في مخيماتهم آنذاك، باتت معروفة لكثرة ما جاء عليها الأدب الفلسطيني، إلا أن تجربة الكاتب في الحقيقة كانت تجاوزت ذلك المتعارف عليه، فالفقر والبؤس، عادة ما يكون أكثر احتمالا ضمن الجماعات التي تعيش حياة عائلية طبيعية، إلا أن الأمر لدى وجيه لم يكن كذلك، فهو عاش تجربة الاقتلاع من المخيم، إضافة إلى ما عاشه وأمه وإخوته من فقر وحرمان في مخيم المغازي، حيث كان مقدرا له أن يعيش وإخوته طفولتهم الأولى دون أب مع أم شابة ووحيدة، هجرها زوجها قسرا وهربا من ملاحقة سلطات الاحتلال له بسبب عمله السياسي، ليستقر في منفاه السوري، لم تستطع برغم مقاومتها لكل الضغوط لسنوات عديدة، إلا أن تستسلم لمشيئة أبيها الذي تمكن من إجبارها على طلب الطلاق والتخلي عن أبنائها الثلاثة وتسليمهم إلى والدهم في رحلة طويلة وشاقة، امتدت من القطاع إلى الأردن، ثم إلى سوريا.

وجيه الذي اختاره الكاتب ليكون بطلا لاعترافاته، لم يعش حياة طبيعية على أية حال، ليس فقط لأنه ولد وعاش طفولته الأولى في أحد مخيمات اللجوء التي تميزت بالفقر والحرمان، والذي لم يكن يعيه بعد عقل الطفل الذي عاش طفولته الأولى حرا مع أترابه في أزقة المخيم، بعيدا عن رقابة الأهل المنشغلين عن أبنائهم بتدبير ما يسد رمق عائلاتهم، بل لأنه عاش تجربة الاقتلاع التي أسهمت بدورها في التأثير على شخصيته وسلوكه وخياراته المستقبلية، فقد تفتحت عينا وجيه منذ البداية، على واقع استثنائي، فانتزع وهو لا يزال طفلا من بيئته الأولى من حضن ونقل وإخوته للعيش في كنف عائلة كانت غريبة عنه في نمط عيشها وطريقة تفكيرها.

الاقتلاع من المكان ومن حضن الأم معا، أحدث بلا شك هزة عنيفة أثرت على توازن وجيه الطفل، وخصوصا أن عائلته الجديدة لم تهتم بمنحه العطف والحنو الذي يمكن أن يعوض بعضا من هذا التوازن المفقود الناتج عن فقدان الأم، فالأب وزوجته اللذان انشغلا بتنظيف الأبناء ومعالجتهم من القمل والديدان التي التقطوها أثناء عيشهم في المخيم، كما الاهتمام بكسوتهم بما يليق ومكانة الأب، وكذا ترتيب إدخالهم إلى المدارس، لم يتفطنا إلى الاحتياجات النفسية والعاطفية التي كان الأبناء في أمس الحاجة إليها في تلك الظروف، فالأب، كما يذكر وجيه، لم يبادر البتة في التعبير عن عطفه الأبوي بلمسة هنا أو ضمة هناك، ليظل مكان الأم فارغا والحاجة إليها مضاعفة للتعويض عما يفتقده، وقد عبر عن تلك الحاجة بمزيد من التحسر: ”لقد حملت هذا الثقب في روحي، ولم أستطع ردمه حتى هذه اللحظة. فما من صدر يحتويك إن تألمت، ويغفر لك إن أخطأت. لقد بقي الإحساس عندي بالأمومة نظريا، أفهمه وأدرك أهميته، لكنني أفشل دوما في التصور الحسي له“.

لم يكن من السهل على وجيه الاندماج في محيط مجتمعه الجديد الذي انتقل إليه في كنف عائلة الأب، ليس فقط لأنه بدا متناقضا إلى حد كبير مع ما عاشه في المخيم، حيث كانت تتوفر له ولأترابه حرية واسعة دون رقابة، والانتقال إلى حياة أخرى يسودها النظام العائلي الأبوي الصارم الذي يخضع لرقابة مشددة، فإيقاع الحياة الجديدة لوجيه، بات مختلفا من ألفه إلى يائه بين عائلة تسكن المدينة التي تتوفر فيها كل مقومات الحياة، وأب يعمل إضافة إلى مسؤولياته السياسية، في سلك التعليم، مع ما يفرضه هذا الواقع من نظام عائلي صارم، لا يقبل المرونة والتفهم. كل هذا بلا شك، أربك الابن الذي لم يكن مهيأً لتلك النقلة الهائلة، التي هي النقيض العملي لكل ما اختبره وتعود عليه في المخيم، فالمرونة التي تميزت بها الأم في تربيتها لأبنائها، استعيض عنها بأسلوب الأب الذي تميز بالشدة والحزم، دون العطف، كل هذا بدا واضحا من خلال ما سرده الكاتب عن ردود فعله الصارخة التي كانت تجيء غالبا على شكل تمرد جلي على العائلة والمدرسة كمؤسستين عنيفتين تجبران الفرد على الانصياع لهما والالتزام بقوانينهما.

لا ندري لماذا عف الكاتب عن التوسع في وصف مشاعره كطفل بعد انتزاعه وإخوته من المكان الذي تعود عليه ومن حضن الأم، ومن جو رفاقه؟ ترى هل كان يفكر بأمه وبمصيرها بعد أن غادرها وإخوته؟ كيف كانت مشاعره إزاء زوجة أبيه؟ وما هي مشاعره إزاء أبيه نفسه عندما التقاه؟ وهل عف الكاتب عن الغوص في تلك التفاصيل، بسبب الكبرياء التي تصبغ تربية الذكور بميسمها في مجتمعنا، وتبعدهم عن وصف مشاعرهم الحميمة؟ أم لأن تذكر مشاعره آنذاك كانت من الألم بحيث تدعوه دون أن يدري إلى الهروب من تلك الحالة الوجدانية المحزنة، والاستعاضة عنها بوصف بيئته الجديدة في مدينة تتسم بالنظافة والتنظيم، وبعيدا عن المخيم وبؤسه مع أب ذي شخصية اعتبارية سياسية لها مكانة اجتماعية كبيرة اكتسبها من نضاله الوطني، ومن خلال عمله في سلك التعليم في مدارس الأونروا؟

ربما كان من الصعب، تفسير حال التمرد والكراهية والرفض التي أفصح عنها الكاتب في ردود فعله الكثيرة، التي اتسمت غالبا بالحدة والتطرف، والناتجة عن القسوة المبالغ بها التي تزرع في نفس الطفل الخوف والرعب وتولد حتما الكراهية للنظام الجديد الذي عاشه، تدلل على عدم قدرة الطفل الذي كان يخطو نحو عتبات المراهقة، على الاندماج في واقعه الجديد، أو وضعها كلها على طبيعة الخلل الذي أحدثته تلك المكانة الكبيرة في حياة وجيه وإخوته، بقدر ما تعكس، وإلى حد كبير، خللا آخر، جسدته طبيعة العقلية الأبوية التي أشرفت على عملية اندماج الأبناء، تلك العقلية التي لم يكن يعني لها الحزم، سوى إطلاق اليد لممارسة أقسى العقوبات الجسدية المتسمة بالعنف الذي لا يتناسب وحجم الأخطاء المرتكبة، بل أيضا لأن تلك العقلية تجنبت في المقدار نفسه، إظهار المشاعر الحميمة والعطف الأبوي، التي كان يحتاجها الأبناء بصورة مضاعفة في مثل تلك الحالات، والتي كانوا يحتاجونها لإعادة ترميم توازنهم النفسي والعاطفي!

يحسب للكاتب حيدر عوض الله، أنه تجرأ على الدخول إلى باحة تلك القلعة المسورة بمتاريس سطوة الأب وسلطته البطريركية، التي لا تتحكم فقط بالعائلة الفلسطينية، بل تحكمت ولا تزال تتحكم في كل مفاصل جسد حياة المجتمع الفلسطيني، بما فيها الحياة السياسية، وذلك من خلال استعراضه لمواقف الأب، إزاء العديد من القضايا، التي جسدت اختباراً عمليا لمدى هشاشة الشعارات الكبيرة في عناوينها التحررية الشاملة. تجلى هذا في طريقة تربية الأب لأبنائه القائمة على التسلط، وتجلى بصورة أكبر في سلوكه مع ابنته، فالأب لم يحتمل العلاقة البريئة لابنته المراهقة التي كانت تتبادل الغزل البريء مع ابن الجيران عن بعد، وهو لم يسارع فقط إلى عقابها، بل إلى تدبير أمر زواجها بسرعة من قريب لها، قبل إنهاء دراستها، وذلك كي يعفي نفسه من الدخول في أية مواجهات محتملة مع منظومة اجتماعية لا تعترف لا بالمرأة ولا بالفرد ككيان حر ومستقل، فالأب الذي كان في أعلى هرم لحزب شيوعي تحرري يدعو إلى تحرر عالمي، لم يستطع في النهاية إلا الخضوع لمجمل التقاليد والعادات، التي داراها على حساب حقوق أبنائه الطبيعية.

لقد نجح الكاتب، في سياق عرضه لسيرته، من اقتحام ذلك الحصن المنيع الذي يرتكز إليه المجتمع الفلسطيني ويشكل أهم رافعاته، بما هو مجتمع أبوي صميم، بقي برغم الأحداث الجسام التي مرت به، ورغم الحاجة الملحة للتغيير، مترددا عن الدخول إلى عالم الحداثة وثقافتها وقيمها، وبقي مجتمعا محافظا على بطريركيته على الرغم من تبنيه لعناوين تحررية كبيرة، تتناقض في جوهرها ومظهرها مع المحمولات الثقافية الاجتماعية، فأظهر بعرضه السلس الذي تناول تفاصيل وتجليات التسلط الأبوي الذي يمحو شخصية الفرد، مدى قوة تلك الثقافة الفلسطينية القائمة على بنى ترفض التحديث لاعتقادها الموهوم أن أي تغيير جذري على تلك المحمولات الثقافية من شأنه أن يؤدي إلى محو الهوية الفلسطينية، أو إلى وهم آخر كانت تعبر عنه قوى اليسار الشيوعي في أدبياته ودعايته، مفاده أن التحديث الذي يؤدي إلى الصدام مع المجتمع وعاداته وتقاليده، سيخسّر الحركة الوطنية جماهيريتها، وسيؤثر على توحيد الصفوف لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي متجاهلين حقيقة أن مثل هذا التردد والخوف، هو الذي جعل المجتمع الفلسطيني ينكفئ ويتقوقع على ذاته وهو الذي جعل من معركته مع الاحتلال المدجج بكل أسباب الحداثة، معركة غير متكافئة إن لم نقل خاسرة على الدوام.

الكاتب لم يختر الهروب من هذا الاستحقاق وتحدث بالتفصيل، المرفق بالمرارة التي عاشها في كنف تلك العقلية الأبوية والآلام التي رافقتها، فهو قدّم، ودونما تحفظ، الصورة الحقيقة لهذا المجتمع دون تنميقات أيديولوجية ورفع الغطاء عن التسلط الأبوي الذي عاشه في عائلته، والذي كان له أبلغ الأثر بمعناه السلبي على مصائر كثيرين من بينهم الكاتب نفسه، فهي سيرة مفعمة بذلك التسلط الذي كان يتجلى غالبا في نزوع الأب إلى العقاب الجسدي الشديد الذي يحيلنا في قسوته وفظاعته، على الفور إلى ما يرتكب في السجون العربية من أساليب البطش والتعذيب، ومن استخدام لأساليب الضرب المبرح بما فيها الضرب بالأسلاك الكهربائية، التي عدا عن إيلامها فهي تترك لصاحبها علامات وآثاراً دامية ليس على جسده فقط، بل على روحه أيضا.

ولعل الكاتب لم يشأ أن يعطي فقط الصورة السلبية عن هذا الأب المدجج بعقليته البطريركية، فوجيه من جانب آخر كان معجبا بشخصية أبيه التي تميزت إضافة إلى الثقافة والمعرفة بالكارزمية، فهو كان بمثابة الوجيه في مجتمعه، وكان قياديا بارزا في حزبه، ومعروفا لدى المنظمات الفلسطينية الأخرى، تلك المكانة التي أنقذته ذات يوم من سجن محتم، عندما اتخذ مع زملائه موقفا لا يروق للفئة الحاكمة في دمشق، فشفعت له مكانة أبيه، ونجا من خطر محقق. عدا عن أن الوالد، وكما نقل الكاتب، كان بيته مفتوحا على الدوام لاستقبال، سواء المناضلين المنفيين، أو الطلاب القادمين من غزة للدراسة في سوريا أو أولئك الذين يمرون من سوريا للالتحاق بجامعاتهم في هذا البلد الاشتراكي أو ذاك، حيث كانوا يقيمون في بيته أياما وشهورا ويقدم لهم كل الخدمات، قبل انتقالهم، كما أن والد وجيه، لم يتردد أيضا في تقديم استقالته من سلك التعليم والتفرغ الكامل لمهامه في الحزب الذي اختاره في أعلى قيادة له، فالأب كان بشكل أو بآخر مصدرا لاعتزاز الكاتب بنفسه وبمكانته في مجتمعه.

مع انتقال أسرة وجيه إلى مخيم اليرموك، تتبدل حال الطفل، ويظهر أمامنا وجيه الشاب الباحث عن مكان لنفسه، إنها مرحلة اكتشاف الذات واكتشاف الهوية، التي تتفتح من خلال علاقاته وصداقاته مع أبناء المخيم، تلك العلاقات التي بدت قوية وحميمة في آن معاً، والتي أعطته مزيدا من الثقة بنفسه. يستعرض وجيه حال المخيم في مرحلة مفصلية من حياة الفلسطينيين في الشتات، مرحلة الطوفان الوطني، حيث كان الشباب الفلسطيني في المخيم يعبر عن انتقاله إلى مرحلة الرجولة والتعبير عنها من خلال الانتماء إلى فصائل المقاومة المسلحة، ويختار وجيه اللحظة المناسبة في غياب الأب في إحدى مهماته، فيترك البيت إثر مشاجرة حادة وقعت له مع زوجة الأب التي أرادت حرمانه من تناول الطعام مع أفراد العائلة عقابا له على خطأ ارتكبه، ليقلب طاولة الطعام، وليقلب بعدها حياته رأسا على عقب، وينتقل إلى لبنان كمقاتل في فصيل فلسطيني، ويتحرر من نظام العائلة مرة واحدة. ويؤسس تجربته الخاصة التي لم تكتمل بسبب لحاق الأب به بعد شهر وإعادته إلى البيت وإلى الدراسة، ولكن بتعامل آخر أكثر مرونة!

تجربة وجيه الوجيزة كمقاتل في لبنان، كشفت بهذا القدر أو ذاك، ليس فقط حياة المقاتلين في القاعدة العسكرية التي كان يعيش فيها، بل أعادت له اكتشاف نفسه التي لا تقبل الخضوع والرضوخ عندما يشعر أن كرامته ستمس، بدا ذلك من خلال تمرده على مسؤوله العسكري الذي حاول استعراض سلطته أمام صديقته من خلال الطلب إليه تحضير الطعام، فرفض الأمر بطريقة مباشرة تحمل معنى الإهانة لمن أراد إهانته. تلك التجربة كانت كشفت أمامه أيضا حقيقة الاختلال الهائل لموازين القوى التي حاولت الأيديولوجيا طمسه بادعاء القدرة على تحقيق الانتصار على عدو مدجج بكل أسباب القوة، وتصويرها بالحتمية التاريخية، وذلك عندما قابل لأول مرة الموت وجهاً لوجه واصطدم بالفظائع الوحشية التي حولت أجساد زملائه المقاتلين إلى أشلاء، دون وجود ما يحميهم حقا، ودون وجود سلاح فعال قادر على حمايتهم من غارات الطيران التي كانت تتصيدهم واحدا واحدا!

العلاقة بالجسد

وجيه كان بدأ باكتشاف جسده ورغباته، مبكرا وهو بعد لا يزال ابن التاسعة أو العاشرة من عمره في مخيم دير البلح في غزة، وذلك من خلال علاقته بابنة الجيران التي بدأت كلهو بريء، وتصاعدت فيما بعد، ليتعرف في اختلائه بسامية التي تماثله في السن، وتمثيله معها لدور الزوج، إلى رغباته الجسدية إثر احتكاك جسده بجسدها، ثم بعد ذلك عندما أصبح شابا، وبدأت تجاربه العاطفية والجنسية تأخذ منحى آخر أكثر جدية، إثر انتقاله إلى لبنان كمقاتل وبعد ذلك عندما انتقل للدراسة في بلغاريا، ليعيش تلك التجارب على اتساعها، مع نساء خارج دائرة المحرم من خلال سرده للكثير من تلك العلاقات.

في بلغاريا تبدأ اهتمامات وجيه السياسية تأخذ منحىً جديدا أكثر جدية، في ظل قراءاته المستفيضة في الفلسفة المادية، والتي ساهمت فيها دراسته الأكاديمية في ترسيخها، ويسرد وجيه كيف تمكن من تخطي عقبة قراءة الكتب الفلسفية المقررة باللغة البلغارية، واختصار وقت قراءتها، من خلال اعتماده على الكتب الفلسفية نفسها المترجمة إلى العربية التي كان يقرأها بنهم، ليعيد صياغتها في اللغة البلغارية، ليتمكن من النجاح والتفوق بعد ذلك، وفي آخر محطاته يتعرف وجيه على زوجته المستقبلية التي كانت طالبة في الجامعة والتي حصلت مثله على منحة دراسية، وزواجه منها بعد ذلك والعقبات التي واجهته لإتمام هذا الزواج، ويتوقف الكاتب في النهاية عند آخر محطة في حياته، عندما ينتقل وزوجته وابنه إلى مناطق السلطة الفلسطينية على إثر اتفاقات أوسلو.

السفرجلة، هي رواية بوح موجعة في الكثير من محطاتها، وهي إضافة إلى ذلك رواية تشكل مرجعا مهما لأي باحث في سوسيولوجيا المجتمع الفلسطيني لما تقدمه من مستويات اجتماعية عديدة تكشف وإلى حد كبير بنية وطبيعة هذا المجتمع، الذي لم يتمكن بعد من نفض غبار إرثه الماضي، والتقدم بثقة نحو مجتمع حداثي قادر على مواجهة التحديات الكثيرة التي يفرضها صراعه مع محتل يمتلك كل أسباب الحداثة.

 


[*] كاتبة فلسطينية.

 

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2017
Track visitors of website