الرؤية الإسرائيلية للصراعات في الشرق الأوسط وانعكاساتها على أمن إسرائيل: دراسات لجنرالات وباحثين وإسرائيليين كبار، مراجعة: منال خميس، العدد 268

"الرؤية الإسرائيلية للصراعات في الشرق الأوسط وانعكاساتها على أمن إسرائيل:

دراسات لجنرالات وباحثين إسرائيليين كبار"

مراجعة: منال خميس[*]

إشراف وتحرير أحمد خليفة، وإعداد رندة حيدر

الكتاب الرابع ضمن سلسلة "قضايا استراتيجية: وجهات نظر إسرائيلية".

مؤسسة الدراسات الفلسطينية _ بيروت _ نيسان (أبريل) 2017

عدد الصفحات 179

 

يوثّق كتاب "الرؤية الإسرائيلية للصراعات في الشرق الأوسط وانعكاساتها على أمن إسرائيل: دراسات لجنرالات وباحثين إسرائيليين كبار"؛ مجموعة من الدراسات والمقالات كتبها صفوة من كبار الباحثين والأمنيين والسياسيين الإسرائيليين، الذين تتبعوا، بالتفسير والتحليل، الشؤون الأمنية الإسرائيلية عقب ما حدث في منطقة الشرق الأوسط "الربيع العربي"، وأسباب ما آلت إليه الأمور هناك، وانعكاساته على الشأن الإسرائيلي، وماذا يجب على دولتهم فعله لمواجهة تحديات هذه الحقبة  وكيف لها الاستفادة مما تعتبره النخبة فرصاً مهيأة لتشكيل تحالفات استراتيجية جديدة مع دول عربية. كذلك ربطت الدراسات أيضاً بالتحليل سياسات الأنظمة العربية الحاكمة، وعلاقاتها بالقوى المحلية والإقليمية والدولية، بحيث برزت  منطقة "الربيع العربي" التي تركزت فيها الهزات وكأنها "ساحة لعب" خلفية لإدارة مصالح القوى المتصارعة، ما أدى إلى تفككها، وتمزقها وإحداث تغيرات جذرية، أمنية وسياسية واقتصادية وعسكرية وجيوسياسية فيها، فليبيا، وسوريا، والعراق، ومصر، واليمن خير مثال على ذلك.

أهمية هذا الكتاب تأتي كون الدراسات والمقالات الواردة فيه تعتبر عيناً كاشفة، نتعرف من خلالها على مناحي التفكير لدى صفوة إسرائيل البحثية، وذلك ارتباطاً بمقدمة الكتاب التي أشار بها محرره أحمد خليفة، إلى أن القيادتين السياسية والأمنية في إسرائيل غالباً ما تستفيدان من التوصيات والتحليلات الواردة في الدراسات الصادرة عن مراكز الأبحاث الأكاديمية والاستراتيجية المتخصصة لتقرير رد فعل كل منهما وسياستها. ومن جهة أخرى يُعتبر هذا الرصد لمجموعة الدراسات محاولة لفهم علمي لنا، لحقيقة الموقف الإسرائيلي من الداخل، فهو يضع بين أيدينا فكرة وافية عن توجهات الرأي العام، والرؤية الإسرائيلية تجاه منطقة الشرق الأوسط، حيث دُمّرت بلدان وشُرِّدت شعوب وأُطيحت أنظمة وبُدّلت خرائط. وبناء على ذلك تكوّن هذا الكتاب من تقديم ومقدمة وقسمين الأول دراسات والثاني مقالات.

في القسم الأول اختار مُعدّو الكتاب تسعة دراسات لباحثين نخبويين جاءت على النحو التالي:

الدراسة الأولى بعنوان "الهزات الأرضية في الشرق الأوسط" بقلم (أفرايم كام وآخرين)، جاءت وصفية تحليلية، لما تعرضت له منطقة الشرق الأوسط وخصوصاً خلال السنوات الأربع الأخيرة. فمن وجهة نظر واضعي الدراسة أن المنطقة العربية تعرضت لهزّة أرضية تجسدت خطورتها في سلسلة تطورات هزّت عروش خمسة أنظمة عربية (العراق وتونس ومصر وليبيا واليمن) عبر انتفاضات شعبية، أو تدخل خارجي. وعَزَت الدراسة حدوث هذه الهزة في المنطقة إلى عدة مصادر، أولها احتلال العراق، وتعاظم قوة الحركات الإسلامية المتطرفة، وبروز تنظيمات إرهابية جديدة. والخطير بحسب الدراسة، أنه حتى الآن لم تقم أنظمة قوية ومستقرة بديلاً عن تلك التي أسقطت، بل ظهر لاعبون غير "دولاتيين" يتمتعون بقوة غير مسبوقة مثل "داعش"، وآخرون يشكلون جزءاً لا يتجزأ من تيار الجهاد العالمي. كما عمقت الهزة ضعف العالم العربي المتواصل منذ أعوام، بحيث حلّت محل القيادات العربية في تحديد الأجندة الإقليمية دول غير عربية، مثل إيران وتركيا وإسرائيل بصورة جزئية.

وخلصت الدراسة إلى أن إسرائيل ليست بمعزل عن إسقاطات الأزمة الإقليمية، فمجرد انشغال دول عربية عديدة بمشكلاتها الداخلية جعلها تنعم بوضع مريح، وتضعضع الأوضاع في العراق وسوريا عاد عليها بفوائد جمة، وقاد التدهور الأمني في شبه جزيرة سيناء إلى تحسين مستوى التنسيق الأمني بين مصر وإسرائيل، وتعزيز استقرار السلام بين الدولتين، يضاف إلى ذلك تعزيز العلاقات الأمنية بين إسرائيل والأردن. وتلفت الدراسة في آخر سطورها إلى أن التهديد الذي يشكله تنظيم "داعش" لدول المنطقة من شأنه أن يوجد فرصاً جدية لتوثيق التعاون بين إسرائيل ودول عربية معتدلة.

الدراسة الثانية بعنوان "بيئة إسرائيل الاستراتيجية في السنوات 2011-2015 وتوصيات للسياسة الإسرائيلية في السنوات 2016-2020"، جاءت بقلم عاموس يدلين، تناول بها في عشر نقاط أهم التطورات الأمنية والسياسية الناجمة عن "الربيع العربي" مركزاً على لزوم بلورة استراتيجيا إسرائيلية عليا في مجالي الأمن والخارجية في السنوات مجال الدراسة خصوصا وأنها تمتلك القدرة على المناورة واكتشاف الفرص لتحسين ورفع مكانتها السياسية والأمنية والاستراتيجية.

وخلص يدلين في توصياته إلى أنه يتعين على إسرائيل تبني استراتيجية عليا تجاه المسألة الإيرانية التي لا تزال تمثل تهديداً وجودياً محتملاً على إسرائيل، وتعزيز قدراتها لمواجهتها، والتأسيس لتفاهمات موازية مع الولايات المتحدة تتيح للحليفتين تنسيقاً مستمراً في الموضوع الإيراني، مع الاعتبار بأن العامل الأساسي المحتمل لإضعاف إيران هو في سورية التي تشكل ممر إيران إلى العالم العربي، فمن خلالها تحافظ على علاقاتها بـ"حزب الله"، كما على علاقاتها بمجموعات فلسطينية "متطرفة"، وعليه فإن إزالة نظام الأسد مصلحة إسرائيلية واضحة. والأخذ بالاعتبار أنه إذا ما تم تقسيم سورية فالعناصر التي ستتعاون معها إسرائيل هي المنظمات السنية المعتدلة. ويضيف الباحث أنه على إسرائيل في إطار استراتيجيتها العليا المبادرة الى خطوات مستقلة في الساحة الفلسطينية تدفعها في اتجاه صيغة الحل المرغوب فيه من طرفها وتقربها منه، وفي الأثناء إعداد الجيش لمواجهة أخرى مع غزة، بالاستفادة من دروس "الجرف الصامد".

الدراسة الثالثة بعنوان "أن يكون لإسرائيل موقف من نظام الأسد واجب أخلاقي وضرورة استراتيجية" جاءت أيضا بقلم عاموس يدلين، يركز فيها حول المحور الراديكالي الذي تقوده إيران، والذي يمر عبر سورية الأسد وصولاً إلى حزب الله في لبنان، ويتبنى هدفاً استراتيجياً هو القضاء على إسرائيل، وهو التهديد الأشد خطراً الذي تواجهه إسرائيل اليوم. وتبنى الكاتب في دراسته سبع نقاط رئيسية لوضع استراتيجيا شاملة لمناهضة الأسد ونظامه ولإضعاف المحور الراديكالي:

أولا: يجب إطلاق عملية سياسية وقانونية ضد جرائم نظام الأسد ومحاسبته على دوره في القتل الجماعي والأسلحة الكيماوية. ثانياً: إطلاق حوار مع الولايات المتحدة بشأن صوغ استراتيجيا إزاحة الأسد وإيران وحزب الله والدولة الإسلامية من سورية، وهنا يجب أن تشترط إسرائيل أن تكون جزءا من المعسكر الذي يضم السعودية وتركيا (حليفتي الولايات المتحدة). ثالثاً: من المهم أن تبدو أن لإسرائيل خطوطا حمراً ومبادئ أخلاقية، وتقدم على أعمال عسكرية محدودة، تعمد إلى تدمير المروحيات التي تلقي بالبراميل المتفجرة فوق مناطق مأهولة، إجراء كهذا سيؤدي إلى إرسال رسالة جيدة، ولا يتطلب الدخول في معركة جوية واسعة النطاق لتحقيق تفوق جوي أو الاصطدام بالقوات الروسية هناك. رابعاً: بالتوازي مع توجيه ضربات لنظام الأسد يمكن لإسرائيل مواجهة تهديد "داعش" في منطقة جنوب الجولان. خامساً: تشجيع الاستقرار في جنوب سوريا على طول الحدود مع إسرائيل والأردن بدعم إقليمي ودولي، وتكييف قدرات قوات الأمم المتحدة العاملة هناك. سادساً: يجب بذل الجهود لتشجيع ودعم إجراءات عربية ضد "حزب الله" وإيران في المحافل الدولية والإقليمية.

الدراسة الرابعة بعنوان "الاستراتيجيا الإسرائيلية لحقبة ما بعد سايكس-بيكو"، بقلم رون تيرا، تحدث فيها عن مفصل تاريخي هام هو حقبة سايكس-بيكو ويعتبر أنها انتهت في منطقة الشرق الأوسط، ولكنها مقبلة على مرحلة جديدة تتسم بتهديدات بالغة الخطورة على إسرائيل.

وفي الدراسة يعود الكاتب بشرح مطول لحقبة سايكس-بيكو لتبيان عشوائيتها، وأيضا تفاصيل التطورات التي حدثت في المنطقة خلال المائة عام من الاتفاق إلى ما آلت إليه الأمور في المنطقة العربية، وظهور قوى غير "دولتيه" منافسة ومعادية، وحروب أهلية، وعدم الاستقرار، ويطرح تيرا تساؤلاً في دراسته ماذا يجب على إسرائيل أن تفعل لمواجهة التحديات؟ وأهمها تغلغل في العمق لإيران ولاعبين آخرين داخل مناطق قريبة من حدودها؟ ويخلص تيرا في دراسته إلى أن إسرائيل بحاجة إلى التركيز على استراتيجيا جدار دفاعية بـ"التحالفات"، وعدم توريط نفسها في مغامرات ما وراء الحدود، كما عليها أن تعمل على تعميق انزلاق إيران في مستنقع التمدد المفرط، كذلك التركيز على وجود عسكري في غور الأردن وعلى حريتها بإحباط أية تهديدات تنشأ في الضفة الغربية.

الدراسة الخامسة بعنوان "علاقات حسن جوار على الحدود الشمالية؟ سياسة إسرائيل حيال الوضع الراهن في الجولان السوري المحتل"، بقلم نير بومس، يناقش فيها تطور سياسة إسرائيل حيال المنظمات الإرهابية والمتمردة التي تسيطر على الجزء الجنوبي من هضبة الجولان السوري المحتل، وتهافتها لإقامة اتصالات مع إسرائيل، ومحاولات إقناع الأخيرة عبر اتصالات رسمية وغير رسمية، بإقامة منطقة "آمنة" جنوب الجولان تحت حماية إسرائيلية إقليمية دولية من أجل التمدد باتجاه العاصمة السورية وإسقاط النظام.

الدراسة السادسة بعنوان "حان الوقت للقول وداعاً سورية، وداعاً سايكس-بيكو" بقلم جدعون ساعر وغابي تسيبوني، يتحدث الكاتبان فيها عن عودة الحرب الأهلية إلى سورية وتصدرها جدول الأعمال الدولي، بسبب تعاظم التدخل الروسي فيها وتدفق اللاجئين إلى أوروبا. ويقترح معدا الدراسة حلاً يتمثل بتسوية سياسية جديدة تستند إلى تقسيم سورية إلى عدد من الكيانات السياسية يمكن أن تكون (ولكن ليس بالضرورة) ذات بنية فدرالية أو كونفدرالية.

وبحسب الدراسة فإن التسوية المقترحة ستساعد في التخفيف من الاحتكاكات وفي تقليص خطر الحرب الأهلية، كذلك في تأمين الحماية للأقليات في وجه القوى الإسلامية الراديكالية، ومن بينها "داعش". ومن النتائج المترتبة عن استقرار الساحة على هذا الأساس كبح التداعيات السلبية للقتال في سورية الذي يشكل أرضية للتطرف الإسلامي في مختلف أنحاء المنطقة، ولا سيما الأردن ولبنان. ويخلص الكاتبان إلى أنه طالما أنّ اللاعبين الأساسيين في النظام الدولي متمسكون بفكرة دولة علمانية في سورية تحت حكم مركزي موحد، التي هي فكرة عقيمة، فلا يمكن التقدم نحو حل.

الدراسة السابعة، كتبها عاموس يادلين، بعنوان "روسيا في سوريا والدلالات بالنسبة إلى إسرائيل: أهداف التدخل الروسي"، تعالج بعمق موضوع التدخل الروسي في الحرب الدائرة في سوريا ويضع يادلين في دراسته ستة أهداف للتدخل الروسي أولها تموضع روسيا كقوة عظمى بعد تضرر مكانتها في اللعبة الدولية في الغرب عقب تفكك الاتحاد السوفييتي. ثانياً: أن روسيا تسعى لاستخدام المشكلة السورية كرافعة لحل مشكلاتها في ساحات أخرى. ثالثاً: اعتبارات داخلية لبوتين تتعلق بجمهوره في روسيا، حيث أن الحرب تسمح بتحويل أنظار الرأي العام عن المشكلات الاقتصادية والاجتماعية القاسية التي تنهال على رأس روسيا. رابعاً: إنقاذ نظام صديق كان على وشك السقوط من خلال عملية عسكرية ودبلوماسية على اعتبار أن للروس والسوريين تاريخاً مشتركاً. خامساً: إظهار أن روسيا حليف موثوق به، وأن العملية كانت رسالة واضحة لحلفاء آخرين لروسيا. سادساً: محاربة الجماعات الجهادية المتشددة، فروسيا تخشى أن يتطور انعدام حل مشكلة محلية في الشرق الأوسط إلى موجة إرهاب تضرب روسيا نفسها، وبناء عليه فإن تدخلا منخفض التكاليف نسبياً على أرض أجنبية يمنع تطور بيئة خاصة لـ"الإرهاب الإسلامي".

ويرى يادلين أن الخطوات الهجومية التي قامت بها روسيا جعلتها عنصراً قيادياً في كل ما يتعلق بمستقبل سورية. وبحسب الدراسة فإن الإخفاقات الروسية في سوريا تركزت في أن العملية الروسية في سوريا لم تحسم ولم تفض إلى استقرار. كما أن القتال ساهم في تدمير سورية وبناها التحتية، كذلك ساهمت روسيا في تدفق اللاجئين والنازحين السوريين إلى خارج البلاد.

وفي ضوء هذه التطورات يشجّع يادلين تطوير منظومة العلاقات الاستراتيجية الناشئة مع روسيا، بشرط أن تعترف الأخيرة بخريطة المصالح والخطوط الحمر الخاصة بإسرائيل فيما يتعلق بسورية ولبنان والجولان، ومنع حزب الله من فتح جبهة جنوب سورية، وتقليص النفوذ الإيراني، وبالتوازي مع ذلك على إسرائيل أن تواصل أي عمل عسكري عند تضرر مصالحها خصوصا في عمليات نقل سلاح نوعي إلى حزب الله أو نشر قوات معادية في الجولان أو استخدام أسلحة غير تقليدية. ثم ينبغي على إسرائيل تعزيز التفاهمات مع السعودية وتركيا بشأن مستقبل سورية.

الدراسة الثامنة بعنوان "هل ينبغي لإسرائيل وضع التيار السلفي –الجهادي على رأس سلم التهديدات؟"، بقلم شلومو بروم ويورام شفايتسر، ويطرح خلالها الكاتبان سؤالا أساسياً تبعاً للمخاطر والتهديدات التي تواجهها إسرائيل، وهو أي من تلك التهديدات التي يجب أن تضعها إسرائيل على رأس سلم أولوياتها؟ ويجيب كاتبا الدراسة أن "المحور الشيعي" على رأس سلم الأولويات في التهديد، والمقصود هنا "إيران وحلفاؤها"، مع اعتبار أن الخطر الإيراني متعدد المستويات والأبعاد، وهو عداء متأصل وأيديولوجي في جوهره، وليس ثمة تفاؤل كبير في إسرائيل بشأن فرص إحداث تغيير في طابع النظام الإيراني في المستقبل المنظور. كما أن التقديرات الإسرائيلية تشير إلى أن "حزب الله" يشكل التهديد الإرهابي والعسكري المباشر والأخطر على إسرائيل، وأن محاربته ستكلفها أثماناً باهظة. وفي تقدير الكاتبين فإنه في مقابل التهديد الشيعي الأخطر على إسرائيل فإن مستوى التهديد الذي تشكله "داعش" لا يزال منخفضاً لأسباب أهمها، أن الدولة الإسلامية لا تزال حلبة صراعها خارج ساحة إسرائيل وتواصل تركيز نشاطها على الصراعات الداخلية في الدول العربية.

الدراسة التاسعة بعنوان "العاصفة العارمة في الشرق الأوسط، الدلالة بالنسبة إلى إسرائيل"، بقلم يعقوب عميدرور، تشخّص الأوضاع فترة "الربيع العربي" حيث أن حدود الدول تتفكك وتزول، والسيادة تفتقر لأي معنى، والفوارق الدينية تؤثر تأثيراً كبيراً جداً على منظومات العلاقات بين الجماعات المختلفة، وتدور كثير من الحروب على خطوط التماس بين قبائل وطوائف دينية. كما تحتل منظمات غير دولتية مكان الدول في مناطق مختلفة، بل وحتى في الدول المستمرة ظاهرياً تقيم تنظيمات قوية جيوشاً لا تقل قوتها عن قوة جيوش الدولة ذاتها. هذه السيرورة ليست جديدة، لكنها أصبحت أكثر قوة، وخاصة جراء ضعف العامل الدولتي وتعاظم القوى العاملة على بثّ التفرقة. ويرى عميدرور أن قدرة إسرائيل على التأثير وتغيير ما يجري في المنطقة محدودة جداً، فهي لا تستطيع تغيير الشرق الأوسط بالقوة ولن يكون لأي اتفاق بينها وبين الفلسطينيين أثر فيما يحدث، ولم يكن للنزاع بين إسرائيل وجيرانها القريبين تأثير في الأحداث المهمة (الربيع العربي)، ولكنها أيضاً لا تستطيع تجاهل ما يحدث على طول حدودها وفي ما وراء الحدود. وتوصي الدراسة في ختامها إلى أنه يتوجب على إسرائيل الاستفادة من الأوضاع بالشرق الأوسط بفرص جديدة وتهيئة علاقات حسن جوار وخاصة مع بلدان تخشى التغييرات الراديكالية.

في القسم الثاني اختار مُعدّو الكتاب خمسة مقالات جاءت على النحو التالي:

المقال الأول المعنون بـ"انعكاسات الاضطرابات في المنطقة على وضع إسرائيل الاستراتيجي" يعكس فيه كاتبه آري شافيط مدى الارتياح العام داخل إسرائيل إزاء التطورات التي تحدث في الشرق الأوسط التي لم يكن وضعها مريحاً وآمناً على الإطلاق كما هو اليوم، فيقول: "عندما ينظر الجيش الإسرائيلي إلى العالم من حوله، يرى واقعاً استراتيجياً ليس له مثيل منذ قيام الدولة. التهديد الإيراني معلق، والتهديد العسكري السوري لم يعد موجوداً، حزب الله غارق في وحل الحرب السورية والوحل السياسي اللبناني، و”حماس” معزولة. ولا يوجد في الأفق خطر قيام ائتلاف عربي قوي يهاجم حدودنا. وليس هناك أي نسبة بين قوتنا وقوة الأطراف التي ما تزال معادية لنا. بالإضافة إلى ذلك، فإن جزءاً كبيراً من العالم العربي صديق لنا. وتسود شبكة جديدة من علاقات تقارب خفية بين العديد من الدول السنية المجاورة والدولة اليهودية. كما أن التفوق الجوي والاستخباراتي والتكنولوجي يحول إسرائيل إلى صخرة استقرار وسط شرق أوسط مفكك". ويختم شافيط مقالته بثلاثة تساؤلات: "ماذا سيجري في إيران بعد الانتخابات الرئاسية في أيار (مايو) 2017؟ وماذا سيحدث في [الضفة الغربية] مع غرق عباس التدريجي؟ وماذا سيحدث في غزة في ظل غياب أي أمل؟ .

المقال الثاني المعنون بـ"الجيش الإسرائيلي يغير توجهه: حزب الله لم يعد تنظيماً يخوض حرب عصابات، فقد صار جيشاً" يقيّم فيه كاتبه عاموس هريئيل، قدرات حزب الله العسكرية ومدى خطورتها على أمن إسرائيل. كذلك يربط بين التدخل العسكري الروسي في سورية وتعزيزه لقدرات حزب الله القتالية ولمكانته الاستراتيجية، ويتساءل الكاتب حول خطط حزب الله تجاه إسرائيل، واحتمالاته لحرب جديدة وكيف سترد الأخيرة؟ وما مدى خسائرها العسكرية والمادية والبشرية، وكذلك تأثير ردها على حزب الله ولبنان دولة وشعباً وبنى تحتية." في جميع الأحوال، إن حرباً جديدة في الشمال ستكبد الجيش الإسرائيلي قتلى وجرحى، وأن كمية الصواريخ التي سيطلقها حزب الله على بلدات الحدود ستفرض إخلاء جزئياً لسكانها، وأن سقوط صواريخ في وسط البلد ستكون أضراره أقسى بكثير من الحروب السابقة في لبنان وغزة، وثمة شك في أن يتمكن المواطن العادي من استيعاب ذلك.(168)

المقال الثالث المعنون "كردستان أولاً: فرصة لتبني إسرائيل قوة صاعدة" يقول كاتبه جدعون ساعر إنّ الأوضاع الحالية في الشرق الأوسط، حيث انهيار نظام سايكس- بيكو القديم وتفكك الجمهوريات العربية في المنطقة، يفرضان على إسرائيل تحديد تفاعلها مع الأحداث الإقليمية انطلاقاً من نظرة تتطلع نحو المستقبل. ويقول ساعر: المعسكر السني في المنطقة ضعيف، والموضوع الفلسطيني عقبة في وجه تحسين شبكة علاقات إسرائيل مع الأنظمة السنية. ولكن بغض النظر عن ذلك، وبحكم طبيعة الأمور، فإن هذه العلاقات ومهما كانت أهميتها، محدودة الضمانة. ويقترح تفاعلات مع الأكراد، فالشعب الكردي ليست لديه دولة، ولكنه حليف لإسرائيل من وجهة نظر استراتيجية بعيدة المدى. في واشنطن وموسكو بدأوا يدركون أهمية الأكراد كقوة صاعدة في الشرق الأوسط المتغير.

في المقال الرابع المعنون "علينا مد اليد إلى الدول العربية المعتدلة لحل المشكلة الفلسطينية" يشدد كاتبه يائير شيلغ على ضرورة حل القضية الفلسطينية التي فقدت الكثير من أهميتها في الساحتين الدولية والإقليمية، لكنها لا تزال نقطة حاسمة بالنسبة لمستقبل دولة إسرائيل. ويعتبرها الكاتب: "نقطة مصيرية من الناحية الأخلاقية لأن العديد من الناس في العالم وفي إسرائيل يحتاجون إلى حسمها كي يتماهوا بصورة كاملة وواضحة مع صدقية المشروع الصهيوني. وهي حاسمة من الناحية الديموغرافية، فكلما مرَّ الوقت أصبح الانفصال عن الفلسطينيين أكثر صعوبة، وتزداد بذلك حظوظ تبنى حل الدولة الواحدة بين البحر ونهر الأردن حيث ستقوم أغلبية عربية. وهي نقطة حاسمة من الناحية السياسية لأن المجتمع الدولي لن يقبل على الاطلاق باستمرار الوضع كما هو عليه الآن خمسين سنة أخرى". ويدعو شيلغ إلى العمل لحل القضية الفلسطينية في إطار شركاء جدد وتجاهل الشريك الفلسطيني ويقصد بالشركاء الجدد "العرب".

في المقال الخامس المعنون "روسيا تقيد الجيش الإسرائيلي وتفرض على إسرائيل نظاماً سياسياً جديداً" يلقي الكاتب عاموس هريئيل نظرة تقييمية على التدخل الروسي في سوريا، ويتحدث عن تعديلات طارئة على الموقف الإسرائيلي مما يحدث هناك، خاصة بعد تكثيف تواجد روسيا العسكري وفي ظل عدم وجود أية تفاهمات لحل سياسي مع الولايات المتحدة الأميركية. فقد استكملت روسيا في الأسابيع الأخيرة تعزيز دفاعاتها الجوية شمال سوريا، وبعكس غيره من كتّاب الدراسات، نرى هريئيل يشكك في قدرة روسيا لأن تكون صاحبة القرار بفرض حل سياسي في سوريا. مؤكدا أن هناك تأثيرا قوياً للتعزيزات العسكرية الروسية على إسرائيل، وأصبح ليس باستطاعة الطائرات الإسرائيلية الإقلاع من قاعدة تل نوف بالقرب من رحوفوت دون أن تكتشفها الرادارات الروسية. وختم هريئيل مقالته: "لقد قيد الروس بدون جهد تقريبا سلاح الجو الأقوى في الشرق الأوسط، في إشارة لسلاح الجو الإسرائيلي".


[*] باحثة من غزة وعضو أمانة عامة في نقابة الصحافيين.

الملفات المرفقة

منال خميس.docx
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website