قراءة في كتاب الدكتور شريف كناعنة: الشتات الفلسطيني: هجرة أم تهجير؟، مراجعة طارق حميدة، العدد 268

قراءة في كتاب الدكتور شريف كناعنة:

الشتات الفلسطيني: هجرة أم تهجير؟

 

طارق مصطفى حميدة[*]

 

يتميز هذا الكتاب بكون مؤلفه الدكتور كناعنة هو رائد فكرة توثيق القرى الفلسطينية المدمرة من خلال التأريخ الشفوي للنكبة وحياة السكان في السنوات السابقة لها، وذلك إبان رئاسته لمركز الأبحاث في جامعة بيرزيت في الثمانينات من القرن المنصرم، وبالتالي فإن الكثير من معطيات المادة هي شهادات حية لمعاصري النكبة من المهجّرين الفلسطينيين.

تأتي هذه المراجعة متزامنة مع مرور حوالي سبعة عقود على النكبة، ومع الذكرى الخمسين لما اصطلح على تسميته بالنكسة.

والطبعة التي بين أيدينا من الكتاب صادرة عن مركز اللاجئين والشتات الفلسطيني (شمل) عام 2000م، وقد اشتملت على ثمانية فصول، كان فصلها الأول بعنوان 1948 هجرة أم تهجير؟ ومنه كما يبدو أخذ الكتاب عنوانه، وعرض الفصل التالي لمخطط طمس وجه فلسطين العربي، وثالث الفصول موضوعه الأيديولوجية الصهيونية وتهجير السكان العرب من فلسطين، فيما تحدث الفصل الرابع عن أنماط تهجير الفلسطينيين في 1948، وجاء الفصل الخامس ليعرض مفهوم الترانسفير، وأما الفصل السادس فقد عرض قراءة جديدة لمذبحة دير ياسين، بينما أكد الفصل السابع وجود خطة مسبقة للترحيل، وأما الفصل الثامن وهو الأخير فهو أشبه بالملاحق إذ تضمن مجموعة من الصور المتعلقة بتلك الفترة.

1948: هجرة أم تهجير؟

يقدم الدكتور شريف كناعنة لهذا الفصل بقوله: إن عدد الفلسطينيين المهجرين عن بيوتهم وأراضيهم، الذي امتد منذ صدور قرار التقسيم عام 1947 وحتى بداية العام 1949 عن ما يقارب 80% من مجموع مساحة فلسطين، قد بلغ حوالي 850 ألفاً.

والسؤال المطروح الذي تسعى تلك الورقة للإجابة هو: ما السبب في نزوح مئات الألوف هؤلاء عن مدنهم وقراهم؟ رادّاً على من يجادل بأن الأهم هو حل مشكلة اللاجئين وليس البحث عن سبب نزوحهم، أولاً لأن هذا السؤال لا يزال مطروحاً حتى اليوم، والجواب عليه، لغير الفلسطينيين على الأقل، لا يزال مبهماً.

والسبب في استمرار طرح هذا السؤال برأيه، أن كلا الطرفين: العربي والصهيوني، قد ربط مسؤولية حل مشكلة اللاجئين بسبب النزوح، حيث يتهم كل طرف الطرف الآخر بالمسؤولية عن ذلك وأنه بالتالي مَن عليه تحمل تكلفة وتبعات حل مشكلة أولئك اللاجئين.

فكتيبات الدعاية الصهيونية ودراسات المؤرخين الصهاينة لا تزال تدّعي أن العرب الفلسطينيين تركوا بيوتهم لأن زعماءهم أمروهم بذلك عبر الإذاعات العربية، حيث نشروا بينهم الرعب والذعر بالمبالغة في وصف أعمال المحاربين اليهود بقصد إحراج القيادات الصهيونية، وأن الجيوش العربية طالبت الفلسطينيين بالابتعاد عن ساحات القتال من أجل سلامتهم وكي يفسحوا المجال لتلك الجيوش "بسحق اليهود"، وبالتالي فإن تلك الجيوش لو لم تتدخل لمهاجمة الدولة اليهودية لما كان هناك مشكلة لاجئين بالمرة، وتؤكد الدعاية الصهيونية أن نوايا الحركة الصهيونية نحو السكان الفلسطينيين كانت سليمة وأنهم طلبوا إليهم مرارا البقاء في بيوتهم والعيش في الدولة الصهيونية، لكنهم أصروا على الخروج لأنهم قدّروا أن باستطاعتهم ترك بيوتهم لفترة قصيرة حتى تتم إبادة الدولة الصهيونية.

ولعل هذا ما دفع الدكتور كناعنة، في الطبعة الإنجليزية لكتابه قيد المراجعة، إلى تسميته بطريقة تهكمية على تلك المزاعم، أن هؤلاء اللاجئين الذين خرجوا في إجازة بطلب من القادة العرب ريثما يقضوا على القوات الصهيونية لا يزالون في إجازتهم منذ العام 1948: Still on Vacation.

وقد بقي هذا الادعاء سائداً حتى تصدى لها باحثان أحدهما الفلسطيني وليد الخالدي، والآخر ارسكين تشيدلدرز الإيرلندي الجنسية، حيث قاما بأبحاث متشابهة وبشكل مستقل ودون علم أحدهما عن الآخر.

وقد زار تشيلدرز دولة الاحتلال عام 1958 ضيفاً على وزارة الخارجية طالباً المساعدة في الحصول على ما يوثق حصول أوامر بالرحيل من الإذاعات العربية، ومع أن العاملين في الوزارة قد أكدوا توفر الإثباتات ووعدوا بمساعدته في الحصول عليها لكنه، لم يتمكن من ذلك حتى تاريخ صدور تقريره في أيار 1961.

كما قام تشيلدرز بفحص تسجيلات المحطات العربية لعام 1948 حيث انتهى إلى نتيجة أنه "لم يكن هناك أمر واحد أو مناشدة أو اقتراح بالرحيل من فلسطين من قبل أي محطة إذاعة عربية داخل أو خارج فلسطين، خلال سنة 1948"، وبالمقابل، "توجد هناك تسجيلات مباشرة لمناشدات عربية وحتى أوامر صريحة لسكان فلسطين المدنيين للبقاء في أماكنهم".

وأما وليد الخالدي، فقد أجرى فحوصا دقيقة لملفات البيانات الصحافية  لجامعة الدول العربية، وكذا ملفات وقائع اجتماعات الهيئة العامة للجامعة، وتقرير اللجنة البرلمانية العراقية المقدم للملك فيصل حول أسباب الفشل في الحرب، وقد وُضع تحت تصرف اللجنة أرشيفا وزارتي الدفاع والخارجية العراقيتين، كما اطلع الخالدي على البيانات العسكرية للجيوش العربية النظامية وغير النظامية، وكذلك بيانات الهيئة العربية العليا، وأعداد ثلاث صحف هي: الأهرام المصرية، والدفاع الفلسطينية، والحياة اللبنانية.

 والنتيجة بعد فحص هذه المصادر جميعها عدم وجود أي نص لأمر أو اقتراح أو مناشدة من قبل القادة العرب للسكان الفلسطينيين بالرحيل من قراهم ومدنهم، بينما وجد الخالدي وكذلك تشيلدرز العديد من الدلائل والوثائق التي تطالب السكان بالبقاء في بيوتهم وأراضيهم، وأما المطالبات بالرحيل فقد كانت من الإذاعات الإسرائيلية الموجهة للفلسطينيين باللغة العربية، وقد كانت مكبرات الصوت الإسرائيلية تنادي في القدس باللغة العربية مثلاً، أن: "الطريق إلى رفح ما زالت مفتوحة! اهربوا من القدس قبل أن تُذبحوا جميعاً"، و"إذا لم تتركوا بيوتكم فإن ما حدث لأهالي دير ياسين سيحدث لكم".

ثم يستشهد الدكتور شريف كناعنة بدراسات بني مورس وأضرابه ممن يسمون بالمؤرخين الإسرائيليين الجدد، حيث تأتي قيمة هذه الدراسات من كونها لا تتهم بالتحيز ضد دولة الاحتلال، ولاعتمادها المصادر العبرية الأولية وبشكل خاص أرشيف البالماخ وأرشيف المخابرات والاستعلامات الإسرائيلية.

 ومن الحقائق التي يوثقها موريس فيما يتعلق بأحداث معركة اللد والرملة، مثلاً، استعمال الحرب النفسية والإرهاب ونشر الذعر بين السكان وقصف المدينتين بعد استسلامهما لحمل السكان على الفرار، ثم قيام الجنود الإسرائيليين بذبح ما بين 200-300 من سكان اللد بينهم نساء وأطفال وشيوخ داخل بيوتهم وفي الشوارع وداخل المسجد، وكذلك استعمال القوة والعنف الوحشي لطرد أكثر من 50 ألفاً من أهالي المدينتين من بيوتهم بعد استسلامهم، وأهم من ذلك كله أن الأوامر لطرد هذه الأعداد أتت مباشرة من دافيد بن غوريون رئيس الوزراء وزير الدفاع في حينه.

وبعد عرض مستفيض لما كتبه بني موريس واستنتاجاته، يخلص الدكتور كناعنة إلى:

1)    أنه لا أساس ولا صحة للادعاء الصهيوني بأن النزوح جاء نتيجة أوامر من القادة العرب، بل العكس هو الصحيح أن هؤلاء القادة حاولوا منع الخروج.

2)    أنه لا صحة للادعاء الصهيوني بأن مشكلة وجود اللاجئين جاءت نتيجة دخول الجيوش العربية النظامية إلى فلسطين بعد 15 أيار 1948، إذ إن نصف هؤلاء اللاجئين كانوا طردوا قبل ذلك التاريخ وقبل اتخاذ الدول العربية القرار بإرسال جيوشها النظامية إلى فلسطين، من الواضح أن هذا النزوح كان سببا في هذا القرار لا أنه كان نتيجة له.

3)    وأنه قد أثبتت تلك الدراسات أن نزوح الفلسطينيين جاء بشكل رئيس نتيجة العدوان الصهيوني على القرى والمدن الفلسطينية، وأن الأساليب المستخدمة كثيرا ما كانت تتسم بالإرهاب والفظاعة وارتكاب المجازر، وأن الكثير منها قد ارتكب بحق قرى كانت قد عقدت اتفاقيات سلام وتعايش مع المستعمرات الصهيونية المجاورة.

4)    أن العديد من المواقع التي ارتكبت فيها المذابح قد أخليت من ساكنيها، وأن تلك المذبح لم تكن نتيجة المقاومة العنيفة ضد اليهود بدليل عدد الخسائر المتدني جداً في صفوفهم، وأن الغرض الأساسي من المجازر كان نشر الرعب في قلوب السكان لدفعهم إلى الفرار وليس فقط الاستيلاء على المواقع.

5)    ويختم كناعنة هذا الفصل بقوله إنه يجد: "في هذه الدراسات الكثير مما يشير إلى خطة مركزية مدبرة ومخطط لها لترحيل جميع السكان العرب من البلاد"، وبالتالي فإنه يقترح أن أيّ دراسات مستقبلية حول النزوح الفلسطيني يجب أن تدور الفرضية الرئيسة فيها حول اكتشاف وتوثيق مثل هذه الخطة".

 

مخطط طمس وجه فلسطين العربي

المواد المستخدمة في هذا الفصل كما يقول الكاتب هو مشروع (توثيق القرى الفلسطينية المدمرة) الذي قام به وأشرف عليه أثناء رئاسته لمركز الوثائق والأبحاث التابع لجامعة بيرزيت بين عامي 1984 و1987.

وحسب قوله فإن عملية طمس عروبة فلسطين والتهويد المصاحب لها لم تتم بين عشية وضحاها وإنما ابتدأت قبل قرن من الزمان مع ظهور أولى بذور الصهيونية في أوروبا الشرقية ولم تزل مستمرة، وقد كان لهذه العملية شقان هما: طمس العروبة والتهويد، وقد مرت بمراحل عدة تخللتها نقاط تحول جذرية في أعوام 1858، و1920، و1948، و1967.

وبعد زيارات ميدانية لحوالي مائة من المواقع الفلسطينية المدمرة قام بها الباحث مع عدد من الزملاء فإنه استطاع تمييز 11 أسلوباً أو نمطاً مختلفاً لتدمير المدن والقرى الفلسطينية المهجرة، وقد رتبها تنازلياً حسب الأسلوب الأكثر تكراراً، ومن أبرزها:

{C}1-  {C}قرى تم تدميرها وتحريج مواقعها، لكن بعض بقايا المنازل والأماكن الدينية أو المباني التاريخية ما تزال موجودة، مثل الفالوجة وعين غزال.

{C}2-  {C}قرى دُمرت بالكامل باستثناء الأماكن الدينية والتاريخية، مع بقاء الموقع مهملاً وغير مستغل، مثل زرعين ومجدل صادق وجمزو.

{C}3-  {C}قرى دمرت كلياً ولم يتركوا أي أثر يدل على أنها كانت مسكونة، حيث استخدمت لأغراض الزراعة، وبالذات القرى الواقعة في سهول خصبة، مثل الزاوية والسامرية وسمسم ونجد والجية في سهول الحولة وبيسان وغزة.

{C}4-  {C}قرى تم تدميرها كلياً ولم يبق أي علامات أو حدود، وأقيمت مكانها مستوطنات مثل أم خالد وكفر سابا وقيسارية.

{C}5-  {C}قرى تم تدميرها كلياً أو جزئياً، ثم جرى تسييجها واستعمالها كمزارع مثل الحديثة والدوايمة وضمرة.

هذا فضلاً عن القرى التي دمرت بالكامل وتم تحويل مواقعها إلى حدائق عامة، أو تلك التي أبقوا على الكثير من مبانيها ليقطنها مستعمرون يهود، أو تحوّلت إلى معارض للفنانين، ومتاحف أو معاهد ومصّحات.

الإيديولوجية الصهيونية وتهجير السكان العرب من فلسطين

الفرضية الرئيسة التي يطرحها الدكتور كناعنة في هذه الورقة هي أن طرد وترحيل الفلسطينيين من بيوتهم وما تبعه من تدمير قراهم ومحو آثار وجودهم وطمس معالم ثقافتهم، لم تأت كنتيجة عفوية لأحداث تاريخية معينة، ولم تأت كنتيجة حتمية لأخطاء ارتكبها الفلسطينيون أو العرب، ولم تكن ضرورة تطلبتها طبيعة الحرب أو ظروفها؛ وإنما كان حدوثها مبنياً في طبيعة الفلسفة الصهيونية وجزءاً من جوهر أيديولوجيتها، وضرورة حتمية لنجاح المشروع الصهيوني وبلوغه أهدافه، وبالتالي لم يكن من الممكن للعرب عن طريق القيام بعمل لم يقوموا به أو الامتناع عن عمل قاموا به، أن يغيّروا من هذه النتائج أو يقلصوا من الشتات والدمار الذي لحق بهم، إلا في حال كانوا أقوياء بما يكفي لدحر الصهيونية ومنعها من تحقيق مخططاتها وبلوغ أهدافها.

وللبرهنة على فرضيته فقد استند الباحث إلى عدة مرتكزات:

أولها، روافد الصهيونية، حيث استقت الصهيونية بصفتها حركة سياسية قومية استعمارية أيديولوجيتها من روافد أربعة، هي الحركة الاستعمارية الكولونيالية التي كانت تركز على التفوق العرقي والثقافي للرجل الأبيض، والحركة القومية الأوروبية التي كانت تشدد على النقاء البيولوجي العرقي كأهم مقومات القومية، وكرد فعل على الحركة  اللاسامية التي جعلت يهود أوروبا يتفقون معهم في النظرة بأنهم عنصر غريب وغير قابل للاندماج بالشعوب الأوروبية، والعنصر الرابع المتأخر نسبياً والمتعلق بالحماسة الدينية والعواطف التوراتية التي تثيرها النصوص التوراتية، وهذا المصدر الذي يشدد على "تفوق شعب الله المختار"، وعلى الحق الإلهي لهذا الشعب باستعادة "أرض الميعاد"، وكان طبيعياً لحركة استقت من كل هذه الروافد أن تمارس السحق والتدمير والطرد والتهجير.

والمرنكز الآخر هو النظرة الاستعمارية نحو السكان الأصليين، حيث تبلورت في أوروبا وبالذات لدى البريطانيين في القرن التاسع عشر نظرية استعمارية اختلطت فيها الأطماع الاستعمارية الاقتصادية تجاه الشرق والتطلعات الصليبية للاستيلاء على الأراضي المقدسة، وقد لوحظ أن فكرة تجنيد اليهود للاستيلاء على فلسطين كانت قديمة بحيث أن نابليون خلال حملته على فلسطين عام 1799 دعا اليهود إلى التجمع في فلسطين لمساندته ولإعادة مجد إسرائيل الضائع في القدس، وفي العام 1881 كتب الإنجليزي ووكر: "لو تمت الدعوة الآن إلى حرب صليبية حديثة لكان من الممكن جداً أن تكون أكثر نجاحاً من الحملات السابقة في العصور الوسطى، إن اليهود هم الوحيدون أصحاب الحق الشرعي في هذه البلاد وعلى من يحكمها أن يحضّرها لإعادة إسكان أصحابها الشرعيين"!.

والمرتكز الثالث هو الاعتراف بالنوايا من قبل قادة الحركة الصهيونية ومؤسسيها، ويكفي في ذلك كلام هيرتزل في مذكراته: "يجب أن نصادر بلباقة الأملاك الخاصة في الكيان الذي نقيمه وسوف نحاول طرد هؤلاء السكان الفقراء عبر الحدود".

والمرتكز الأبرز في تقديري الذي أورده الدكتور كناعنة لتأكيد عمق حقيقة الطرد والإبادة والتهجير عام 1948، أن هذا السلوك لم يبدأ في عام النكبة بل إن له جذوراً عميقة تمتد إلى عدة عقود، ومن أبرزها تشريد سكان العديد من قرى سهل حيفا ومرج ابن عامر بعد بيع عائلة سرسق أراضيها للصندوق القومي اليهودي.

الترانسفير وأنماط التهجير

من أبرز النقاط التي تحدث عنها الباحث تحت هذين العنوانين:

{C}1)    {C}أن المجازر التي ارتكبتها القوات الصهيونية لم تحدث عفوا أو حسب المتطلبات العسكرية المباشرة، وإنما جاءت في إطار خطة جغرافية وزمنية متكاملة ترمي إلى ترحيل الفلسطينيين.

{C}2)    {C}أن ما يسمى بالمليشيات "المنشقة" كانت تقوم بعملياتها الإجرامية بتنسيق تام مع الهاجاناة وفي إطار خطة منسقة ومتكاملة.

{C}3)    {C}أن خطط مهاجمة القرى العربية كانت مرسومة بطريقة تؤدي حتماً إلى ترحيل الأهالي.

{C}4)    {C}أنه كان لدى الإسرائيليين خطة مقننة لحرب نفسية هدفها الترحيل.

مذبحة دير ياسين: قراءة جديدة

في فصل سابق أورد الباحث واحداً من أنماط التهجير التي اتبعتها العصابات الصهيونية لترحيل سكان المدن الفلسطينية والقرى التابعة لها، والذي يتمثل في ارتكاب مذبحة على نطاق واسع في أحد أحياء المدينة أو قرية مجاورة ما يؤدي إلى موجة من الذعر والفوضى والهرب الجماعي من المدينة، وعندها تطالب تلك المدينة بالهدنة والاستسلام حيث ترفض مناشداتها، ثم تندفع تلك العصابات إلى داخل المدينة وتقوم بمذبحة جديدة، ما يدفع ببقية السكان إلى المسارعة في الرحيل، وقد كان سقوط المدينة، إلى جانب المذبحة المجاورة، يؤديان عادة إلى موجة ذعر في كل البلدات والقرى المحيطة.

ويؤكد الدكتور كناعنة أن هذا النمط قد اتبع بالنسبة للمدن الكبيرة جميعها: كما في حالة طبريا ومذبحة ناصر الدين، وصفد مع مذبحة عين الزيتون، وحيفا مع مجزرة حواسا وبلد الشيخ، ومدينة يافا مع المنشية، واللد والرملة مع مذبحة اللد، ولغربي القدس مع مذبحة دير ياسين، ولبيت لحم والخليل مع مذبحة الدوايمة لولا أن الفيلق العربي تحرك في اللحظة الأخيرة وأوقف العملية في هذه المنطقة وحدها.

وبالنسبة لدير ياسين فقد وقعت مذبحتها في وقت مبكر نسبيا، وتعتبر المذبحة كما يقرر الكاتب الحد الفاصل بين ما أطلق عليهما: مرحلة الإرهاب ومرحلة المذابح، حيث لم تكن طريقة: (اضرب واهرب) الممثلة للمرحلة الأولى ناجعة بما فيه الكفاية لإجبار الفلسطينيين على الرحيل.

لقد  أدى ذبح حوالي مائة من سكان القرية البالغ عددهم 750 نسمة، بما فيهم من الشيوخ والنساء والأطفال إلى تفريغ القرية من سكانها، وفي الواقع كما يقول الدكتور كناعنة، فإن مذبحة دير ياسين لم تكن الوحيدة ولا الأخيرة، ولم تكن المذبحة الأكبر أو الأبشع التي ارتكبتها العصابات الصهيونية أو الجيش الإسرائيلي، لكن الذي جعلها الأبرز والأشهر من بين المذابح المرتكبة بحق الفلسطينيين في حرب 1948، هو جدة هذا النمط وحداثته من جهة، ثم نجاعته في تفريغ القرية من سكانها، وتأثيره في ترحيل السكان الفلسطينيين من جهة أخرى، وبالنسبة للإسرائيليين فإن نجاح أسلوب مذبحة دير ياسين قد حوّلها إلى نموذج تكرر تطبيقه في مجازر عدة منذ ذلك الوقت.

وقد عالج الباحث في قراءته الجديدة للمذبحة ثلاثة عناوين مهمة أولها قضية عدد الشهداء في المجزرة، وكيف ولماذا نشأت البلبلة حول الأرقام، ويناقش في الثانية فيما إذا شكلت دير ياسين في حينه تهديداً مباشراً للمستوطنات والقوافل الصهيونية، والثالثة تناقش مدى انطباق تعريف "المذبحة" على ما جرى في دير ياسين؟    

بالنسبة لقضية عدد الشهداء يورد كناعنة أن الرقم السائد بين غالبية الباحثين والكتاب العرب والإسرائيليين يتراوح بين 240 و250، لكن الرقم الصحيح الذي توصل إليه الدكتور أثناء مقابلاته مع أهالي القرية هو حوالي المائة فقط، الأمر الذي دفعه لفحص ومقارنة أربع قوائم، إحداها الواردة في جريدة الدفاع الفلسطينية بعد ثلاثة أيام من المذبحة، والثانية التي أوردها عارف العارف، والثالثة جمعها الأستاذ سعيد سمور من دير ياسين، فضلا عن القائمة التي تحصلت للدكتور كناعنة، ليتأكد للباحث كذب الأرقام الأخرى، ويبقى السؤال: مَن وراء هذه المبالغة في الأرقام وما غرضهم من ذلك؟

وتفند الورقة مزاعم الصهاينة بأن العرب هم الذين بالغوا في الأرقام لتشويه صورة اليهود، ولدفع الدول العربية لإرسال جيوشها، حيث إن الرقم 240 سُمع لأول مرة من إذاعة (BBC)، مساء 9 نيسان في يوم المذبحة نفسه، وظهر الرقم مكتوباً في اليوم التالي في صحيفة نيويورك تايمز، ثم في الصحف العبرية في فلسطين يوم 11 نيسان، وقد استقت جميع هذه المصادر معلوماتها من مردخاي رعنان قائد عصابة إتسل في مؤتمر صحافي عقده في مستوطنة جفعات شاؤول المجاورة للقرية بعد ساعات قليلة من انتهاء المجزرة، وفيما بعد أوردت بعض وسائل الإعلام العبرية والأجنبية الرقم 250 على اعتبار أن بعض الجرحى قد قضوا متأثرين بجراحهم.

أما وسائل الإعلام الفلسطينية والعربية فقد استعملت الرقم 250 لأول مرة ابتداء من 12 نيسان نقلا عن سكرتير الهيئة العربية العليا الذي أخذه من ممثل الصليب الأحمر في القدس، الذي استقاه بدوره من قبل عصابة اتسل.

وهنا يتأكد مصدر هذه المبالغة وهو عصابتا ليحي وإتسل الصهيونيتان، وهم الوحيدون الذين كانوا في موقع الاطلاع، ليبقى السؤال عن مصلحتهما من تلك المبالغة، حيث يجيب الباحث بأنه كان ُيقصد من المذبحة أن تنقل رسالتين إحداهما للعرب والثانية للجماهير اليهودية، وأما المبالغة في الأرقام فقد كانت تهدف إلى زيادة نجاعة هاتين الرسالتين.

 كانت المذبحة والمبالغة في وصف فظاعتها تهدف إلى حمل العرب على ترك قراهم وأراضيهم، وبالذات من الأحياء الغربية في القدس والقرى المحيطة بها على وجه السرعة لسببين: أولهما فتح الطريق بين تل أبيب والقدس، والثاني: ضرورة "تحرير" القدس قبل منتصف أيار موعد انسحاب قوات الانتداب، وبداية تنفيذ قرار التقسيم  الذي اعتبر القدس مدينة دولية.

أما الرسالة إلى الجمهور اليهودي وإلى يهود القدس بشكل خاص، فكانت تتعلق بالصراع والتنافس الدائر في حينه بين العصابات الصهيونية الثلاث: الهاجاناة من جهة، وإتسل وليحي من جهة أخرى، حيث زيادة شعبية أي من الطرفين لدى الجمهور اليهودي تتوقف على قتل عدد أكبر من العرب وطردهم من ديارهم، ولذلك كانت مذبحة دير ياسين وكانت المبالغة في وصف أحداثها.

والقضية الثانية التي ناقشتها الورقة تتعلق بمدى تهديد قرية دير ياسين للمستوطنات والقوافل الصهيونية، بحسب مزاعم عصابتي اتسل وليحي اللتين حاولتا تبرير المجزرة فيما بعد عن طريق تصوير القرية وكأنها كانت قلعة مدججة بالسلاح، وأنها شكلت تهديدا مباشرا للمستوطنات المجاورة والقوافل المارة على طريق القدس – تل أبيب.

لقد كانت دير ياسين حقيقة، تقع على تلة مرتفعة ومشرفة على المستعمرات الصهيونية المجاورة، وكانت على مسافة أقل من 2 كم من خط القدس تل أبيب، وكان يمكن لها أن تشكل مصدر خطر للمستعمرات اليهودية ولغرب القدس، هذا دون الدخول في النقاش حول أحقية هذه المستعمرات في الوجود أصلاً، لولا أن هناك جملة من الوقائع والحقائق تجعل هذا الأمر مستحيلاً:

{C}-       {C}أن دير ياسين كانت محاطة بست مستعمرات صهيونية، وكانت الطريق الوحيدة التي تربطها بالقدس تمر من وسط جفعات شاؤول.

{C}-       {C}أن مستعمرة موتسا كانت تمتد بين دير ياسين وشارع القدس تل أبيب.       

{C}-       {C}إدراك أهال دير ياسين لحراجة وضعهم، ما جعلهم يحاولون المحافظة على علاقات جيدة مع المستعمرات المجاورة، لدرجة أن العديد من المؤرخين الإسرائيليين قد وصفوا سكان القرية بالمسالمين وغير العدوانيين بل والسلبيين، ولم تُظهر السجلات والوثائق أي هجوم على المستعمرات المجاورة أو القوافل.

وبذلك يتبين أن اختيار دير ياسين مسرحاً للمذبحة يتعلق بالتنافس بين العصابات الصهيونية حيث كانت اتسل وليحي بحاجة إلى نصر سهل ومدوٍ في القدس وما حولها، ومثل هذا النصر كان  مضموناً في حالة دير ياسين لصغر حجمها وقربها من القدس وإمكانية مداهمتها عبر جفعات شاؤول، وفكرتهم السابقة أن القرية ضعيفة ومسالمة وقليلة السلاح.

والمسألة الثالثة التي عالجها الدكتور كناعنة في هذه الورقة إن كان ينطبق تعريف المذبحة على دير ياسين؟ حيث يبدأ بتعريف المذبحة بأنها: "القتل المتعمد للمدنيين المقبوض عليهم، والقتل المتعمد للجنود أو المحاربين الذين استسلموا وجردوا من السلاح ولم يعودوا يشكلون تهديدا للقوات المنتصرة".

يورد الباحث ثلاثة أنواع من الأدلة هذا فضلاً عن اعترافات قادة اتسل وليحي أنفسهم، وتصريحاتهم عن تخطيطات مسبقة لتلقين العرب درساً وإلقاء الرعب في قلوبهم كي يغادروا أراضيهم، وكذلك إدانات الهاجاناة لهم لارتكابهم "المذابح والفظائع" في دير ياسين، أولها إفادات شهود العيان من اليهود والأجانب، ثم شهادات الناجين من بين ضحايا المذبحة، وثالثها الدلالات المستنبطة من الأحداث والظروف المحيطة، مما فصلته الورقة.

عَوْد على بَدء: خطة مسبقة للترحيل؟

في ختام الورقة الأولى ذكر الدكتور كناعنة أنه يجد: "في هذه الدراسات الكثير مما يشير إلى خطة مركزية مدبرة ومخطط لها لترحيل جميع السكان العرب من البلاد"، وبالتالي فإنه يقترح أن أي دراسات مستقبلية حول النزوح الفلسطيني يجب أن تدور الفرضية الرئيسة فيها حول اكتشاف وتوثيق مثل هذه الخطة".

ولذلك فإن هذا الفصل يأتي في سياق تأكيد هذه الفرضية وذاك الاقتراح، حيث العنوان جملة تقريرية، وإن أتبعه بعلامة الاستفهام، إما ليؤكد جانبه التقريري، أو ليجعله من باب الاستفهام الإنكاري لمن لا يزالون يجادلون في تلك الحقيقة، ثم ليختم النقاش الذي أداره في الورقة بقوله: أعتقد أن الحقيقة هي العامل الموحٍّد بين طرد وتدمير جميع القرى والمدن الفلسطينية، والذي نتج عنه شيء قريب من خطة ترحيل مسبقة ومتعمدة، ولو أنها لم تكن مكتوبة ولا مقننة، هو "النمط الإدراكي- الثقافي – السياسي- الديني المشترك بين جميع الصهاينة وقسم كبير جداً من الأوروبيين والأميركيين"، والذي يخلق لديهم جميعاً اتفاقاً ضمنياً، ساد أثناء حرب 1948، وما زال سائداً حتى اليوم، حول صحة وعدالة وضرورة طرد الفلسطينيين من بيوتهم وتهديم قراهم ومدنهم والاستيلاء على ممتلكاتهم، وذبحهم إذا قاوموا أو رفضوا الخروج من البلاد، وهذا ما جرى تنفيذه أثناء حرب 1948، في جميع الحالات، بغض النظر عن حجم القوة المنفذة أو رتبة المسؤول عن تلك القوة".

وختاماً فإن الكتاب مليء بالمعلومات والتحليلات والأحداث التي لا غنى للقارئ الفلسطيني أو المنتمي للقضية من الاطلاع عليها، مما لا يسع الكاتب إيراده في هذه العجالة، فضلاً عن أن الصور التي جعلها المؤلف فصلاً مستقلاً تستحق الكثير من القراءة والنظر والتحليل:

·        ولئن اتسمت كثير من الدراسات المشابهة بالجانب العاطفي الحماسي البعيد عن الدراسة الموضوعية المتعمقة، أو ادعاء الموضوعية الباردة واصطناع الحيادية، فإن هذه الدراسة قد جمعت بين الموضوعية في الطرح، والمشاعر الوطنية الفياضة.

·        سيطرة الطبيعة البحثية على هذه الورقات؛ إذ قُدم العديد منها في مؤتمرات علمية، ونشرت في مجلات محكمة، وقد ظل السجال الفكري أو السياسي هو المسيطر على أبحاثها وموضوعاتها ابتداء من العنوان وانتهاء بالبحث الأخير، حيث إن النكبة والتهجير وتداعياتهما ما تزال سيدة الموقف.

·         ولأن الدعاية الصهونية لا زالت مستمرة فقد ركزت هذه الأوراق على تفنيد تلك الدعاية، ودحض مزاعم المؤرخين الإسرائيليين، القدامى والجدد، وقد حاولت متابعة تلك الحركة حتى أواخر القرن المنصرم، ولم تواكب ما نُشر بعدها من دراسات ولا ما أُفرج عنه من وثائق، سواء في الجانب الإسرائيلي أو الغربي وبالخصوص البريطاني، ما يفتح المجال واسعاً لمتابعة البحث في هذا الموضوع، وكذلك ما يتعلق بالأبعاد القانونية المتعلقة بالتهجير القسري وجرائم الحرب.

·        يستحق هذا الكتاب، في رأيي المتواضع، سواء في نسخته العربية أو الإنجليزية، أن يكون ضمن مقررات ومراجع مساقات: القضية الفلسطينية، واللاجئين، والتاريخ العربي المعاصر، والصهيونية، في مستوى البكالوريوس وما بعده، كما أنه لا يستغني عنه الباحثون في الشأن الفلسطيني، والناشطون السياسيون والعاملون في التوجيه المعنوي، الرسميون والحزبيون، سواء في التنظيمات أو وزارات الإعلام والخارجية، وقد لاحظت أن كُتاباً مرموقين وباحثين جادين ومستشارين رسميين، قد أفادوا من الكتاب ورجعوا إليه فيما كتبوا.

·        إن هذا الكتاب لم يحظ بما يستحقه من الاهتمام والانتشار، ربما لأن الكاتب غير محسوب على أي من التنظيمات أو الأحزاب في الساحة، ولم يكن جزءاً من المؤسسة الرسمية الفلسطينية، بالرغم من أن المؤلف سبق له وأن تراس جامعة فلسطينية، وعمل رئيساً لمركز الأبحاث في جامعة أخرى، وقاد خلال ذلك مشروع توثيق القرى المدمرة، إلا أن شهرة الدكتور كناعنة كمختص في الفلكلور والتراث الشعبي قد غلبت على ريادته في موضوع النكبة والتهجير وتوثيق القرى المدمرة، حيث إنه نال جائزة فلسطين للتراث الشعبي عام 1999، والتي تسلمها من الرئيس الراحل ياسر عرفات.

 

 


[*] كاتب فلسطيني، مقيم في رام الله.

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website