ثلاثية يوسف زيدان سرد روائي يدين ويؤرخ للحركات الإسلامية في مصر، زلفى شحرور، العدد 268

ثلاثية يوسف زيدان

سرد روائي يدين ويؤرخ للحركات الإسلامية في مصر

 

زلفى شحرور[*]

 

يقود يوسف زيدان في ثلاثيته الروائية ("محال" و"غوانتنامو" و"نور") ما بين السودان ومصر والإمارات وقطر وباكستان وأفغانستان، سيرة روائية سردية تمثل حقبة من تاريخ مصر والمنطقة، وتجيب عن حال مصر في ظلِّ حكم الإسلام السياسي، والظروف التي سمحت بتغلغله في حياة الناس البسطاء، وعلاقتهم بالاتجاهات المتطرفة منه.

بطل الثلاثية محمد السوداني، القادم من الخرطوم إلى أسوان للعمل كمرشد سياحي، يعيش حياة بسيطة بأحلام وردية، لا تقل في بساطتها عن سيرة حياته اليومية، التي كان يقضيها بين العمل والصيد على بحيرة سد أسوان في صعيد مصر، إلى حياة السياسي المعتقل عند الأميركان، والمسؤول عن المشاريع الخيرية لحمدون الغاب القائد السياسي والاقتصادي في حكم "الإخوان المسلمين" لمصر.

"الزول" في السودان، "سماره" في مصر، "أبو بلال" في أوزباكستان، "بريس" والسجين رقم 676 في أفغانستان وغوانتنامو، مسميات أطلقت عليه لتحمل كل تسمية حياة في واقع جديد يعيشه البطل، ولا يملك السيطرة ولا القدرة على التحكم به، ويبدو مثل القدر الذي لا مفر منه، يستجيب له دون أدنى فعل للمقاومة.

 تحكي هذه الأماكن علاقة سطحية جمعته بها وبالاتجاهات الدينية المتطرفة، لتتعمق وتتحول إلى علاقة تنظيم وعمل، مع "الإخوان المسلمين" فيما بعد، ناقلة تأثير الاتجاهات الدينية في مكونات المجتمع المصري وفي سياسات وتحالفات نُخَبِهِ الحاكمة.

مشاعر زيدان تجاه شخوص روايته تباينت وتغيرت، ففي البداية كان تعاطفه مع الزول كتعاطفه مع البسطاء من الفقراء، ونوعا ما في غوانتنامو، لأنه البسيط المغرر به، لكنه لم يخف موقفه المعادي له ولأفكاره وآرائه بعد إطلاق سراحه، الذي جرى بعد موافقته على التسوية التي أبرمها خاله حمدون الغاب، الإخواني صديق الأميركان، وصار يتحدث بلغتهم، لغة المصالح البعيدة عن المبادئ، فهو القاتل والضحية في آن.

ويؤخَذ على الكاتب بناؤه لشخصية بطله في كل مراحل حياته ببعض التكلف، وبصورة عقائدية جافة بدت أشبه ببيان حزبي، وكأنه لم يعش حياة طبيعية، بل حياة مصنعة، ليست من خياره إلا في رواية "محال"، حيث بعض التفاصيل والحكايا في أسوان، التي تشير لتفاعله مع محيطه، ومشاعره الإنسانية التي أبداها تجاه صديقه، وصاحب البيت الذي كان يعيش فيه، وهو ما أثر في لغة الثلاثية، هناك راوٍ لحكاية ببعض الحيادية، لا عن شخص يروي عن نفسه ومشاعره.

في الروايات الثلاث، لا يقلل الكاتب من صدق كل شخصياته، ولا يقلل من معاناتهم، دون إهمال لفعل الخارج والتأثير فيها، بين السودان وأوزباكستان وأفغانستان، وفي نهاية المطاف، سجن غوانتنامو، وفيها الكثير من السرد التخيلي الفلسفي.. عذاب المشاعر، عذاب الجسد، عذاب الاغتراب، عذاب الذهاب بجريرة الآخرين، وإصرار على الصمود وانهيارات البعض، وصراع لقيم حضارات الشرق مع الغرب (تمزيق القرآن الكريم، سالي) ونقل لبشاعة العولمة.. الاستعمار بمعناه الجديد.

طريق سمارة تتقاطع مع طريق بطلة ثلاثيته نورا، لترسم حكايتهم صورة بانورامية لحياة مصر ومستقبلها، الذي تصارعت عليه القوى العلمانية مع الإسلامية، دون نهاية محددة لخيارات البطلة التي ارتبطت بالقوّتين بعلاقات عمل وعشق.

في "محال" الظروف دفعت البطل ودون وعي منه لقلب الاتجاهات الدينية من علاقة والد البطل بزعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن عند إقامته في السودان في تسعينات القرن الماضي، رغم إيمانه وبقائه وفيا لأفكار الشيخ نقطة الصوفي الذي تتلمذ على يديه، وهي ذات التربة الخصبة التي نمت فيها الاتجاهات الدينية، وتمكنت الاتجاهات الدينية بسبب الفقر والجوع من استغلالها.

بريس صمد وتحمل عذاب السجن عندما كان إيمانه خالصاً لله، ومتصالحاً مع ذاته وأفكاره، وهو الزاد الذي مدّه بالصبر والقوة على تحمل عذاب السجن، وتمكن من تحقيق ذلك عندما فصل روحه عن جسده وحلق بها بعيدا عن المكان وعن عذاب الجسد.

بينما تبنى زيدان في تعاطفه مع بطلته نورا حبيبة سماره وأم ابنته نور تماما، حمّلها مواقفه من الاتجاهات الدينية، وحاكم عهداً وتاريخاً طويلاً من "حكم العسكر" في مصر الذي مثّله الضباط الأحرار، الذين أمموا ممتلكات كبار التجار والإقطاع لصالح الفقراء، ولصالح شراء ذممهم، وقاموا بترييف المدن (نسبة للريف)، ومعهم انتشرت الشعبوية، ومن ثم العشوائيات التي قضت على كل معالم الجمال في الإسكندرية، وشوهت الإنسان والعمران فيها كما يرى الكاتب.

رواية نور بخلاف "محال" وغوانتنامو فيها الكثير من الحياة والدراما والتشويق، فيها شخصيات تتطور، ترتبط بعلاقات ووشائج من الحب والتاريخ المشترك، والكثير من التفاصيل، تعكس حياة عامرة وغنية بتفاصيلها، وكذا تأثير الأمكنة على أصحابها، بينما في "“محال”" و"غوانتنامو" تبدو العلاقات مبتورة غير مترابطة، ولا تتطور؛ إذ سرعان ما تنتهي ولا تترك أثراً، إلا بتحولها لذكرى أو غصة في القلب، وكأن بروز الاتجاهات الدينية في حياة مصر وأهلها عابرة وطارئة ولا تتطور، وهو ما حاول الكاتب رسمه من خلال التأريخ له بمراحل مرَّ فيها بطل الرواية، وهي تواريخ قريبة جداً من الواقع.

أول بدايات التشويق في حياة البطل، وأجمل لحظاته كانت بلقائه نورا في رحلة لجامعة الإسكندرية، وهو يروي بذلك حكاية مكان ودول، فعل فيه التطرف فعله، وهو ما غيّر حياة بطل الرواية، ودفعها في متاهات جديدة ما كانت تخطر لصاحبها ببال حتى في كوابيسه.

 بعد فقدان الزول عمله في أسوان، بسبب التفجيرات التي طالت الأماكن السياحية فيها، وتراجع هذا القطاع، وملاحقته من أجهزة الأمن بسبب علاقة والده وزميل له بـ(بن لادن)، وعودته إلى العاصمة السودانية، الخرطوم، من جديد وانقطاع أخبار حبيبته، ومن ثم زواجها، أصابته حالة نفسية سيئة دفعت عائلته لتشجيعه وترتيب عمل له في دولة الإمارات العربية، كموزع للألبان بتوصية من بن لادن.

لكن سرعان ما تم تغيير مكان عمله، ليصير مسؤولا لفرع الشركة في طشقند، وقام فواز السوري الإخواني (الفار من بلده بعد أحداث مدينة حماة) بترتيب حياته، زواجه من مهيرة قريبة زوجة فواز، ليعيش حياته متنقلا بين الأمارات وطشقند، مهامه نقل الأموال إلى الفقراء والمجاهدين حتى وفاة صاحب الشركة، ويتعرف على التباينات بين الاتجاهات التي تحكم أفغانستان حينها، صراع مسعود شاه مع زعيم حركة طالبان الملا عمر، التي لا يقيم لها بالا.

سارت حياته لسنوات قليلة على هذا المنوال، لا هموم حياتية له سوى فكرة الإنجاب التي لم تتحقق، وشكوكه بأن ابنة حبيبته من صلبه هو الشك الذي زرعته في داخله أمّولة صديقتها.

انتهت علاقته بالشركة بموت صاحبها، لكن فواز أعاد ترتيب حياة أبو بلال من جديد، فأوصى به لقناة "الجزيرة" القطرية، للعمل مصوراً صحافياً وهو الدارس لعلم الاجتماع، ليجد نفسه في أفغانستان لحظة انهيار حكم الملا عمر وهزيمة القاعدة وطالبان فيها، ويقع أسيراً بيد الأميركان بسبب تشابه الأسماء، وينقل إلى معتقل غوانتنامو لتكتمل فصول مأساة حياته.

جاءه الفرج بعد نحو ثلاث سنوات من الحبس الانفرادي حيث انتقل إلى السجن الجماعي، وهناك تحول إلى قائد يفاوض باسم زملائه المعتقلين، وتعرّف على الأفكار والمفاهيم التي يؤمن بها المتدينون من العرب الأفغان، وشطحاتهم الفقهية وصراعاتهم المذهبية التي دفعت السجناء إلى الحياة في عزلة تامة عن رفاقهم، وموافقته على صفقة إطلاق سراحه بتخلّيهِ عن المطالبة بحقه في الحبس الخطأ، ومعرفته بزواج مهيرة وفرارها من حارس الأمن العامل في قناة "الجزيرة"، ومرحلة تحضيره لإطلاق سراحه.

ثلاثية زيدان مجّدت بمعنى ما المقاومة الذاتية الفردية ومكانة القيم، واستعارة مفاهيم الصوفيين في "“محال”" بتقديسها وتعظيمها لفكرة جعل الإيمان والدفاع عن الدين والدعوة له خالصا لله، وهي فكرة كانت تلح بقوة على الكاتب، وإن جعلت رواية النص ثقيلة على القارئ، ما أضعف الجانب الدرامي في الرواية.

في حين قوّت فكرة المقاومة هذا الجانب في نور. فبطلة الرواية نورا خنعت لظروفها في البداية، لكنها عادت واستجمعت قواها مع أول مساعدة ودعم لها، قاومت الظروف وتغلبت عليها، استعادت حياتها وعادت لتكوينها كيفما تحب، وبسبب حريتها وخوفها عليها عاشت صراعاً مع قلبها وحبِّها للمهندس أشرف.

 زيدان أبدع وتفنن في وصف حياة الناس البسطاء بكل تفاصيلها؛ مشاعرها، همومها الحياتية والاقتصادية، غياب اليقين في المستقبل، التي حولت الكثير منهم إلى متدينين بحثاً عن الرضا الحياتي وأملاً في الجنّة، وفئة من الفاسدين والمتنفذين التي تعمل على شق طريقها بغض النظر عن النخب الحاكمة، وبقية من الفئة المتوسطة صاحبة المبادئ التي تصارع للبقاء، فمنها من ينكسر ومنها من يهاجر.

الرواية تنقل الصراع إلى مصر، صراع الأفكار، صراع المال والفساد، من رجل الأعمال، إلى المتديّن، إلى المثقف، إلى المتعلم، إلى الشخص البسيط، إلى العاهرات؛ كل يحاول أن يخلق "مصر" على شاكلته، ومصر تذهب طوراً مع كلّ طرف، لكنّها تظل عصية على الجميع.

 في نور، أحب زيدان شخصيات روايته، طورها بمهارة عالية، تابع تفاصيلها، ربطها بدقة متناهية، لكنه تعاطف مع نورا، وكأنها أحد أبنائه الحقيقيين، مثلت الفقراء في بساطتهم وصدقهم وضعفهم وعدم قدرتهم في السيطرة على مقاليد أمورهم، والاستسلام، ولو إلى حين لقدرها، لأنها جزء من بنيان المجتمع المصري الذي يعرفه بتفاصيله الدقيقة.

الثلاثية ثرية بفلسفة الفقراء والكادحين والمسحوقين وطرق تحايلهم على الحياة التي تحولهم إلى جلادين ومعذَّبين في نفس الوقت، يمثلهم محمد ونورا وزوجة أبيها عزة وأمولة وخالتها توحة.

في رواية نور، عودة جديدة إلى حي كرموز في الإسكندرية، لتتبع حياة البطلة، بعد زواجها من ضابط المخابرات الليبي مفتاح، تحت ضغط حاجة والدها للعلاج من فشل كلوي، وخالتها توحة التي أمّنت لها الحضن الحامي لابنتها "نورا"، وصديقتها "أمّولة" التي خذلتها الحياة في بداية حياتها، بتعرضها للاغتصاب، والعذاب الذي عاشته لأنها لم تتمكن من التصالح مع ذاتها وشعورها المهيمن بالذنب، وانهيارها أخلاقيا كنوع من عقاب الجسد، إذ تهجر عائلتها وصديقتها، وتأثيرات هذه الشخصيات في حكاية بطلة الرواية وتكوينها.

ومع تأثير هذه الشخصيات، كان تأثير صديقتها "ياسمين" من أيام الجامعة التي نقلتها إلى عالم جديد، أطلت من خلاله على عالم الفئة المتوسطة اقتصادياً واجتماعياً واندمجت فيه، ووجدت ذاتها فيه. فوالد ياسمين المهندس يحيى وظّفها مديرة لمكتبه براتب جيد، مكّنها من رسم حياتها من جديد.

وسلّط زيدان في ثلاثيته الضوء على قضايا التمييز ضد النساء من خلال أفكار بطلة الرواية التي ترى غياب العدل مع حضور التمييز على أساس الجنس، وتحررها من حجابها في عالمها الجديد وكأنه تحرر من بيئة وأفكار ومنهج وطريقة حياة، وبعث جديد في استعادة حياتها.

نورا غادرت الحي الشعبي كرموز، وعادت لإكمال رسالة الماجستير، واغرمت بشغف بالمهندس أشرف، شريك مديرها في العمل وترددت بالزواج منه خوفاً من أن تخسر حريتها، متذرعة برغبتها بإنهاء رسالة الدكتوراه.

 أشرف الفاقد الثقة بالنساء يملّ حججها، ويسافر إلى إيطاليا ويقرر الاستقرار فيها بعد حصوله على الجنسية هناك، ويخيّرها بين السفر معه أو قطع العلاقة، تتردد في اتخاذ قرارها ويظهر حبيبها سماره في حياتها من جديد، ويطالبها بالزواج وتسجيل ابنته بأوراقه الثبوتية.

في هذه العلاقة فصّل الكاتب في الكثير من القضايا، الفن، الفلسفة، التاريخ، الآثار، وعالم العمارة في مدينة الإسكندرية الذي صممه أوروبيون، عاشوا في مصر وكأنهم في بلدهم، يعشقونها كأبنائها.

كما فصّل في الحب والعشق والفرح والشعور بالكمال والرضا والصدق الحقيقي في المشاعر، وكأنه يقول إن هذه العلاقة هي العلاقة الحقيقية التي تستحقها بطلة الرواية، مصر. لكن الحياة لا تعطي الشخص كل ما يشتهيه، وتقف لها خياراته أحياناً بالمرصاد، وتنزع منه فرحه، وتجعله يقف على مفترق طرق.

هكذا حوّل الكاتب حياة الناس البسيطة بضعفها وقوتها وإيمانها إلى رواية أراد القول فيها إن مساراً رسم في المنطقة، أدى فيه المتدينون البسطاء أدواراً مرغمين عليها، لأنهم وُضعوا في مسار ما كان لهم فيه خيارات أخرى، سوى الانسجام والسير فيه خاصة وأن الرواية أرّخت لبعض الأحداث.

الروايات الثلاث صدرت عن دار الشروق للنشر، وكانت أولاها "محال" في العام 2012، وتبعتها "غوانتنامو" في العام 2014، لتنتهي بـ"نور" الصادرة في العام 2016.


[*]كاتبة وإعلامية.

 

الملفات المرفقة

زلفى.doc
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website