الصورة في الأدب الطفلي الفلسطيني، عماد موسى، العدد 268

الصورة في الأدب الطفلي الفلسطيني

عماد موسى[*]

 

الصورة هي الشكل أو الرسم أو الهيئة التي ندركها بحاسة البصر ولها تمثل عياني، مثل كائن بشري، أو حيواني أو نباتي أو خرافي، أو أسطوري يدرك بالحواس، أو شكل لفكرة تدرك بالوعي المبني على التجربة اللغوية التجريدية، فالصورة تعبر عن شيء ما له أبعاد وظلال وضياء، والصورة قد تكون لشيء ما تصدر منه رائحة، أو يصدر عنه صوت، وقد تكون تصويراً لشيء أملس ناعم أو ناتئ، خشن، أو لشيء حامض أو مز أو حلو أو مر، طرياً أو ليناً، صلباً أو مرناً أو قاسياً، أو جافاً، أو رطباً، وكلها مرتبطة بالحاسة البصرية، لأن الصورة تدرك بالبصر أي أساسها بصري، وإن كانت تدرك باللمس أو الشم أو السمع فأصل الصورة بصري، لذلك نجد أن اللغة رسمت صورة للشم وربطته بالمادة العيانية التي تصدر منها الرائحة، فنقول رائحة الورد، رائحة الياسمين، رائحة الجيفة، وهكذا. والأصوات هي الأخرى مرتبطة بالشيء الذي تصدر عنه، مثل قولنا: تغريد العصفور، وحداء الإبل، ونزيب الغزال، وفحيح الأفعى، وعواء الذئب وصهيل الخيل.. الخ. كذلك الأمر بالنسبة لحاسة الذوق، فنقول: طعم البرتقال وطعم الليمون وطعم الجوافا، ونقول: مالح حلو "مز". فاللغة تعمل على خلق صور لما تستشعره الحواس، إلا أن مرجعيتها ومكونها الرئيس هو المادة البصرية. وفي السرد يشتغل السارد على اللغة بحيث تتمكن من صياغة صورة ما لتعبر عن موقف أو تنقل إحساساً عن اللحظة الوجدانية، وتكون قادرة على استيعاب اللحظة، وإخراجها بصورة أدبية، بحيث يمكننا تمثلها واسترجاعها، بما يحدث الاسترجاع والتمثل من تأثير فينا فنتفاعل معها، ونعيش التجربة ذاتها. فالسارد يحاول من خلال اللغة تقديم صور جزئية عن الأمكنة، وعن الأشخاص وعن الطبيعة وعن الكائنات وعن الصراعات في نسيج لغوي قادر على تشكيل صورة كلية للفضاء المكاني وشخصياته وزمنه السردي. من هنا، يأتي الاختلاف بين الصورة الأدبية في السرد والصورة الشعرية، أو الفنية "في الشعر"، ففي السرد هناك تكنيك الوصف وهناك تكنيك العمل السردي الذي يعطي السارد مساحة واسعة لاستعمال اللغة والاشتغال عليها.

فلسفة الصورة: بعد استعراضنا لمكوّن الصورة البصري للصور الصادرة والمعبرة عن الحواس الأخرى، نستعين بالسؤال المعرفي الكبير، لماذا يلجأ السارد إلى التصوير؟ وماذا يريد أن ينقل لنا؟ وماذا يريد منا أن نرى أو نبصر ببصيرتنا وعيوننا؟

نرى أن السارد يريد من تشكيل صوره السردية أن ينقل لنا شيئا يعتقد أننا لم نتمكن من معرفته، شيئا كنا نراه ونلمسه، ونشمه، يومياً. ولكننا لم نتمكن من التفاعل مع هذه الصور أو تفاعلنا لحظيا بدليل ضعف تأثرنا بالتجارب المتكررة وهذا ما يميز الفنان، الأديب، الشاعر، الرسام" عن العامة "المتلقين"، لذلك يمتاز عن المتلقين بقدرته على نقل التجربة في صورة جمالية ليضع فيها محمولات دلالية جديدة. لأننا اخفقنا في رؤية الصور السالفة الذكر من جوانب جمالية متعددة من هنا، أراد أن يكشف لنا عن معان أغفلناها، ولا يمكن أن تتحقق هذه المعاني، ولا يمكن لها أن تتشكل إلا من خلال الصور الجديدة في السياقات السردية للعمل السردي، وهذا ما يمنحها صفة الإبداع والجمال المصحوب بالتأثير والتفاعل.

لذلك، تعددت مفاهيم الصورة وتعريفاتها، وتنوعت محدداتها، وأنماطها، وأشكالها، واتجاهات دراستها، وقد حصر الدارسون هذه الاتجاهات، على النحو التالي:

1- حصر الصورة في الأشكال البلاغية: تشبيه، واستعارة، ومجاز وكناية... .

2- حصر الصورة في كل الأشكال التعبيرية، علم البيان والبديع والمعاني والعروض والسرد، 

3- التوسع في مفهوم الصورة: الصورة الذهنية، والبصرية، والصورة الثقافية، والتاريخية.

تعريف الصورة السردية

تمضي الدراسات النقدية في سيرورتها، وتعمل على وضع أساليب لدراسة النص الأدبي بأجناسه المختلفة، وقد تطور المصطلح النقدي، وفقا لاحتياجات الدراسة. وطبيعتها، فتم استعمال الصورة مصطلحا نقديا والتي يعرفها الدارسون والنقاد للأدب، بأنها "بنية لغوية متناسقة مشحونة بالعاطفة والخيال، تعمل على تحويل المعاني، والأفكار إلى صور حسية، ومتخيلة حيث تعبر عن أحاسيس الشاعر، وتنقلها إلى المتلقي، فتثير انفعاله، وتحرك مخيلته، وتدفعه إلى الاستجابة،  والمشاركة الوجدانية."{C}[1]{C}

إذن، ولما كانت الصورة تشكيلاً لغوياً، كانت، أيضاً، "الصورة في الأدب هي الصوغ اللساني  المخصوص الذي بواسطته يجري تمثيل المعاني تمثيلا جديدا ومبتكرا"{C}[2]{C} وذلك لأن "الصورة تتولد من توليف جديد للكلمات، وليس فقط من اختيار معين لها".{C}[3]{C}

ويؤكد سي دي لويس على ذلك فيقول: إن "الصورة رسم قوامه الكلمات، إن الوصف والمجاز والتشبيه، يمكن أن يخلق صورة، أو أن الصورة يمكن أن تقدم إلينا، في عبارة أو جملة، يغلب عليها الوصف المحض.. إن الطابع الأعم للصورة هو كونها مرئية، وكثير من الصور التي تبدو غير حسية، لها مع ذلك في الحقيقة ترابط مرئي باهت ملتصق بها".{C}[4]{C}

نلاحظ أن الصورة الأدبية قوامها التشكيل البصري الذي يمكن للمخيلة البصرية استرجاعه أو إعادة تمثله،  ولهذا يمكننا القول: إن "الصورة ليست تسجيلاً فوتوغرافياً للأشياء، إلا أننا نجد في الصورة ربطاً بين عوالم الحس المختلفة".{C}[5]{C}

نلاحظ أن التعريفات السابقة قد أجمعت على أن الصورة الأدبية أو الصورة السردية أو الصورة الروائية هي تشكيل لغوي، أي أن مجال اشتغالها هو اللغة؛ لذلك هي اختيار للكلمات لتكون قادرة على حمل المعاني والمشاعر والأفكار بحيث يتمثلها المتلقي في مخيلته ويستحضرها بسهولة، فتصله الرسالة المحمولة في الصورة السردية أو الروائية، وهذا هدف أي صورة تحمل رسالة، والتي تستدعي أن توصل مضمونها إلى المتلقي، سواء أكان جمالياً أم دلالياً.

من هنا، فإن التصوير الأدبي يقوم على "عملية ضبط للوجود الظاهر، والوجود الباطن، وجعل هذه العوالم تدرك بالحس، والحدس،  والعقل والرؤيا".{C}[6]{C}

وقد أضاف الدكتور علي البطل إلى المحسوس البصري عناصر أخرى تدرك حسياً بباقي الحواس وأهمها ما هو خارج دائرة الإدراك الحسي وهو (الحدس والعقل، والرؤيا) أي يمكن أن تتشكل الصورة من توليفة فكرية أو عقلية مجردة، أو تشتم منها رائحة الفلسفة، أو أن تتضافر العناصر البلاغية لتشكل رؤيا تعبر عن موقف ما، وهذا ما يعطي أهمية خاصة "للحافز والقيمة، لأن كل صورة فنية تنشأ بدافع وتؤدي إلى قيمة"{C}[7]{C} وإن ذلك يرجع لكون "الأدب يعتمد على الصور البلاغية، لكنه، يعتمد أيضاً على البنيات الأوسع، أي على الأنواع/الأجناس الأدبية".{C}[8]{C}

ولما كانت دراستنا تتعلق بالصورة في الأدب الطفلي، فإن "الصورة لا تعني ذلك التركيب المفرد الذي يمثله تشبيه أو كناية أو استعارة فقط، لكنها أيضا، تعني ذلك البناء الواسع الذي تتحرك فيه مجموعة الصور المفردة بعلاقاتها المتعددة حتى تصير متشابكة الحلقات والأجزاء، بخيوط دقيقة مضموم بعضها إلى بعض".{C}[9]{C}

ومن الملاحظ، أن تعريفات الصورة تعددت وفقا للتعدد في الأجناس الأدبية، فهناك مصطلح "الصورة الشعرية، الصورة الأدبية، الصورة الفنية، الصورة السردية"، إلا أنها جميعا احتوت على ملفوظ الصورة كمحدد أساسي لهوية المصطلح ومن ثم أضيف لها ملفوظ آخر للاختصاص وللإبانة.

وهنا نتساءل، كيف يمكن للكاتب أن يصنع صوره السردية؟ وكيف يؤثث الكاتب مصطلح الصورة بصور متعددة جزئية أو كلية من مكونات فكرية واجتماعية ونفسية؟

1- قصة "تعال العب معي"{C}[10]{C}:

 الصورة الكلية تبدأ برسم نفسها عبر العنوان "تعال العب معي"، 

وهي صورة مكونة من شخصين، قد يكونان ولداً وبنتاً، أو بنتاً وأباً، أو بنتاً وأخاً، وتركت الصورة العنوان للتخييل، وما أن يلج القارئ/ة إلى المتن الحكائي حتى يكتشف أن قطبي الصورة هما،  الولد وأبوه، والصورة تصبح مكررة بهدف التعليم فليس كل وقت للعب. وتوضح اللغة الحوارية الغرض من الصورة وهو إبراز عوامل عدم القدرة على اللعب: اعتذر الأب عن اللعب إنني مشغول" ليس الآن، إنني تعبان، وليس الآن"، إنني جوعان، ليس الآن، إنني نعسان، وتتبع الساردة أسلوب تبادل المواقع في الصورة، الأب: "تعال العب معي". الابن: "ليس الآن. إنني تعبان". الأب: "تعال العب معي" يجيب الطفل: "غداً سنلعب"، "نمت في السرير وبدأت في الشخير أجبته غداً سنلعب. وهذا بهدف تعليم الأطفال تقبل الأعذار.

2- العنوان من كلمتين: قصة "سوا سوا"[11]

فالصورة الكلية ترسمها الكاتبة من العنوان، بكلمة مكررة: وهي "سوا" للتأكيد على اللعب الجماعي للأطفال دون أن يوضح العنوان من هم الأطفال، هل هم من الذكور أم من الإناث، فهي تؤكد على أهمية اللعب لكلا الجنسين دون تمييز، وهذا ما ستقدمه الساردة في المتن الحكائي،   بحيث تبرز الصور الجزئية اللاحقة الصور الاجتماعية والتربوية النمطية، وصورة الحوار تكشف لنا عن التردد النفسي والاجتماعي لفكرة اللعب الجماعي ذكورا وإناثا.

فالعنوان" مكون من مفردة مكررة، وهي كلمة تداولية نستخدمها كثيرا في حياتنا الاجتماعية ونكررها كثيراً، وندرك معناها، لأننا نستعملها باستمرار. فنقول: العبوا "سوا سوا". وعندما يختلف الأطفال مع بعضهم: نقول لهم العبوا سوا سوا. وبالمثل، عندما يختلف الأطفال الذكور مع الإناث، نقول للجميع: "العبو سوا".

فكلمة "سوا" تشكل ما سبق وذكرنا آنفاً صورة كلية تحمل دلالات ثرية، كالمساواة بين الجنسين،  لذا استعملتْها الكاتبة للتأكيد على هذا الحق في اللعب، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، تكشف الصورة الكلية للمتلقين/ات، أن هذا الحق مكفول للإناث والذكور، كما تكشف أيضاً، من خلال الحوار، بين شخصيات القصة، أن هناك اتجاهاً اجتماعياً تشرّبه الأطفال. فهم يرون في لعب الأطفال الذكور مع الإناث عيباً، ويمس الاعتداد بذكوريتهم، وأن مكان الذكور خارج البيت، هذا ما تكشفه صورة الحوار بين فارس وأترابه من الأطفال، وهي صورة بصرية واجتماعية ونفسية، لما تحمله من دلالات منبعثة من الجهاز التربوي والاجتماعي الموروث.

ويظهر ذلك جليا من استهزاء الأطفال من فارس حين يقول: "أريد أن أعود إلى البيت"، وصورة السخرية تظهرها للمتلقي/ة، الساردة بقولها: ضحك سامي، وقال: "الصبيان يمكنهم البقاء خارج البيت" فاللغة التي تصوغها الساردة توضح بجلاء ما غرز في وعي الأطفال الذكور، فمكانهم خارج البيت،  والبنات مكانهن داخل البيت، وهذا التقسيم مستمد من الثقافة الاجتماعية الموروثة.

من ثم تتكئ الساردة على الصور الجزئية،  لتضع بين أيدينا، نحن المتلقين/ات ملامح  تفكيرهم القائمة على التمييز ضد الأنثى، حيث تعمل الصورة الجزئية على تظهيرها، قال رامي: "لا تقل لي إنك تساعد في أعمال البيت." ضحك أشرف، وقال: "البنات فقط يعملن في البيت". وهكذا يدور الحوار، وتشكل الساردة من الصور الجزئية مكونات الصورة الكلية الاجتماعية والثقافية. أيضاً حين يقول فارس: "سوف أذهب لألعب مع ابنة عمتي أمجاد". يسخر منه سامي قائلاً: "تلعب مع البنات!". وهنا نرى موقفين متضادين، مما يشي بالتحول التدريجي لموقف فارس الإيجابي من اللعب مع البنات.

فالصورة تشير سيمياؤها إلى أنها أصبحت منغرسة في التنظيم الوجداني للأطفال الذكور، وفي وعيهم، وهذه الصورة المركبة من موقفين تتحول تدريجياً إلى صورة تمييزية، أي صورة فكرية لشكل من أشكال التمييز بين الإناث والذكور استنادا إلى مرجعياتهم الصورية الموروثة من الجهاز التربوي، البيت والمدرسة والشارع، والمجتمع المحيط. لهذا عبّر الأطفال عن الصورة الفكرية التمييزية بصورة ساخرة وهي "الضحك". وتوظف الساردة صوراً موقفية فكرية، مثل صورة التمييز بين الذكور والإناث، حيث بدأت هذه الصورة التمييزية تنسرب إلى عقل فارس ووجدانه، إلّا أن الساردة تقدم صورة ذهنية لشخصية فارس. فتدفعه للتوقف لإعمال ذهنه، "فكر فارس لماذا يجب أن لا ألعب مع البنات. لم يخطر ببالي أن هناك أعمالاً للبنات لا يقوم بها الأولاد". فالصورة هنا تكشف لنا عن أهمية إعمال الذهن عبر إعادة النظر في الصور السابقة، صورة الطفل الذكر الذي يرفض فكرة اللعب مع البنات والصورة النقيض التي تعيش صراعاً، وتحاول أن تمضي في اللعب مع البنات، وتحمل الصورة إمكانات التحول الذهني والسلوكي والاجتماعي مع إمكانية تطوير القدرات والأدوات الحسية، ورفع مستوى الخبرات الاجتماعية القائمة على عدم التمييز والتي يمتلكها الأطفال، وهي تعد أساسية في تشكيل النظم الاجتماعية وإعادة النظر في الموروث.

فالساردة عمدت إلى إظهار صورة التحول الفكرية التي طرأت على شخصية فارس، وتبدأ صورة التحول عبر صورة العلاقة مع الأم، حيث تكشف الساردة، بجلاء، من خلال اللغة المشكلة للصورة قائلة: كان "يساعد أمه بأعمال المنزل، لكن أصحابه قد أوحوا، له بفكرة جديدة دفعته إلى "التصرف بطريقة مختلفة". فالصورة الذهنية تحمل التضاد، تظهرها علامات الجمل، ونقرأ صورة التضاد النفسي من لغة الساردة: حيث تقول "توجه فارس إلى غرفة الجلوس، وقال بصوت عال، "أريد أن آكل هنا"، ثم دفع الطبق وقال بصوت آمر أعيديه إلى المطبخ". "أنا لن أعيده إلى المطبخ أتظنيني بنتا". فالصورة تكشف عن الصراع النفسي والاجتماعي بين القبول والرفض لفكرة اللعب مع البنات والتي انعكست على علاقته بأمه.

وتبرز الفكرة التمييزية على أساس الجنس في صورة صراع نفسي، حيث بدأ التغيير يخترق أفكاره ويغير من نظرته، ومن طريقة تعامله مع أمه، وأخذ يحدد وظيفة البنت على أساس الطبخ والنظافة وخدمة الصبي الذكر، وصورة الصراع النفسي تكشفها لغة الساردة بجلاء حيث تقول: تمتم فارس: "هذا عمل البنات".لا تنتهي الصورة الصراعية النفسية إذ تدفع الساردة فارس للبوح،  في مونولوج داخلي "أنا لا أريد أن ألعب مع البنات، حتى لو كانت البنت هي أمجاد ابنة عمتي". ومن ثم تدفع  الساردة الشخصية إلى اتخاذ موقف علني مما يكشف صورة التحدي المستمدة من الصورة الأبوية الذكورية الموروثة.

لذلك يعلن بصوت عال، وآمر، "أعيديه إلى المطبخ"، فارتفاع حدة الصوت تشير إلى التحول في السلوك، فهو يفكر بصورة شخصية السيد الذكر الذي يصدر الأوامر، وما على الكل الأنثوي سوى الاستجابة، مصحوبة بالسمع والطاعة. لذا يرفض فارس طلب أمه قائلاً: "أنا لن أعيد الأطباق".

فالساردة حرصت على إبراز صورة التنشئة الاجتماعية العازلة التي يتعرض لها الفتيان والفتيات، وهذه الصورة التنشئوية العازلة، هي التي ترسخ علاقات التمييز. من هنا عملت الساردة على زحزحة الصورة التمييزية عبر استحضار صورة الأب الذي يعطي نموذجاً غير تقليدي للرجل حين يقول: "... سوف أحضر السلطة" مما جعل هذه الصورة الموقف تؤثر على شخصية فارس ليعيد التفكير في موقفه من البنات: "إذا كان العمل عيباً للصبيان فلماذا يحضر أبي السلطة" وتترك الساردة لشخصية فارس مساحة للتفكير: "أبي يعمل في المطبخ، وهو رجل، لكن لا يبدو عليه أنه مكترث، ربما المساعدة في المطبخ ليست مشكلة"، فاللغة هنا جاءت سلسة لإخراج فارس من صراعه النفسي، إلا أنه يبقى متوجساً ينظر إلى الباب: "ماذا لو رآني واحد من أصدقائي." وهذا يؤكد على هيمنة الصورة الاجتماعية النمطية على شخصية فارس.

إن صورة الصراع النفسي تبدأ بالانزياح التدريجي لموقف فارس. وتكشف لنا صورة الأب عن  دوره الإيجابي في هذا الانزياح، من أجل إعادته إلى سابق عهده فيقول الأب: "وما الخطأ في أن تحضر الطعام"، إلا أن صورة الصراع النفسي التي يعيشها فارس، تأخذ بالتلاشي، وتكشفها الساردة من خلال  اللغة النفسية "تمتم "فارس"، هذا عمل البنات".

غير أن صورة الأب تشكل حضوراً من خلال سلطته الأبوية الإيجابية، فيقول مازحاً: "ربما نحتاج إلى أن ننجب بنتاً كي تقوم بأعمال البيت، نيابة عنا"!. لكن الصراع يبقى هو المهيمن داخل فارس انطلاقا من الثقافة الذكورية. 

وتبدأ الصورة الموقف بالتلاشي حيث تعيد الساردة ميزان العقل لفارس "فكر فارس". "فعندما وصل "وجد أمجاد تعمل مع أبيها". وتوظف الساردة الصورة الظرفية، "بدأ كل منهما برش الآخر بالماء". نسي فارس قراره، ولم يعد قادراً على إخفاء سروره، حتى أبوه، سمع ضحكته. "ضحك أبوه وقال: "ألا تخاف أن يراك أحد؟" "ضحك فارس قائلاً: "ليس بعد اليوم". فالصورة الأخيرة تحمل دلالات المرح والسعادة وتحمل أيضا دلالات التحول النفسي واستعادة فارس لتوازنه. وهكذا تمكنتْ الساردة من الصور الجزئية النفسية والاجتماعية من تحميلها للعنوان الصورة الكلية، وأما الصورة الذهنية التي يمكننا أن نشكلها من خلال قراءة القصة، فهي صورة الموقف الاجتماعي المتمأسسة في الثقافة الجندرية، والتي جاءت منسجمة مع توجهات الكاتبة في المساواة الجندرية، والتي أظهرت فيها صورة الأب الذي يلعب دوراً في إصلاح الخلل التفكيري التمييزي ضد الإناث.

"سوا سوا"، كلمة مكررة ذات حمولات سيميائية مكثفة منها ما له دوال إيجابية ومنها ما له دوال سلبية، فالإيجابية تعني الدعوة إلى اللعب الجماعي دون تحديد الكلمة مع من يكون اللعب؟ البنات مع البنات أو الصبيان مع الصبيان أو دعوة للعب المختلط والمشترك "صبيان وبنات"، فالكاتبة لم تذكر كلمة "سوا" في المتن الحكائي كي تدفعنا لاكتشاف الصور الجزئية، "سوا نلعب، سوا نطبخ، سوا نزرع، سوا نحتفل....الخ. فالصورة الكلية التي رسمتها الكاتبة باستعمال ملفوظ "سوا" دفعتنا إلى دراسة الممكنات في الصور الجزئية، والتي لا يحتاج تأويلها إلى جهد، فهي صور لمواقف وحوار لغوي يكشف عن المواقف. عبر قيامنا بتصنيف الصورة ودلالاتها في الذهن.

 

 

 

الهوامش:


[*] باحث مقيم في رام الله.


[1] الربيعي، أحمد حاجم، صورة الرجل في شعر المرأة الاندلسية، ط، 1، دار غيداء، عمان، 2011، ص181.

[2] د. بشرى صالح، الصورة الشعرية في النقد العربي الحديث، المركز الثقافي العربي –بيروت، ط1، 1994،  ص3.

[3] تزفيتان تودوروف، الأدب والدلالة، ترجمة الدكتور محمد نديم خشفة، مركز الإنماء الحضاري، بيروت، ط1،  1996، ص96.

[4]سي دي لويس، الصورة الشعرية، ترجمة أحمد نصيف الجنابي وآخرين، دار الرشيد، العراق، ط1، 1982،  ص 21.  

[5]د. علي البطل، الصورة في الشعر العربي حتى نهاية القرن الثاني للهجرة، دراسة في أصولها وأطوارها، دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع، ط1، 1983، ص31-32. 

[6]ساسين سيمون عساف، الصورة ونماذجها في إبداع أبي نواس، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، لبنان، ط1، 1982، ص20.

[7]د. عبد القادر الرباعي، الصورة الفنية في شعر أبي تمام، المؤسسة العربية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت ط1، 1999، ص61.

[8]جوناثان كلر، مدخل إلى النظرية الأدبية، ترجمة: مصطفى بيومي عبد السلام، المجلس الأعلى للثقافة، ط1، 2003، ص102.

[9]مصدر سبق ذكره، د. عبد القادر الرباعي، ص10.

[10]صفاء عمير، تعال العب معي، مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي.

[11] روز شوملي، سوا سوا، مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي. رام الله، 2003. 

الملفات المرفقة

عماد موسى نهائي (1) (1).doc
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website