مشكلة البطالة في المجتمع الفلسطيني رؤية اقتصادية سياسية اجتماعية، زكريا السرهد، العدد268مشكلة البطالة في المجتمع الفلسطيني رؤية اقتصادية سياسية اجتماعية زكريا السرهد البطالة من أكبر المشكلات الاجتماعية التي تواجه المجتمعات البشرية. وفي الآونة الأخيرة أص

مشكلة البطالة في المجتمع الفلسطيني

رؤية اقتصادية سياسية اجتماعية

زكريا السرهد[*]

 

البطالة من أكبر المشكلات الاجتماعية التي تواجه المجتمعات البشرية. وفي الآونة الأخيرة أصبحت البطالة مصاحبة لما بات يعرف بالأزمة المالية العالمية، وأخذت تظهر مؤشرات البطالة القياسية الضحية الأولى لهذه الأزمة.

وبعيداً عن الأزمة المالية العالمية، البطالة من المشكلات الرئيسة التي تواجه المجتمع الفلسطيني، والتي تغذيها حالة عدم الاستقرار السياسي، وضبابية أية حلول سياسية في المستقبل، وما يصاحب ذلك من ركود اقتصادي وتراجع في الاستثمار وإحداث نمو اقتصادي قادر على تلبية الحاجة السنوية المتزايدة لفرص العمل.

ولأهمية موضوع البطالة ارتأينا إجراء هذه الدراسة بغرض التعرف على مفهوم البطالة كما يتمثلها الآخرون، وليس وفق ما يطرح في الأدبيات الاقتصادية البحتة، والتعرف على أسبابها والطرق المقترحة لمواجهتها ضمن تفاعل مشترك بين مجموعة من الطلبة؛ للخروج برؤى تنطلق من الإحساس بالمشكلة بحد ذاتها، والخروج من حالة الانحباس النظري لمشكلة البطالة، والوصول إلى مقاربة نظرية من خلال ما تطرحه المجموعة المشاركة في نقاش مشكلة البطالة، وما يطرح على المستوى المفاهيمي والمعرفي حولها من حيث التعريف والخصائص والأسباب والعلاج. أي الانطلاق بطريقة مختلفة عن الطرق النمطية الأخرى، وذلك بمحاججة المفاهيم النظرية حول البطالة بما تطرحه مجموعة العمل البؤرية التي شاركت في النقاش والعصف الذهني.

منهجية الدراسة:

تم استخدام مجموعة بؤرية كمنهجية للدراسة، حيث تكونت من خمسة عشر طالباً وطالبة من مختلف الجامعات الفلسطينية. تم اختيار هذه المنهجية لإجراء دراسة كيفية حول البطالة في المجتمع الفلسطيني وذلك للأسباب التالية:

1.    أن الكثير من الدراسات التي تناولت موضوع البطالة في المجتمع الفلسطيني قد استندت إلى الأبحاث الكمية.

2.    أن مشكلة البطالة هي نسبية، وهناك تباين في النظرة إلى هذه المشكلة من حيث القياس والأسباب وطرق العلاج. وتأخذ المنهجية التي تقوم على تشكيل المجموعات البؤرية هذا الأمر بالاعتبار؛ حيث إنها توفر للباحث إظهار مختلف وجهات النظر حول مشكلة البطالة وإبراز أوجه التباين في الرؤية لهذه المشكلة.

3.    أن المجموعة البؤرية تمكن الباحث من الحصول على النتائج المتعلقة بمختلف الأسئلة المطروحة حول مشكلة البطالة ليس استناداً إلى الجانب المعرفي أو الأكاديمي فقط، بل الحصول على تفاعل بين مختلف الجوانب المعرفية والواقعية والقائمة على الإحساس بالمشكلة، والتفاعل بين مختلف هذه المستويات معاً.

خصائص المجموعة البؤرية:

تم اختيار مجموعة من طلبة الجامعات الفلسطينية ليشاركوا في نقاش مشكلة الفقر في المجتمع الفلسطيني، ومجموعة الأسئلة الفرعية المتعلقة بهذه المشكلة، وتم اختيار المجموعة وفق الخصائص التالية:

1.    أن يكونوا من الجنسين: وذلك لكون مشكلة البطالة هي مشكلة مجتمعية عامة تهم الجنسين الذكور والإناث، ولها تأثيرها على الأفراد بغض النظر عن نوعهم الاجتماعي. هذا بالإضافة إلى الأخذ بعين الاعتبار بعض الأطروحات النظرية حول تباين تأثير مشكلة البطالة وفق النوع الاجتماعي.

2.    أن يكونوا من طلبة السنة الجامعية الرابعة الموشكين على التخرج: وذلك للحصول على أعلى مستوى ممكن من المعرفة المتحصلة لدى الطلبة قياساً بالفترة الزمنية التي قضوها على مقاعد الدراسة في الجامعة، وسواء تلك المعرفة الأكاديمية البحتة، أو تلك المعرفة المتأتية من التفاعلات الاجتماعية في الحرم الجامعي نفسه. والتي قد تنعكس في المعرفة المتعلقة بمدى الوعي بالمشاكل الاجتماعية في المجتمع الفلسطيني، ومن ضمنها مشكلة البطالة.

3.    أن يكونوا من طلبة كليات في فرع الدراسات الإنسانية: وذلك لكون مشكلة البطالة هي مشكلة إنسانية بحتة تقع في إطار الدراسات الإنسانية، وبالتالي تكون درجة الاهتمام والمستوى المعرفي والوعي بها أكبر بشكل عام، مقارنة بتلك الموجودة لدى طلبة الدراسات العلمية.

خطوات إجراء الدراسة:

تم اختيار مجموعة من الطلبة عشوائياً وفق الخصائص المذكورة سابقاً وعددهم 15 طالباً وطالبة (9 من الذكور، و6 إناث). حيث تم الاتفاق مع المجموعة على عقد لقاء لاحق ضمن مجموعة بؤرية ولم يتم تحديد المشكلة التي سيتم نقاشها بالتحديد، ولكن تم إطلاع المجموعة على أن اللقاء للمجموعة البؤرية سيكون لنقاش المشكلات الاجتماعية التي يواجهها المجتمع الفلسطيني. وكان الهدف من عدم تحديد الموضوع الذي سيتم نقاشه من قبل المجموعة البؤرية مسبقاً هو عدم قيام أي من أعضاء المجموعة بالتحضير النظري المسبق لموضوع النقاش بحيث يطغى الجانب الأكاديمي النظري على الجانب المعرفي التفاعلي في نقاش المجموعة البؤرية؛ وبالتالي قد يتحول إلى شكل من أشكال المحاضرات الأكاديمية بدلاً من أن يكون لقاء يقوم على العصف الذهني والتفاعل الإيجابي حول نقاش مفاصل مشكلة البطالة والإحساس بها.

المحاور الرئيسة المطروحة لنقاش المجموعة البؤرية:

تم تحديد مشكلة البطالة في المجتمع الفلسطيني كموضوع رئيس للنقاش ضمن المحاور التالية:

المحور الأول: أهمية دراسة مشكلة البطالة في المجتمع الفلسطيني.

المحور الثاني: تعريف مفهوم البطالة في المجتمع الفلسطيني.

المحور الثالث: ملامح البطالة في المجتمع الفلسطيني.

المحور الرابع: أسباب ارتفاع نسبة البطالة في المجتمع الفلسطيني.

المحور الخامس: طرق ووسائل مواجهة مشكلة البطالة في المجتمع الفلسطيني.

نتائج نقاش المجموعة البؤرية:

أولاً: أهمية دراسة مشكلة البطالة في المجتمع الفلسطيني.

تم طرح مشكلة البطالة من حيث مدى أهمية الاهتمام بها ودراستها. وقد خلصت المجموعة البؤرية إلى مجموعة من الأسباب، تركزت في رؤيتين رئيستين: الأولى تتعلق بكون البطالة تشكل عائقاً أمام مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، ومعرقلاً أساسياً في معركة التحرير الوطني. فيما أن الرؤية الثانية رأت بأن أهمية دراسة البطالة تكمن في كونها المصدر الرئيس لحدوث وتغذية العديد من المشكلات الاجتماعية الأخرى. إلى جانب العديد من الرؤى التي اعتبرت ثانوية والتي رأت بأن أهمية دراسة مشكلة البطالة تكمن في كونها مدخلاً للتفاوت الاجتماعي بين أبناء المجتمع الفلسطيني؛ وبالتالي تكون عاملاً من عوامل الفرقة والصراع. كما أن هناك رؤية أخرى تكمن في أن البطالة تعتبر مهدداً لاستقرار المجتمع الفلسطيني.

ثانياً: تعريف البطالة.

طلب من المشاركين في المجموعة البؤرية أن يقدموا تعريفاً للبطالة على بطاقات وزعت عليهم، على أن لا يتجاوز التعريف خمس عشرة كلمة. ومن ثم تم عرض كافة التعريفات للمناقشة. وقد برزت أربع وجهات نظر مختلفة حول تعريف البطالة الأكثر واقعية والأكثر قدرة على قياس البطالة كمشكلة مجتمعية وهي:

1.    أن البطالة تتمثل في عدم توفر فرص عمل كافية ومناسبة للمواطنين. حيث أن كون فرصة العمل المناسبة للشخص الباحث عن العمل هي مهمة في تحديد مفهوم البطالة، وهذا يتواءم مع تعريف العاطلين عن العمل بأنهم "الأشخاص الذين يقدرون على العمل ولكنهم عاجزون عن العثور على الوظائف المناسبة"[1].

2.    أن البطالة هي مفهوم نسبي متغير وغير ثابت وفقاً للزاوية التي ينظر من خلالها المواطن إليها. فالبطالة للمرأة قد تختلف عن مفهومها بالنسبة للرجل، فالمرأة التي لا ترغب في العمل هي لا تعتبر نفسها عاطلة عن العمل كونها تقوم بالأعمال المنزلية، فيما أن الرجل الذي لا يعمل يعتبر ضمن البطالة بغض النظر عن رغبته في العمل أو لا. وبالتالي ارتأى أصحاب هذا الاتجاه أن البطالة هي عدم قدرة الفرد على الحصول على فرصة عمل يكسب من خلالها دخلاً مالياً.

3.    الفرد هو الذي يحدد إن كان من ضمن البطالة أم لا وفق معاييره هو، وليس وفق مقاييس تفرض عليه خارج وعيه الذاتي بحالته باعتباره عاطلاً عن العمل أم لا.

4.    أن البطالة يجب أن تقاس بمقاييس كمية لا تستند فقط إلى عدد ساعات العمل الأسبوعية، بل يجب أن ترتبط بمستوى الدخل المتحصل. إضافة إلى مقاييس أخرى تتعلق بالرضا عن فرصة العمل ومدى تلاؤمها مع المهارات والمؤهلات الأكاديمية والمهنية والقدرات للفرد. وبالتالي يقترح أصحاب هذا الاتجاه أن يكون تعريف البطالة هو عدم قدرة الفرد على الحصول على الحد الأدنى من ساعات العمل الأسبوعية التي ينجم عنها دخل كاف لإشباع حاجاته الأساسية وحاجات من يعيل.

5.    وقد خلصت المجموعة إلى الأخذ "بعدم الحصول على فرصة عمل" كتعريف عام لمفهوم البطالة على أن تصنف وفق المقاييس التالية:

‌أ.      مفهوم البطالة المبني على عدد ساعات العمل الأسبوعية أو الشهرية. وهو ما يتعلق بعرض العمل، وهو ساعات العمل التي يتم عرضها للاستخدام في السوق وفق مستوى معين من الأجور. إلا أن عرض العمل على المدى الطويل يتعلق بعدة عوامل منها نوعية العمل المتاح ومستويات التأهيل والتعليم[2].

‌ب.  مفهوم البطالة المبني على الدخل المتحصل من العمل. حيث أن الاقتصاد الفلسطيني يتسم بتراجع في مستويات الأجور مع زيادة في ساعات العمل، ما يعني بذل مجهود أكبر والحصول على أجر أقل[3].

‌ج.   مفهوم البطالة المبني على درجة الرضا لدى الفرد.

‌د.     مفهوم البطالة المبني على تواؤم القدرات والمهارات والمؤهلات مع طبيعة العمل. وهذا المفهوم قريب نسبياً من مفهوم البطالة التركيبية التي تتعلق بعدم تناسب مؤهلات العاطلين عن العمل وقدراتهم مع الفرص المتاحة[4].

‌ه.  مفهوم البطالة المبني على درجة الاستقرار والديمومة والاستمرارية التي تتسم بها فرصة العمل. وهذا يرتبط بأن النمو الاقتصادي الفلسطيني لا يتمتع بالقدرة على الاستمرار، ويتسم بالتذبذب من سنة لأخرى[5] تبعاً لحالة عدم الاستقرار السياسي.

وبذلك تكون المجموعة قد أجمعت على صياغة التعريف التالي لمشكلة البطالة وهي "عدم حصول الفرد على فرصة عمل بعدد ساعات كافية بالنسبة له، ودخل كاف لسد الاحتياجات الأساسية له ولمن يعيل بشكل يجعله يشعر بالحد الأدنى من الرضا عن العمل، ويستخدم الحد الأدنى من المهارات والمؤهلات والقدرات المتوفرة لديه لأداء متطلبات العمل الذي يتسم بدرجة كافية من الاستقرار والاستمرارية". وقد عرفت منظمة العمل الدولية البطالة بشكل عام على أنها "عدم العمل لأسباب لا إرادية أو اختيارية تعود إلى نقص العمل"[6]

ثالثاً: الملامح الرئيسة لمشكلة البطالة.

من خلال طرح سؤال على المجموعة المشاركة حول ما هي أهم الملامح الرئيسة لمشكلة البطالة؟ وتوضيحاً، كيف تتجلى البطالة على الصعيد الفردي والأسري والجماعي؟ وكيف يمكن تلمسها كمشكلة اجتماعية؟ وقد برزت العديد من الرؤى للإجابة على هذا السؤال وهي:

1.    أن هناك نسبة من المجتمع الفلسطيني تعاني من مشكلة البطالة، والتي تنعكس في عدم قدرة الأفراد في الحصول على فرص عمل تمكنهم من سد الحاجات الأساسية، وخاصة الغذائية منها.

2.    أن هناك نسبة من المجتمع الفلسطيني تعاني من البطالة المطلقة تنعكس في انسداد الأفق أمامهم في الحصول على أية فرصة عمل قادمة، يصاحبها شعور باليأس والإحباط واللاحول.

3.    أن هناك نسبة من المجتمع الفلسطيني تعاني من التأرجح بين العمالة والبطالة والتي تتمثل في الحصول على فرصة عمل شكلية، ولكن دخلها يقع تحت خط الفقر. وهي عمالة بمقياس عدد ساعات العمل الثماني اليومية، وبطالة بالدخل المتأتي منها والذي يقع تحت خط الفقر ولا يكفي لسد الاحتياجات الأساسية.

4.    لا توجد ثقافة خاصة بالبطالة في المجتمع الفلسطيني، بحيث تكون هناك قابلية عالية لدى بعض الأفراد والأسر للوقوع في مشكلة البطالة لكونهم يتسمون بسمات معينة توقعهم في أتون البطالة المستدامة.

5.    هناك حراك بطيء جداً في المجتمع الفلسطيني من حيث سرعة الخروج من حالة البطالة، فيما أن الحراك سريع جداً من حيث سرعة الدخول فيها.

6.    العاطلون عن العمل هم أوائل ضحايا الفقر في المجتمع الفلسطيني.

7.    مشكلة البطالة هي المدخل الرئيس المؤدي إلى العديد من المشكلات الاجتماعية الأخرى كالفقر والإدمان على تناول المخدرات وتعاطي الكحول والانحراف والجريمة، وغيرها من المشكلات الاجتماعية الأخرى المنتشرة.

رابعاً: أسباب انتشار مشكلة البطالة في المجتمع الفلسطيني:

حظي هذا المحور بأكبر قدر من العصف الذهني والرؤى التي تقدم بها المشاركون، حيث تم تصنيف الأسباب الرئيسة والفرعية لمشكلة البطالة وفق الآتي:

1.    الاحتلال الإسرائيلي: اعتبر المشاركون أن الاحتلال الإسرائيلي هو أهم سبب رئيس لانتشار واتساع مشكلة البطالة وتفاقمها في المجتمع الفلسطيني؛ وذلك عبر الأسباب الفرعية الآتية:

‌أ.      التحكم بالمعابر: اعتبر المشاركون أن تحكم إسرائيل بالمعابر الفلسطينية من أسباب مشكلة البطالة في المجتمع الفلسطيني، وذلك بالتحكم في العائدات الضريبية والجمركية الفلسطينية وما ينجم عن ذلك من حرمان الفلسطينيين من جزء من تلك العائدات، وقيامها بعدم تحويلها متى تشاء، وخصم أية مبالغ من تلك العائدات قبل تحويلها، بالإضافة إلى ضياع مبالغ مالية كبيرة بسبب نظام المقاصة المعمول به. هذا كله تم ربطه بإضعاف قدرة دولة فلسطين على القيام بتوفير فرص عمل جديدة في القطاع العام الذي سيخفف من حدة البطالة.

‌ب.  التحكم بالمواد الخام: اعتبر المشاركون أن هناك تحكماً كاملاً من قبل إسرائيل بالمواد الخام التي تحتاجها فلسطين في صناعاتها، وهذا يؤثر بشكل سلبي على قدرتها في إقامة مشاريع صناعية جديدة، توفر فرصاً جديدة للعمل مما يخفف من مشكلة البطالة.

حيث أن التحكم بدخول المواد الخام ومستلزمات الإنتاج الأخرى وأدوات الإنتاج من آلات ومعدات وقطع غيار تؤثر بشكل سلبي على الإنتاج، فإن إعاقة دخول هذه المواد اللازمة للإنتاج وما ينتج عنه من إمكانية التلف وزيادة تكاليف التخزين والشحن والأرضية والتأمين والفوائد البنكية[7]؛ يزيد من تكلفة الإنتاج أيضاً؛ مما يضعف قدرة المنتجات الفلسطينية على المنافسة؛ ويؤدي إلى تراجع المشاريع الاستثمارية الصناعية؛ ويزيد من نسبة البطالة.

‌ج.   التبعية الاقتصادية لإسرائيل: ارتأى المشاركون أن التبعية الاقتصادية لإسرائيل هي من أسباب توسع مشكلة البطالة، وخاصة بما يتعلق بغلاء أسعار السلع. فهذه التبعية تؤدي إلى ارتباط دائم مع الأسعار المرتفعة للسلع والخدمات في إسرائيل، حيث تتوفر سلع وخدمات أيضاً بأسعار مرتفعة نسبياً في فلسطين. كما أن السياسات الجمركية الفلسطينية المرتبطة بالسياسات الجمركية الإسرائيلية تؤدي هي الأخرى إلى ارتفاع أسعار السلع المستوردة.

لقد استعرض المشاركون في الدراسة إحدى جزئيات تبعية الاقتصاد الفلسطيني للاقتصاد الإسرائيلي، إلا أنه وبشكل عام فإن هناك تبعية طويلة المدى ومنهكة للاقتصاد الفلسطيني، ولكنها ذات طبيعة غير نمطية تتعدى الحدود القياسية للتبعية كما هي في نظريات التنمية، وذلك لكون هذه التبعية تقوم على الإفقار والادعاء السطحي بوجود حالة من حالات الازدهار[8] ولكنها مبنية على أنماط استهلاكية أكثر من كونها تنطلق من أنماط إنتاجية، مع وجود حالة انفصام كبيرة بين مستوى الإنتاج والاستهلاك، وحالة اغتراب بين المدخلات والمخرجات لهذا الاقتصاد.

‌د.     السياسات الممنهجة للاحتلال الإسرائيلي: اعتبر المشاركون أن هناك سياسة اقتصادية ممنهجة تقوم بها إسرائيل، ترمي من ورائها إلى إضعاف الاقتصاد الفلسطيني، وإبقائه في حالة تراجع مستمر؛ وبالتالي لا يتمكن من تحقيق نمو اقتصادي كاف لتلبية حاجة المجتمع الفلسطيني إلى فرص عمل تتواءم مع النمو السكاني؛ وهذا يزيد من نسبة البطالة. واعتبر المشاركون أن الحصار الاقتصادي والتحكم بالمعابر وحركة تنقل العمال وتقنين منح تصاريح العمل للفلسطينيين هو من ضمن السياسات الاقتصادية الممنهجة لخنق الاقتصاد الفلسطيني، والإبقاء على حالة البطالة بنسبتها المرتفعة.

إن السياسة الإسرائيلية الموجهة نحو الاقتصاد الفلسطيني كانت محمية سابقاً بقوة الأوامر العسكرية كمنظم للاقتصاد الفلسطيني، من خلال دمج اقتصاديات الضفة الغربية وقطاع غزة في الاقتصاد الإسرائيلي، والتي تقوم على علاقة كولونيالية من خلال الهيمنة[9] والتي بقيت مستمرة حتى بعد سيطرة السلطة الوطنية الفلسطينية؛ حيث أصبحت السياسات الإسرائيلية الموجهة نحو الاقتصاد الفلسطيني محمية بالاتفاقيات السياسية والاقتصادية وبالتحكم والسيطرة.

‌ه.  سيطرة إسرائيل على الموارد الطبيعية: اعتبر المشاركون أن استمرار إسرائيل باحتلال الجزء الأكبر من الضفة الغربية، واستمرارها في السيطرة واستغلال الموارد الطبيعية فيها من أسباب انتشار مشكلة البطالة في المجتمع الفلسطيني. وتم ذكر المياه كأهم الموارد الطبيعية التي تسيطر عليها إسرائيل وتستغلها لصالحها، وتحرم الفلسطينيين منها، وتحرمهم بالتالي من توسيع المشاريع الزراعية، وتحرمهم من فرص العمل في القطاع الزراعي؛ مما يساهم في تغذية مشكلة البطالة.

هناك ارتباط وثيق بين السيطرة الإسرائيلية على الموارد الطبيعية الفلسطينية وبين النهج الاستيطاني؛ حيث أن جزءاً من هذه السيطرة هو لصالح التوسع الاستيطاني مما يعني حرمان الفلسطينيين من الموارد الطبيعية، وافتقادهم إلى الموردين الأساسيين للقطاع الزراعي وهما الأرض والمياه[10]. هذا حرم الفلسطينيين من التوسع في الإنتاج الزراعي، وخلق انحساراً في فرص العمل التي يوفرها هذا القطاع.

‌و.    الاعتماد على العمل في إسرائيل: اعتبر المشاركون أن الاعتماد على العمل في إسرائيل من الأسباب التي تعزز مشكلة البطالة في المجتمع الفلسطيني، وعزوا ذلك إلى أن تحكم إسرائيل في منح تصاريح العمل يؤدي إلى تذبذب حجم العمالة الفلسطينية في إسرائيل، وما ينجم عنه من تذبذب في حجم فرص العمل المتاحة. حيث أن منح تصاريح العمل يتم وفقاً لرؤية إسرائيلية سياسية تعمل على منح عمال فلسطينيين، ومن ثم حرمانهم بعد فترة، ومنح آخرين ومن ثم حرمانهم وهكذا... وما ينجم عن ذلك من دخول مفاجئ في حالة البطالة بين ليلة وضحاها.

فالطلب على العمالة الفلسطينية يمتاز بالتذبذب الشديد تبعاً لسياسة الإغلاق، مما يعكس تذبذباً في معدلات التوظيف وحجم البطالة من فترة لأخرى[11].

وهناك ضرورة ملحة لاتباع سياسات وبرامج توسيع فرص العمل في الأراضي الفلسطينية والتي تقوم على أن خلق فرصة عمل في الاقتصاد الفلسطيني لعامل كان يعمل في إسرائيل، يخفف من تأثير سياسة الحصار الإسرائيلي والإغلاق المتكررة، ويزيد من تكاليف الاقتصاد الإسرائيلي، ويحرمه من مزايا الحصول على الأيدي العاملة الفلسطينية ذات التكلفة المنخفضة[12].

‌ز.    انعدام الاستقرار السياسي: بقاء الاحتلال يعني عدم الاستقرار، وحالة عدم الاستقرار تتنافى كلياً مع أي حالة للاستقرار الاقتصادي. وبما أن الاقتصاد حساس جداً لحالة الاستقرار المفقودة لدى المجتمع الفلسطيني؛ فهذا ينعكس بشكل سلبي على حالة الاقتصاد الفلسطيني الطارد للاستثمار، وهو ما يعني تراجعاً في إقامة المشاريع وزيادة في حجم البطالة.

حيث تنعكس حالة عدم الاستقرار سلباً على البيئة الاستثمارية في الاقتصاد الفلسطيني، وانخفاض العوائد المتوقعة على الاستثمار نتيجة ضعف الطلب على المنتجات المحلية وزيادة تكاليف الإنتاج والنقل والتوزيع؛ مما يساهم في تراجع الاستثمار[13] وزيادة نسبة البطالة في المجتمع الفلسطيني.

2.    دور الحكومة الفلسطينية: اعتبر المشاركون أن طبيعة الدور الذي تلعبه الحكومات الفلسطينية المتعاقبة من الأسباب الرئيسة التي تؤدي إلى انتشار البطالة؛ وذلك بسبب السياسات الاقتصادية التي اتبعتها هذه الحكومات المتعاقبة فيما يتعلق بعملية خلق فرص العمل. وذلك وفق الأسباب الفرعية التالية:

‌أ.      التنمية المنقوصة: اعتبر المشاركون أن الحكومات الفلسطينية المتعاقبة لم تقم بدورها في إحداث تنمية اقتصادية مستدامة، وأطلقوا عليها مصطلح "التنمية الاقتصادية المنقوصة". ورأوا أن ذلك يعود إلى ضعف قدرة المؤسسات العامة والخاصة والأهلية على إحداث تنمية تستهدف زيادة فرص العمل وتخفيض البطالة.

‌ب.  ترتيب الأولويات: رأى المشاركون أن الحكومات الفلسطينية المتعاقبة قد أعطت الأهمية الكبرى للعمل السياسي على حساب التنمية الاقتصادية التي لها علاقة بزيادة فرص العمل وتقليص نسبة البطالة.

‌ج.   ضعف التخطيط الاقتصادي: رأى المشاركون أن الحكومات الفلسطينية تعاني من ضعف عام في التخطيط الاقتصادي، بما في ذلك ندرة البحوث العلمية الموجهة لتقوية وتعزيز البنية الاقتصادية، وإقامة المشاريع الاستثمارية التي تزيد من فرص العمل، وتخفض من نسبة البطالة.

ففي خطة التنمية الفلسطينية لعام 1998-2000 كان هناك برنامج شمولي وقطاعي، فيما أن من سلبياتها اعتمادها بشكل أساسي على الدول المانحة؛ وبالتالي عدم التحكم بالسياسات الاقتصادية اللازمة لتنفيذ هذه الخطة.[14]

‌د.     تذبذب صرف الرواتب: رأى المشاركون أن عدم قدرة الحكومات الفلسطينية على توفير الرواتب للعاملين في الوظيفة العمومية في موعدها؛ يؤدي إلى ركود في الاقتصاد الفلسطيني الذي يؤدي إلى زيادة البطالة. حيث أن هذا التذبذب في صرف الرواتب يؤدي إلى انحسار مجالات الإنفاق لدى المستهلكين، واقتصارها على السلع والخدمات الأساسية، مما يخلق حالة ركود في مجالات أخرى تؤدي إلى فقدان فرص عمل كانت موجودة.

‌ه.  تدني الرواتب والأجور: رأى المشاركون أن تدني الرواتب والأجور سواء في القطاع العام أو الخاص له دور في انتشار البطالة بشكل غير مباشر في المجتمع الفلسطيني، حيث أن الرواتب المتدنية لا تكفي لسد الاحتياجات الأساسية للمواطن الفلسطيني، وتجعله يعيش حالة الشعور بالبطالة العاملة على الرغم من كونه يعمل.

‌و.    الاعتماد على الدعم الخارجي: اعتبر المشاركون أن الاعتماد الجزئي على المساعدات الخارجية من قبل الحكومات الفلسطينية وتذبذبه يؤدي إلى إحجامها عن القيام بمشاريع تطويرية تساهم في خفض مؤقت لنسبة البطالة.

إن الهدف من المساعدات الدولية عادة هو المساهمة في تحقيق نمو اقتصادي يؤدي في النهاية إلى الاستغناء عن هذه المساعدات. إلا أنه وفي الوضع الفلسطيني، هناك حاجة متزايدة بشكل متوالٍ لهذه المساعدات بسبب النمو الاقتصادي المنخفض، وبالتالي تكون وظيفة المساعدات الخارجية هي سد الفجوات الناجمة عن التراجع في النمو الاقتصادي، وليس دفع الاقتصاد الفلسطيني إلى نمو سنوي متزايد، مما يعني زيادة الاعتماد على المساعدات الخارجية لإنقاذ الاقتصاد الفلسطيني من الانهيار[15]. وبالتالي نكون بصدد استدامة في الحاجة للمساعدات الخارجية، وليس نحو استدامة في التنمية الاقتصادية. فالهبات والمنح التي تقدم قد تقوم بوظيفة معينة في الاقتصاد، ولكنها "إذا ما استخدمت دونما نهاية فإنها تصبح ضد الإنتاجية والتنمية الاقتصادية السليمة"[16].

‌ز.    الديون المتراكمة على الحكومة: رأى المشاركون أن الديون المتراكمة على الحكومة وتنامي العجز في الموازنة العامة يؤديان إلى إضعاف قدرتها على الإيفاء بالتزاماتها بدعم شرائح الفقراء، أو إحداث نمو في الإحداثات الوظيفية في المؤسسات الحكومية. وهذا يزيد من حجم البطالة.

‌ح.   الفساد والواسطة والمحسوبية: اعتبر المشاركون أن الفساد وملحقاته من الواسطة والمحسوبية من الأسباب التي تؤدي إلى حرمان العديد من الأفراد من الحصول على فرص عمل بالمساواة مع الآخرين. كما أن الفساد الإداري والمالي في الحكومة يؤدي إلى هدر جزء من الموازنة العامة التي من الممكن أن تساهم في مساعدة شرائح الفقراء أو خلق فرص عمل جديدة.

3.    النظام الاقتصادي: اعتبر المشاركون أن النظام الاقتصادي الفلسطيني يعتبر من الأسباب الرئيسة التي تؤدي إلى انتشار مشكلة البطالة، فيما قلل آخرون من أهميته كسبب رئيس لزيادة نسبة البطالة في المجتمع الفلسطيني. حيث اعتبروا أن النظام الاقتصادي الفلسطيني القائم على مبدأ الاقتصاد الحر هو كغيره من الأنظمة الاقتصادية في معظم دول العالم، وليس بمقدور المجتمع الفلسطيني ابتداع نظام اقتصادي آخر. وقد تباينت رؤية المشاركين وفق الأسباب الفرعية التالية:

‌أ.      اللامساواة الطبقية: اعتبر بعض المشاركين أن البطالة في المجتمع الفلسطيني ناجمة عن عدم العدالة في توزيع الثروات. وهذا يعود إلى عيوب في النظام الاقتصادي الفلسطيني نفسه. إلا أن فريقاً آخر رأى بأن التفاوت في الثروات وهو أمر اعتيادي وطبيعي في المجتمعات الإنسانية، وبالتالي لا يمكن تحميله عبء مسؤولية البطالة دون البحث عن أسباب أخرى. وأن هذه الثروات بغض النظر عن مالكها فهي تؤول في النهاية على شكل مشاريع يمكن أن تخلق فرص عمل جديدة.

‌ب.  عدم توفر الإمكانات والأدوات والمساحات اللازمة لإقامة المشاريع الاقتصادية الاستثمارية: رأى المشاركون أن النظام الاقتصادي الفلسطيني بطبيعته كنظام اقتصادي حر، يفتقر إلى قدرته على توفير الأدوات والإمكانات اللازمة لإنشاء مشاريع اقتصادية أسوة بالأنظمة الاقتصادية المماثلة في الدول الأخرى، وبالتالي هو يوفر بيئة البطالة ولا يوفر بيئة الاستثمار. فيما أن بعض المشاركين رأوا أن طبيعة المنافسة الاقتصادية العالمية هي التي لا توفر للاقتصاد الفلسطيني الإمكانيات اللازمة لإقامة المشاريع الاقتصادية. وبالتالي هو ليس مسؤولاً عن زيادة البطالة بطبيعته كنظام، بل هي قضية عالمية أكبر من النظر إليها فقط على المستوى المحلي.

‌ج.   غلبة المشاريع الخدماتية والتجارية: رأى المشاركون أن طبيعة المشاريع الاقتصادية والتي في أغلبها مشاريع خدماتية، لا توفر فرصاً للعمل أسوة بالمشاريع الاقتصادية الصناعية أو الزراعية، وبالتالي تكون مساهمتها ضعيفة في تخفيض نسبة البطالة في المجتمع الفلسطيني. فيما رأى مشاركون آخرون أن المشاريع الخدماتية توفر فرصاً للعمل في المجتمع الفلسطيني أكبر من تلك التي قد توفرها المشاريع الصناعية، وذلك لاعتماد الأخيرة على تكنولوجيا عالية وأيدٍ عاملة قليلة. فيما أن مشاركين آخرين ارتأوا أن العيوب لا تكمن في حجم فرص العمل المتاحة، وإنما في دورها في خلق سلسلة من فرص العمل خارج إطارها. حيث اعتبروا أن المشاريع الخدماتية تنتهي بالمستهلك الأول. فيما أن المشاريع الصناعية تكون سلسلة من الناقلين والموزعين بفرص عمل أكبر.

إلا أن الإحصاءات تشير بأن قطاع الخدمات يتميز بأعلى قدرة استيعابية للقوى العاملة في الضفة الغربية وقطاع غزة، ويليه في ذلك قطاع تجارة التجزئة والجملة والمطاعم والفنادق ومن ثم قطاع الإنشاءات[17]. وهذا يعني أنه وبالرغم من الانتقادات التي وجهها المشاركون لطبيعة المشاريع الخدماتية والتجارية فإنها تبدو الأكثر ملاءمة لطبيعة البيئة الاستثمارية للاقتصاد الفلسطيني. 

‌د.     تركز رأس المال لدى فئة قليلة: رأى أغلب المشاركين أن رأس المال يتركز في يد فئة قليلة من المجتمع الفلسطيني، وهو يعني أن هناك سوءاً في توزيع الثروات، واستفادة فئة قليلة من المجتمع من المشاريع الاقتصادية المقامة، فيما أن أغلب الأفراد يعيشون حالة من الفقر. ورأى بعض المشاركين أن هذا التمركز لرأس المال في يد فئة قليلة هو مبالغ فيه؛ وذلك لطبيعة المجتمع الفلسطيني الذي تشكل فيه الطبقة الوسطى القسم الأكبر من المجتمع. إضافة لكون رأس المال هو الذي يخلق فرص العمل المستدامة.

‌ه.  عدم وضوح طبيعة النظام الاقتصادي: كان هناك تباين في الرؤى حول مدى وضوح النظام الاقتصادي الفلسطيني. فالبعض ارتأى بأنه عام، واسع وشامل. وهذا ما يؤدي إلى حالة من عدم الوضوح فيه، الأمر الذي ينطوي عليه ضعف في جذب الاستثمار، وانخفاض في القدرة على تحقيق فرص عمل، وزيادة في حجم البطالة. فيما ارتأى آخرون أن النظام الاقتصادي واضح بوجود تشريعات اقتصادية متعددة تستهدف زيادة جاذبية الاقتصاد الفلسطيني للاستثمار، وزيادة فرص العمل، والتخفيف من نسبة البطالة. إلا أن هناك أسباباً أخرى لا تتعلق بمدى وضوح النظام الاقتصادي، بل بالاحتلال الإسرائيلي والاستقرار السياسي.

بشكل عام هناك توجه نحو اعتماد اقتصاد يكون القطاع الخاص هو اللاعب الرئيس فيه، وهو الذي يجب أن يقود العملية التنموية، ويخلق البيئة   التنافسية الملائمة لجذب الاستثمارات وتشجيعها، وتوفير إطار قانوني لها، وأن يكون هذا الاقتصاد مندمجاً بعمقه العربي[18].

4.    أسباب بنيوية:

‌أ.      الثقافة المجتمعية: ارتأى بعض المشاركين أن هناك حالة من الضعف العام في ثقافة المجتمع الفلسطيني تتمثل في عدم القدرة على الإبداع والابتكار، وانعكاس ذلك على طبيعة المشاريع الاستثمارية غير الناجحة التي تؤدي إلى انخفاض فرص العمل وزيادة البطالة. فيما ارتأى آخرون أنه لا يجوز إطلاق سمة عدم القدرة على الإبداع والابتكار على أي مجتمع من المجتمعات. فالإبداع والابتكار موجود لدى بعض أفراد المجتمع بما في ذلك المجتمع الفلسطيني، ولكن المشكلة تكمن في البيئة المحلية إن كانت قادرة على استغلال القدرات هذه أم لا. إلا أنه من جانب آخر، تشير الدراسات أن هناك علاقة بين التعطل عن العمل وانخفاض درجة الثقة بالمؤسسات العامة والخاصة والقيادات السياسية[19]. وبالتالي قد تتنامى ثقافة عدم الثقة لدى شريحة كبيرة من المجتمع الفلسطيني. وهذه الأخيرة يمكن أن تساهم بشكل كبير في تراجع القدرة على الإبداع والابتكار في بيئة غير محفزة لهذه القدرات.

‌ب.  الاختصاصات المهنية وحاجات السوق: رأى بعض المشاركين أن الخلل في المواءمة بين طبيعة الاختصاصات المهنية للأفراد في المجتمع الفلسطيني، والحاجات الفعلية لسوق العمل هي إحدى الأسباب التي تؤدي إلى زيادة البطالة. فيما أن مشاركين آخرين رأوا بأن هذا لا يعتبر من الأسباب التي تؤدي إلى البطالة، حيث يرون بأن الاختصاصات المهنية المعروضة في سوق العمل الفلسطيني هي أكبر بكثير من الحاجة الفعلية، وإذا كان هناك خلل في المواءمة بين الاختصاصات المهنية والحاجة الفعلية للسوق فهي تكاد لا تظهر كسبب، والدليل على ذلك هو عدم وجود حاجة في السوق الفلسطيني لاستقدام عمالة أجنبية.

‌ج.   زيادة عدد الخريجين الجامعيين سنوياً: رأى أغلب المشاركين أن هناك عدداً متزايداً من الخريجين الجامعيين أكبر من الحاجة الفعلية لسوق العمل الفلسطيني. حيث أن إصرار هؤلاء الخريجين على العمل في اختصاصاتهم، أو على الأقل في عمل مشابه بمسمى الوظيفة، والعزوف عن العمل اليدوي، يؤدي إلى زيادة البطالة بين الخريجين الجامعيين بما ينعكس على شكل زيادة في نسبة البطالة العامة في المجتمع الفلسطيني. وترى بعض الدراسات أن هناك حالة من الانفصام بين التعليم العالي وتخصصاته، وبين حاجات السوق المحلي. وأن هناك عدم توافق بين مخرجات النظام التعليمي واحتياجات سوق العمل وضعف حساسية نظام التعليم العالي لاحتياجات سوق العمل. وتشير إحدى الدراسات أن أكثر من نصف الخريجين المشتغلين تم استيعابهم في نشاطين اقتصاديين فقط، التعليم والإدارة العامة والدفاع المدني والضمان الاجتماعي. كما بلغت نسبة العاطلين عن العمل من حملة الشهادات العليا الذين لم يعملوا سابقاً حوالي نصف مجموع المتعطلين من حملة هذه الشهادات.[20] إلا أن فقدان التزامن بين سوق العمل ونظام التعليم يعتبر من المشكلات الأساسية سواء كان ذلك خللاً في نوعية التعليم، أو لكون سوق العمل غير مناسب في تقديم الاستخدام الجديد الكافي لمخرجات نظام التعليم. إلا أنه وفي الحالة الفلسطينية، فإن إشكالية التزامن تتأثر بالسياسات وممارسات الاحتلال الإسرائيلي، وتخلق انحرافاً لعملية التحول الاجتماعي والاقتصادي والتي لها علاقة بخلق فرص عمل واسعة لاستيعاب خريجي النظام التعليمي[21].

‌د.     الزيادة السكانية: رأى المشاركون أن الزيادة السكانية عالية النمو في المجتمع الفلسطيني تعتبر من الأسباب التي تؤدي إلى ارتفاع نسبة البطالة. حيث أن نسبة النمو الاقتصادي السنوي هي أقل بكثير من نسبة النمو السكاني؛ مما يعني وجود ارتفاع في نسبة البطالة. وتعتبر الزيادة السكانية من محددات الطلب على العمالة في سوق العمل[22].

فالاقتصاد الفلسطيني يعاني من اختلالات هيكلية من ضمنها ضعف القدرة الاستيعابية للأيدي العاملة مما يعني وجود فائض كبير منها وهذا بدوره يرفع من نسبة البطالة في المجتمع الفلسطيني. حيث أن السياسات الإسرائيلية الممنهجة تؤدي إلى تراجع في النمو الاقتصادي مما يعزز من الاختلالات الهيكلية فيه[23] وخاصة ما يتعلق بالتناسب بين الزيادة السكانية ومعدلات النمو الاقتصادي.

خامساً: الطرق والوسائل المقترحة لمواجهة مشكلة البطالة.

تم الاتفاق في المجموعة البؤرية على مناقشة الطرق والوسائل المقترحة لمواجهة مشكلة البطالة كانعكاس لما تم طرحه من أسباب تؤدي إلى ارتفاع نسبة البطالة في المجتمع الفلسطيني. ومن الطرق والوسائل المقترحة لخفض نسبة البطالة:

1.    إقامة مشاريع تشغيلية للعاطلين عن العمل: اتفق المشاركون على أنه من الوسائل الناجعة والمستعجلة لخفض نسبة البطالة وخلق فرص عمل تكون عن طريق إقامة مشاريع تشغيلية للعاطلين عن العمل. ورأى المشاركون أن هذه الوسيلة تكون ناجعة على المدى البعيد في أنها تساهم في تنشيط الاقتصاد الفلسطيني، بحيث تتحول المشاريع التشغيلية الهادفة إلى خفض البطالة إلى مشاريع مستدامة وفعلية تندمج في الحلقة الاقتصادية للاقتصاد الفلسطيني.

إن النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل يجب أن يكونا هدفين عامين لأية قيادة سياسية، وذلك لأن الدول التي حققت مستويات عالية من فرص العمل والاستخدام كان نتيجة لاستراتيجية تستهدف خلق فرص العمل وزيادة الاستخدام، بحيث تركز في المراحل الأولى على تشجيع القطاعات ذات الكثافة العمالية العالية لامتصاص الفائض من الأيدي العاملة[24].

2.    تبني سياسات اقتصادية تستهدف الحد من مشكلة البطالة: رأى بعض المشاركين أن تبني سياسات اقتصادية تقوم على استهداف البطالة كمشكلة اجتماعية من شأنه أن يساهم في تخفيض نسبة البطالة. بحيث تقوم هذه السياسات على إقامة مشاريع صناعية أو خدماتية، والابتعاد عن المشاريع التجارية التي لا تستهدف التشغيل.

وهذا الأمر يحتاج من الحكومة تحديد ماهية السياسات والبرامج اللازمة لتنفيذها. فقدرة الحكومة على توفير فرص العمل يعتمد على مدى قدرتها على وضع الخطط والبرامج للاستثمار في رأس المال البشري، من خلال الاستثمار في الخدمات والبنية التحتية اللازمة، لتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار، ومن ثم عرض المزيد من فرص العمل وتشجيع التشغيل الذاتي.[25]

ويفترض أن تبنى هذه السياسات على استراتيجية فلسطينية على المدى القصير تأخذ في اعتبارها تعزيز القدرات الذاتية للاقتصاد الفلسطيني، وتقليص التبعية لإسرائيل وتنويع العلاقات الاقتصادية الفلسطينية مع العالم الخارجي.[26] مما سيمكن الاقتصاد الفلسطيني من التقدم والتطور في المرحلة الحالية، ويكون قادراً على خلق فرص عمل جديدة، ويأخذ بالاعتبار بناء استراتيجيات قادمة على المدى البعيد وفقاً للمتغيرات السياسية المستقبلية.

3.    تشجيع إقامة مشاريع صغيرة ومتوسطة الحجم: رأى بعض المشاركين أن السياسات الاقتصادية الموجهة لتشجيع إقامة مشاريع صغيرة ومتوسطة الحجم هي الأفضل من حيث قدرتها التشغيلية مقارنة بالمشاريع الضخمة. إلا أن بعض المشاركين الآخرين ارتأوا أن المشاريع الاقتصادية الضخمة تكون لديها قدرة أكبر على التشغيل مقارنة بالمشاريع الصغيرة بالتحديد. وعللوا ذلك بأن المشاريع الصغيرة عادة ما تكون مشاريع عائلية (أسرية) تشغل شخصاً واحداً، فيما أن المشاريع الكبيرة تشغل عدداً كبيراً نسبياً، وبالتالي تحقق فرص عمل أكبر. بينما رأى آخرون بأن الأمر لا يتعلق بحجم المشاريع الاقتصادية، وإنما بطبيعة الإنتاج إن كانت صناعات تقوم على إنتاج السلع الخفيفة أو المتوسطة. أو بطبيعة مستوى التحديث والتكنولوجيا المستخدمة في المشروع الاقتصادي الصناعي، حيث ارتأوا بأن التقليل من الاعتماد على التكنولوجيا المتقدمة يزيد عدد العاملين. فيما رأى آخرون أن التقليل من الاعتماد على التكنولوجيا يزيد من تكلفة إنتاج السلعة، وبالتالي يزيد من سعرها ويقلل من قدرتها على المنافسة، وقد يجعل المشروع الاقتصادي عرضة للفشل، وخسارة كامل فرص العمل التي وفرها المشروع الاقتصادي الصناعي.

وهذا من زاوية أخرى له علاقة بالاستراتيجيات التنموية المختلفة المطروحة في الاقتصاد الفلسطيني. حيث برزت رؤيتان: التنمية بالاستعاضة عن الاستيراد، والتنمية القائمة على التصدير. حيث أن الأولى تقوم على تكثيف رأس المال وزيادة استخدام التكنولوجيا المتقدمة التي قد تؤدي إلى زيادة نسبة البطالة في المجتمع الفلسطيني، والثانية لا تناسب المجتمعات تحت السيطرة والصغيرة نسبياً[27]، وهذا يعني ضرورة البحث عن استراتيجيات تنموية أخرى تناسب فرادة الوضع الفلسطيني.

4.    توطين المواد الخام: رأى المشاركون ضرورة زيادة الاعتماد على المواد الخام المحلية المستخدمة في الصناعات المحلية، كصناعات منتجات الألبان والصناعات الزراعية، بدلاً من الاعتماد على المواد الخام الإسرائيلية أو المستوردة. حيث أن استخدام مواد خام محلية يزيد من فرص العمل للمشروع الاقتصادي الصناعي الذي يقوم عليها.

ولكن الضفة الغربية وقطاع غزة يعتبران من المناطق التي تفتقر إلى الموارد الطبيعية والموارد المعدنية، كما يعيق الاحتلال الإسرائيلي إمكانية الوصول واستغلال المتوفر منها[28]. وهذا يجعل من إمكانية العمل على توطين المواد الخام محدودة جداً، وقد يكون المجال أوسع لاستغلال المنتجات الزراعية كمواد أولية لبعض الصناعات الزراعية.

5.    تشجيع استهلاك المنتجات المحلية: رأى جميع المشاركين أن الاعتماد على استهلاك المنتجات المحلية من قبل أفراد المجتمع الفلسطيني؛ سيؤدي إلى إنشاء مشاريع صناعية وخدماتية جديدة؛ مما يزيد من فرص العمل ويخفف من نسبة البطالة في المجتمع الفلسطيني.

6.    تحسين وسائل جباية الضرائب: رأى المشاركون أن من شأن تحسين آليات ووسائل جباية الضرائب على السلع والخدمات في فلسطين؛ أن يؤدي إلى زيادة عائدات دولة فلسطين من الأموال الضريبية؛ وتوفر دعماً لموازنتها العامة؛ مما قد يساهم في رفع قدرتها على تمويل مشاريع اقتصادية تشغيلية تساهم في زيادة فرص العمل.

تعتبر إعادة هيكلة النظام الضريبي الفلسطيني من أهم مكونات سياسات الضبط الهيكلي للاقتصاد الفلسطيني، إلى جانب العديد من المكونات الأخرى. حيث سيساهم ذلك في الوصول إلى تحقيق إصلاحات هيكلية في النمو الاقتصادي؛[29]مما يزيد من قدرته على خلق فرص عمل جديدة تخفف من حدة البطالة.

7.    الحد من تحكم إسرائيل بالعوائد الجمركية والضريبية: رأى فريق من الم

الملفات المرفقة

البطالة-زكريا السرهد.docx
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website