مقاربة استراتيجية لوثيقة حركة حماس، إبراهيم أبراش، العدد 268

مقاربة استراتيجية لوثيقة حركة حماس

 

أ-د/ إبراهيم أبراش[*]

 

أثارت وثيقة حماس (الميثاق الجديد) التي أعلن عنها رئيس مكتبها السياسي السابق خالد مشعل في الدوحة في الفاتح من أيار (مايو) 2017 اهتماما على المستويات الوطنية والعربية والدولية من جهة الهدف من طرحها والجهة المُخَاطَبة، وخصوصا أنها تضمنت مفاهيم ومصطلحات لا تخلو من التباس بحيث يمكن تفسيرها بأوجه متعددة وبما يعني الشيء ونقيضه.  

وسنحاول في بحثنا أن نقارب الورقة ليس من خلال تحليل مضمون الوثيقة بل من خلال مقاربة استراتيجية للوثيقة في سياق مراجعات جماعات الإسلام السياسي وفشل جماعة الإخوان المسلمين في مراهناتهم على الربيع العربي، أيضا في سياق المأزق الذي وصلت له حركة حماس في إداراتها لقطاع غزة وخصوصا أن الوثيقة أثارت شكوكا حول ما إن كانت تشكل مراجعة حقيقية عند حركة حماس تتساوق مع مراجعات جماعات الإسلام السياسي في الفترة الأخيرة، أم أنها براغماتية سياسية ونوعا من الباطنية السياسية بهدف تسويق حركة حماس نفسها لتتموقع كطرف سياسي (وطني) يستدرج اعترافا بها بديلاً لمنظمة التحرير أو ندا لها في تمثيل الشعب الفلسطيني ولو في حدود سلطتها في قطاع غزة، ومحاولة للخروج من المأزق الذي تعانيه في إدارة قطاع غزة.

سنقارب الموضوع من خلال المحاور التالية:

المحور الأول: الوثيقة في سياق فقه مراجعات جماعات الإسلام السياسي

المحور الثاني: مراجعات حركة حماس وإشكالية الوطني والديني

المحور الثالث: الوثيقة خطوة نحو الوحدة الوطنية أم خطوة نحو الانفصال

 

المحور الأول

الوثيقة في سياق فقه مراجعات جماعات الإسلام السياسي

لأن حركة حماس جزء من جماعة الإخوان المسلمين أو فرعها الفلسطيني، ولأن جماعة الإخوان المسلمين كغيرها من جماعات الإسلام السياسي تمر بحالة تراجع بل فشل في مشروعها السياسي للوصول للسلطة وبناء دولة دينية موظفة فوضى الربيع العربي، فقد تداركت حركة حماس وبعض جماعات الإسلام السياسي الأمر بالقيام بمراجعات فكرية لمنطلقاتها وسلوكياتها، وهي مراجعات ما زالت تثير كثيرا من النقاش حول مصداقيتها، وفي هذا السياق تأتي وثيقة حركة حماس.  

حول فقه المراجعات

تعد المراجعات الحزبية أو النقد الذاتي حالة صحية وجزءاً من الحياة السياسية للأحزاب والجماعات السياسية وللأيديولوجيات والأفكار. لكن بالنسبة للجماعات العقائدية كجماعات الإسلام السياسي فالأمر مختلف ليس لأنها جماعات ذات مرجعية دينية بل لأنها تضفي على نفسها وأشخاصها واجتهاداتها طابع القدسية مما يجعل المراجعات أمرا صعبا إن لم يكن مستحيلا لأنه يعتبر مسا بالمقدس، ليس المقدس الحقيقي المرتبط بالقرآن والسنة بل اجتهادات وتأويلات وأشخاص تم إضفاء طابع القدسية عليهم.  

إذا كانت مراجعة المواقف والتوجهات السياسية والأيديولوجية للأحزاب والحركات العقائدية وما يُبنى عليها من ممارسات أمراً محموداً ومطلوباً في الحياة السياسية بشكل عام، فكيف إن أدت هذه المواقف والممارسات لنتائج كارثية على الشعب والقضية أو العقيدة بما في ذلك العقيدة الدينية نفسها التي يدافع عنها الحزب أو الجماعة العقائدية كما جرى مع ممارسات هذه الجماعات خلال فوضى ما يسمى الربيع العربي وما جرى أثناء وبعد سيطرة حركة حماس على قطاع غزة.  

لقد أكدت التجارب التاريخية والمعاصرة أيضا، أن العمر السياسي للأحزاب والنظم الدوغماتية والدينية المغلقة قصير، وكلما تأخرت عملية المراجعة والتحول عند هذه الأحزاب والأنظمة كان سقوطها أكثر حتمية وأكثر دموية.  

لا نقصد بالمراجعات في سياقنا هذا عملية التقييم للسلوك والمواقف التي تقوم بها الأحزاب أو أية مؤسسة وحتى الأشخاص بين فترة وأخرى لمعرفة أسباب الخلل والتقصير في عملها حتى تتمكن من عدم تكرارها مستقبلا،  كما لا نقصد بالمراجعة هنا النقد الذاتي أو المراجعة الروتينية للمواقف والسلوكيات، فهذه كلها أمور تدخل في صلب العمل السياسي ومن طبيعة الحياة بشكل عام كما سبق الذكر.  

تعريفنا الإجرائي للمراجعات أنها العملية التي تقوم بمقتضاها الأحزاب والجماعات العقائدية وخصوصا الإسلامية بمراجعات كلية أو جزئية لاجتهادات أو سلوكيات، وتكون الأمور التي تم التراجع عنها من الثوابت والأساسيات في فكر ومنهج هذه الجماعات، كما أن سياق المراجعات يأتي بعد سنوات من ممارسة العنف وتكفير أو تخطيء النظام والمجتمع أحيانا ومعاداة الدولة الوطنية وتشريعاتها الوضعية وعدم الاعتراف بها، وغالبا ما تأتي المراجعات بعد أزمة عميقة تمر بها هذه الجماعات.  

فالمراجعة بهذا المعنى تعني إعادة نظر جذرية فيما كان يُعتبر بالنسبة للجماعة مسلمات لا مجال للشك فيها، وإدراجها في سياق الاجتهادات التي تقبل الخطأ والصواب أو اعتبارها من الأخطاء التي يجب التخلي عنها نهائيا. والمراجعة لا تعني الرجوع عن القواعد الثابتة في العقيدة التي لا يُختلف عليها أو يُشكَك بها، بل مراجعة اجتهادات وتفسيرات كانت الجماعة تعتبرها مسلمات. فالمراجعة تنصب على الإنتاج البشري من فكر وسلوك وليس على الكتاب السماوي– القرآن - أو أحاديث الرسول ونهجه، حيث كل ما هو خارج هذين المصدرين غير مقدس وغير مُلزم ويمكن الرجوع عنه.  

إن ما يجعل المراجعات تؤدي لزعزعة الجماعات العقائدية وإحداث أزمات عميقة داخلها قد تؤدي إلى انهيارها أو تفككها، هو انغلاق هذه الجماعات لعقود على نفسها، وإضفاء طابع القدسية على تنظيراتها ومنظريها بحيث لا تُفسح المجال لأن تجدد نفسها ومقولاتها من خلال التجربة والواقع واستمرارها بالمكابرة والعناد وإدارة الظهر للفجوة الكبيرة بين مجريات الواقع ومتطلبات الحياة اليومية من جانب وتنظيراتها ومنظريها من جانب آخر.[1]

إن كان مصطلح المراجعات الفكرية ارتبط في عصرنا الراهن بالجماعات الأصولية الإسلامية –الأممية الإسلامية - فقد سبقها في ذلك مراجعات داخل جماعات عقائدية علمانية. ففي العالم العربي هناك تجربة حركة القوميين العرب حيث حدث التحول والانتقال من القومية المثالية إلى القومية الاشتراكية ثم مراجعة شمولية امتدت من 1964 إلى 1968 أدت لتحولها إلى قوى وأحزاب وطنية، وقد صاحب ذلك مراجعات فكرية عميقة[2]. ومراجعات الفلسطينيين الذين كانوا منتمين لأحزاب قومية أو يسارية أو دينية قبل تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، حيث راجع هؤلاء مواقفهم من الوطنية الفلسطينية بعد هزيمة حزيران 1967، وقرروا هجر تنظيماتهم والانتماء لمنظمة التحرير فرادى أو دخول أحزابهم لمنظمة التحرير في إطار المشروع الوطني الفلسطيني.

وفي المغرب جرت مراجعات منتصف الثمانينات عند قوى اليسار. حيث انتقلت هذه الأحزاب، كحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والحزب الشيوعي – التقدم والاشتراكية لاحقا - ومنظمتا إلى الأمام و23 مارس، من مرحلة المعاداة المطلقة للنظام وإشهار السلاح ضده لإسقاطه وإقامة نظام سياسي بديل يتبنى المنهج الماركسي، إلى مرحلة الاندماج والمشاركة في النظام السياسي في إطار مصالحة تاريخية مع المؤسسة الملكية والنهج الديمقراطي، وقد آلت الأمور إلى أن يشكل حزب الاتحاد الاشتراكي الحكومة وصيرورة أمينة العام عبد الرحمن اليوسفي من محكوم بالإعدام يعيش في المنفى في فرنسا إلى رئاسة الوزراء، بعد الانتخابات البرلمانية عام 1998 وتشكيل حكومة التوافق الوطني.[3]

المراجعات عند جماعات الإسلام السياسي

تصريحات راشد الغنوشي زعيم حزب النهضة التونسي في المؤتمر العام العاشر للحزب 19-21 أيار (مايو) 2016 وتصريحات لاحقة له لصحيفة الشرق الأوسط اللندنية قال فيها "إن حركة النهضة تطورت من حركة إسلامية شمولية إلى حزب مدني وطني متصالح مع الدولة والمجتمع"، وتأكيده على قطع الصلة التنظيمية بجماعة الإخوان المسلمين وبالأيديولوجيات الشمولية والفصل بين الدعوي والسياسي[4]. هذه التصريحات فتحت مجددا موضوع المراجعات عند الجماعات الأصولية وتأثيرها على مستقبل الظاهرة المسماة الإسلام السياسي وعلاقتها بالدولة الوطنية والمجتمع بشكل عام.

مع أن التجربة الشخصية لراشد الغنوشي المرتبطة بحياته في المنفى في فرنسا ولندن لعبت دورا في صقل أفكاره ومرونتها، وما ساعد على ذلك أيضا خصوصية الإسلام السياسي في تونس وهي خصوصية مستمدة من طبيعة المجتمع التونسي والثقافة التي رسخت خلال عقود ما بعد الاستقلال، إلا أن هذه المواقف لحزب النهضة وللغنوشي تحديدا تندرج في إطار ما يمكن أن نسميه فقه المراجعات عند جماعات الإسلام السياسي، وهي ظاهرة ليست جديدة، ولكن هذه المرة مختلفة حيث جاءت بعد تراجع شعبية جماعات الإسلام السياسي وفشل تجربتها في الحكم في بعض الدول[5]، وتحميلها مسؤولية فوضى الربيع العربي وما صاحبها من مظاهر عنف،  وانكشاف علاقتهم بالغرب وخصوصا الولايات المتحدة الأميركية. 

يمكن إرجاع أولى الاجتهادات التي يمكن إدراجها في سياق المراجعات المعاصرة عند المرجعيات الدينية وداخل جماعات الإسلام السياسي إلى أحد علماء الأزهر، علي عبد الرازق، الذي اعتبر أن نظام الخلافة نظام دنيوي وليس دينياً[6]، وقد تعرض في حينه لانتقادات كثيرة وأصدر الأزهر بيانا قال فيه إن أقوال علي عبد الرزاق لا تمثل الأزهر. 

ما بين عامي 1997 و1999 أقدمت بعض قيادات الجماعة الإسلامية المصرية أثناء وجودها في السجن على مراجعات أثارت كثيرا من الجدل داخل الجماعة وخارجها، وهي مراجعة اقتصرت على التراجع عن نهج العنف والأسس الفكرية الفقهية التي يستند إليها[7]. ومع أن جدلا ثار لاحقا حول مصداقية وجدية مراجعات السجون إلا أننا نعتقد أن أهم قيادات الجماعة الإسلامية كانت صادقة في مراجعاتها ومنهم ناجح إبراهيم[8]. وبعد سقوط حكم محمد مرسي وبداية محاكمة قادة الإخوان في السجون تمت مراجعات داخل جماعة الإخوان وإن كان البعض يشكك بجدواها ومصداقيتها حيث ينظرون لها كمناورة للخروج من السجن أو كممارسة باطنية تميَز بها الإخوان.   

في نهاية السبعينات أثار حسن الترابي في السودان ضجة كبيرة بمواقفه التي اعتبرت مراجعات خطيرة حتى إن بعض علماء السودان طالبوا بـ"استتابته" وبعضهم الآخر قال إنه تأثر بأفكار الخميني حيث كانت الثورة الإيرانية في بداياتها. مست مراجعات الترابي جوانب متعددة،  كالموقف من المرأة وكانت له رؤية متقدمة تجاه المرأة، وعلاقة الدعوي بالسياسة، حيث قال بأولوية الدولة على المجتمع، أيضا حول الجهاد والعلاقة مع أصحاب الديانات الأخرى، ومع أن الترابي انشق عن جماعة الإخوان المسلمين مبكرا وشكل "حزب المؤتمر الشعبي السوداني" إلا أنه استمر في مراجعاته المثيرة للجدل حتى وفاته[9].

وبالنسبة لتنظيم القاعدة العنوان الأبرز للإسلام السياسي المتشدد، فقد مارست القاعدة نقدا عنيفا لجماعة الإخوان المسلمين وأخذت عليها نهجها البراجماتي المفرط بل وصفت الجماعة بأنها "مرجئة العصر"، إلا أن تنظيم القاعدة لم ينج بدوره من مراجعات من داخله بدءا من عام 2007 وكان أشهرها مراجعات سيد إمام الشريف المشهور بالدكتور فضل و"ومفتي المجاهدين في العالم" كما أطلق عليه تنظيم الجهاد، وقد دَوَّن مراجعاته في ثلاثة كتب، أولها "وثيقة ترشيد العمل الجهادي" وثانيها "التعرية"، وآخرها "الصراع في أفغانستان"، وأهم ما جاء في مراجعاته: الدعوة  لترشيد العمل الجهادى في مصر والعالم، كما استنكر ظهور صور مستحدثة من القتل والقتال باسم الجهاد انطوت على مخالفات شرعية، ويرى أن الجهاد في الإسلام فريضة مستمرة وباقية، لكن (الجهاديين) مارسوا أخطاء عديدة، وصلت إلي حد المفاسد. كما قال "إن سفك الدماء وإتلاف الأموال بغير حق، من أكثر الأشياء التي تجلب سخط الرب"[10]. بالإضافة إلى مراجعات الأردني أبي محمد المقدسي، في كتابه "وقفات مع ثمرات الجهاد" ورسالته "مناصرة ومناصحة" الموجهة لأبي مصعب الزرقاوي قبل وفاته سنة 2006[11].

وفي ليبيا حدثت مراجعات عند الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة، وقام سيف الإسلام القذافي بدور كبير من خلال حواراته مع قادة الجماعة في السجون الليبية استمرت عامين بين 2007-2009، ووردت المراجعات في وثيقة موسومة بـعنوان "دراسات تصحيحية في مفاهيم الجهاد والحسبة والحكم على الناس"[12].

وفي المغرب حدثت نقلة نوعية عند حزب العدالة والتنمية بعد فوزه بالانتخابات التشريعية لأول مرة 2011 حيث بدا واضحا توطينه للأيديولوجيا الدينية لصالح الوطنية المغربية و(الإسلام المغربي)[13]. وسبق ذلك مراجعات داخل حركة الشبيبة الإسلامية المغربية التي كانت تميل للعنف وأدت المراجعات إلى ظهور حركة التوحيد والإصلاح عام 1996، ومن أبرز قادتها الدكتور أحمد الريسوني الذي وثَّق مراجعات حركته في أحد كتبه حيث يقول في مقدمة الكتاب إن "الفقه الإسلامي عموما هو اجتهاد بشري، فإذا كان الوحي معصوما؛ فإن فهمه والاستنباط منه ليس عملا معصوما"[14]

وفي الأردن أعلن فرع جماعة الإخوان المسلمين في كانون الثاني (يناير) 2016 عن انفصاله عن جماعة الإخوان في مصر مؤكدا أن ما يربط الجماعة في الأردن ببقية فروع الإخوان مجرد تنسيق وليس علاقة تنظيمية[15]، كما يشوب التباس علاقة حزب التجمع اليمني للإصلاح في اليمن بجماعة الإخوان المسلمين. 

أن تراجع القوى السياسية مواقفها وأيديولوجياتها لا يعني التراجع والتخلي عن القيم والأهداف والمصالح الوطنية أو التخلي عن العقيدة الإسلامية، بل مراجعة مواقف وأيديولوجيات مؤسَسة على فهم خاطئ للمصلحة الوطنية أو للدين أو لهما معا، فالمراجعة في هذه الحالة هي عملية تراجع عن شطط في التفكير وتقصير في الفهم والإدراك أديا لأخطاء في الممارسة، والمراجعة تعني التصالح مع الشعب ومع الوطن والوطنية. 

ولكن وحتى تكون المراجعة حقيقية وليست مجرد مناورة للخروج من مأزق أو الانحناء للعاصفة حتى تمر، يجب أن تكون مراجعة جذرية للفكر والأيديولوجيا ومراجعة للسلوك والممارسة في نفس الوقت، كما يجب أن تؤسَس المراجعة على اعتراف حقيقي بالخطأ واستعداد لتصحيحه وتَحَمُّل نتائج ذلك، حيث لكل مراجعة ثمن يجب أن يُدفع، وأن يُدفع اليوم بخسائر أقل أفضل من أن يُدفع مستقبلا بخسائر أكثر فداحة حزبيا ووطنيا وقد يصل الأمر لإخراج الحزب أو الحركة السياسية من المشهد السياسي موسوما بالخيانة. لذا فمن الأفضل أن يُدفع الثمن اليوم للشريك الوطني أفضل من أن يُدفع غدا لأطراف خارجية.

إن تغيير السياسات على أرض الواقع والتخلي عن حالة الاستعلاء على الوطن والقوى الوطنية والاستعداد للانخراط في الحالة الوطنية في إطار شراكة لا تعطي تميزا على أساس احتكار الحقيقة الدينية. .. هو المحك للحكم على مدى مصداقية خطاب المراجعة والنقد الذاتي. كما أن المراجعة والنقد الذاتي لا يُسقطان المسؤولية ولا يمنحان شهادة حسن سير وسلوك للمراجعين تؤهلهم لأن يستمروا في السلطة إن كانوا يتولونها أو يستلموا سدة الحكم وقيادة النظام السياسي مباشرة إن كانوا في المعارضة، بل يجب أن يمروا بمرحلة من إعادة التأهيل واختبار المصداقية، حتى لا يصبح الوطن والدين حقل تجارب لكل من هب ودب.

 

المحور الثاني

مراجعات حركة حماس والتباس إشكالية الوطني والديني
كتبنا منذ عقد من الزمان مطالبين بتوطين الأيديولوجيات الدينية في فلسطين لتصبح جزءا من الحالة الوطنية ومتصالحة معها، وتجنب افتعال صدام كما يجري في بعض البلدان العربية ما بين الوطنية والدين كما تفهمه وتوظفه جماعات الإسلام السياسي[16].
المشكلة الرئيسية بالنسبة للإسلام السياسي في فلسطين وخصوصا مع حركة حماس لا تكمن في وجود اجتهادات فقهية تستدعي من حركة حماس مراجعتها،  نظرا لغياب علماء دين مجتهدين عند حركة حماس وبسبب تبعية جماعات الإسلام السياسي في فلسطين لمرجعية خارجية، إن المشكلة تكمن في اصطناع مواجهة بين المشروع الوطني و(المشروع الإسلامي) قبل قيام الدولة الوطنية المستقلة وفي خضم المواجهة مع إسرائيل التي تحتل كل فلسطين وتشكل النقيض الموضوعي للشعب والوطن.
انطلاقا من هذه الخصوصية كان على حركتي حماس والجهاد الإسلامي توطين أيديولوجيتهم الدينية لتصبحا جزءا من المشروع الوطني الفلسطيني، نظرا لأن الشعب الفلسطيني يعيش مرحلة تحرر وطني تحتاج لإعلاء راية الوطنية والتمسك بالهوية والثقافة الوطنية، ولخطورة رهن القضية الوطنية بأي أجندة خارجية حتى وإن كانت ترفع شعارات دينية.  

وفي هذا السياق لا بد من الإشارة إلى اختلاف حركة الجهاد عن حركة حماس، حيث إن حركة الجهاد وبالرغم من انتماء مؤسسيها الأوائل لحركة الإخوان المسلمين إلا أنها انفصلت منذ تأسيسها عام 1987 على يد عبد العزيز الشقاقي عن الإخوان وبالتالي عن حركة حماس، ولها مواقف سياسية مغايرة عن حركة حماس، كما أنها تُشكل جماعة إسلامية وطنية حيث لا تُعلن أنها امتداد لمرجعية أو جماعة خارجية، ورفضها الدخول في منظمة التحرير ليس لأن المنظمة علمانية، كما تبرر حركة حماس رفضها دخول منظمة التحرير، بل بسبب النهج السياسي للمنظمة.  

توطين حركة حماس لفكرها وأيديولوجيتها مطلب ضروري إن رغبت بأن تكون جزءا من النظام السياسي الفلسطيني وتقود أو تشارك في قيادة الشعب الفلسطيني، لأن الشعب الفلسطيني لا يقبل أن تحكمه حركة سياسية تقول بأنها امتداد لجماعة الإخوان المسلمين وفرع من فروعها، لأن ذلك يعني أن الأصل هو الذي يحكم، أي يصبح الشعب الفلسطيني محكوماً ومسيراً من طرف جماعة الإخوان المسلمين ويصبح مصير قضيتنا الوطنية رهناً بما تؤول إليه الأمور في هذه الجماعة ولحساباتها وتوازناتها ومصالحها الأممية.

توطين حركة حماس لنفسها لا يعني تخليها عن مرجعيتها الإسلامية، فهذا شأنها وشأن المنخرطين فيها، ويمكنها أن تستمر بهذه الوضعية ما دامت خارج السلطة والقيادة أو تمارس الجهاد المقدس، ولكن أن تقول أو تتطلع لقيادة الشعب الفلسطيني وفي نفس الوقت تقول بأنها امتداد لجماعة خارجية فهذا ما لا يقبله الشعب الفلسطيني لأنه لا يقبل أن يقوده تنظيم خارجي، ولا يقبل أن يرتبط مصيره ومصير القضية الوطنية بمصير حزب مرجعيته السياسية غير فلسطينية.

تمنينا مبكرا على حركة حماس عدم الانزلاق نحو مشاريع دينية أممية على حساب المشروع الوطني، وألا ينخدعوا بالأصوات الخارجية التي ضخمت من فوزهم في الانتخابات التشريعية كانون الثاني (يناير) 2006 مصورين ذلك انتصارا للمشروع الإسلامي العالمي يجب الحفاظ عليه بأي ثمن، إلى غير ذلك من الخطابات التي دفعت حركة حماس للتعالي على المشروع الوطني وقواه الوطنية،  وتمنينا على حركة حماس أن تقول لحلفائها ومرجعياتها في الخارج، إن كانوا يريدون نجاح مشروع الإمارة الإسلامية فليبحثوا عن هذا النجاح في الدول الإسلامية المستقلة وذات السيادة، أما في فلسطين فهناك خصوصية تجعل المسألة الوطنية والمشروع التحرري الوطني سابقاً على أي مشاريع أخرى.  

في المجتمعات الإسلامية الأخرى يمكنهم تغييب البعد الوطني أو إلحاق الوطني بالديني دون خوف على الهوية الوطنية والدولة الوطنية، أما في فلسطين فيجب إلحاق الديني بالوطني، أي توطين الإسلام السياسي، وعندما ننجز مشروعنا الوطني التحرري ودولتنا الوطنية، آنذاك يكون لكل حادث حديث.

بذلت منظمة التحرير كل الجهد لانضواء حركتي حماس والجهاد الإسلامي في منظمة التحرير وفي المشروع الوطني، ولا يسعنا في هذا السياق تجاهل موقف الرئيس أبو مازن في انتخابات كانون الثاني (يناير) 2006 حيث شجع مشاركة حماس في الانتخابات بالرغم من علمه بما تحظى به من شعبية، كما ناشد وتمنى على حركة حماس أن تتفهم خصوصية وخطورة المرحلة وطلب من السيد إسماعيل هنية رئيس الوزراء آنذاك أن يقدم برنامجاً حكومياً لا يمنح إسرائيل فرصة لإجهاض الحكومة الوليدة – مع أن إسرائيل لا تحتاج لمبررات إضافية لحصار الشعب ولإضعاف السلطة الوطنية بغض النظر عمن يترأسها أو يشكل حكومتها - ولا يدفع دول العالم وخصوصا المموِلة للسلطة من أن تفرض الحصار على قطاع غزة وعلى السلطة بشكل عام.

كان أمام حركة حماس أكثر من فرصة ومناسبة للدخول بعِزة ومن مركز القوة في النظام السياسي والمشروع الوطني، إلا أنها فوتت هذه الفرص نتيجة ما كانت تتعرض له من ضغوط من طرف الأجندات والمشاريع الخارجية، وبسبب فهم خاطئ لعلاقة الديني بالوطني، وأيضا نتيجة حقد بعض قياداتها على حركة فتح ومنظمة التحرير، وكان ثمن ذلك سقوط الكثير من الضحايا بالإضافة إلى حالة الانقسام المريرة، دون تجاهل أخطاء وممارسات بعضها مقصودة وأخرى غير مقصودة من بعض المسؤولين في حركة فتح والمعسكر الوطني.

الميثاق الجديد مراجعة ما بعد فشل المراهنات

إن كان البعض يُدرج الوثيقة أو الميثاق الجديد لحركة حماس في إطار براغماتية الإخوان المسلمين تاريخيا ومحاولة السير على خطى فروع الإخوان في الأردن وتونس ومصر من حيث توطين الأيديولوجيا لتأسيس مصالحة بين الوطنية والأيديولوجيا الدينية تعزز الدولة الوطنية، إلا أنه في الحالة الفلسطينية فإن المراجعة المتضمنة في الوثيقة الجديدة تأخذ سياقا مختلفا.        (براغماتية) حركة حماس لم تظهر فقط مع ظهور الوثيقة الجديدة للحركة، بل كانت حاضرة قبل ذلك وقد ذكر خالد مشعل وهو يُعلن عن الوثيقة أنها جاءت نتيجة جدل ونقاش استمر لسنوات وهو كلام صحيح ولكن الصحيح أيضا أن مخرجات ما يسمى (الربيع العربي) ومجيء الرئيس الأميركي ترامب أهم أسباب طرح الوثيقة أو انضاج عملية المراجعة عند حركة حماس.

مؤشرات التحول عند حركة حماس تعود لسنوات ما قبل ظهور الوثيقة أو الميثاق الجديد للحركة.  فلم يكن انتقال السيد خالد مشعل من سوريا إلى قطر ورهن الحركة نفسها ومشروعها السياسي (المقاوم) بدولة قطر، لم يكن هذا انتقالاً في الجغرافيا بل كان انتقالاً وتحولاً في السياسة والأيديولوجيا والخيارات السياسية، حيث لا يمكن الاقتناع أن حركة مقاومة مسلحة ضد إسرائيل ترفع شعارا لها تحرير فلسطين من البحر إلى النهر والمقاومة المسلحة خياراً استراتيجياً ورفض التسوية السياسية الخ، لا يمكن لحركة ترفع هذه الشعارات أن تتحالف مع دولة قطر وتركيا الحليفين الاستراتيجيين لواشنطن والمتصالحتين مع إسرائيل.  

وفي هذا السياق يمكن اعتبار ما قاله السيد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس آنذاك في ندوة نظمها مركز الجزيرة للدراسات في الدوحة يوم السبت 24/9/2016 تحت عنوان "التحولات في الحركات الإسلامية" أول مؤشر على استعداد حركة حماس لمراجعة سياساتها.  حيث اعترف السيد خالد مشعل بأن حركة حماس أخطأت عندما استسهلت حكم قطاع غزة واعتقادها بأن زمن حركة فتح قد انتهى، بالإضافة إلى كيفية تعامل الإسلاميين مع ما يسمى (الربيع العربي). وقد سبق للسيد خالد مشعل في ندوة عن "الإسلاميين والديموقراطية" عُقدت في الدوحة 8/10/2012 أن طالب حركات الإسلام السياسي بأن تؤسس لنموذج معاصر للديموقراطية، قائلا: بأن "هناك فرقاً بين موقع المعارضة والحكم، بين التخيّل والافتراض والمعايشة والمعاناة، وفرقاً بين الناقد والممارس... وأن على الإسلاميين الاعتراف بأن الحكم أعقد مما كانوا يتصورون".

التحولات في موقف حركة حماس كما وردت في الوثيقة، سواء تعلق الأمر بعلاقتها بحركة الإخوان المسلمين أو نظرتها للوطنية الفلسطينية والدولة الفلسطينية وعملية التسوية السياسية الخ، ما كانت لتكون في رأينا لولا فشل مراهنات حركة حماس على كافة المستويات.

فعلى المستوى الداخلي أخطأت حركة حماس بداية عندما تساوقت مع خطة شارون للخروج من قطاع غزة عام 2005 وتعاملت مع هذه الخطوة وكأنها هروب الجيش الإسرائيلي من غزة وانتصار للمقاومة وبالتالي انتصار لنهجها في مقابل فشل نهج التسوية والسلام!، وأخطأت حركة حماس عندما فسرت فوزها بالانتخابات التشريعية يوم 25 كانون الثاني (يناير) 2006 وكأنه تفويض لها لقيادة الشعب الفلسطيني وتجاوز منظمة التحرير، وأخطأت حركة حماس عندما أقدَمت على انقلابها والذي روجت له كحسم عسكري مع رافضي نتائج الانتخابات، وهؤلاء كانوا موجودين ولا شك ولكن ليسوا هم السبب الحقيقي وراء ما أقدمت عليه الحركة، فحركة حماس وظفت كل ذلك لتضع اللبنة الأولى لتأسيس دولة غزة في سياق تصعيد الإسلام السياسي على المستوى العربي في إطار السياسة الأميركية لصناعة (الفوضى الخلاقة).  

وفوق كل ذلك وبسبب كل ذلك فشلت حركة حماس في إدارة وتدبير الأمور في قطاع غزة على كافة المستويات - دون تجاهل دور الحصار وموجات العدوان الإسرائيلي المتكررة على القطاع- حيث عم الفقر والبطالة والتسول والفساد واليأس والإحباط بشكل غير مسبوق، مما أدى لتدهور شعبية حركة حماس في القطاع بشكل كبير، حتى مراهنتها على دعم المواطنين من السكان الأصليين للقطاع وأبناء العائلات الكبيرة لمشروع دولة غزة لم يحقق كثير نجاح، مع أن دولة غزة تدغدغ مشاعر بعض أبناء العائلات الغزية.  

وعلى المستوى الخارجي رهنت حركة حماس القضية الفلسطينية بمواقف دول وحركات عقائدية تقاطعت مصالحها لحظيا مع سياسة الحركة، وتجاهلت هذه الأخيرة أن الدول تتصرف انطلاقا من مصالحها القومية وليس على أسس أيديولوجية أو عاطفية، والمصالح والسياسات تتغير وتتبدل. وهكذا انكشفت هشاشة تحالفات حماس ومراهناتها عندما سقط حكم الإخوان في مصر بسقوط / إسقاط محمد مرسي وفشل الجماعات الإسلاموية وانكشاف حقيقة مواقفها وسياساتها في كل العالم العربي، وارتبكت وانكشفت حركة حماس عندما تصالحت تركيا مع إسرائيل، وفشلت مراهنات حركة حماس عندما جاء الرئيس الأميركي ترامب برؤية مختلفة عن رؤية أوباما الذي وظف جماعة الإخوان المسلمين لتنفيذ سياسة (الفوضى الخلاقة) وإثارة الفتنة في المنطقة،  وتأزمت حركة حماس عندما انحازت دولة قطر وتركيا لمصالحهما ولدورهما الوظيفي في المنطقة مجاراة للرئيس ترامب في موقفه المعادي للإخوان المسلمين والمنقلب على سياسة سلفه.

إذن من الجيد أن تقوم حماس بتوطين خطابها وتوجهاتها السياسية وأن تتعلم درسا من تجربة مريرة من التبعية لأجندة ومشاريع عابرة للوطنية. مراجعة حركة حماس لا يعني أن تلتحق بمشروع أوسلو أو حتى بمنظمة التحرير بواقعها الراهن، بل بالمشروع الوطني الذي يجب أن يُعاد تأسيسه بمشاركة الجميع، وهو مشروع يحتاج لروح المقاومة والصمود.

ولكن، هل كل ما جرى كان مجرد أخطاء تعبر عن جهل سياسي؟ أم نهجاً سياسياً مدروساً ومقصوداً وجزءاً من رؤية استراتيجية لجماعة الإخوان المسلمين وحركة حماس جزء منها؟ وهل التراجع عن الأخطاء يكون من خلال وثيقة جديدة تتلاعب بالمنطلقات الاستراتيجية وتلامس الوطنية الفلسطينية حتى تتكيف الحركة مع معطيات المرحلة مع حفاظها على السيطرة على قطاع غزة؟، صحيح أنها استعملت مفردات وطنية إلا أن شكوكا تراود كثيرين ما إن كان ذلك يندرج في سياق تعزيز مكانة حركة حماس كبديل لمنظمة التحرير وحتى تحافظ الحركة على بقائها في المشهد السياسي أم لتصبح شريكا وطنيا وجزءا من المنظمة؟.     

 

المحور الثالث

الوثيقة خطوة نحو الوحدة الوطنية أم خطوة نحو الانفصال؟

وأنا استمع للمؤتمر الصحافي للسيد خالد مشعل في الدوحة يوم الفاتح من أيار (مايو) 2017 وهو يطرح الوثيقة الجديدة لحماس ويُجيب عن أسئلة الصحافيين في جو احتفالي، استحضرت جلسة المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر في 15 تشرين الثاني (نوفمبر) 1988 عندما طرح الرئيس الراحل أبو عمار وثيقة إعلان الاستقلال وسط تصفيق وتهليل الحضور. في الحالتين تم التراجع عن المنطلقات والمرجعيات المؤسِسة، الميثاق الوطني بالنسبة لمنظمة التحرير وميثاق حماس بالنسبة لحركة حماس، وفي الحالتين تم تمرير الأمر وكأنه انتصار أو تعبير عن واقعية سياسية أملتها متطلبات المرحلة وضرورات التجاوب مع مطالب الأصدقاء وللحفاظ على حيوية القضية الفلسطينية وكسب مزيد من الأصدقاء، الخ.

في التجربة الأولى كانت وثيقة إعلان الاستقلال التي اعترفت بمقتضاها منظمة التحرير بإسرائيل بطريقة غير مباشرة وأعلنت اعترافها بكل قرارات الشرعية الدولية وأن هدفها النهائي هو قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967، وجاء هذا التحول بعد عدة صدمات تعرضت لها المنظمة وخصوصا بعد إخراج قواتها من لبنان 1982 والانشقاق داخل فتح، وخلافاتها مع سوريا، والتضييق عليها من عدة دول عربية بالإضافة إلى إسرائيل وواشنطن، وبعد مؤتمر القمة العربية في عمان الذي حاول الالتفاف على منظمة التحرير ولولا الانتفاضة الأولى 1987 ربما تم شطب المنظمة.

مع أن وثيقة إعلان الاستقلال ومراهنة منظمة التحرير على المبادرات العربية والدولية وخضوعها لابتزاز بعض الأنظمة العربية، آلت لمزيد من التراجعات الإكراهية وأدى الأمر لتوقيع اتفاقية أوسلو في تجاوز لنصوص وروح الميثاق الوطني وإعلان الاستقلال، ثم صيرورة الأمور إلى ما هي عليه، إلا أنه يُحسب لمنظمة التحرير أنها وخلال ثلاثة عقود تقريبا من النضال المسلح استطاعت استنهاض وتثبيت الهوية الوطنية وأعادت وضع القضية الفلسطينية كقضية سياسية وفرضت على العالم أن يعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا للشعب الفلسطيني كما حافظت على وحدة وتماسك الحركة الوطنية الفلسطينية، كما أن وثيقة إعلان الدولة حظيت بإجماع وطني وكانت واضحة الأهداف.   

أما التجربة الثانية والتي تمثلها وثيقة حركة حماس "وثيقة المبادئ والسياسات العامة"، فقد استحسنا أن تصف حماس نفسها بأنها حركة تحرّر ومقاومة وطنية فلسطينية إسلامية، مع أن إضافة كلمة (إسلامية) توحى بالاختلاف مع الآخر أو إخراجه من الإسلام مما يخلق تناقضا بين الوطني والإسلامي، وجيد أيضا أن تتحدث عن الديمقراطية والشراكة السياسية، وجيد أن تتجنب الاعتراف بإسرائيل بصراحة لأنه ليس مطلوباً من كل الشعب الفلسطيني أن يعترف بإسرائيل قبل قيام الدولة الفلسطينية المستقلة، وجيد أنها تمسكت بالمقاومة، وأشياء أخرى تمثل رؤية مختلفة عما ورد في ميثاق حماس الأول.

إلا أن الوثيقة أثارت كثيرا من التساؤلات المشككة سواء من حيث التوقيت والهدف منها أو من حيث التباس بعض نصوصها والتلاعب بالمصطلحات والجمع بين المتناقضات، بحيث تضمنت الوثيقة الشيء ونقيضه أو أنها كجراب الحاوي يمكنك أن تستخرج منه ما تريد، ويمكننا تفهم ذلك لصعوبة تغيير حركة عقائدية لبرنامجها وسياساتها مرة واحدة.  

لكن الأمر ليس مناظرة فكرية أو مفاضلة بين برامج ووثائق لنقول بأن وثيقة حماس أفضل من برنامج حركة فتح والمنظمة أو العكس، والأمر لا يتعلق بمدى قدرة حركة حماس على إرضاء الخارج خصوصا القاهرة وواشنطن وإسرائيل من خلال فك الارتباط التنظيمي مع جماعة الإخوان، أو تسويق حماس نفسها للخارج كحركة وطنية معتدلة تملك سلطة على الأرض ويمكنها أن تكون بديلا وطنيا عن منظمة التحرير وحركة فتح.  

إن المحك العملي لوطنية ومصداقية أي حزب أو حركة هو الممارسة على الأرض وطنيا وما يقدمه للوطن وقدرته على تجميع الكم الأكبر من أبناء الوطن بما يخدم المصلحة الوطنية وليس بما يرضي الأطراف الخارجية، مع تلمسنا وتفهمنا لثقل وتأثير المحيط العربي والإقليمي والدولي على الحالة الفلسطينية. أيضا فإن الحكم على حدوث تغيير إيجابي عند حركة حماس لا يتأتى من خلال وثيقة جديدة، ولا من خلال تفسيرات وتصريحات بعض قادة حماس المعبِرة عن حسن النية، بل من خلال الممارسة ما بعد الوثيقة وقدرة المستجدات التي تتضمنها الوثيقة على تفكيك ملفات الانقسام والالتقاء وسط الطريق مع منظمة التحرير في إطار استراتيجية للمصالحة والانخراط في المشروع الوطني.  

مضمون الوثيقة يقول ضمنا بأن (حماس الإخوانية) وصلت لطريق مسدود، ولكن هل ستتجاوز (حماس الوطنية) عتبة التغيير في الكلمات والوثائق إلى مرحلة الاعتراف بالخطأ ومحاولة تصحيحه من خلال إثبات مصداقية وطنيا بخطوات عملية للوحدة الوطنية تؤكد أن فلسطين قبل وفوق الجميع، وأن تقابل الرسائل المطمئنة التي أرسلتها الوثيقة للخارج برسائل وممارسات عملية لـ(الشريك الوطني)؟.

المُعلن والخفي في وثيقة حماس

كنا نتمنى من حركة حماس أن تستفيد من تجربة منظمة التحرير الفلسطينية وتتعلم من التجارب التاريخية للشعب الفلسطيني مع المشاريع والأجندة العربية والإقليمية والدولية، وضرورة الحفاظ على استقلالية القرار الوطني المستقل وأهمية الوحدة الوطنية بعد سنوات من تحويل حركة حماس الساحة الفلسطينية لحقل تجارب لمشاريع إقليمية وإسلاموية دفع الشعب والقضية لها ثمنا باهظا.

ومن هذا المنطلق طالبنا وتمنينا على حركة حماس مبكرا أن توطِّن أيديولوجيتها وبرنامجها السياسي وأن تفك تحالفها وتبعيتها لجماعة الإخوان المسلمين وللمحاور العربية والإقليمية بعد أن رأينا كيف حوَّلت حركة حماس قطاع غزة لحقل تجارب لمشروع الإخوان المسلمين المتحالف مع المشروع الأميركي كما تبلور في مشروع الشرق الأوسط الكبير 2004، ثم الشرق الأوسط الجديد 2006، ولسياسة (الفوضى الخلاقة) بالرؤية الأميركية.

لقد اعتقد البعض في حركة حماس ومن يؤيدها وعن حسن نية أن أطراف هذا المشروع – واشنطن والإخوان المسلمين وقطر وتركيا – يمكنهم أن يكونوا عونا لبرنامج المقاومة للقضاء على إسرائيل أو بديلا عن الشعب الفلسطيني ومنظمة التحرير والمشروع الوطني، كما اعتقد هؤلاء حسني النية أنه بسيطرة حماس على القطاع يمكنها تحويل القطاع لقاعدة ومنطلق لمشروع المقاومة لتحرير بقية فلسطين وأن يُنجزوا بالمقاومة ما عجزت عن إنجازه المفاوضات وعملية التسوية!.

أن تعلن حركة حماس عن وثيقتها الجديدة من قطر الدولة التي رعت ووقفت إلى جانب حماس طوال سنوات التزام هذه الأخيرة بميثاقها الإخواني يؤكد أن تحول سياسة حماس مرتبط بتحول في سياسة قطر وبالتالي التحول في الرؤية الأميركية لدور ووظيفة الإسلام السياسي المعتدل، أو بصيغة أخرى انتهاء الدور الوظيفي لمحور قطر وتركيا والإخوان في صناعة (الفوضى الخلاقة).

يبدو أن إعلان وثيقة حماس في الفاتح من أيار (مايو) 2017 في قطر لم يكن تعبيرا عن موقف قوة ولا عن براغماتية عقلانية بل جاء نتيجة وصول رهاناتها وخياراتها إلى طريق مسدود نتيجة أيديولوجيا مغلقة معادية للوطنية الفلسطينية ورافضة الاستفادة من التجربة السياسية النضالية لمنظمة التحرير. فأن تطرح حماس وثيقة جديدة تتشابه بكثير من بنودها ومواقفها السياسية مع الميثاق الوطني الفلسطيني وتحولاته في إعلان الدولة في الجزائر عام 1988 لا يندرج في سياق الواقعية السياسية أو البراغماتية بل في إطار التجريبية غير العقلانية والمراهنات الفاشلة والتي دفع من جرائها الشعب الفلسطيني ثمنا باهظا. وبالتالي فالوثيقة لا تعتبر إنجازا بل اعترافا بفشل، مما يتطلب المحاسبة وليس التأييد والمباركة حتى لا يكون الشعب الفلسطيني حقل تجارب لكل من هب ودب.

فلم يمر يوم واحد على صدور وثيقة حماس والتي من خلالها حاولت أن تروج نفسها كحركة وطنية إسلامية معتدلة، حتى جاءت ممارساتها عمليا وتصريحات قادتها وخصوصا في قطاع غزة لتثير شكوكا حول النوايا الحقيقية لحركة حماس من وراء طرح هذه الوثيقة. فهذا السلوك وهذه التصريحات أظهرت وكأن حماس من خلال وثيقتها لم تكن معنية بالمصالحة الوطنية وإنهاء الانقسام بقدر ما كانت تريد توظيف خطاب معتدل موجه للعالم الخارجي على أمل التعامل معها كبديل أو على الأقل كند لمنظمة التحرير الفلسطينية.

فقد استغربنا بل واستفزنا توظيف حركة حماس مهرجانات دعم الأسرى لشن حملة مسعورة على الرئيس أبو مازن من خلال حرق صوره ورفع شعارات وصدور تصريحات من قادة حمساويين تقول بأن الرئيس أبو مازن لا يمثل الشعب الفلسطيني وذلك أثناء زيارة الرئيس لواشنطن ولقائه بالرئيس الأميركي ترامب والقاء الرئيس أبو مازن خطابا ومن خلفه العلم الفلسطيني يؤكد فيه أن الشعب الفلسطيني متمسك بهدف إقامة دولة فلسطينية على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية وأنه متمسك بالسلام بعملية السلام والتسوية السياسية.  

استغرابنا ينبع من هذا الهجوم على الرئيس في الوقت الذي تعترف فيه وثيقة حماس بهدف الدولة الفلسطينية على حدود 1967 وفي الوقت الذي لا تتضمن وثيقتها، التي تم الإعلان عنها في قطر، أية إشارة أو ذكر للولايات المتحدة والغرب عموما كأعداء للشعب الفلسطيني أو دورهم في قيام إسرائيل ودعمها حتى اليوم، بل إن السيد خالد مشعل يخاطب الرئيس ترامب والغرب عبر الإعلام بود وكأنه يستجدي منهم اعترافا بـ(حركة حماس الجديدة)، أيضا تتم مهاجمة الرئيس أبو مازن وخطابه فيما حركة حماس ملتزمة بهدنة مع إسرائيل.  

في الوقت الذي تسعى فيه حركة حماس للظهور بمظهر الاعتدال عند العالم الخارجي، من خلال وثيقتها الجديدة وتنصيب شخصية معتدلة – إسماعيل هنية - كرئيس للمكتب السياسي للحركة، فإن تياراً داخل الحركة خيب آمال الشعب الفلسطيني التواق للوحدة الوطنية، وعزز قناعة عند كثيرين بأن التحول في موقف حماس لا يعود لنضج سياسي ولا لاعتبارات فلسطينية داخلية كالرغبة في أن تكون جزءا من الحالة الوطنية والدفع نحو المصالحة الوطنية وإنهاء الانقسام، بل يعود لمتغيرات إقليمية ودولية جاءت على عكس رهانات حركة حماس والإخوان المسلمين، واستمرار رغبة حركة حماس في السيطرة على قطاع غزة.  

نعم، من حق حماس وأي حزب فلسطيني أن يتطلع لقيادة الشعب الفلسطيني ومنظمة التحرير، لأن القيادة ليست حكرا على حركة فتح والرئيس أبو مازن، ولكن الممر لذلك هو الانتخابات الرئاسية والتشريعية والمجلس الوطني، أو التوافق الوطني على ذلك، وإلا فلن تصل حركة حماس لقيادة الشعب الفلسطيني إلا إذا رغبت أطراف خارجية في ذلك في سعي منها لإنهاء المشروع الوطني الفلسطيني وخلق فتنة داخلية.  

في هذا السياق فإن ما نخشاه أن تحوز محاولات حماس للاعتراف بها من العالم الخارجي بالقبول بل والترحيب، ولكن كطرف أو سلطة حاكمة في قطاع غزة، مما سيؤول لانقسام تمثيل الشعب الفلسطيني -مع الإشارة أن وثيقة حماس لا تعترف بمنظمة التحرير ممثلا شرعيا وحيدا- وإسرائيل وأطراف أخرى بما فيها عربية مستعدة لأن تتفاوض بل وتتعامل مع حركة حماس كسلطة حاكمة في قطاع غزة، ومع السلطة الفلسطينية في نطاق صلاحياتها في الضفة فقط.

خاتمة

كان على حركة حماس الأخذ بعين الاعتبار خصوصية الحالة الفلسطينية واختلافها عن الحالة العربية، بمعنى في الحالة العربية الشعوب أقامت دولتها ومشروعها الوطني، وبعض فئات المجتمع تريد أن تنقل المجتمع من مربع الدولة الوطنية إلى مربع أشمل وهو الدولة أو الخلافة الإسلامية، لكن الفلسطينيين لم ينجزوا الدولة الوطنية بعد وما زالوا تحت الاحتلال ومهمتهم تحرير وطنهم أولا، وسيكون من المخاطرة القفز لمشروع الخلافة أو الوحدة الإسلامية قبل إقامة الدولة الوطنية وتحرير فلسطين.

دون الخوض بكثير من الجدل ما إن كانت المراجعات السياسية لحركة حماس تعبيراً عن تطور ونضج حقيقي في التوجهات الوطنية للحركة أم مجرد مناورة والتفافاً على المأزق الذي تعيشه داخليا وخارجيا، فإن الحركة اليوم أمام مفترق طرق: إما أن تستمر في التموضع كامتداد لأصل خارجي وبالتالي قرارها خارجها مما يجعلها عرضة لمراهنات البعض من الأيديولوجيين الإسلاميين على جعل غزة الإقليم القاعدة لدولة الخلافة الموعودة وتستمر إسرائيل في ابتزازها، أو أن تنحاز لفلسطين وللهم الوطني وتعمل مع القوى السياسية الفلسطينية على استنهاض المشروع الوطني، وفي المشروع الوطني متسع للجميع والوطنية الفلسطينية لا تناصب الدين العداء، بل إن هذا الأخير جزء أصيل منها وأحد أدواتها في مواجهة المشروع اليهودي الصهيوني الاستعماري.

 

 

 

1- http://www.alwatanvoice.com/arabic/news/2016/03/27/892153.html

 

 

 

 

الهوامش:


[*]أستاذ العلوم السياسية، جامعة الأزهر- غزة.


[1] من خلال قراءة لأهم المراجعات التي تركت صدى كبيرا نلاحظ أنها تخص الجماعات العقائدية أو الأصولية،  سواء أكانت أصولية دينية كالأصولية الإسلامية أو أصولية علمانية، فالأصولية ليست سمة أو مرضاً يصيب الحركات الدينية فقط بل يتعداها إلى الأيديولوجيات الدنيوية أو الوضعية كالأيديولوجيا الماركسية وبعض الأحزاب القومية. 

[2]يمكن الرجوع إلى: إبراهيم أبراش، دراسة تحليلية لحركة القوميين العرب ومواقفها من القضية الفلسطينية، ضمن كتاب: الحركة القومية العربية في مائة عام، إعداد ناجي علوش، دار الشروق، عمان، 1998.

[3]انظر حول الموضوع بالتفصيل: إبراهيم أبراش، الديمقراطية بين عالمية الفكرة وخصوصية التطبيق (مقاربة للتجربة الديمقراطية في المغرب)، منشورات الزمن، الرباط، 2001.

[4] صحيفة الشرق الأوسط اللندنية 1 حزيران (يونيو) 2016.

[5] فشلت جماعة الإخوان المسلمين بقيادة محمد مرسي في الاستمرار بحكم مصر لأكثر من سنة - تم انتخابه يوم 24 حزيران (يونيو) 2012 وعزلته القوات المسلحة في 3 تموز (يوليو) 2013 بعد ثورة شعبية - كما تراجع حزب النهضة التونسي في الانتخابات التشريعية التي جرت في تشرين الأول (أكتوبر) 2014، وفي بقية البلدان تراجعت شعبيتهم بدرجة كبيرة بل تم تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كحركة إرهابية من طرف العربية السعودية ودولة الإمارات العربية وغيرها.

[6] علي عبد الرازق، الإسلام وأصول الحكم، دار الهلال، القاهرة، 1925.

[7]تم الإعلان عن هذه المراجعة في تموز (يوليو) عام 1997، أثناء نظر القضية رقم "235" حيث ألقى أحد المتهمين، وهو محمد عبد العليم، بيانا موقعا من القادة التاريخيين للجماعة الإسلامية يدعو فيه إلى وقف العمليات المسلحة كافة ووقف التحريض عليها داخل وخارج مصر حقنا للدماء.

[8] يعتبر ناجح إبرا

الملفات المرفقة

إبراهيم أبراش.docx
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website