شرعنة الاستيطان: قراءة في قانون "تسوية التوطين"، كمال قبعة، العدد268.

شرعَنة الاستيطان: قراءة في قانون "تسوية التوطين"

د. كمال قبعة[*]

 

يعتبر قانون "تسوية التوطين" شرعنة للاستيطان بأبشع صوره، وبداية ضم الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 للسيادة الإسرائيلية، بدليل أن اليمين الإسرائيلي المنفرد بالحكم وحده منذ عام 2015، قرر تطبيق سياسة "أرض إسرائيل الكاملة التاريخية"، بالارتكاز على قراءة إسرائيلية، ترى أن الظروف الإقليمية والدولية مواتية لتقوم بحسم الصراع بدل إدارته. وجاء قانون التسوية ليشكل تحدياً للشرعية الدولية، وخاصة لقرار مجلس الأمن الأخير 2334 ضد الاستيطان وتجريمه، وعدم شرعيته في جميع الأراضي الفلسطينية المحتلة، وبمعنى آخر فإنه يشكل تحدياً للمجتمع الدولي. وتزامن صدوره مع فوز دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة، لاعتقادهم بأن الفرصة باتت مواتية لذلك. والقانون فيه شرعنة للمشروع الاستيطاني، ومرحلة أولى نحو ضم الأراضي المحتلة وتحويلها إلى جزء من دولة إسرائيل. وهو جزء من تصورات اليمين لضم مناطق الضفة الغربية، وبالذات مناطق (جc:). وكان اليمين الإسرائيلي قبل هذا القانون، قد اتخذ سلسلة خطوات نحو ما يمكن تسميته: الضم الزاحف على أرض الواقع، دون أن يعطيه صبغة قانونية (de jure)، إذ كانت هنالك ممارسات سابقة لضم مناطق "سي" إلى إسرائيل بشكلٍ واقعي. (de facto)

تتناول هذه الدراسة قوننة وشرعنة السلب والنهب والاستيلاء غير المشروع، من قبل المستوطنين والمؤسسات الراعية لهم، من حكومة وأحزاب ولوبيات استيطانية وكنيست، وتغوُّل كل تلك الجهات في الفترة الأخيرة في وضع عدد كبير من التشريعات، بحيث باتت الكنيست ساحة رئيسة لأنشطتهم، في سبيل تسهيل وشرعنة سلب الملكية الخاصة للفلسطينيين، بعدما سيطروا على ما يسمونها الأراضي العامة. وتحاول الدراسة تبيان ما تضمنه قانون "تسوية التوطين" من نصوص وما تستهدفها من مآرب وأهداف وما تنطوي عليها من أبعاد إجرامية باعتبارها جرائم دولية موصوفة في الاتفاقيات الدولية الشارعة في هذا المضمار. وتحاول الدراسة إظهار الإشكاليات القانونية التي تعترض شرعنة القانون في شكله النهائي، ومواقف حتى المستوى الرسمي وغير الرسمي تجاهه. ويبدو أن هذا القانون مستنسخ عن قانون نازي ضد الأملاك الخاصة اليهودية في ألمانيا إبان العهد النازي. وتحاول الدراسة تتبع خطوات الاستئناف على القانون لدى محكمة العدل العليا الإسرائيلية، والتي يعتقد الكثيرون بأنها سترفضه، وكذلك تتبع هواجس التخوف لدى المستوى الرسمي، من تدابير محتملة من قبل المحكمة الجنائية الدولية.

تغوُّل مستفحل في الشرعَنة

تظهر آلية عمل الكنيست ومشاريع القوانين التي تطرح فيها، طبيعة التغير البنيوي الذي تشهده إسرائيل، وينعكس هذا التغير في القوانين ومقترحات القوانين، بعدما بدا لإسرائيل أن الوضع الإقليمي والدولي يساعدها على المضي قدما في خطوات وإجراءات وتوجهات لم تكن تجرؤ على الإقدام عليها في السابق، مثل شرعنة المستوطنات، والاستيلاء على أراضي الملكية الخاصة في الضفة الفلسطينية. بل وقد باتت الفترة الأخيرة تشهد تحولها إلى نظام فاشي ديني، في ظل أن الجمهور الإسرائيلي ذاته في غالبيته يجنح إلى اليمين، بالتالي فإن الأحزاب المختلفة تتنافس على طرح مشاريع قوانين وأفكار تتناسب مع هذا الأمر. وقد باتت الكنيست حلبة رئيسية لذلك التنافس، بحيث أنها تشهد تسونامي[1] من التشريعات غير المألوفة سابقاً. وفي ذات السياق يقول باحث[2] إسرائيلي بأن "ريح العنصرية والقومية تهب في الآونة الأخيرة من جهات مركزية ذات سلطة في المجتمع الإسرائيلي، ومنها الأذرع الحاكمة. وتتجسد هذه الريح في الكنيست [..] التي يتم التعبير فيها عن العنصرية الطاغية لدى الجمهور، بسن قوانين غوغائية تمنح العنصرية الشرعية والتعزيز"؛ ويضيف بأن سياسات وتطبيقات العنصرية في إسرائيل، هي "ثمرة الشجرة المسمومة التي ترعاها الكنيست، سواء كان ذلك متعمداً أو ابتغاءً للغوغائية المجردة". ويصيب هذا الكاتب كبد الحقيقة عن قوننة وإسباغ التشريع على الفصل العنصري في إسرائيل من خلال الكنيست، بما في ذلك قانون "تسوية التوطين" موضوع البحث.

وقد أبرز تقرير[3] مدى تصاعد حالة التطرف المستفحل هذا. ويتناول هذا التقرير الذي أعده الباحث برهوم جرايسي "سجل القوانين العنصرية والداعمة للاستيطان"، في إطار دورة الكنيست الحالية الـ(20)، وتغطي الدورة الصيفية 2015، والدورة الشتوية 2017، تسابق الأحزاب والحكومة الإسرائيلية بشكل عام، على طرح قوانين عنصرية تستهدف التواجد الفلسطيني على كامل أرض فلسطين التاريخية. ويشير التقرير إلى "أنه خلال الولاية البرلمانية الـ17، أي الفترة ما بين 2006-2009، أقر الكنيست بالقراءة النهائية ستة قوانين، بينما أقر خلال الولاية البرلمانية الـ18 أي الفترة 2009-2013 نهائيا ثمانية قوانين، بينما في غضون عامين برلمانيين أقر الكنيست 24 قانونا". ويضيف التقرير "إن كافة المؤشرات تدل على أن هذا العدد سيواصل تسجيل قفزات حتى الانتخابات المقبلة"، خاصة وأن هناك 136 قانوناً تم إدراجها على جدول أعمال الكنيست خلال عامين، 25 قانونا أقرت بشكل نهائي، بخلاف 15 في مراحل التشريع، ويجري الحديث عن 37 قانوناً مباشراً، من بينها 30 قانونا تهدف إلى فرض ما يسمى "السيادة الإسرائيلية" على المستوطنات، أو على الضفة ككل. وبذلك تكون دولة الاحتلال قد انتجت منظومة حكم معقدة، تتعدى منظومة الفصل والتحكم العرقي التي ميزت الأبرثايد، ومطعمة بمنظومة عسكرية ومشروع استعماري استيطاني إحلالي. ولعل قانون "تسوية التوطين" الذي أقرته الكنيست، يشكل واحداً من أخطر مكونات منظومة السيطرة والتحكم والاستحواذ والتغول تلك.

في نصوص القانون

تمت الموافقة على قانون التسوية وشرعنة البؤر الاستيطانية، بمصادقة الكنيست عليه بأغلبية 60 عضوًا مقابل 52 بالقراءتين الثانية والثالثة، بتاريخ السادس من شباط (فبراير) 2017. وكان الكنيست قد أقر مشروع قانون التسوية بالقراءة التمهيدية يوم 14 تشرين الثاني (نوفمبر) 2016. وخلال الجلسة العامة للبرلمان ندد زعيم حزب العمل المعارض الذي يترأس كتلة المعارضة في الكنيست إسحاق هرتسوغ بهذا "القانون الحقير" الذي "سيؤدي إلى ضم ملايين الفلسطينيين"، ويعرض الجنود والسياسيين الإسرائيليين لمحاكمات في محاكم دولية. ورد وزير العلوم والتكنولوجيا عوفير اكونيس من حزب الليكود اليميني بالقول "كل أرض إسرائيل هي ملك الشعب اليهودي، وهذا الحق أبدي ولا يمكن التشكيك فيه".

وقد جاءت نصوص القانون لتكشف شرعَنة الاستيلاء على الأراضي ذات الملكية الخاصة بالفلسطينيين، من خلال أحكام في غاية الغطرسة والتمييز بين المواطنين الفلسطينيين من جهة، والمستوطنين المستعمرين الغرباء من جهة أخرى؛ فقد جاء القانون ليضفي الشرعية على سرقة ونهب صريح وواضح للأملاك الخاصة بالفلسطينيين لصالح المستعمرين الغرباء.

وتحدد المادة الأولى من القانون بأن "الهدف: هدف القانون هو تسوية التوطين الإسرائيلي في يهودا والسامرة، والسماح باستمرار تعزيزه وتطويره". ويعرف في مادة التعريفات بأن "الأراضي التي هي بحاجة للتسوية" بأنها "أراضٍ بنيت عليها بلدات إسرائيلية، أو أراض تم السيطرة عليها لاحتياجات بلدات إسرائيلية قائمة، والتي حقوق استخدامها والسيطرة عليها، أو على جزء منها، ليست بيد سلطات المنطقة، أو الوصي عن الأراضي الحكومية". ويدعى القانون في المادة الثالثة منه بأن "تسجيل الأراضي التي تحتاج للتسوية، أو الحصول على حقوق استخدامها والسيطرة عليها [..] قد بنيت بحسن نية بلدة على أرض، تحتاج إلى تسوية، أو أن الدولة وافقت على بنائها، فيسري على الأرض التي بنيت عليها ذات البلدة، عشية يوم نشر هذا القانون"، أما مصطلح "التوطين"- فيعني "بما في ذلك حي أو باحة أو بلدة، بما يشمل كل بيوت السكن التي فيها، والأبنية، والأراضي الزراعية التي تستخدم لاحتياجات البلدة، ومباني عامة، التي يستخدمها الساكنون في البلدة، ووسائل إنتاج، وطرق وصول، وخطوط مياه، واتصالات، والكهرباء والمجاري". وبموجب المادة الثالثة "يسجل الوصي الأرض كملك حكومي"، على أن "يخصص الوصي، حق الاستخدام والسيطرة على الأرض التي تم تسجيلها، أو تم أخذ حقوقها كما ورد، لاحتياجات البلدة التي بنيت على ذات الأرض" وفقاً للمادة الرابعة من القانون ذاته.

وتنص المادة الثامنة على أنه إذا ما "أخذت سلطات المنطقة حق الاستخدام والسيطرة على الأرض [..] فيكون لصاحب الحق بالأرض مستحق لرسوم استخدام لعامين، بنسبة 125%، من القيمة المناسبة، بموجب ما تحدده لجنة التخمين [..] ورسوم الاستخدام تبقى قائمة لمدة 20 عاما، وفي كل مرّة بنسبة 125% من القيمة المناسبة، أو أن يحصل على أرض بديلة، بقدر الإمكان في الحالة القائمة، وبحسب اختياره". وتقضي المادة الحادية عشرة بأن "يتم تعليق كافة إجراءات تطبيق الأوامر الإدارية، القائمة بشأن البلدات الإسرائيلية المشمولة في الذيل". ويشمل الذيل ست عشرة بؤرة استيطانية، على أن المادة ذاتها أعطت "وزير القضاء، بمصادقة لجنة القانون الدستوري في الكنيست"، بأمر حق إضافة بلدات.

الأبعاد الإجرامية التي يستهدفها القانون

وكما يبدو واضحاً من نصوص القانون الذي أطلقت عليه تسمية قانون "تسوية التوطين 2017"، فإن هدفه الرئيسي كما ذكر في مقدمة القانون "تسوية التوطين الإسرائيلي"، والسماح باستمرار تعزيزه وتطويره، وما يترتب عليه من سلب الأراضي الفلسطينية لصالح إقامة المستوطنات والبؤر الاستيطانية، وإضفاء الشرعية الإسرائيلية على الاستيطان بالمفهوم القانوني، ومصادرة حق استعمال وملكية أكثر من 8183 دونماً من أراضي الفلسطينيين التي تقوم عليها بؤر استيطانية، وإضفاء شرعية بأثر رجعي على 3921 مسكنا بنيت وفق معايير الاحتلال ذاته بشكل "غير قانوني" إلى جانب توسعتها، ومدها بخطوط مياه، وشبكات صرف صحي، وكهرباء، وشبكة طرق. كما يعطي هذا القانون الحق لأي مستوطن بامتلاك أي بيت أو أرض فلسطينية خاصة يتواجد عليها وبأثر رجعي، مما يفتح المجال أمام السيطرة على مزيد من الأراضي الخاصة الفلسطينية.

وبالرغم من أن سلطة الاحتلال الإسرائيلي تسيطر بالكامل على الضفة الفلسطينية، وتسيطر على نحو 60 في المئة من مساحتها في المنطقة المصنفة (ج) وتخضع لسيطرة مدنية وعسكرية إسرائيلية كاملة، فإنّ هذا القانون يشكّل سابقة، كونها المرة الأولى التي يقرّ فيها الكنيست تشريع مستوطنات على أراضٍ فلسطينية خاصة في الضفة الغربية.

وجاء القانون كرد فعل على قرار إخلاء بؤرة عمونا الاستيطانية العشوائية شمال شرق رام الله، والتي قررت المحكمة العليا عام 2014 أن هذه البؤرة الاستيطانية التي بنيت في تسعينات القرن الماضي، أقيمت على أملاك فلسطينية خاصة، ويجب إخلاؤها قبل 25 كانون الأول (ديسمبر) 2016. وعشية الذكرى التاسعة والستين لنكبة فلسطين والذي يصادف الخامس عشر من أيار، أكدت رئيس الإحصاء الفلسطيني[4]، أن عدد المواقع الاستعمارية والقواعد العسكرية الإسرائيلية في نهاية العام 2015 في الضفة الغربية قد بلغ 413 موقعاً، منها 150 مستعمرة و119 بؤرة استعمارية، وتجدر الإشارة إلى أن حوالي 48% من مساحة المستعمرات الإسرائيلية مقامة على أراضٍ ذات ملكية خاصة للفلسطينيين. ويبلغ مجموع الأراضي المصنفة كأراضي دولة في الضفة الغربية أكثر من 2,247 ألف دونم، أي ما يعادل حوالي 40% من إجمالي مساحة الضفة الغربية.

وبهذا الصدد يؤكد أحد الكتاب[5] الإسرائيليين، أنه "منذ أن تصبح هذه الأراضي (أراضي دولة)، تصبح يهودية لأن دولة الاحتلال الإسرائيلية مخصصة لليهود"؛ ويضيف بأنه قد "تطورت في إسرائيل صناعة كاملة من اللاقانون الذي يظهر بمظهر القانون. وتوجد في ظاهر الأمر في مناطق الاحتلال إجراءات قانونية، لكن الحديث في واقع الأمر عن نشاط سلب وضم ضخم تشارك فيه المحاكم – بغمز حبيب أحيانا، ومع تعويج للأنف قليلاً أحيانا". ويستطرد بأن جهاز القضاء الإسرائيلي "يقبل الدعاوى الأكثر اندحاضاً التي تؤيد سلب الأرض، ويبارك آخر الأمر ما قد تم ويمنحه ختم التحليل [..] وجيش الدفاع الإسرائيلي أصبح وسيلة في يد الأيديولوجية الاستيطانية". وقد جاءت هذه المكاشفة الجريئة بعد قرار وزير الحرب الإسرائيلي يعلون بمصادرة 984 دونماً في منطقة بيت لحم في أواسط نيسان 2014، والذي وصفته بعض الصحف الإسرائيلية بأنه "تحايل على القانون الدولي"، وذلك في افتتاحيتها التي عنونتها بـ"السيطرة البربرية"[6]. والحقيقة أن "وزير الدفاع عمل بموجب الصلاحيات الممنوحة له، فهو يستند إلى "بنية تحتية قانونية شوهاء. هذه البنية تطورت على مدى عشرات السنين، كوسيلة لتجاوز القانون الدولي وكغطاء قانوني في أيدي سلطات الاحتلال لسياسة غير قانونية"{C}[7]{C}.

وبموجب المادة الثالثة من قانون "تسوية التوطين" توجب أن "يسجل الوصي الأرض كملك حكومي"، على أن "يخصص الوصي، حق الاستخدام والسيطرة على الأرض التي تم تسجيلها، أو تم أخذ حقوقها كما ورد، لاحتياجات البلدة التي بنيت على ذات الأرض - "وفقاً للمادة الرابعة من القانون ذاته. ويجيز قانون تطبيق قوانين التنظيم والبناء على المشروع الاستيطاني بالضفة الغربية، ما يعني إلغاء أوامر إيقاف العمل بالمستوطنات وإلغاء تجميد مشاريع استيطانية، خاصة وأن البناء دون تراخيص في المستوطنات تمت مراقبته من قبل الدولة التي منعت بعضها، ويأتي هذا القانون ليسمح بها بشكل واسع ويتخطى صلاحيات الإدارة المدنية والجيش.

وبحسب القانون، فإن "الدولة تصادر حق استخدام الأرض الفلسطينية الخاصة". كما تضمنت الصياغة الجديدة أن القانون يسري فقط على المستوطنات التي كان للحكومة دور في إقامتها، مثل عمونا. وجاء في القانون، بأن الفلسطينيين الذين يتمكنون من إثبات ملكيتهم للأرض سيحصلون على تعويض مالي. وينص مشروع القانون هذا بعد تعديله، على تجميد إجراءات تفكيك المنازل غير الشرعية المقامة على أراض فلسطينية خاصة في 16 مستوطنة وبؤرة استيطانية لمدة عام، على أن تعطي وزيرة العدل بعد انتهاء العام صلاحية توسيع قائمة هذه المستوطنات. والقانون لن ينطبق على عمونا، بعد شطب البند السابع منه الذي يلغي بأثر رجعي قرار المحكمة العليا القاضي بإخلاء بيوتها، وذلك إثر اشتراط حزب كولانو عدم المس بهيبة المحكمة العليا كشرط للتصويت على القانون، ولا على بيوت مستوطنة عوفرا التسعة التي يفترض هدمها. وبالنسبة لـ عمونا تخطط حكومة نتنياهو نقل بيوتها إلى قسائم تقع شمالي البؤرة الاستيطانية الحالية، وهي قسائم مصنفة بعرف الاحتلال على أنها أملاك غائبين.

ويتيح القانون، مصادرة أراضِ خاصة فلسطينية مملوكة لأشخاص لغرض الاستيطان. ويمنع قانون التسوية المحاكم الإسرائيلية من اتخاذ أي قرارات بشأن تفكيك المستوطنات العشوائية المقامة على أراضٍ فلسطينية خاصة، ويعتمد مبدأ التعويض بالمال أو الأراضي. ويجيز قانون شرعنة المستوطنات بصيغته الجديدة المصححة، مصادرة أراض فلسطينية بملكية خاصة إذا ما بنيت عليها مستوطنات بـ"طيب نية"، أو بتشجيع من الدولة ونقل هذه الأراضي للدولة مقابل حصول الفلسطينيين على أرض بديلة أو تعويض مادي بقيمة 125%. وبالتوازي يتم استصدار تراخيص بناء بأثر رجعي للمباني التي أقيمت على هذه الأراضي بدون ترخيص. وسيضفي هذا القانون شرعنة وبأثر رجعي على 3921 وحدة استيطانية، بنيت في عمق الضفة الغربية المحتلة من دون موافقة الحكومة الإسرائيلية. كما أنه سيكرس مصادرة 8183 دونما من أراض فلسطينية خاصة، وسيسمح بمصادرة أراض خاصة أيضاً، وسيضفي الشرعية على نحو 55 بؤرة استيطانية تقع في عمق الضفة الغربية المحتلة، وتشمل 797 وحدة سكنية بنيت على ما مساحته 3067 دونما من الأراضي الفلسطينية الخاصة، وستصبح مستوطنات رسمية.

و”قانون التسوية“ لا يبتغي حل مشكلة بؤرة عمونه، وإنما شرعنة آلاف المباني والبؤر الاستيطانية القائمة على أراض فلسطينية منهوبة في أنحاء مختلفة من الضفة الغربية، وذلك بأثر رجعي، وينص القانون{C}[8]{C} في صيغته النهائية، على تجميد إجراءات تطبيق القانون والأوامر الإدارية الصادرة بحق 16 مستوطنة وبؤرة استيطانية لفترة سنة كاملة منذ يوم نشر القانون ودخوله حيز التنفيذ، على أن تقوم سلطات الاحتلال من خلال الإدارة المدنية للاحتلال خلال هذه الفترة بفحص إمكانيات مصادرة الأراضي المقامة عليها تلك المستوطنات والبؤر، بأثر رجعي. والمستوطنات والبؤر هي التالية: عوفرا، عيلي، نتيف َميم، ألون موريه، معاليه هأفوت، كوخاف هشاحر، متسبيه كر مخماش، شافي شومرون، كدوميم، بساجوت، بيت إيل، يتسهار، هار براخا، موديعين عيليت، نوكديم وكوخاف يعقوب. والقانون لا يمنح الشرعية لـ16 مستوطنة قائمة فحسب، بل أنه يمنح وزير القضاء الإسرائيلي صلاحية إضافة مستوطنات للقائمة (البند 10ب)، مما يعني أنه يفتح الباب على مصراعيه للسيطرة على أراضٍ فلسطينية خاصة ومصادرتها رسميًا بعد البناء عليها.

قانون يُشرعِن جريمة دولية

وحقّ الملكيّة هو حقّ عينيّ يمارسه صاحبه على شيء مباشرة، وله بموجب ذلك حقّ استعماله واستغلاله والتصرّف فيه، وهو من الحقوق الأساسية اللصيقة بالإنسان، والمكفولة بموجب القوانين الوضعية في كافة الدول وصكوك حقوق الإنسان الدولية. فقد تناول الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بتاريخ 10 كانون الأول 194، في الفقرة الأولى من المادة 17 منه على أن: "لكل فرد حق في التملك، بمفرده أو الاشتراك مع غيره". وحاول الإعلان توفير ضمانة لحق الملكية وذلك بالنص في الفقرة الثانية من المادة ذاتها على أنه: "لا يجوز تجريد أحد من ملكه تعسفاً"؛ وبذلك فإن حق الملكية شأن من حقوق الإنسان تم تضمينه في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والصكوك القانونية الدولية لحقوق الإنسان، بما في ذلك أيضاً العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، للتأكيد على أهميته وضرورة تنظيمه وضمان عدم المساس به إلا بموجب القانون.

ويبدو واضحاً أن قانون التسوية الإسرائيلي ينتهك مبادئ أساسيّة في القانون الدولي، والتي تعتبر حقوقاً لصيقة بالإنسان لا سيّما الحقّ في الملكية الخاصة وحرمتها وحمايتها، والحماية المتساوية من قبل القانون، والحظر الصريح للتمييز على خلفيّة القوميّة والدين واللغة والثقافة. هذه المبادئ جرى ترسيخها في المعاهدات الدوليّة التي وقّعت عليها إسرائيل، بما في ذلك الإعلان الدوليّ لاقتلاع جميع أنواع التمييز العنصريّ من العام 1965، والمعاهدة الدوليّة للحقوق المدنيّة والسياسيّة من العام 1966 والتي وقّعت عليها دولة إسرائيل في العام 1991، والمعاهدة الدوليّة للحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة من العام 1966 وقد وقّعت عليها دولة إسرائيل في العام 1991؛ والتي دأبت إسرائيل بوصفها الدولة القائمة بالاحتلال على انتهاكها بشكل منهجي وبصلف قل نظيره.

وتنتهك دولة الاحتلال بالسياسات والممارسات الاستيطانية الإسرائيلية، حرمة حق ملكية الفلسطينيين لأملاكهم وخاصة أراضيهم وبيوتهم عبر المصادرة والتدمير، لصالح الاستيطان والمستوطنين، علماً أن الفقرة 6 من المادة 49 من معاهدة جنيف الرابعة لسنة 1949 تنص على أنه "لا يحق لسلطة الاحتلال نقل مواطنيها إلى الأراضي التي تحتلها، أو القيام بأي إجراء يؤدي إلى التغيير الديمغرافي فيها". والمادة 53 تنص على أنه "لا يحق لقوات الاحتلال تدمير الملكية الشخصية الفردية أو الجماعية أو ملكية الأفراد أو الدولة أو التابعة لأي سلطة من البلد المحتل". وكذلك تنتهك قواعد وأحكام اتفاقية لاهاي لسنة 1907، حيث أن المادة 46 تنص على أن "الدولة المحتلة لا يجوز لها أن تصادر الأملاك الخاصة"، وتنص المادة 55 من ذات الاتفاقية على أن "الدولة المحتلة تعتبر بمثابة مدير للأراضي في البلد المحتل، وعليها أن تعامل ممتلكات البلد معاملة الأملاك الخاصة". ويندرج الاستيطان في إطار جرائم الحرب وفقاً للفقرة الثامنة من المادة الثامنة لنظام روما لمحكمة الجنايات الدولية. وتعتبر اتفاقية لاهاي لعام 1907 اتفاقية دولية عرفية شارعة لكافة الدول orga omnes، وتدعي إسرائيل مراعاة أحكامها في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وقد وقعت وصادقت إسرائيل على اتفاقية جنيف في آب (أغسطس) 1949؛ وبذلك فإن إسرائيل تنتهك بصراحة وصلف وبشكل واعٍ ومنهجي التزاماتها وواجباتها القانونية الدولية المنصوص عليها في تينك الاتفاقيتين.

وكانت إسرائيل قد أصدرت عند بداية احتلالها للأراضي الفلسطينية عام 1967، ثلاثة أوامر عسكرية، أعلنت في الأول منها دخول الجيش الإسرائيلي، وأعلنت في الثاني تولي قائد المنطقة الإسرائيلي السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية فيها، وأعلنت في الثالث إنشاء المحاكم العسكرية. وقد جاء في هذه المناشير أن إسرائيل تعتزم تطبيق معاهدات جنيف التي وقعت عليها سابقا. ويقضي المنشور العسكري الثالث في المادة 35، بأنه ينبغي "على المحكمة العسكرية تطبيق أحكام معاهدة جنيف المؤرخة في 12/8/1949، بخصوص حماية المدنيين زمن الحرب". وقد تراجعت سلطة الاحتلال عن ذلك بموجب الأمر العسكري رقم 107 الصادر بتاريخ 11/10/1967 في قطاع غزة وشمال سيناء، والأمر العسكري رقم 144 الصادر بتاريخ 23/11/1967 في الضفة الغربية. وقد عللت السلطات الإسرائيلية قرارها، بتأكيد أن أحكام اتفاقية جنيف الرابعة لا تتمتع بالسمو والأفضلية على القانون الإسرائيلي وتعليمات القيادة العسكرية، وأن ما تضمنته المادة 35 من المنشور رقم 3 من إشارة إلى اتفاقية جنيف الرابعة قد جاء بطريق الخطأ. وبذلك تكون سلطة الاحتلال، قد تنكرت لالتزاماتها وواجباتها القانونية بموجب الاتفاقيات الدولية الشارعة، والمُنَظِمة لحالات الاحتلال الحربي في القانون الدولي المعاصر.

وتكتب د. رونيت ليفين شانور{C}[9]{C} بأن "قانون التسوية يحطم جميع القوانين، فليس من صلاحية الكنيست أن تناقض المبادئ الأساسية الدستورية للدول إلا في حالات استثنائية. أيضا ليس من صلاحية الكنيست أن تناقض القانون الدولي ومبادئه التي تسري على الموضوع في القانون الذي يخص المناطق المحتلة. ومن واجب المحكمة العليا فحص إذا كانت الكنيست تعمل في إطار صلاحياتها [..] فالقانون الدولي هو الذي يسري على المنطقة." وتستطرد بالتأكيد: "ومن ناحية القانون الدولي، يناقض القانون بشكل واضح واجب الحفاظ على حقوق السكان المحميين، والعمل فقط بناء على الاحتياجات العسكرية أو لصالح السكان الواقعين تحت الاحتلال. يقوم القانون بوضع آلية لتنفيذ جريمة حرب حسب ميثاق روما، أي مصادرة الأراضي بدون مبرر عسكري ونقل السكان إلى مناطق محتلة".

وفي ذات السياق يؤكد كاتب إسرائيلي آخر بأن "إسرائيل تغرس السكين في ظهرها وتقوم بسن قانون يجعل رائحتها كريهة [..] فقانون مصادرة الأراضي الخاصة للفلسطينيين، ليس قانونا حكيماً أو عادلاً أو دستورياً. فهو يضر بالممتلكات وبالمساواة أمام القانون وبمكانة المحاكم [..] والقانون يشكل سابقة، حيث تتناول الكنيست لأول مرة مناطق [يهودا والسامرة]، وسوف يتم تفسيره في المجتمع الدولي على أنه بداية للضم وإخلال بالقانون الدولي، وقد يؤدي إلى تقديم دعاوى ضد إسرائيل في محكمة الجنايات الدولية في لاهاي [..] والقانون قد يشكل إخلالاً خطيراً بميثاق جنيف الرابع الذي تم اعتماده في العام 1949 ردا على جرائم النازية". ويضيف الكاتب الإسرائيلي" كل هذه الادعاءات لم تأت من لاساميين يكرهون إسرائيل، بل جاءت على لسان رئيس الحكومة ووزير الدفاع ومستشارين قضائيين، من أفيحاي مندلبليت ومن تحته، ومن عدد كبير من أعضاء الكنيست، منهم بني بيغن الذي اعتبر القانون "قانون اعتداء"[10].

الإشكاليات القانونية التي يثيرها القانون

مواقف المستوى القانوني الرسمي

ويثير القانون إشكاليات قانونية حادة دفعت المستشار القانوني للحكومة أفيحاي مندلبليت، إلى التصريح العلني بموقفه المعارض لسن هذا القانون، والتأكيد على أنه لن يستطيع الدفاع عنه ممثلاً للدولة والحكومة أمام محكمة العدل العليا في حال تقديم التماس أو أكثر ضده، للمطالبة بشطبه وإلغائه بدعوى كونه غير دستوري، ومليء بالإشكاليات القانونية المركزية التي يثيرها، وأنه سيقف في المحكمة العليا في مواجهة الحكومة ضد "القانون". وقال إن القانون يتناقض مع قانون أساس "كرامة الإنسان وحريته"، كما يتناقض مع القانون الدولي، ومن الممكن أن يورط المواطنين والضباط الذين يطلب منهم إنفاذ القانون. وأكد مندلبليت، المعروف بأنه خبير في القانون الدولي، أنه لن يدافع عن هذا القانون، نيابة عن الدولة والحكومة وباسمها، لأنه ”قانون غير دستوري، وينطوي على انتهاكات فاضحة للقوانين الدولية“[11]. ولم يتضح ما إذا كان مندلبليت سيحضر إلى المحكمة بنفسه أم يرسل مندوبا عنه، في حين سيمثل الحكومة محام خاص. والادعاء الذي سيقدم مركب من مستويين، الأول هو منع تطبيقه في الضفة الغربية بسبب مخالفته للقانون الدولي، والمستوى الثاني هو عدم دستورية القانون. وقد علل المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية موقفه للأسباب الموجبة التالية[12]:

 أولاً: التسوية التي قررها القانون هي تسوية تقضي بالمصادرة الممنوعة لحقوق المالك، ونزع الأرض من أصحابها القانونيين. ويجري الحديث عن واجب مشدد، تحدده تعليمات القانون الدولي، الساري على مناطق تمت السيطرة عليها بالقوة القتالية، وهي تعليمات تم الاعتراف بها، ومحفوظة ضمن قرارات المحكمة العليا الإسرائيلية. إن حق الاستخدام والاحتفاظ بالأرض، هي حقوق مركزية وبالغة الأهمية، ضمن مجموعة الحقوق التي تبلور حق الملكية. وإضافة إلى ذلك، فإن اقتراح المصادرة ليس محدودا زمنيا، ما يجعل المصادرة دائمة، وهي تسوية بشكل تراجعي لبناء إسرائيلي غير قانوني، على أرض فلسطينية بملكية خاصة.

ثانياً: إن دفع تسوية تتعلق بالأراضي في الضفة الغربية، ولمصادرة الحق في استخدامها، يجب أن يتم من خلال سن قوانين أمنية، بموجب تعليمات القوانين الدولية، التي هي مصدر الصلاحية الأعلى في المنطقة الخاضعة للسيطرة بالقوة القتالية.

ثالثاً: التسوية مخالفة بشكل جوهري، لقوانين الأراضي السارية والمتبعة في منطقة يهودا والسامرة، وللسياسة المتعلقة بأراضي دولة.

رابعاً: إن القانون يطلب تأهيلاً بشكل تراجعي، وبشكل جارف للبناء غير القانوني، وبشكل خاص تلك المباني التي صدرت ضدها أوامر إدارية، وقرارات محاكم نهائية في المحكمة العليا، وتأمر بتنفيذ هذه القرارات.

خامساً: إن دفع اقتراح القانون هذا، من شأنه أن تكون له انعكاسات ذات أهمية في الحلبة الدولية، سياسيا وحتى قضائيا.

وتضمن موقف المستشار القضائي للجنة القانون والدستور البرلمانية[13] من قانون التسويات، صعوبات ذات أهمية في اقتراح القانون، إن كان من النواحي المتعلقة بالقانون الدولي، وأيضا من النواحي القانونية الإسرائيلية، أجملها في القضايا الرئيسية التالية:

أولاً: لا يتلاءم مع البند 43 لأنظمة المحكمة الدولية في لاهاي، الذي من شأنه أن يسمح لقوة بالسيطرة ومصادرة أرض بملكية خاصة مقابل التعويض، بموجب تشريع قانون يكون ملائما للقانون المحلي، لمصلحة الجمهور المحلي، أو لحاجة "ترتيب الحياة العامة".

ثانياً: يوجد مكان لفحص ما إذا كان هذا يعني عمليا ضماً (لما يسمى السيادة الإسرائيلية)، والانعكاسات الممكنة من ناحية المحكمة الدولية.

ثالثاً: المصادرة هي لحاجة شرعنة أعمال جرت منذ البداية بشكل غير قانوني؛ هناك شك كبير فيما إذا كان الاعتراف بالمتوطنين في البلدات الإسرائيلية كـ"جمهور محلي" لغرض لقانون الدولي سيكون متناسبا مع البند 43 (لأنظمة لاهاي)، في الوقت الذي فيه "تصادم" بينهم وبين أصحاب الأرض المحليين، من خلال منح أفضلية للسكان الإسرائيليين المتوطنين.

رابعاً: الجهة المتضررة، ليست جزءا من الحوار العام، ولا تتمثل في الكنيست، والتسوية تبدو كأمر استثنائي، وتشذ عن القانون الدولي.

خامساً: المس بحقوق المالك على الرغم من استخدام مصطلح للمصادرة "حق الاستخدام"، فإن مضامين التسوية التي يعرضها اقتراح القانون، تدل على أن جوهر التسوية، هو حق الملكية على الأرض، وليس الحق في استخدامها، ولا يوجد زمن محدد لفترة المصادرة، والتعويض هو دفع لمرّة واحدة، مقابل قيمة الأرض وليست رسوما مقابل استخدام مؤقت.

سادساً: أوجه مدى المس بحقوق المالك: يجري الحديث عن مصادرة جارفة، من التعامل مع التوازن المطلوب بين الجانبين، وفي كل حالة وفق ظروفها؛ وهناك شك فيما إذا كان اتفاقاً ضمنياً، أو اتفاقاً مسبقاً بين جهات سلطوية متنوعة، يتم تعريفها على أنها "دولة"، يشكل قاعدة لشرعنة الضرر بالمالك؛ وهناك شك فيما إذا كان شرعياً الضرر بالمالك الفرد، من أجل شرعنة للوراء لبلدة أقيمت بشكل غير قانوني؛ ويجب فحص جهاز التعويض المقترح؛ والتسوية المقترحة هي استثناء من القانون الدولي.

سابعاً: القانون يطلب تحديد تسوية، تهدف إلى اعطاء رد لأعمال تم تنفيذها بالماضي، وهو تشريع بأثر رجعي يتعلق بمجموعة معينة لبلدات، ويؤثر على قرارات نهائية للمحكمة. إن المشرّع الذي يأمر بتأجيل تنفيذ قرار محكمة ما، وبعد ذلك إلغاء القرار، يجعل من نفسه عمليا، هيئة استئناف على قرارات المحكمة، وهذا مسٌ بقدر كبير، بالفصل بين السلطات، وبمكانة المحكمة، والحفاظ على سلطة القانون.

ورغم إعلان المستشار القضائي للحكومة، أفيحاي مندلبليت، وموقف المستشار القضائي للجنة القانون والدستور البرلمانية المسبق، أصر الائتلاف الحكومي على تمرير مشروع القانون ضاربًا بعرض الحائط كل الاعتبارات القانونية والعواقب المترتبة على إقراره، وأعلن مسؤولون في الحكومة الإسرائيلية أنهم سيجندون محامين خاصين للدفاع عن القانون. وتشير التقديرات إلى أن المحكمة العليا ستمنع سلب الأراضي التي تقع ضمن ملكية فلسطينية خاصة، كما حدث في البؤرة الاستيطانية "عمونا"، وأحد أهم الأسباب لذلك هو تجنب أي دعوى يقدمها الفلسطينيون للمحكمة الدولية، التي تعتبر الاستيطان الإسرائيلي جريمة، ويجب وقفها وفرض عقوبات على من يرتكبها، بحسب القانون الدولي.

وادعى الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين أن "دولة إسرائيل تبنت القانون الدولي، الذي لا يسمح لدولة تعمل بموجبه أن تفرض وتمارس قوانينها على مناطق لا تخضع لسيادتها، وإذا فعلت ذلك، فهذا نشاز قانوني. وسيجعل ذلك إسرائيل تبدو كدولة أبرتهايد". وأضاف "ببساطة يحظر على حكومة إسرائيل أن تفرض قوانين الكنيست على المناطق التي لا تخضع لسيادة الدولة"[14].

وفي تكذيب لادعاءات ريفلين تكتب الخبيرة عميره هاس[15]:" يقول معارضو القانون، إن حكومات إسرائيل شددت حتى الآن على عدم إقامة المستوطنات على أراض خاصة. حقا. كم مرة يجب القول إن هذا اختلاق؟ فبيت إيل جميعها بنيت على أراض خاصة، وعوفرا أيضا. وعشرات المستوطنات والبؤر تم بناؤها كليا أو جزئيا على أراض فلسطينية خاصة تم الاستيلاء عليها للاحتياجات العسكرية [..] وقد أوجد العقل اليهودي عدداً لا يحصى من الاختراعات من أجل الإعلان عن أراضي الفلسطينيين كأراضي دولة". وتضيف بأن المستوطنين والمستوى الحكومي والتشريعي يعتبرون "الفلسطينيين بالنسبة لهم هم جماعة صدفية من الأفراد، وليسوا جماعة لها حقوق تاريخية ومادية وثقافية في المكان الذي ولدوا وعاشوا فيه مئات السنين، بغض النظر عن التصنيفات العقارية. هذا التفريق، الذي تقوم به محكمة العدل العليا، بين الخاص والعام، يتخيل أن الفلسطينيين يحق لهم العيش فقط في اكتظاظ في الأماكن المسجلة في الطابو. الطابو الخاص بنا والذي هو من الله". وتستطرد "يوجد اسم للواقع الذي تعتبر فيه الحكومة نفسها ممثلة لشعب واحد فقط وفي الوقت ذاته تقرر مصير الشعبين، وتنشئ من أجل ذلك نوعين من الحقوق. هذا يسمى أبرثايد – جريمة حسب ميثاق روما. وأيضا حسب الإجماع الدولي الذي نشأ على مر السنين".

مواقف المستوى غير الرسمي

ترتبت على إقرار ما يسمى بقانون التسوية والتوطين من قبل الكنيست، مواقف عديدة من الأوساط والجهات والشخصيات غير الرسمية. ويؤكد رئيس المعهد الإسرائيلي للديمقراطية يوحنان بليسنر، أن القانون الجديد "يفتت البنية القانونية القاعدية التي يقوم عليها مشروع الاستيطان الإسرائيلي"[16]. ونشر المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، ورقة موقف[17] تضمنت رأيا استشاريا أعده البروفيسور عميحاي كوهين، مدير مشروع الأمن القومي والديمقراطية في المعهد الإسرائيلي للديمقراطية والخبير في القانون الدولي، قدمها المعهد أيضا إلى كل من رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، ورؤساء الأحزاب السياسية المشاركة في الائتلاف الحكومي، تشرح "أسباب كون هذا القانون مرفوضًا ولا يمكن القبول به". فأشارت ورقة الموقف هذه إلى أن مشروع القانون الجديد "سيؤدي إلى إلغاء بالجملة لقرارات سابقة صادرة عن المحكمة العليا الإسرائيلية وإلى مس جدي، عميق وخطير، بمكانة هذه المحكمة؛ كما أنه يتناقض، تناقضا صارخا، مع القانون الدولي ومع التزامات وتعهدات إسرائيل في هذا المجال؛ وسيكرس التمييز، ويؤدي إلى مس خطير وغير دستوري بحق الملكية المكفول للسكان الفلسطينيين في الضفة الغربية وفق القانون الدولي؛ وسيشكل دفعة دعم قوية لنشطاء حركة المقاطعة BDS في مختلف أنحاء العالم، وستكرس مكانة دولة إسرائيل أمام المجتمع الدولي بوصفها دولة تقوم بضم المناطق المحتلة الفلسطينية". وتضيف ورقة الموقف هذه، أن مشروع القانون الجديد يلقي بظلال ثقيلة على شرعية المشروع الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية، برسالة واضحة مفادها أن دولة إسرائيل تضرب عرض الحائط بالقانون الدولي ومؤسساته، ولا تعيرها أدنى اهتمام أو احترام، وينطوي على احتمال صدور ردود فعل قاسية وحادة من جهة أخرى".

 وتضيف ورقة الموقف بأن القانون ينطوي على مس خطير بمكانة الجهاز القضائي في إسرائيل، إذ "ليس ثمة نموذج معروف من قبل عن إقدام الكنيست على سن قانون يلغي قرارات حكم قضائية صادرة عن المحكمة بأثر رجعي كما يحصل هنا، وخاصة في نزاعات ملكية محددة [..] وهو قانون التفافي على المحكمة العليا يطرح الكنيست من خلاله تفسيرًا آخر، مغايرا، يختلف عن تفسير المحكمة العليا، ويعتبر أن تفسير المحكمة لنص قانوني معين ينبغي أن يتم تغييره، وإنما الكنيست يضع نفسه من خلال هذا القانون الجديد هيئة استئنافية عليا على قرارات قضائية صادرة عن المحكمة العليا. ولهذا، فإن القانون الجديد يتناقض مع مبدأ فصل السلطات، ويشكل مسًا عميقا وخطيرا بالمبادئ الأساسية التي تقوم عليها المنظومة السياسية والقضائية في إسرائيل". ومن جهة أخرى ثالثة، ينطوي القانون الجديد "على مس عميق وغير تناسبي بحقوق السكان الفلسطينيين في الملكية على أراضيهم". وينطوي القانون الجديد على تمييز صريح وصارخ بين مصالح المستوطنين الإسرائيليين، وجميعهم من اليهود، وبين السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية، ذلك أنه ينص صراحة، على أن أي بناء، حتى لو كان غير قانوني، مقام على أرض فلسطينية خاصة يمكن إعلانها "أراضي دولة"، تتم شرعنته والتصديق عليه بصورة فورية، شريطة أن يكون تابعا لمستوطنين يهود. بينما من الواضح، في المقابل، أن أي بناء غير قانوني تابع لفلسطينيين على الأرض نفسها تماما، بمحاذاة البؤرة الاستيطانية اليهودية، سيكون مصيره الهدم الفوري.

من جهته، اعتبر د. آدم شنعار، الخبير في القانون الدستوري والمحاضر في المركز المتعدد المجالات في مدينة هرتسليا، أن قانون التسوية "سيؤدي مستقبلا، إلى تغيير قواعد اللعبة في ثلاث قضايا جوهرية ومركزية هي: سلب الممتلكات الخاصة والاستيلاء عليها بالقوة وبطريقة غير قانونية؛ وفرض السيادة الإسرائيلية على المناطق الفلسطينية، من خلال تشريع قانوني يقره الكنيست بما يتناقض، جوهريا، مع القانون الدولي وأحكامه؛ وتشريع استثنائي وشاذ تماما يلغي قرارات حكم قضائية نهائية صادرة عن المحكمة"{C}[18]{C}.

وغداة إقدام 25 عضوًا من كتلة الليكود البرلمانية بينهم وزراء ونواب وزراء وأعضاء كنيست، على إصدار بيان بتاريخ 18 أيلول (سبتمبر) 2016 يعلنون فيه تجندهم من أجل إصدار قانون لشرعنة بؤر استيطانية غير قانونية، قالت صحيفة{C}[19]{C} إسرائيلية إن هذا البيان "يجب أن يثير الاستياء الشديد"؛ وأضافت: "يهدف القانون إلى شرعنة انتهاكات ارتكبها مجرمون سطوا على أراض فلسطينية خاصة وبنوا عليها منازل، مثل عمونه، وعوفرا [..] وهذا يفتح المجال أمام انتهاكات أخرى للقانون ويدق مسمارًا آخر في نعش احترام القانون الدولي. وأضافت الصحيفة: يعتبر كبار المسؤولين في الليكود أن تقويض أحكام المحكمة العليا يهدف إلى "منع وقوع ظلم أخلاقي، وإنساني، واجتماعي"، وهم بذلك يحددون موقفهم ليس فقط من إخلاء المستوطنات، بل أيضًا من تطبيق القانون وأحكام المحاكم على كل مستوى وموقع داخل الخط الأخضر وخارجه. وهم يسعون إلى منح "الأخلاق" الاستيطانية الإجرامية مكانة قانونية تلزم جميع مواطني دولة إسرائيل".

القانون مستنسخ عن قانون نازي ضد اليهود

وقانون شرعنة الاستيطان يحمل أكثر من بعد، فمن جهة يفرض القانون الإسرائيلي على الأراضي المحتلة، بما يعنيه ذلك من ضم زاحف لهذه الأراضي للسيادة الإسرائيلية وما يترتب عليه من إنهاء حل الدولتين، وينتج من جهة ثانية جهازين قانونيين، واحد للفلسطينيين والثاني للمستوطنين الإسرائيليين، مما يساهم في خلق نظام فصل عنصري على امتداد فلسطين التاريخية. واعتبر الصحافي جدعون ليفي تعليقاً على القانون أن "إسرائيل قالت كلمتها بشكل واضح وقاطع، دولة واحدة من البحر إلى النهر ذات نظام أبرتهايد"{C}[20]{C}. وذهب المؤرخ الإسرائيلي، دانييل بالطمان{C}[21]{C}، أبعد من ذلك في مقالة نادرة وفي غاية الأهمية، عندما شبه القانون المذكور بأحد القوانين النازية، واقترح تسمية القانون بقانون إنهاء ضائقة المستوطنين وإمبراطورية العنصريين في الأراضي المحتلة، على غرار القانون النازي الذي سنته ألمانيا عام 1933 وسمي "قانون إنهاء ضائقة الشعب والرايخ الألماني"، وقتها سمي القانون في ألمانيا اختصارا بقانون "التأهيل"، وفي إسرائيل سمي قانون "التسوية". ويضيف: إن "أحداً في ألمانيا لم يتوقع في حينه أن قانون التأهيل النازي القصير والمحدد، سيكون بمثابة حجر الأساس لخراب أوروبا والقضاء على الشعب اليهودي [..] هكذا أيضا قانون التسوية، الخاص بإمبراطورية المستوطنين الكولونيالية في الأراضي المحتلة، الذي يهدف لتدمير لبنة أساسية في الديمقراطية المتمثلة بحق الملكية".

ويستطرد المؤرخ الإسرائيلي دانييل بالطمان، مشيراً إلى تواطؤ أعضاء الكنيست بتركيبتها الحالية المتطرفة، الذين شببهم بأعضاء الرايخستاغ إبان حكم هتلر، بتأكيده أن القانون المذكور ينضم إلى سلسلة طويلة من "قوانين التأهيل" القائمة في كتاب القوانين الإسرائيلي، مثل قانون النكبة، وقانون الجمعيات، وقانون يكسرون الصمت، وقانون القومية، واقتراحات تكميم أفواه رجال الأكاديميا، وغيرها من الأوامر والأنظمة، التي خرجت على حد تعبير بالطمان "من تحت أيدي أعضاء كنيست متواطئين جاهزين للتصويت على كل ما يؤيده بتسلئيل سموتريتش، تماما مثل أعضاء الرايخستاغ الجبناء الذين قرروا تسليم عصا السلطة لهتلر". ولعل المقارنة التي أجراها بالطمان مع ألمانيا النازية غير مسبوقة، خاصة أنها تضع القانون في سياق الانقلاب على الديمقراطية وفي مجرى التحول إلى نظام فاشي شبيه بالانقلاب الذي وقع في ألمانيا النازية.

ويلعب نواب الكنيست من المستوطنين{C}[22]{C} الدور الرئيس في اقتراح تلك القوانين، كالنائب المستوطن بتسلئيل سموتريتش من كتلة البيت اليهودي، الذي أشار إليه المؤرخ الإسرائيلي دانييل بالطمان، والذي أسس منذ سنوات عصابة "جمعية رغافيم"، المختصة بملاحقة قضايا الأرض والبناء في جميع أنحاء فلسطين التاريخية. وتعمل هذه العصابة/ الجمعية بمنهجية لتحفيز المؤسسة الحاكمة على إصدار أوامر المصادرة، وأوامر هدم البيوت العربية. وتنشط بشكل خاص لنهب أقصى ما يمكن من الأراضي العربية في صحراء النقب، واقتلاع عشرات القرى وتهجير أهلها. كما أنها تقف من وراء تهجير القرى الفلسطينية في منطقة غور الأردن وحتى مشارف القدس الشرقية. وهذا هو الطابع الأبرز في مشاريع القوانين التي يبادر لها سموتريتش، وأخطرها ما يسمى "قانون التسوية"، لنهب الأراضي الفلسطينية بملكية خاصة في الضفة المحتلة. وكذلك هناك النائبة المستوطنة شولي معلم، من كتلة "البيت اليهودي"، المبادرة لقوانين زاحفة نحو تطبيق ما يسمى "السيادة الإسرائيلية" على الضفة المحتلة. ومثلها النائبة عنات بيركو، من حزب "الليكود"، التي تتميز مشاريع قوانينها بزيادة العقوبات على المقاومين الفلسطينيين، وبضمنهم الأطفال ما دون سن 14 عاما، وشرعنة قرارات المحاكم العسكرية أمام المحاكم المدنية وغيرها.

ويشير الباحث برهوم جرايسة{C}[23]{C}، إلى أن الغالبية الساحقة من نواب كتلتي المعارضة "المعسكر الصهيوني"، و"يوجد مستقبل" متورطة بهذه القوانين، إن كان من خلال المبادرة، أو المشاركة في مبادرات قوانين، أو في عمليات التصويت، إن كان دعما مباشرا، أو تغيبا مخططا عن جلسات التصويت، الذي يُعد من ناحية المعارضة دعما غير مباشر للقوانين. وقدمت النائبة أييليت نحمياس فيربين من حزب "العمل"، وكتلة "المعسكر الصهيوني"، مشروع قانون يقضي بفرض ما يسمى "السيادة الإسرائيلية" على المناطق (ج)، التي تشكل 60% من مساحة الضفة الغربية المحتلة. وقد تم منذ انتخابات ربيع العام 2015، وحتى الآن، طرح ومعالجة ما يزيد عن 120 مشروع قانون، وما يزيد عن 30 قانونا دخلت مراحل التشريع، من بينها 18 قانونا على الأقل باتت مقررة نهائيا؛ وهذا كم هائل من القوانين لم تشهده أي من الولايات البرلمانية السابقة. ومنذ مط

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website