السياسة الأمريكية والمتغيرات الدولية بعد الانتخابات - سمير عوض - 249 - 250

السياسة الأمريكية والمتغيرات الدولية بعد الانتخابات

 سميرعوض[*]

فيما يترقب العالم نتائج الانتخابات الأمريكية المقبلة، وفي ظل متابعة استطلاعات الرأي المتقاربة للغاية بين المرشحين باراك أوباما وميت رومني، استغلت إسرائيل فرصة انشغال أمريكا، وتنافس المرشحين على أصوات اليهود في الولايات المتحدة، من خلال تكثيف إجراءاتها لتقويض فرص قيام الدولة الفلسطينية المستقلة كنتيجة متوقعة لعملية السلام، والتصفية السياسية للقيادة الفلسطينية.[1] 

وفي ضوء الانقسام الفلسطيني والتجاذبات الإقليمية، والتعنت الإسرائيلي واستمرار الاستيطان، ومواصلة بناء الجدار العنصري وقضم الأراضي الفلسطينية، وهدم البيوت وتهويد القدس، ومعاناة آلاف الأسرى والجرحى وذويهم، وسلسلة التهديدات والتصريحات العنصرية التي يرددها قادة الحكومة الإسرائيلية، بدءا بالمدعو ليبرمان وليس انتهاء بنتنياهو. ترفض الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة الحالية الاستجابة لمتطلبات الفلسطينيين الخاصة بوقف الاستيطان ووقف بناء الجدار العنصري الذي يلتهم الأراضي والمياه الفلسطينية، كمقدمة لإعادة استئناف عملية السلام التي لم تعد إحدى أولويات السياسة الدولية في الشرق الأوسط. 

ما يجدر ذكره هنا أن عملية السلام التي انطلقت بانطلاق مؤتمر مدريد عام 1991، ومرّت بمراحل عديدة أهمها اتفاق أوسلو في العام 1993، وإقامة السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1994، وتمت برعاية دولية تشارك بها الولايات المتحدة الأمريكية، التي أصبحت تعرف باسم راعي عملية السلام، بمشاركة الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا كأطراف أقل فاعلية.[2]

الموقف الأمريكي الحالي كما وضحه الرئيس أوباما في خطابه أمام مؤتمر الحزب الديمقراطي، كان بالإجمال متجاهلا للموقف الفلسطيني و منحازا بالكامل للموقف الإسرائيلي،[3] ما قد يدلل على تغير الاتجاه في السياسة الخارجية الامريكية بالمقارنة مع الفترة السابقة، باتجاه التركيز على إدارة الصراع العربي – الإسرائيلي بدلا من التقدم بحلول تفاوضية أو بمقترحات لحل النزاع. إن القضية المركزية التي قد تعيق أو تسمح بإعادة المسار التفاوضي هي وقف الاستيطان بالدرجة الأولى، وهو مطلب دائم للجانب الفلسطيني، وأصبح كذلك للدول الأوربية وللأمم المتحدة وغالبية دول العالم.[4] ورغماً عن ذلك فقد تخطى الرئيس أوباما الحدود المتعارف عليها في السياسة الأمريكية بخصوص النزاع العربي- الإسرائيلي، فمثلاً تحدث عن القدس كعاصمة إسرائيل، وهو أيضا لم يتحدث عن فرض حل تفاوضي على إسرائيل، كحل الدولتين. بينما لم يشر برنامج الحزب الديمقراطي الأمريكي لعام 2012 إلى القدس بأنها عاصمة لإسرائيل على غرار ما فعل في عام 2008، الأمر الذي سارع مرشح الحزب الجمهوري إلى الانتخابات الرئاسية ميت رومني المعروف بمواقفه المغالية في تأييد إسرائيل إلى التنديد به.

الانتخابات الرئاسية الأمريكية:

يرجع اختيار الرئيس الجديد للولايات المتحدة الأمريكية، للمجمع الانتخابي المكون من 538 مندوبا أي ما يوازي عدد أعضاء مجلسي النواب والشيوخ الأمريكي. حيث يتوجه الناخب الأمريكي لصناديق الاقتراع في الرابع من تشرين أول (نوفمبر)، كل أربع سنوات، ويحتاج المرشحان للرئاسة الأمريكية إلى النصف زائد واحد من مجمل أصوات "المجمع الانتخابي" أي 270 صوتا لدخولهما للبيت الأبيض. ولكل ولاية عدد معين من الأصوات حسب عدد سكانها ونوابها الذين يمثلون الكونغرس الأمريكي، وهذا يدل أن كاليفورنيا هي أكبر الولايات الأمريكية من حيث عدد السكان فتجمع 55 صوتاً في المجمع، بينما تملك ولاية رود آيلاند ثلاثة أصوات فقط، في حين لا تملك العاصمة واشنطن أية أصوات.

العوامل المؤثرة في السلوك الانتخابي الأمريكي

هناك عدد من العوامل التي تؤثر على السلوك الانتخابي، منها عوامل قصيرة المدى وعوامل بعيدة المدى. أما بخصوص العوامل القصيرة المدى، فإنه بشكل عام، يمكن القول إن وجود أزمة دولية يؤثر على سلوك الناخب الأمريكي، وتعتبر الحالة الاقتصادية من العوامل القصيرة المدى فإذا كانت الأوضاع الاقتصادية سيئة فإن الاتجاه العام لدى الناخب الأمريكي هو التصويت ضد من هو في السلطة وذلك للتعبير عن عدم الرضا.

أما بخصوص العوامل الطويلة المدى فهي كثيرة: منها الانتماء الحزبي، فأعضاء الحزب الجمهوري المحافظين عموما، يصوتون تقريبا طوال حياتهم لمرشحي حزبهم، من ناحية أخرى، فإن الانتماء العرقي يعتبر من العوامل طويلة المدى، فالسود واليهود يصوتون عامة للحزب الديمقراطي، وكذلك الأمريكيون من أصول لاتينية، فالعمر، والدين، والإقليم، عوامل بعيدة المدى تؤثر في السلوك الانتخابي للمواطن الأمريكي.

ومن أهم العوامل التي تشكّل محط انتباه واهتمام الناخب الامريكي العوامل الداخلية كالاقتصاد، والضرائب، والتأمين الصحي، والضمان الاجتماعي، والتعليم وغيرها، إلا أن القضايا الخارجية تكون من ضمن  جوانب الاهتمام في توجهات الناخب.[5] وبعد أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) عام 2001 وما تبعها من حروب في أفغانستان والعراق، فإنه يمكن القول أن ما يجري في الشرق الأوسط، سوف يكون له تأثير على من سيتولى الرئاسة.

دور الأحزاب السياسية في الانتخابات الأمريكية:

تلعب الأحزاب السياسية دوراً كبيراً في عملية الانتخابات سواء في التمويل أو الانتخاب أو الترشيح، لا يمكن الحديث عن النظام الانتخابي في الولايات المتحدة الأمريكية دون الحديث عن هذه الأحزاب.

ارتبطت نشأة الأحزاب الأمريكية السياسية بعملية الانتخابات، فمع التوسع في منح حق الاقتراع، وزيادة أعداد الناخبين، كان لا بد من وسيلة للاتصال بالجماهير واستقطابها والحصول على ثقتها، فتشكلت في البداية لجان انتخابية تهدف إلى تنظيم عملية الاتصال بين المرشح والناخب، وبعد ذلك تطورت إلى مؤسسات سياسية أو أحزاب تلعب دوراً هاماً في الانتخابات، وفي هذا المجال ظهر الحزب الديمقراطي باعتباره أقدم الأحزاب السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تعود جذوره إلى أوائل القرن الثامن عشر، وقد أسسه توماس جيفرسون ونشأ بعده الحزب الجمهوري لغايات انتخابية محضة، حيث أُسس على يد أبراهام لنكولن.

يسيطر الحزبان الجمهوري والديمقراطي على كافة مجريات الحياة السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية، فمرشحا الحزبين هما المتنافسان الرئيسان على رئاسة الجمهورية، وحكام الولايات، وعضوية مجلسي الشيوخ والكونغرس. حيث ان استمرار محاولات إنشاء حزب ثالث كانت تؤدي دائما إلى نشوء أحزاب صغيرة محدودة الحجم لا يمكن أن تصل إلى الحكم أو السلطة.[6]

أما الطريقة التي تسمي الأحزاب بواسطتها مرشحيها، فإنها تبدأ بانتخابات تمهيدية يشارك فيها أنصار الحزب الواحد لاختيار مرشحي الحزب الذين سيخوضون الانتخابات الرئاسية العامة، حيث يتم عقد مؤتمرات حزبية على مستوى الولايات، لاختيار المرشحين، وبعدها يجري عقد مؤتمر قومي للحزب على مستوى الولايات المتحدة الأمريكية، يتم من خلاله إعلان النتائج النهائية لاختيار مرشح الحزب لخوض انتخابات الرئاسة، أما الحزب الذي يكون في السلطة، فإن مرشحه هو الرئيس الذي يحاول الفوز بدورة رئاسية ثانية. وبشكل عام تساعد هذه المؤتمرات في التعرف على المرشحين، وبرامجهم وسياساتهم وبعد اختيار المرشح تبدأ الحملة الانتخابية لكلي المرشحين والتي عادة ما تنتهي بمناظرات سياسية يتم نقلها بواسطة وسائل الإعلام المختلفة، وتلعب دوراً في التأثير على الناخب الأمريكي.[7]

اللوبي اليهودي "الصهيوني"

قدَّم الباحثان في السياسة الدولية جون ميرشايمر و ستيفن والت، تحليلاً مميزا لدور اللوبي الصهيوني أو اليهودي في التأثير على السياسة الأمريكية، وحرفها عن مسارها المفترض، في خدمة المصالح العليا للولايات المتحدة الامريكية، وذلك لصالح السياسات والمصالح الإسرائيلية. واستنتج الباحثان، أن هذا التأثير المبالغ فيه، لن ينتهي قريباً في غياب أية قوة معارضة حقيقية.[8]

يتشكل اللوبي المؤيد لإسرائيل من عدد من المنظمات اليهودية من أهمها منظمة "ايباك" AIPAC، ويضم إضافة إلى إيباك منظمة "بني بريث"، و"منظمة رؤساء المنظمات اليهودية"، ومجموعة أخرى من المنظمات الأصغر حجما. ويقوم اللوبي اليهودي، بدعوة كلي المرشحين الرئاسيين، للمؤتمر السنوي الذي يعقده قبل الانتخابات مباشرة. وينتزع منهما بالتالي تعهدات ووعودات لصالح إسرائيل على الملأ وأمام الصحافة والإعلام. والعرب والمسلمون "نائمون في العسل". ورغم أن اللوبي الصهيوني يتهم بحرف السياسة الأمريكية عن أهدافها لصالح إسرائيل، إلا أن العديد من مجموعات الضغط وجماعات المصالح الأمريكية، تقوم بدور أشد تاييداً لإسرائيل من اللوبي نفسه، ومنها منظمة كريستشان أميركا التي تسيطر على أكثر من مئة ألف كنيسة هناك.

المناظرة الرئاسية:

ظهرت النتائج المبكرة حسب استطلاعات الرأي، لتشير إلى فوز مفاجئ للمرشح الجمهوري ميت رومني بعد المناظرة الأولى بينه وبين الرئيس الأمريكي أوباما، التي جرت في مدينة دنفر في ولاية كولورادو، حيث ركّز الحاكم رومني على أن الرئيس أوباما سلك طريقاً غير مثمرة لإدارة الاقتصاد الأمريكي وغير كافية "لعودة أمريكا للعمل". في حين ركز الرئيس أوباما على أنه قد وفى بوعوده التي قدمها للشعب الأمريكي قبل أربع سنوات، وأنه لن يقدم تخفيضات ضريبية يستفيد منها الأغنياء بقيمة 5,4 تريليون دولار كما يقترح المرشح الجمهوري ميت رومني، كما أكد أوباما على أنه بدأت بوادر تحسن في أداء الاقتصاد العالمي والأمريكي على وجه الخصوص، وهذا أمر مهم لأنه سيشكل المقياس الأول للمواطن الأمريكي، عند الحديث عن إنجازات الإدارة الحالية أو عدمها. 

أما جوهرة الانجازات التي عرضها باراك أوباما فهي خطته للضمان الصحي التي ستمكن غالبية المواطنين الأمريكيين من الحصول على تأمين صحي مناسب. وفي تصريحات قد تضر بحملته الانتخابية، وصف المرشح الجمهوري للانتخابات الرئاسية الأمريكية ميت رومني مؤيدي منافسه الرئيس الديمقراطي باراك أوباما - أي نصف الناخبين الأمريكيين تقريبا - بأنهم "يعتاشون على عطايا الحكومة" و"لا يتحملون مسؤولية حياتهم[9]". هذا كله أدى إلى اعتقاد المراقبين أن ميت رومني يفتقر إلى مقومات القيادة ، وأنه غير قادر على الاتصال بهموم الناس وقيادتهم، بالمقارنة بباراك أوباما، وهو الرئيس الذي يتمتع بقدرات خطابية وكارزمية عالية. ولكن المناظرة التلفزيونية أتت على غير ما يتمناه باراك أوباما والديمقراطيون. حيث أعلن 67% من المستطلعة آراؤهم فوز ميت رومني في المناظرة، حسب استطلاع أجرته شبكة سي إن إن.[10]

في الموضوع الفلسطيني:

في انتظار نتائج الانتخابات الأمريكية، فقد أجل الفلسطينيون التصويت على طلب الحصول على وضع دولة غير عضو في الأمم المتحدة، حتى لا يتم استثمار هذا الموضوع ضمن الانتخابات الأمريكية، ولعدم إتاحة الفرصة لمجموعات الضغط الموالية لإسرائيل انتزاع معارضة كاملة من المرشحين المتنافسين، رغما عن أن ميت رومني زار إسرائيل واستخدم خطابا من نتانياهو بحملته الانتخابية كنوع من التقرب من الناخبين اليهود والمجوعات الضاغطة "اللوبي" المؤيدة لاسرائيل، علما أن  نتنياهو وضع شروطاً تعجيزية تقضي على فكرة إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة والقابلة للحياة وأهمها: الاعتراف بيهودية دولة إسرائيل، واعتبار القدس عاصمة أبدية لإسرائيل، ومنع عودة اللاجئين الفلسطينيين، وأن تكون الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح، بالإضافة إلى تطبيع العلاقات مع الدول العربية.[11] وفي حقيقة الأمر فإن عملية السلام باتت في حكم المنتهية، خصوصا بعد خطاب الرئيس محمود عباس أمام الجمعية العامة في الأمم المتحدة، الذي دعا العالم فيه إلى الحيلولة دون وقوع نكبة جديدة في فلسطين.

هذا الوضع البالغ التعقيد، يدلل على أهمية إشراك وإعداد المجتمع الفلسطيني، لدعم الموقف السياسي وإيصال الرسالة الحضارية والثقافية التي هي جزء من الخطاب السياسي إلى العالم. وهذا يؤشر إلى جدوى استخدام مؤثر لمخاطبة الجماهير وتحفيزها وتفعيلها للعمل المتواصل والمتكامل محليا ودوليا، كشكل من أشكال ممارسة الدبلوماسية العامة. إن استعراض أداء الدبلوماسية الفلسطينية مقارنة بالدبلوماسية الإسرائيلية يظهر تفاوتا كبيرا جدا في الأداء، ينعكس في استمرار تفوق الرواية الإسرائيلية عالمياً على مثيلتها الفلسطينية، هذا رغم الاهتمام العالمي الواسع بالحالة الفلسطينية، ورغم التغطية الإعلامية المتواصلة للأحداث والتطورات في المنطقة. مع العلم أنه بالإمكان الحكم على الدبلوماسية الإسرائيلية بالفشل في التعامل مع دول أميركا اللاتينية في فترة العدوان على غزة، إذ لم يستطع الإسرائيليون تغطية جرائم الحرب التي ارتكبوها رغم تفوقهم وتأثيرهم على وسائل إعلام واتصال دولية. وبدا ذلك واضحا بتردي علاقة إسرائيل مع كل من فنزويلا وبوليفيا اللتين قامتا بطرد السفير الإسرائيلي لديهما إثر العدوان الإسرائيلي على غزة، ويبدو أن التراجع في السياسة الخارجية الإسرائيلية على ساحة أمريكا اللاتينية سيستمر ما لم تحصل أحداث مؤسفة أو عمليات مشابهة لأحداث 11 أيلول (سبتمبر).

في الواقع فإن الفلسطينيين لم يربحوا المعركة الدعائية مع إسرائيل في الغرب. ورغم أن دقائق الواقع الفلسطيني معروفة تماماً وموثقة جيداً، فما زالت الرواية الإسرائيلية هي السائدة.[12] هناك عدة أسباب لذلك؛ وليست كلها متعلقة بفشل الفلسطينيين في عرض قضيتهم بدقة. إن محاربة الرواية الإسرائيلية ليست سهلة نظراً لوجود صلات دينية وسياسية وثقافية ومصالح متبادلة بين إسرائيل والولايات المتحدة وأوروبا ليست في متناول الفلسطينيين.[13]

 أن السياسات الخارجية لأي بلد مصممة لخدمة المصالح القومية لذلك البلد، لكنها أحيانا تسير في عكس مصالح الآخرين. لذا فإن على الحكومات أن تخفف من التوترات في المصالح بتفعيل حملات حاسمة من الدبلوماسية العامة. ولما كانت الدبلوماسية الفلسطينية عاجزة في هذا المضمار: فلم تستخدم الوسائل الفعالة التي تمكن الفلسطينيين من إيصال الرسالة إلى الغرب.  وحتى في ظل التأييد العالمي الكبير لإقامة دولة فلسطينية مستقلة وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967، فإن التطبيق العملي لمثل هذا الموقف يتطلب مواجهة السياسات التوسعية الاستيطانية الإسرائيلية، وهو أمر غير مضمون في ظل التركيبة الحالية للحكومة والمجتمع الإسرائيلي. ولذلك قد تكون الفرصة قد فاتت لإقامة دولة فلسطينية مستقلة ضمن اتفاق سلام إقليمي ودولي.

 العلاقة الفلسطينية مع أمريكا

العلاقة الفلسطينية مع أمريكا هي علاقة رسمية بالأساس، تمر عبر بضعة عشرات من الأشخاص، وهي مبنية على "الدبلوماسية التقليدية" مع بعض الاستثناءات، ولا يشارك المجتمع، ولا المنظمات غير الحكومية ولا الأحزاب ولا مجموعات المصالح بشكل مؤثر ومتواصل بتدعيم هذه العلاقة. هذا رغم بروز بعض المحاولات سواء كانت عربية عامة، أو فلسطينية خاصة، لتشكيل مجموعات ضغط تركز على استجابة دوائر اتخاذ القرار للمطالب الفلسطينية والعربية العادلة، والمتناسبة مع المصالح الأمريكية وبخاصة رؤية الرئيس الأميركي السابق جورج بوش بشأن إنهاء النزاع في المنطقة على أساس حل الدولتين، والذي يتضمن قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيا وقابلة للحياة اقتصاديا. وإلى أن تنجح هذه المحاولات سيظل شكل العلاقة محكوما بمحددات الدبلوماسية التقليدية التي  تفتقر للمرونة والديناميكية التي نجدها حاضرة بقوة في الدبلوماسية العامة. 

بينما العلاقة الإسرائيلية مع أمريكا هي علاقة متشابكة ولها أبعاد سياسية وثقافية وتاريخية، ويمكن القول بأنها علاقة عضوية. هذه العلاقة الخاصة تمر عبر مئات الآلاف وربما الملايين من المواطنين الأمريكان والإسرائيليين، إذ لا يمكن تفسير الدعم الكبير والمستمر الذي تلقاه إسرائيل لدى دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة بقوة اللوبي الصهيوني فحسب.[14]

قد يكون السبب الرئيسي في ذلك هو استخدام إسرائيل وأمريكا قنوات الدبلوماسية العامة منذ عدة عقود، ما أدى إلى بروز شبكات المصالح ومجموعات الضغط التي تعمل على التأثير في تشكيل وتنفيذ السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية بما يخدم مصالح إسرائيل،  دون إهمال الجوانب المتعلقة بالدبلوماسية التقليدية وأجهزتها وشخوصها. فاستخدام الدبلوماسية العامة جعل السياسة الداعمة لإسرائيل تلقى قبولاً شعبياً واسعاً ينعكس في نتائج الانتخابات على الساحة الأمريكية الداخلية.[15]

إذا نظرنا إلى دوائر التأثير المتعلقة بقضية فلسطين، سنجد أنّ الدائرة الأوسع والأكبر وهي الدائرة العالمية، هي أقرب إلى الموقف الفلسطيني (بدون تحديد لماهية هذا الموقف)، والدائرة الإقليمية قد تبنت بشكل واضح في المبادرة العربية والتي هي القادرة على تحديد أسس السلام الشامل في المنطقة. إذاً يبقى الانقسام على الساحة الفلسطينية ما بين فتح وحماس الذي يعرِّض كل هذا البناء للخطر، كونه لا يمكن إجبار إسرائيل على التحرك باتجاه تطبيق التزاماتها، بدون توحيد الموقف الفلسطيني قبل ذلك. وهي مهمة ليست مستحيلة بشرط الاتفاق على تقاسم الصلاحيات/السلطة.

مواقف الإدارة الأمريكية تميل مؤخرا باتجاه المشاركة مع الدول الكبرى على الساحة الدولية، ويمكن في هذا الصدد رؤية الموقف الجديد من التقارب مع روسيا لتجديد اتفاقيات الحد من الأسلحة النووية، وإنهاء حالة التحدي الروسي لحلف الناتو. النظام العالمي يميل إلى إعادة توزيع القدرات ضمن المستويات المختلفة، سواء على مستوى النظام الدولي أو مستوى الدولة أو حتى الفرد، خصوصاً بعد تجاوزه حرباً دولية أو أزمة عالمية. كما كانت الحال بعد انتهاء الحرب الباردة، وانهيار الاتحاد السوفييتي، وكذلك أحداث 11 أيلول (سبتمبر) وما أعقبها من حرب "المحافظين الجدد" على الإرهاب أو الإسلام. وهكذا تورط العالم أجمع في الحرب غير الأخلاقية التي تقودها الولايات المتحدة على المسرح الدولي وبالأخص في أطراف الدول الإسلامية في أفغانستان، والعراق، والصومال، واليمن وغيرها.[16]

هذه كانت السِمة المميَّزة للإدارة الجمهورية السابقة التي تميّزت بالإفراط في استخدام القوة العسكرية وأخضعت الدبلوماسية الدولية للاعتبارات القومية الأمريكية إذ شهدت هذه الفترة استخفافاً بالمؤسسات الدولية وبالقانون الدولي وممارسةً للخداع على نطاق عالمي ودون اعتماد الأدلة الكافية، كما شاهدنا في حال الاتهام الأمريكي للعراق بتطوير أسلحة الدمار الشامل.[17] نجح الرئيس أوباما في سحب القوات الأمريكية من المدن العراقية إلى القواعد العسكرية، وأنهى الوجود العسكري الرسمي في أفغانستان إلى حد كبير، وحاول جسر الهوة الكبيرة التي تفصل أميركا عن العالم الإسلامي. وسواء فاز المرشح الديمقراطي أو الجمهوري، فإن السياسة الأمريكية ستستمر في كونها متحيزة تماما لصالح إسرائيل، ومعادية لحقوق شعبنا في التحرر والاستقلال.

الهوامش

 

[*]  أستاذ العلوم السياسية في جامعة بيرزيت

[1] وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية، وفا. بيان اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية،  25/08/2012 .

[2] ادوارد سعيد. نهاية عملية السلام، أوسلو وما بعدها، بيروت: دار الآداب، 2002.

3.  BBCعربي، مؤتمر الحزب الديمقراطي الأمريكي يستعد لترشيح أوباما رسمياً آخر تحديث: الأربعاء، 5 أيلول (سبتمبر) 2012، 01:31.

http://www.bbc.co.uk/arabic/worldnews/2012/09/120904_obama_democratic_convention.shtml      

[4] شبلي تلحمي: المخاطر- أمريكا في الشرق الأوسط - عواقب القوة وخيار السلام: مكتبة العبيكان، الرياض، 2005. ص 162.

[5]. Edward S. Greenberg: The American Political System, A Radical Approach. Winthrop Publishers, Inc.  Cambridge, Massachusetts.1980. P 135.

[6] Hugh Davis Graham, American Politics and Government, New York, Harper & Row, Publishers. 1975, p7-8.

[7] Kenneth Janda et, al. The Challenge Of Democracy, Government in America. Houghton Mifflin Company, Boston 1992. P 151-155.

[8] John J. Mearsheimer & Stephen M. Walt. The Israel Lobby And U.S. Foreign Policy, Farrar, Straus and Giroux, 2007. p 40

.[9] ميت رومني: مؤيدو أوباما يعتاشون على عطايا الحكومة. آخر تحديث: الثلاثاء، 18 أيلول (سبتمبر)، 2012، 1:09.

[10] موقع سي إن إن الاخباري، تفوق المرشح ميت رومني في المناظرة الأولى بفارق كبير، http://politicalticker.blogs.cnn.com/2012/10/03/cnn-poll-romney-wins-debate-by-big-margin

[11].جايمس بتراس: سطوة إسرائيل في الولايات المتحدة: الدار العربية للعلوم. عين التينة، بيروت، 2007. ص 173-177.

[12] د. محمد عبد العزيز ربيع: المعونات الأمريكية لإسرائيل، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1990، ص 245-257.

[13] إرون سلزر (محرر): المحافظون الجدد، مكتبة العبيكان،الرياض، 2005. ص 35.

[14] كميل منصور، الولايات المتحدة وإسرائيل، العروة الأوثق، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1998. ص 336.

[15] أندرو باسيفيتش: الإمبراطورية الأمريكية - حقائق وعواقب الدبلوماسية الأمريكية، الدار العربية للعلوم، عين التينة، لبنان، 2004. ص 118-119.

[16] إرون سلزر (محرر): المحافظون الجدد، مكتبة العبيكان، الرياض، 2005. ص 35.

[17] تشارلز كيجلى، يوجين ويتكوف: السياسة الخارجية الأمريكية ومصادرها الداخلية، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2004. ص 13 وص 86.  

 

 

Attached Photos

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website