المقاومة الشعبية الفلسطينية: نمذجة المواقع وإشكاليات الرؤية، العدد 268، أيمن يوسف

المقاومة الشعبية الفلسطينية: نمذجة المواقع وإشكاليات الرؤية

 

د. أيمن طلال يوسف[*]

 

ازداد الحديث عن مصطلح "المقاومة الشعبية" في السياق الفلسطيني خاصة في الدوائر السياسية والحزبية، وحتى في الدوائر الأكاديمية والبحثية، ليس لأن المصطلح ذو محتوى ديكوري مغر من الناحية السياسية، ولكن لكونه مرتبطا بالمرحلة الحالية التي تمر بها القضية الفلسطينية، والحالة الوطنية الفلسطينية على وجه العموم. وإذا كانت المقاومة الشعبية تعني بحرفية الكلمات والعبارات ذات النسق النضالي السلمي، ولا عنفية المشروع التحرري الانعتاقي من سطوة الاحتلال وقيود المحتل، فإن المقاومة الشعبية الفلسطينية موغلة في التاريخ الفلسطيني، ولها جذور عميقة في مسيرة الفلسطينيين منذ بداية القرن الماضي على الأقل، لأنها مرت بمراحل مختلفة كان أهمها إضراب عام 1936، ومختلف الثورات والهبات الشعبية العفوية خلال فترة الانتداب البريطاني، مروراً بانتفاضة عام 1987، وانتهاء بانتفاضة عام 2000، وما تبعها من نماذج مختلفة من المقاومة الشعبية. ومع هذا يمكن القول، إن شيوع هذا المصطلح على نطاق واسع مع بدايات القرن الواحد والعشرين، تقريبا جاء بفعل مجموعة من العوامل والمتغيرات، التي لا بد من الوقوف عليها، ومنها:

1.    تجربة الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي مالت بوضوح نحو العسكرة والتصعيد العسكري الواضح مع الاحتلال، ما أسهم في إحداث دمار هائل في الأراضي الفلسطينية، سواء على الصعيد البشري أو على صعيد البنية التحتية والإرهاب النفسي وإعادة احتلال إسرائيل للمدن والتجمعات الفلسطينية التي أخلتها بموجب اتفاقية أوسلو الموقعة مع منظمة التحرير الفلسطينية (م.ت.ف) في عام 1993. ويبدو أن الفلسطينيين في تلك المرحلة من عمر الانتفاضة الفلسطينية الثانية لم يستطيعوا الاستثمار السياسي بالشكل الأمثل في العمليات العسكرية والفدائية التي نجحت فصائل العمل الوطني بالقيام بها ضد أهداف إسرائيلية.

2.     قيام إسرائيل بالبدء ببناء الجدار الفاصل داخل أراضي الضفة الغربية لفصلها بشكل تام عن أراضي عام 1948، وعن المستوطنات الإسرائيلية الموجودة داخل الأراضي الفلسطينية. فبناء الجدار والتفافه داخل الأراضي الفلسطينية من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب، قاضماً مساحات واسعة من الأراضي، وتاركاً وراءه آثاراً ديموغرافية وجغرافية ونفسية كثيرة، وقد ولد موجة تضامن دولية لمناصرة الفلسطينيين. في هذا السياق، لفت نمط المقاومة الشعبية ذات التوجهات السلمية أنظار المتضامنين الأجانب بمن فيهم بعض قوى اليسار الإسرائيلية، لأنهم اعتبروا أنفسهم جزءاً من هذه العملية النضالية التحررية الراقية كونها ذات طابع سلمي، وأبعادها الأخلاقية السامية سهلة التسويق عالمياً، ولدى الرأي العام الدولي.

3.    أما العامل الثالث فمرتبط بالنموذج التنموي الذي تبنته السلطة الوطنية الفلسطينية خاصة بعد الانقسام السياسي في عام 2007، لبناء الدولة من خلال المأسسة والتنمية المستدامة والمكاشفة والشفافية، ورفع شعار المقاومة الشعبية كرافعة للعمل السياسي المفاوض. ويبدو للباحث أن الإستراتيجية الفلسطينية في التعاطي مع الاحتلال في السنوات الخمس الأخيرة جمعت ثلاثة متغيرات هامة، أحدها كان المقاومة الشعبية، إضافة إلى متغيري المأسسة والتنمية المستدامة من جهة، واستنطاق الدعم الدولي من جهة أخرى.

4.    أصبحت المقاومة السلمية خياراً فلسطينياً استراتيجياً في الآونة الأخيرة بسبب انسداد الأفق التفاوضي مع الإسرائيليين حيث أدى الانقسام الفلسطيني الداخلي إلى ضعف شوكة القيادة الفلسطينية في مطالبها بالدولة والاستقلال والتحرر، كما أن صعود حكومة اليمين في إسرائيل بقيادة بنيامين نتنياهو قد خلق إشكاليات إضافية على صعيد العملية التفاوضية حيث أن قناعات نتنياهو اليمينية المتطرفة عبر عنها من خلال عدم الاقتناع بوجود شريك تفاوضي فلسطيني قوي، فضلاً عن إيمانه العميق أن إدارة الصراع مع الفلسطينيين، وخلق حالة من السلام الاقتصادي، سيمكن الحكومة الإسرائيلية من إكمال سيطرتها على القدس، وتكثيف عمليات الاستيطان على الأرض لخلق وقائع لا يمكن تغييرها بسهولة إن تجددت المفاوضات مع الجانب الفلسطيني مستقبلاً.

5.    زيادة الاهتمام الأكاديمي الفلسطيني بموضوع المقاومة الشعبية، لأن مثل هذا النموذج  يستفيد من نماذج عالمية في النضال والمقاومة ومحاربة الظلم، ولعل نموذج غاندي في الهند، ومارتن لوثر كينج في أميركا، ونيلسون مانديلا في جنوب إفريقيا، وتجارب إحداث الدمقرطة والتحولات الديمقراطية في أوروبا الشرقية في نهاية عقد الثمانينات من القرن الماضي، كلها تعد نماذج هامة يجب الأخذ بها والاستفادة منها في هذا السياق. كما أن الربيع العربي الذي ما زالت موجاته مستمرة وتداعياته واضحة في أكثر من مكان، قد انعكس فعلاً على التجربة الفلسطينية في المقاومة لا سيما أن الجماهير العربية خاصة في تونس ومصر، قد نجحت فعلاً في إحداث تغيير سياسي عبر اللجوء إلى آليات المقاومة السلمية والاحتشاد في الميادين بالرغم من مواجهتها بالقمع البوليسي والعصا الأمنية والبلطجة الشوارعية.

تأطير نظري ومفاهيمي:

تتداخل مفاهيم "المقاومة الشعبية"، و"المقاومة المدنية"، و"المقاومة السلمية"، و"المقاومة اللاعنفية" ببعضها البعض في المحتوى والمضمون، وحتى في أساليب المقاومة، بالرغم من بعض الاختلافات في طرق تطبيقها، بناء على السياقات الثقافية والاجتماعية والوطنية من بلد إلى آخر. والتداخل هنا يحدث بسبب عدة عوامل هامة، أولها، طبيعة الخصم أو العدو الذي تواجهه في ثورة شعبية كأن يكون العدو أو الخصم نظاماً دكتاتورياً وطنياً، أم عدواً خارجياً أو محتلاً استيطانياً، أما العامل الثاني فيتوقف على التعريف العام للمقاومة في ظل بيئة ثقافية/ اجتماعية/ دينية/ فلسفية لها نظرتها وتصوراتها ومفاهيمها العامة تجاه العنف واللاعنف. أما ثالث هذه العوامل، فينصب حول التجارب العالمية المتعددة في التحرر والاستقلال الوطني وآفاق التغيير الاجتماعي / السياسي في مناطق مختلفة من العالم خاصة في دول العالم الثالث وشرق أوروبا، والوسائل والأدوات التي استخدمت لإحداث هذا التغيير البنيوي.

 بالمجمل، يمكن القول إن المقاومة الشعبية بكل ألوانها وأطيافها وتلاوينها ومسمياتها تركز على بناء نظام قيم عالمي World-Wide Value System لمقاومة الظلم والقمع والعدوان، ومعالجة كل أشكال العنف الدموي بوسائل سلمية أو لاعنفية. في الحالة الفلسطينية، تعد دراسة المقاومة الشعبية أو السلمية بمثابة حالة مقاومة ضد احتلال مباشر وقمع بنيوي منظم يمارسه المحتل ضد شعب واقع تحت الاحتلال. وهنا لا بد من الإشارة إلى مدرستين فكريتين هامتين، تناولتا المفاهيم والمضامين العامة للمقاومة الشعبية أو السلمية وآفاق عملها: المدرسة الأولى تبناها المهاتما غاندي Mahatma Gandhi – المدرسة الغاندية المثالية- في بدايات القرن العشرين في سياق تجربته الشخصية والوطنية في مقاومة المستعمر البريطاني في شبه القارة الهندية حينما دافع عن استنهاض طاقات الخير عند العدو، واستنطاق إنسانية المستعمر والانفتاح عليه، والحديث معه بلغة العقل والبحث المشترك عن الحقيقة[1]. أما المدرسة الثانية، فتبناها جني شارب Gene Sharp ذو التوجهات الواقعية البراجماتية، حيث دافعت هذه المدرسة عن إستراتيجية عملية واضحة المعالم لهزيمة الخصم، من دون بذل جهد كبير لاستنطاق إنسانيته، أو إثارة عوامل الخير بداخله[2].

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن أغلب حركات المقاومة الشعبية والسلمية، في سبيل توجهها نحو التغيير الاجتماعي/ السياسي في ظل أنظمة دكتاتورية أو في طريق جهدها لهزيمة العدو أو المحتل، يجب أن تنطلق من رؤية قادرة على تحديد مصادر وأعمدة دعم هذا الخصم بما فيها عناصر قوته المادية والمعنوية والقمعية، وحالة الاستسلام والخنوع والتعاون والسلبية التي تميز الشعوب الخائفة والخانعة. فالمستعمر أو الدكتاتور على حد سواء لا يعتمد فقط على قوة القمع والتوحش لديهم، إنما –أيضا- على الخضوع والخنوع عند عامة الناس عبر استعدادهم الدائم للتعاون والتجاوب مع سياسات المحتل أو الدكتاتور على حد سواء، بما فيها دفع الضرائب واحترام قوانين القمع، والوقوف في طوابير الانتظار أمام مؤسسات وأجهزة الخصم أو المحتل[3]. بكلمات أخرى، ركزت أغلب دراسات تغيير الأنظمة السياسية السلطوية /التوتاليتارية على أهمية العمل لتغيير الأرضيات التي تقف عليها هذه الأنظمة عبر خلخلة مصادر دعمها الداخلية والخارجية، لا سيما القاعدة البشرية والاقتصادية والمادية والعسكرية، فضلاً عن أصدقائها وحلفائها على المستويات الإقليمية والدولية، وهذا يتطلب وضع إستراتيجية صبورة، هادئة، متأنية، ثابتة وعقلانية تأخذ بالأسباب والمسببات[4].

ومن أجل أن يتم إحراز نتائج ملموسة على أرض الواقع، فإن حركة اللاعنف أو المقاومة الشعبية على الأرض يجب أن تعمل جاهدة لزيادة تكلفة السياسات القمعية للنظام الدكتاتوري Repressive Policies of the Regime، والذي يؤدي في نهاية المطاف إلى التخفيف من استعماله للقوة الغاشمة والأسلحة القاتلة ضد الحركة الشعبية، ويفقده الشرعية عند أصدقائه وحلفائه المحليين والخارجيين لا سيما القوى البيروقراطية والأمنية الداعمة له، ويشجع حركة الانشقاق بين جنوده وقواه الأمنية التي تعمل في الميدان على قتل المتظاهرين وقمع الحركة الشعبية المسالمة[5]. يضاف إلى ذلك أن حركات المقاومة الشعبية/ السلمية التي تثور ضد نظام حكم دكتاتوري قمعي تختلف في أساليبها وتكتيكاتها واستراتيجياتها عن تلك الحركات العاملة في الميدان ضد محتل خارجي، يستعمر الأرض بشكل مباشر، لأن الحركة الشعبية هنا في الحالة الثانية يجب أن تعمل للانطلاق من فكرة مقاطعة الاحتلال والاستعمار على المستويات كافة: الاقتصادية والعلمية والثقافية والأكاديمية والطبية والقانونية، إضافة إلى عملها على ترسيخ القناعة عند عموم الناس أن إرادة الشعوب أقوى بكثير من سياط المحتلين والجلادين[6].

وتتعدد أشكال المواجهة مع الخصم المحتل أو الدكتاتور في الميدان من بلد إلى آخر، ومن موقع إلى آخر اعتماداً على طبيعة هذا الخصم أو العدو، واعتماداً على إمكانيات الحركة الشعبية وقدراتها، لكن بالمجمل يمكن الحديث عن أشكال متعددة للنضال السلمي على النحو التالي:

1.    المقاومة الرمزية Symbolic عبر المحافظة على قنوات الاتصال الفعال بين أعضاء المقاومة نفسها، والعمل على استخدام الإشارات والرموز والأسماء الحركية وحتى اللباس في سبيل تدعيم الشعور الوطني بين الناس، وحضور المناسبات الوطنية وإحياء التراث الشعبي.

2.    المقاومة التراكمية Accumulative من خلال المحافظة على أداء الحركة في الميدان، ونقل الاحتجاجات إلى أوساط الحركة الشعبية، والعمل الجاد لتشجيع الآخرين للمحافظة على الكفاح أو النضال ضد الخصم أو العدو.

3.    المقاومة الهجوميةOffensive  عبر تنظيم سلسلة فعاليات على الأرض لإحباط الخصم ودفعه للشعور باليأس، وتكثيف المظاهرات والإضرابات وكل النشاطات الأخرى المباشرة التي تأخذ من الشعب والجماهير صفوفا مؤيدة لها.

4.    المقاومة الدفاعية Defensive التي تعمل على المحافظة على الإنسان والبشر وعدم الانسياق وراء قوة الخصم المدمرة، والمحافظة على أخلاقيات المقاومة والقيم الإنسانية العالمية خاصة فيما يتعلق بالعنف والقتل وتخريب الأملاك والممتلكات. مثل هذا النشاط يهدف في المحصلة النهائية إلى تحييد قوة الخصم المدمرة، ويمنعه من الاستخدام المكثف للقتل والتدمير.

5.    المقاومة الإيجابية Positive البناءة التي تعمل على إيجاد بدائل على مستوى القانون العام أو المؤسسات والتي تخدم بدورها الناس، وتدفعهم لعدم اللجوء إلى مؤسسات المستعمر أو النظام الدكتاتوري، وتفصلهم مع مرور الوقت عن بنية المستعمر وتركيبته  الاقتصادية والتنموية والبيروقراطية والأمنية أيضا[7]

 

ومن أجل إحداث مقاومة شعبية ذات طابع مدني لمقاومة الاحتلال أو الاستعمار أو الأنظمة القمعية التوتاليتارية، فلا بد من خلق مقاومة جماعية على المستوى الوطني مع الأخذ بالاعتبار الظروف المواتية لبروز هذه الحركة ومنها:

1.    الشعور القوي بالانتماء إلى الهوية الوطنية والتضامن الاجتماعي بين السكان المحليين الواقعين تحت الاستعمار أو تحت حكم العسكر والسياسات القمعية، وهذا يتطلب تذويب الفوارق الطبقية بين فئات المجتمع من المنظورين الاجتماعي والاقتصادي، لأن مثل ذلك يسهل خلق هوية وطنية متجانسة ومتضامنة.

2.    قيادة ميدانية فاعلة موجودة بين الناس، وتتحرك من منطقة إلى أخرى، تمتلك الرؤية والإستراتيجية وقريبة من الناس، وقادرة على الاستجابة لمطالب الناس، وتمتلك القدرة على الإبداع والتفكير الحر والخلاق خاصة في المواقف الصعبة والمؤثرة، إضافة إلى مقدرتها على تلبية حاجات الناس، وتقليل اعتمادهم على المستعمر أو الدكتاتور، والمقدرة على طرح البدائل في زمن المواجهة.

3.    ثقافة ديمقراطية وطنية تحتضن الجميع، ولا تستثني أحداً أو تهمش أحداً، تعتمد على تقاليد المواطنة والحريات الأساسية للمواطنين واحترام حقوق الإنسان والتسامح الفكري والديني، ومكافحة كل أشكال العنف والظلم المجتمعي والديني.

4.    العمل الجاد والدؤوب على مستوى القاعدة الشعبية لاستنهاض كل المؤسسات القاعدية ومنظمات المجتمع المدني واللجان الشعبية والمجالس المحلية والنقابات واتحادات المرأة والشباب والطلبة ليكونوا جزءاً من معركة النضال والتحرير الشعبي العام[8].

ومن أجل أن تنجح هذه الحركة الشعبية المقاومة في تحقيق أهدافها السياسية العليا في التحرير أو الانعتاق من الحكومات القمعية السلطوية، فلا بد أيضا من توافر شروط ومستلزمات أخرى يقف على رأسها:

1.    الشعور التضامني داخل الحركة الشعبية المقاومة نفسها بحيث تكون واسعة الصدر ورحبة لاحتضان كل الجماهير من مختلف الشرائح الاجتماعية والطبقات الاقتصادية ومن مختلف الألوان السياسية والمناطقية والجغرافية.

2.    العمل على إيجاد توازنات هامة على صعيد القدرات الذاتية والأهداف، إضافة إلى دراسة قدرات المستعمر أو الدكتاتور، وخلق مساحة من الأمل والشرعية وقرب الخلاص الوطني العام.

3.     تمتين التركيبة التنظيمية العامة لحركة الاحتجاج وتقويتها عبر تشجيع الأشخاص والقيادات الميدانية التي تمتلك الخبرات التنظيمية لقيادة العمل الميداني وقيادة حركة الاحتجاج السلمي في الشارع.

4.     وضع إستراتيجية واضحة للمواجهة مدعومة بمجموعة من التكتيكات المحورية بحيث يقوم على تنفيذها ووضعها موضع التجربة العملية من خلال تدريب النشطاء على الأرض، وبث روح العمل الجماعي المنضبط بينهم، وإقناعهم بعدم الانجرار وراء استفزازات العدو أو المستعمر من أجل تحييد قدراته المدمرة. كما أن هذا يتطلب المحافظة على قنوات اتصال وتواصل فعالة داخل الحركة نفسها، ومع الشارع العام بما فيه بعض المتفرجين المتعاطفين مع حركة التغيير الوطني السلمي، كما أن التواصل في قنواته الضيقة يجب أن يستمر مع الخصم أو الدكتاتور من أجل تشجيع بعض العناصر الأمنية والبيروقراطية على الهجرة والانضمام إلى صفوف الشعب والجماهير الثائرة في الشوارع.

5.    تحشيد مصادر الدعم الداخلي والخارجي للثورة الشعبية السلمية، وهذا يشمل مصادر الدعم الاقتصادي والمالي والمادي والدعم الطبي واللوجستي، وخلق دوائر من المناصرين المحليين والقوى واللاعبين الخارجيين من أجل عبور حركة الشارع جسور الأمان والإنجاز والتحرير[9].

محطات تاريخية هامة في مسيرة المقاومة الشعبية في فلسطين:

وكما أن مازن قمصية، المتخصص في دراسة تاريخ المقاومة الشعبية في فلسطين، قام بدراسة هذه الحركة السلمية المدنية منذ بداية القرن الماضي، عبر المرور بمحطات هامة من تاريخ المقاومة اللاعنفية في فلسطين منذ أيام العثمانيين الأتراك، والانتداب البريطاني، وانتهاءً بالاحتلال الإسرائيلي المباشر لفلسطين، فإن هذه الدراسة ستحاول التركيز على محطات هامة في تاريخ الثورة الشعبية السلمية في فلسطين[10] ومن أبرز هذه المحطات ثورة عام 1936 وانتفاضة عام 1987، ثم الولوج إلى انتفاضة الأقصى الثانية في عام 2000. لقد مهدت الظروف الصعبة والقاسية التي مر بها الفلسطينيون العرب في بداية الثلاثينات من القرن الماضي، الأرضيات الصلبة لثورة عام 1936 التي لعبت دوراً هاماً في زيادة درجة الوطنية، ومنسوب روح القتال والنضال عند الفلسطينيين.

 فأوضاع الفلسطينيين تعقدت كثيرا وتدهورت بشكل واضح في بداية العقد الثالث من القرن العشرين بفعل الظروف الاقتصادية الصعبة، وزيادة وتيرة هجرة اليهود من كل أصقاع الأرض إلى فلسطين، وتوسع حملة الاستيلاء على الأراضي العربية. وقد مارس الفلسطينيون في ظل تلك المرحلة أشكالاً مختلفة من النضال والمقاومة بما فيها المقاومة الشعبية الرمزية والانفعالية Symbolic عبر التركيز على الإعلام المتاح ونشر المقالات في الصحف اليومية، ومع أن البريطانيين منعوا صدور العديد من الصحف الوطنية الفلسطينية بسبب دورها في إذكاء روح العمل الوطني، ألا أن هذه الفترة شهدت ميلاد حزب الاستقلال في عام 1932، والذي دعا إلى استقلال فلسطين الكامل عن الانتداب البريطاني[11]

إضافة إلى المقاومة الإعلامية والرمزية، وقفت القيادات الفلسطينية مع عموم الناس في تبني شكل آخر من أشكال المقاومة الشعبية أخذ طابع الدفاع عن الأرض، وعدم التعاون مع اليهود في إدارة مصانعهم وتشغيل مزارعهم، وتحريم بيع الأراضي العربية لليهود، وقد قاد حملة المقاطعة هذه حزب الاستقلال بالتنسيق مع اللجنة العربية التنفيذية. وترافق مع ذلك دعوات صريحة صادرة عن حزب الاستقلال تدعو فيها الناس إلى عدم التعاون مع سلطات الاحتلال البريطانية ومقاطعة البريطانيين واليهود على حد سواء على الأصعدة الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية، وعدم دفع الضرائب لهم، ومقاطعة كل أشكال النشاطات التي رعتها الحكومة البريطانية بما فيها المناسبات والاحتفالات واستقبال القادة وزعماء الدول.

ومن المعروف أن المرحلة الأولى من ثورة عام 1936 كانت سلمية الطابع ولاعنفية المحتوى والمضمون، حيث برزت كل أشكال المقاومات الرمزية والانفعالية والإعلامية والدفاعية والهجومية، وأهم ما ميزها خروج أعداد كبيرة من العرب الفلسطينيين في مظاهرات واحتجاجات ومسيرات، كما عمت حركة الإضرابات والمقاطعات وعدم التعاون والعصيان المدني سائر المدن الفلسطينية. ومع انطلاقة اللجنة العربية الوطنية في مدينة نابلس في نيسان 1936، وقيام اللجنة العربية العليا بقيادة الحاج أمين الحسيني تقريباً في الفترة نفسها، دخلت أغلب المدن الفلسطينية والقرى والأرياف في أطول إضراب تقوم به وتنظمه الحركة الوطنية الفلسطينية إذ دام لأكثر من ستة شهور متتالية. وكان الإضراب شاملاً ووصل إلى أغلب المدن والتجمعات الفلسطينية، وإلى مختلف القطاعات الاقتصادية ومناحي الحياة، وتوسع ليشمل المحلات التجارية والمواصلات والمصانع والمزارع. لكن كان الإشكال في معارضة القيادة السياسية الفلسطينية تحت إمرة الحاج أمين الحسيني دعوات الإضراب الشامل حتى تصل إلى موظفي الدولة والإدارة العامة والخدمة المدنية، كون الحاج أمين رغب في تلك المرحلة من عمر الانتفاضة في المحافظة على خطوط الاتصال والتواصل مع إدارة الانتداب البريطاني، وإبقاء قنوات الاتصال مفتوحة معهم[12].

تشكلت اللجنة العربية العليا بمبادرة من الحاج أمين الحسيني وبعض قادة الأحزاب العربية الفلسطينية الأخرى، خلال ثورة عام 1936-1939 والتي توجت بالإضراب الذي دام أكثر من ستة أشهر. واللافت للنظر هنا قدرة الحاج أمين الحسيني على قيادة اللجنة العربية العليا في وقت حساس ومعقد خاصة أنها ضمت شخصيات مقدسية وفلسطينية مختلفة في مشاربها ومآربها وأطروحاتها السياسية، ولعل هذا يعكس الصفات النخبوية والقيادية التي امتلكها الحاج أمين، لأن اللجنة كانت مسؤولة عن إدارة المعركة السياسية مع الإنجليز، وإدارة العمل الميداني بشكل كاف لضمان استثماره سياسياً، لا سيما أن بعض الزعامات العربية في تلك الفترة أبدت فتوراً شديداً اتجاه الأحداث واتجاه الإضراب العظيم الذي نفذه الفلسطينيون في تلك المرحلة من عمر القضية الفلسطينية[13]

وفي خضم الإضراب الطويل تكثفت الاجتماعات، وتم تشكيل اللجان القومية في أغلب المدن الفلسطينية الكبرى، وأصر الجميع على المضي بمشروع الإضراب وعدم دفع الضرائب للمندوب البريطاني. في هذه الأثناء كان هناك جهد منظم لتعميق الإضراب وتطوير أشكال جديدة من المقاومة اللاعنفية شعبية الطابع ومنها تشكيل اللجان المختلفة، وكان منها لجان الإسعاف ولجان خدمة المحتاجين ولجان دعم المرضى وتقديم المساعدات العينية والمادية للأسر المحتاجة.

الانتفاضة الأولى:

في الانتفاضة الأولى (1987) تفنن الفلسطيني في استخدام وسائل وأدوات المقاومة الشعبية وكان على رأسها المسيرات والرموز الاحتجاجية والمظاهرات الشعبية والاعتصامات الجماهيرية الحاشدة، وتكثيف إقامة الصلوات في المساجد والكنائس، وفي المناطق المهددة بالمصادرة والاقتلاع، لما لهذه الوسائل من فاعلية هائلة على صعيد زيادة منسوب الوطنية الداخلية وكسب الرأي العام الدولي. كما عمدت قيادة الانتفاضة إلى إحياء المناسبات الوطنية والدينية خاصة يوم الأرض والنكبة والنكسة ووعد بلفور ويوم الشهيد والأسير وانطلاقة الثورة الفلسطينية، وذكرى إحراق المسجد الأقصى، وغيرها من المناسبات الهامة حيث عبر الفلسطينيون من خلالها عن رفضهم للاحتلال وسياساته القمعية[14].

جرب الفلسطينيون خلال الانتفاضة الأولى أساليب اللاتعاون مع الاحتلال بأشكاله الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ورفض التعاطي مع الاحتلال ومؤسساته السلطوية الأخرى، خاصة الإدارة المدنية وسلطة الضرائب، والشرطة وأجهزة الصحة والتعليم. وقد كانت هناك نصوص وفقرات كاملة في نداءات القيادة الوطنية الموحدة تدعو فيها كل فئات المجتمع الفلسطيني إلى عدم دفع الضرائب، خاصة التجار ورجال الأعمال والحرفيين والمهنيين[15]. وعملت قيادة الانتفاضة إلى تشكيل حالة من الصراع والمواجهة اليومية مع الاحتلال، والعمل على تطوير العقلية النضالية وإنماء التربية الوطنية عند نشطاء العمل الميداني حتى يصلوا إلى كل فئات المجتمع، إضافة إلى أن يكون الشعب هو صاحب الدور الأساسي في المقاومة الشعبية، فضلاً عن تشكيل اللجان الشعبية والقوات الضاربة[16].

ويعد نموذج بيت ساحور في عدم دفع الضرائب والذي بدأ فعلياً في 7-7-1988 من أبرز نماذج العصيان المدني والمقاومة الشعبية في تاريخ فلسطين المعاصر. وهنا تضامنت كل فئات المجتمع الفلسطيني في بلدة بيت ساحور في قضية عدم دفع الضرائب، ما دفع الاحتلال إلى اقتحام المنازل وكسر أقفال المحلات التجارية ومصادرة السيارات والأجهزة الكهربائية، ونهب الدكاكين وتخريب الأسواق، فضلاً عن اعتقال العشرات من الرجال والنساء، خاصة ممن اعتبرهم الاحتلال "محرضين على العصيان المدني". وجرب الفلسطينيون باقتدار إستراتيجية عدم الخضوع إلى أي شكل من أشكال الإرهاب الممارس من قبل الاحتلال عليهم، وتجلت سياسة عدم الخضوع وعدم الخنوع وعدم الإذعان من جانب الفلسطينيين من خلال كسر أوامر منع التجوال، وتشكيل لجان الحراسة الليلية في الأحياء والقرى والأرياف، وكسر أوامر إغلاق المؤسسات التعليمية من مدارس وجامعات، واللجوء إلى التعليم الشعبي في الأماكن العامة رداً على سياسة إسرائيل في إغلاق المؤسسات التعليمية العليا[17].

كما ظهرت تصورات نظرية وتجارب عملية لناشطين فلسطينيين تدعو إلى تعميق عمل الانتفاضة ونقلها إلى دور المؤثر في الاحتلال، وفي المجتمع الإسرائيلي على حد سواء عبر الحديث الواضح عن الاستقلال الاقتصادي ورفض التبعية لإسرائيل وإحياء الزراعة ومشاريع الاستصلاح الزراعي ومكننة الزراعة ومحاربة الاستيطان ودعم مجهودات المرأة الريفية، ومساعدة العمال للعمل في المزارع الفلسطينية بدل المصانع الإسرائيلية. هذا إضافة إلى بناء المؤسسات التربوية والجامعية الوطنية، ودعم نشاطات اتحادات الكتاب والفنانين والعمال والمزارعين والطلبة والمرأة، ووضع خطة إعلامية محكمة لتقف في مواجهة الماكينة الإعلامية والدعائية الإسرائيلية الجبارة والخادعة والملفقة[18].

كما يعتقد بعض المهتمين والباحثين بالحركة الوطنية الفلسطينية وتتبع حركات التحرير والانتفاضات الشعبية، أن الانتفاضة الفلسطينية الأولى استطاعت أن تتجذر في العمق الفلسطيني نتيجة للأدوار الإيجابية الفاعلة التي لعبتها المنظمات غير الحكومية لا سيما أن وجودها في الأراضي الفلسطينية كان سابقاً لوجود التنظيمات والقوى السياسية، وأنها كانت قريبة جدا من الناس العاديين بحكم الخدمات التي تقدمها للفئات الفقيرة في الميدان، وهذا ينطبق على الإغاثات الطيبة والزراعية والعيادات الصحية المتنقلة والجامعات ومراكز التعليم الشعبي، إضافة إلى لجان الإقراض الزراعي والتعاونيات الصناعية والبرامج المتنامية لتدريب وتشغيل المرأة، فضلاً عن الحركات الطلابية والشبابية والنقابات المهنية والاتحادات الشعبية. وكان التأثير الأعظم لهذا التوجه هو الاعتماد على الذات وفك الارتباط مع الاقتصاد الإسرائيلي، وتغيير ثقافة الاستهلاك، والنمو الكبير في قطاعات الزراعة والصناعة والخدمات وزيادة إنتاج المحاصيل الزراعية خاصة الحبوب والفواكه والزيتون، وهذا جاء كنتيجة مباشرة لإعادة الإنسان الفلسطيني الاعتبار للأرض وأهميتها الحيوية والوطنية[19].

يرى جني شارب Gene Sharp الذي يعد الأكثر تخصصا في تتبع حركة اللاعنف في فلسطين، أن أهم ستة أهداف لانتفاضة عام 1987 كانت: 1- تطوير مؤسسات خاصة بالفلسطينيين بديلة عن مؤسسات الاحتلال، 2- الاستدامة والتصميم في استخدام كل أشكال المقاومة السلمية حتى تصبح الأراضي الفلسطينية محررة وغير مرتبطة بسلطات الاحتلال، 3- العمل على انقسام الرأي العام الإسرائيلي وبناء جبهة مؤيدة للفلسطينيين داخل إسرائيل، 4- إضعاف معنويات الجيش الإسرائيلي لتقليص حجم عملياته القمعية، 5- العمل على إضعاف الدعم الأميركي لإسرائيل، 6- تشجيع الرأي العام الدولي لإنصاف الفلسطينيين[20]. وبالرغم من أن الانتفاضة الأولى تحولت إلى انتفاضة مسلحة في آخر سنتين من عمرها إلا أن العامين الأولين 1988-1989 شهدا تحقيق الفلسطينيين العديد من الإنجازات على صعيد التمكين الذاتي والاقتصادي، وبناء البنية التحتية الاقتصادية والاعتماد على الذات، وتنمية الإلمام بأساليب المقاومة اللاعنفية من خلال التعلم للعمل بشكل جماعي بعيداً عن الارتجال والاعتباط الميداني. كما أن الانتفاضة أسهمت في تحول الرأي العام العالمي لمصلحتهم وحسنت من صورة الفلسطيني المقاوم سلمياً أمام المؤسسات الدولية والنشطاء الدوليين، في الوقت نفسه أظهرت فيه عنف الاحتلال وقسوته خاصة في قمع المظاهرات السلمية، وممارسة كل أشكال العنف المنظم ضد شعب أعزل عبر الاعتقال والقتل وإغلاق المدن والقرى وتكسير العظام والأطراف[21].

نمذجة المقاومة الشعبية في انتفاضة الأقصى:

اختلفت الانتفاضة الثانية عن مثيلتها الأولى في السياق الفلسطيني، حيث كانت مسلحة واستخدمت فيها الوسائل والأدوات العنيفة بما فيها السكاكين والأسلحة النارية والعمليات الفدائية وخطف الجنود والمستوطنين، واحتلت الأجنحة العسكرية لمختلف الفصائل مكان الواجهة في النضال الميداني، بينما بقي المدنيون يقومون بوظائف الدعم المعنوي والمادي واللوجستي. وامتازت أيضا أن السلطة في الشارع أصبحت بيد الجماعات المسلحة، التي حملت السلاح وتجولت في الشوارع، من دون أن تكون هناك قيادة ميدانية لهذه الجماعات، ومن دون أن تأخذ أوامرها من القيادة السياسية العليا. وازدادت القناعات الإيمانية والدينية عند هذه المجموعات فدفع بعضها إلى تنفيذ العديد من العمليات الاستشهادية في العمق الإسرائيلي، وضد  أهداف مدنية وعسكرية على حد سواء.

وبدأت إسرائيل، بالتزامن مع حملة السور الواقي، في بناء جدار الضم والتوسع في ربيع 2002 ليلف الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية من الشمال إلى الجنوب، وليصادر آلاف الدونمات ويحرم الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم خلف الجدار، ومنذ ذلك الوقت أصبح الجدار نقطة استقطاب دولية وشعبية وتضامنية وحقوقية وقانونية مع الفلسطينيين حيث حوكم أمام محكمة العدل الدولية في 2004، وأمام المحاكم الإسرائيلية في عدة مقاطع وأماكن. وكان هذا حقيقة التحدي الأول الذي واجهه الفلسطينيون إذ استخدموا القنوات القانونية المتاحة دولياً وإسرائيليا لإبعاد الجدار عن أرضهم، وكان هناك نجاحات عديدة في عدة مقاطع وفي أكثر من مكان.

ففي رأيها الاستشاري، قضت محكمة العدل الدولية في لاهاي في 9-7-2004 أن بناء الجدار داخل الأراضي الفلسطينية بما فيها القدس الشرقية مخالف للقانون الدولي، بينما دعت إسرائيل إلى وقف بناء الجدار، وتفكيك المقاطع التي تم بناؤها، وإلى إلغاء كل الخطوات التشريعية والتنظيمية واللوجستية المرتبطة به. كما كانت هناك إنجازات قانونية على طريق متابعة الجدار أمام المحاكم الإسرائيلية خاصة في مقطع فلامية- جيوس (قلقيلية) إذ اعتبرت المحكمة الإسرائيلية الجدار في هذا المقطع غير شرعي وطالبت بتفكيك جزء منه، مما أعاد حوالي 11628 دونماً للقريتين، وفي حكم آخر صادر عن مكتب المدعي العام الإسرائيلي، أعاد ما يقارب 4000 دونم للسكان الفلسطينيين في منطقة مستعمرة معاليه أدوميم (شرق القدس)، وآخر هذه الإنجازات القضائية كان في حكم المحكمة الإسرائيلية العليا في 4-9-2007 والذي يقضي بإعادة رسم مسار الجدار في قرية بلعين بإزاحته 500 متر خارج المنطقة العمرانية للقرية مما قربه أكثر نحو الخط الأخضر، وهذا يعني إعادة حوالي 1100 دونم للقرية[22].

لجأ الفلسطينيون إلى أشكال أخرى من المقاومة الشعبية خلال الانتفاضة الثانية خاصة المظاهرات والاعتصامات والشعارات والمسيرات وتشكيل مجموعات الاحتجاج لا سيما ضد الجدار والحواجز والاستيطان، ما جعلهم في مواجهة مباشرة مع الجنود الإسرائيليين. وقد استجلب الفلسطينيون دعماً دولياً وشعبياً كبيراً، وفي أوساط حركات السلام الإسرائيلية منذ بدايات تنفيذ بناء الجدار حيث تشكلت حركات التضامن الدولية، وازدادت أعداد الإسرائيليين المشاركين في المظاهرات والمسيرات المؤيدة للفلسطينيين، والناقمة على سياسات إسرائيل في الأرض المحتلة. وتجلت مظاهرات يوم الجمعة من كل أسبوع في العديد من البلدات الفلسطينية المحاذية للجدار خاصة في بلعين في منطقة رام الله التي تحولت إلى نموذج للمقاومة الشعبية غير العنيفة، واستجلبت المئات بل الآلاف من المتضامنين الدوليين[23].

وتعددت نماذج المقاومة الشعبية في مختلف الأراضي الفلسطينية من زبوبا وعانين والطيبة وطورا الغربية في جنين، إلى دير الغصون وكفر قدوم وجيوس وفلامية وحبلة وعزون وعزبة طبيب في طولكرم وفي قلقيلية، إلى نعلين وبلعين وبدرس في رام الله، مروراً بالمعصرة وأم سلمونة والولجة في بيت لحم وانتهاء في بيت أمر ويطا في الخليل. اعتمد سطوع شمس هذه المواقع بفعل نضالاتها ضد الاحتلال، واستقبالها أعداداً كبيرة من المتضامين الأجانب وحتى الإسرائيليين، وطبيعة قربها الجغرافي من مراكز صناعة القرار السياسي، فضلاً عن مشاركة السياسيين المتنفذين في فعاليات هذه المواقع. فبلعين مثلا احتضنت فعاليات كثيرة للمقاومة الشعبية، إضافة إلى نشاطات متنوعة أخرى، ميدانية وفكرية وفنية ورياضية وإعلامية. في هذا السياق يقول الصحافي سامر خويرة من نابلس: "إن التغطية الإعلامية لفعاليات المقاومة الشعبية مرتبطة مع الحدث نفسه، فبوجود شخصية مهمة في الفعالية يكون الحشد الإعلامي كبيراً، بشكل عام التغطية الإعلامية روتينية لا تحمل أي جديد، ومع تقلص أعداد وحجم الفعاليات، فبينما كان هناك أكثر من عشرين موقعاً ونقطة احتكاك في السابق، تناقص هذا العدد اليوم إلى أقل من عدد أصابع اليد. تعد فكرة المقاومة الشعبية عند البعض فكرة طارئة ليست أصيلة، لكن مع هذا هناك محاولات حثيثة لإظهارها كبديل عن الخيارات الأخرى المتاحة{C}[24]{C}".

تم حصر بعض الإنجازات لهذا النمط من المقاومة الشعبية في بعض المواقع مثل بلعين بفعل مأسسة العمل المقاوم على الأرض، عبر تشكيل اللجان المحلية التي تضم فعاليات القرية والمجتمع المحلي المحيط. وهذا ما أكده عبد الله أبو رحمة منسق الحملة الشعبية لمقاومة الجدار في قرية بلعين، إذ يقول في اليوم الأول لبدء الجرافات الإسرائيلية في قضم أراضي القرية وتجريفها، اجتمع الشباب وعملنا على تشكيل لجنة شعبية تشمل كل القوى والفصائل والمؤسسات في القرية، وبدأنا بتنظيم مسيرات ومظاهرات شبه يومية أو أسبوعية على مواقع الجرف والتهويد[25]. ويسترسل منوها إلى الإبداعات والوسائل الخلاقة التي استخدمها نشطاء المقاومة الشعبية في مواجهة الجدار ومواجهة الجنود والمستوطنين، إذ امتاز عملهم بالجماعية وتقسيم العمل بشكل واضح بين المسؤوليات الإعلامية والميدانية ومهمات الحراسة. كل يوم وفي كل مظاهرة أو مسيرة هناك تفكير بإبداع وسيلة جديدة للعمل الميداني من أجل لفت أنظار الرأي العام العالمي وجذب نظر وسائل الإعلام إلى ما يدور في القرية وفي نواحيها القريبة والبعيدة، وفي عموم الوطن الفلسطيني الذي يلتهمه الجدار بنهم وبلا رحمة. تحدت أبو رحمه عن أشكال نضال شعبية سلمية جديدة جربها النشطاء الفلسطينيون والدوليون والإسرائيليون في مقاومة بناء الجدار على أراضي القرية مثل ربط المتضامين أنفسهم بأشجار الزيتون حتى تكون أجسادهم نقاط الدفاع الأولى عن هذه الأشجار التي تحاول الجرافات الإسرائيلية اقتلاعها من الجذور، فضلاً عن ربط مشانق على الأشجار وتعليق النشطاء والمتضامنين الدوليين أنفسهم عليها ومسيرات الشموع والحفلات الموسيقية والمباريات الرياضية وحفلات الزواج وما إلى ذلك من نشاطات مختلفة[26].

مع احترام وتقدير إبداعات القرى والمواقع الملتهبة الأخرى التي هي مع تماس مباشر مع قوات الاحتلال عبر فعاليات المقاومة الشعبية، إلا أن بلعين، القرية الفلسطينية الصغيرة الواقعة غرب رام الله  كانت الأبرز في تحقيق إنجازات على مستوى المقاومة الميدانية السلمية المدعومة شعبيا ودوليا وحتى على مستوى القيادة الفلسطينية. وقد رصد د. مازن قمصية في كتابه حول تاريخ المقاومة الشعبية الفلسطينية الأشكال التالية لهذه المقاومة على أرض الواقع في قرية بلعين بالتحديد: 1- ربط المتظاهرين الفلسطينيين والمتضامنين الدوليين أنفسهم عبر الحبال في سلسلة بشرية طويلة ثم يبدأون بالتماس مع قوات الاحتلال التي تجد صعوبة كبيرة في التعامل مع هذا الكم البشري المتضامن، 2- مقاطعة وحرق المنتجات الإسرائيلية علناً وضمن إستراتيجية معدة سلفاً والحديث عن بدائل وطنية، 3- تكريم أهالي الشهداء والأسرى والجرحى في مسابقات وحفلات عامة، 4- قيام متضامنين دوليين يحملون ملصقات لقادة بلدانهم ويرفعون قفصاً كبيراً بداخله فلسطيني يلبس العلم الفلسطيني، وهذا كناية عن جعل إسرائيل الأرض الفلسطينية سجناً كبيراً، بمساندة بعض الدول الغربية، 5- دعوة أعضاء كنيست من اليسار الإسرائيلي والأحزاب العربية الفلسطينية في إسرائيل، وأعضاء من المجلس التشريعي الفلسطيني للمشاركة في فعاليات المقاومة الشعبية، والتعبير عن دعمهم للشعب الفلسطيني في مسيرة التحرر والنضال، 6- استخدام الملابس برتقالية اللون في المظاهرات ضد الجدار وإلباس المتضامنين الأجانب والإسرائيليين هذه الملابس كتعبير عن ملابس الأسرى والسجناء الفلسطينيين في سجون الاحتلال، 7- الجلوس في الشوارع العامة أمام المركبات العسكرية لمنعها من المرور واستقبال الهراوات والضرب المبرح، 8- مسيرات الأطفال والنساء في القرية، وأخيرا اللجوء إلى القانون الإسرائيلي والقضاء الإسرائيلي لمتابعة قضايا الجدار والاستيطان هناك[27].

إشكاليات العمل الشعبي المقاوم في فلسطين:

في تقييمه لتجربة قرية بلعين في مقاومة الجدار والاستيطان، وبعد صدور قرار المحكمة الإسرائيلية في صيف 2007 والذي قضى بإعادة رسم مسار جدار الضم والتوسع في تلك المنطقة، اعتبر أبو علاء منصور ذلك انتصاراً كبيراً ليس فقط لبلعين، وإنما أيضا لمستقبل المقاومة الشعبية في فلسطين، على اعتبار أنها رافعة ميدانية أخلاقية لمصلحة المفاوض الفلسطيني، ولمصلحة المشروع السياسي الفلسطيني في الوقت الحالي لا سيما في ضوء هذا الانسداد الواضح في مسار التسوية مع إسرائيل. لكنه في الوقت نفسه أبدى تخوفاً من أن هذا الانتصار يمكن أن يقود إلى خلافات داخلية بين أعضاء اللجنة الشعبية لمقاومة الجدار إذا ما قام كل عضو بالادعاء أنه وراء ذلك الانتصار القانوني في المحاكم الإسرائيلية، وإذا اختلط العام مع الخاص، وتداخلت المصالح الوطنية العليا مع المصالح الخاصة الضيقة[28]. كما أن هناك جدلاً حول مستقبل هذا النموذج المقاوم في ظل غياب الرؤية التي تضع الأهداف والاستراتيجيات المستقبلية، وعلاقة نموذج بلعين مع الإستراتيجية الوطنية الشاملة التي من المفروض أن تضعها السلطة الوطنية بالتنسيق مع الفعاليات الأخرى لترسم من خلالها مكانة المقاومة الشعبية وعلاقاتها مع المشروع الوطني الفلسطيني اليوم. وأين تلتقي هذه المقاومة ذات الطابع الخاص مع متغيرات أخرى مثل التنمية والمأسسة والاستدامة والتخطيط القطاعي داخل مؤسسات السلطة الوطنية، واللجوء إلى المنظمات الدولية وتفعيل الاعتبارات الحقوقية والقانونية للقضية الفلسطينية في المحافل الدولية[29].

هذا بالرغم من قيام بعض مراكز الأبحاث الإسرائيلية والصحافة اليمينية المحافظة المقربة من الحكومة الإسرائيلية الحالية بقيادة نتنياهو باستهداف الرئيس محمود عباس واعتبار أنه يميل في هذه المرحلة من عمر الصراع مع إسرائيل إلى حلول أحادية الجانب واستثنائية الطابع، بحيث يتم تجسيد إستراتيجية البناء المؤسساتي الدولاني، المدني والأمني على أرض الواقع، مع تكثيف الجهد الدبلوماسي والدولي لإقناع المجتمع الدولي بأهمية الاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة التي ولدت من رحم المؤسسات التي بنيت، ومن رحم المساعدات الدولية التي تدفقت على الأراضي الفلسطينية في آخر عقدين من الزمن، ومن رحم المقاومة الشعبية على الأرض، وفي ظل عدم جدية الجانب الإسرائيلي في عملية التفاوض خاصة أنه استغل هذه المفاوضات كتمرين للعلاقات العامة يمكن أن تؤدي في حال استمرارها على هذه الشاكلة إلى تدهور خطير في الأراضي الفلسطينية وفي عموم الشرق الأوسط[30] (يوسف، 2011: 35).

وبالرغم من وجود مواقع ملتهبة ونماذج حية للمقاومة الشعبية من شمال الضفة الغربية إلى جنوبها، وفي قطاع غزة أيضا، وبالرغم من مجهوداتها في إبداع أشكال نضالية ميدانية جديدة تتناسب مع طبيعة المرحلة التي تمر بها الحالة الوطنية الفلسطينية، لكن اللافت للنظر عدم وجود قيادة ميدانية موحدة، وعدم فاعلية القيادة السياسية الموجهة لهذه النشاطات والفعاليات السلمية/ اللاعنفية. بالنسبة للقيادة السياسية، لم يظهر حسبما أعتقد ذلك التوجه القوي والواضح لتبني خيار المقاومة الشعبية كخيار استراتيجي، بحيث يعد رافعة ميدانية مكملة للمشروع السياسي والجهد السياسي الفلسطيني في المحافل الدولية. وهذا يعني بكلمات أخرى أن القيادة الفلسطينية لم تستطع حتى الآن وضع استراتيجية تعامل  فلسطينية مع الاحتلال تدمج المقاومة الشعبية ومكتسباتها الميدانية والإعلامية مع الجهد السياسي والدبلوماسي في العالم، اقتراناً بإعادة إحياء البعد الحقوقي والدولي للقضية الفلسطينية[31].

وبالتوازي مع ذلك يجب النظر والتدقيق في قيادة العمل الميداني للمقاومة الذي تبنى المقاومة الشعبية السلمية كأحد أشكال المقاومة ضد الاحتلال، فإن غياب الرؤية الموحدة بين أجسامها ولجانها يشكل عائقاً كبيراً أمام إنجاز الحسم مع الاحتلال. فهناك ثلاثة أجسام تمثل المقاومة الشعبية على الأرض، هي الحملة الشعبية لمقاومة الجدار والاستيطان (تمثل الجبهة الشعبية والمبادرة الوطنية وحزب الشعب)، والحملة الوطنية لمقاومة الجدار والاستيطان (تمثل حركة فتح في الضفة الغربية) واللجنة التنسيقية لمقاومة الجدار (تمثل رئاسة الوزراء) ومقربة بشكل كبير من سلام فياض من حيث الفعاليات والنشاطات والتكتيك الميداني وكذلك التمويل. إن وجود قيادات ميدانية ثلاثة خلق إرباكات على صعيد تنظيم الفعاليات المشتركة، لا سيما أن لهذه القيادات الميدانية مشارب سياسية واعتبارات أيديولوجية ومصالح شخصية، ما أضعف الأداء العام للمقاومة الشعبية، وأضعف العمق الشعبي والمشاركة الشعبية الأوسع من الناس في النشاطات المختلفة التي تنظم في عدة مواقع[32]. وما أضعف المشاركة الشعبية ومشاركة عامة الناس في فعاليات المقاومة السلمية في العديد من المواقع هو احباطات الناس وشعورهم أن لا إنجاز حقيقياً على أرض الواقع حيث تم بناء الجدار وتمت مصاد

الملفات المرفقة

أيمن يوسف.docx
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website