اليهودية وعلاقتها بتاريخ فلسطين لعبد الغني سلامة، خالد جمعة، العدد 267

اليهودية وعلاقتها بتاريخ فلسطين لعبد الغني سلامة

خالد جمعة[*]

 

يقدم عبد الغني سلامة، في كتابه الصادر مؤخراً، محاولة بحثية جادة وعميقة، وغير عاطفية إلى حد كبير، على غير عادة الأبحاث المشابهة، يهدف من خلالها إلى توضيح فكرة مركزية، وهي أن وجود اليهودية وبني إسرائيل في فلسطين لم يكن سوى وجود عادي في سياق الوجود التاريخي لبقية الشعوب التي سكنت أرض كنعان، مثل عشرات القبائل التي مرت قبلهم وبعدهم، ويحاول أيضاً إثبات أن التوراة لا علاقة لها بتاريخ فلسطين القديم، وأنها من صنع خيال مؤلفيها، مستنداً في ذلك إلى ما أثبتته الأبحاث الأركيولوجية التي لم تستطع أن تجد أي رابط بين ما ورد في التوراة وبين أرض الواقع، أو كما يقول: كانوا يحاولون تحويل الخيال إلى تاريخ.

الكتاب يحمل عنوان: فلسطين في الأسر الصهيوني، دراسة تاريخية في نشأة اليهودية وعلاقتها بتاريخ فلسطين، وصدر عن مكتبة كل شيء في حيفا، في 216 صفحة من القطع المتوسط.

سأحاول أن أناقش بعض الفقرات في الكتاب، ليس من منطلق دحضها دائماً، بل أحياناً من منطلق الإضافة عليها وتأكيدها من ناحية، وتبرير بعض الأسئلة التي وردت فيها كأسئلة إشكالية، دون وجود رابط منطقي يضعها على أرض الواقع التاريخي.

إن إعادة النظر في التاريخ اليهودي يعتبر حسب قانون جيسو الصادر في فرنسا عام 1990 جريمة ضد الإنسانية، وهذا وحده كفيل بأن يضع التاريخ التوراتي كله موضع شك، فمم يقلق أصحاب هذا التاريخ إذا كان تاريخهم صحيحاً؟

وللتأكيد على ما جاء في صفحة 53، من أن تاريخ إسرائيل التوراتية ما هو إلا أخيولة أدبية، يكفي أن نذكر أن التوراة المرتبة بشكل زمني من حيث السرد من الأقدم إلى الأحدث، مكونة من 1258 صفحة، يموت موسى النبي فيها في صفحة 326، في نهاية سفر التثنية، وقبل بداية سفر يوشع، وهذا يعني أن هناك 932 صفحة تتكلم عن فترات ما بعد موسى، وهذا في رأيي ليس بحاجة إلى نقاش لإثباته، فقد اعترف المؤرخون الجدد في إسرائيل بم أسموه "الأسفار التاريخية" وهي تشكل أكثر من ثلثي التوراة، ويعنون بها كل ما ورد بعد السفر الخامس "سفر التثنية".

في صفحة 74، يتساءل عبد الغني عن سبب عدم منع المصريين أم موسى من تربية هارون، وتذكر المصادر التي أوردت القصة أن أمراء مصر احتجوا عند فرعون لذبحه الأطفال من بني إسرائيل، ليس بدافع الشفقة بالطبع، ولكن بدافع اقتصادي بحت، إذ أن طبقة العبيد التي كان يشكلها بنو إسرائيل أخذت في الاضمحلال نتيجة قتل الأطفال، فأمر فرعون بالقتل عاماً، وبالعفو عاماً، فكان نصيب هارون أنه ولد في عام العفو، بينما ولد موسى في عام القتل.

يتحدث سلامة عن صعوبة تحديد زمن الخروج، في صفحة 76، وهذا في رأيي أهون الأمور، إذ أن سؤالاً أكثر عمقاً يُطرح حول مسألة الخروج، فإذا كانت صحراء سيناء تقع جنوب فلسطين، والأردن تقع شرقها، فما الذي يدفع الخارجين من مصر "موسى وأتباعه" إلى الاتجاه إلى جبل نبو في مادبا في الأردن، ويدفع يوشع بن نون إلى دخول فلسطين من جهة الشرق بينما هو قادم من الجنوب؟؟

يقول إسرائيل فنكلشتاين: لقد حرثنا سيناء شبراً شبراً أثناء احتلالنا لها، فلم نعثر على ما يدل على مرور موسى منها، ولا على أي أثر يثبت التيه لأربعين عاماً.

الفرضية الأخرى في بعض الدراسات تشير إلى أن الخروج كان لمجموعة من المارقين الذين لاحقهم عسكر فرعون لجرائم ارتكبوها، ففروا من وجهه، وكانوا يعدون بالمئات، وليس 600 ألف كما تذكر التوراة، وهؤلاء حسب الفرضية قد اتجهوا إلى الجنوب، إلى السودان، ثم الحبشة، وقطعوا باب المندب إلى اليمن وساروا بمحاذاة البحر إلى أن دخلوا الأردن وبعد ذلك فلسطين، وهذه الفرضية تفسر أمرين، الأول هو الوجود اليهودي في أثيوبيا واليمن ويثرب "المدينة المنورة  لاحقاً"، والثاني هو سبب دخولهم فلسطين من جهة الشرق لا من جهة الجنوب.

أما التساؤل عن المتاع وهم فقراء، كما ورد في صفحة 77، فإن مصادر عدة من ضمنها التوراة ذاتها، تقول إنهم اقترضوا حلياً وأواني من المصريين قبل الخروج، وأن هروبهم بهذه الحلي "سرقتها بمعنى أصح"، هو من أسباب عداء المصريين معهم إلى اليوم.

في صفحة 95 يتطرق سلامة إلى مملكة داود، ويقول إنها كانت شبحاً تاريخياً، وأضيف ما هو أكثر من ذلك، وهو أن الكاتب اللبناني جورجي كنعان قد أصدر عام 2000 كتاباً عن دار الطليعة في بيروت بعنوان "مملكة الصعاليك"، يثبت فيه بما لا يدع مجالاً للشك، ومن خلال نصوص التوراة نفسها، أن داود لم يكن أكثر من قاطع طريق يفر من مكان إلى مكان هرباً من أمراء المناطق التي يسطو عليها، وتعطي التوراة نفسها لداود أوصافاً تجعل من هذا القول أكثر من منطقي.

ونفس المنطق يمكن تطبيقه على سليمان، الذي لم تذكر التوراة مثلاً أنه كان يحدث الطير والحيوانات، وحتى قصته مع ملكة سبأ، فقد وردت في التوراة على أنها هي التي أحبت أن ترى هذا "الملك العظيم"، ولم يحضرها له جني، وبالطبع كل هذه الرواية تسقط سقوطاً مدوياً حين يقول التاريخ إن الفرق الزمني بين الوجود المفترض لسليمان ونشوء حضارة سبأ كان على الأقل خمسة قرون.

وفيما يخص الهيكل والقدس كما يشير عبد الغني في صفحة 96، فإن نقطتين هامتين تجدر الإشارة إليهما، الأولى أن إسرائيل فنكلشتاين، والمعروف بأبي الآثار في العالم، قد قال إنه تم العثور تحت الأقصى على مواد تسبق زمن الهيكل، وعلى مواد لاحقة لزمن الهيكل، ولو كان الهيكل موجوداً لكان وجد بين الطبقتين، وهذا يعني أنه ليس موجوداً ولا يمكن أن يكون موجوداً.

النقطة الثانية، سنأخذها من التوراة نفسها، من سفر القضاة، الإصحاح التاسع عشر [11ـ12]: "وفيما هم عند يبوس والنهار قد انحدر جدا قال الغلام لسيده: تعال نميل إلى مدينة اليبوسيين هذه ونبيت فيها، فقال له سيده: لا نميل إلى مدينة غريبة حيث ليس أحد من بني إسرائيل هنا".

فعن أي مملكة عظيمة نتحدث هنا؟

وحتى على مستوى العبادة كما يذكر ذلك عبد الغني في الصفحات اللاحقة، فإن الإله يهوه كان واحداً من ضمن عدة آلهة تنقل بنو إسرائيل بينها في عباداتهم، ولم يجمعوا على هذا الإله طوال الفترة التي تغطيها التوراة ذاتها، فمن عبادتهم العجل حين تأخر موسى في العودة من الجبل لعشرة أيام، إلى عبادة الآلهة داجون وهدد وعشتار أيضاً، فعلى ما يبدو أنهم لم يملكوا من الإيمان ما يكفي لكي يتمسكوا بإله واحد.

يعرج عبد الغني سلامة على قضية السبي البابلي، وقد قام بتغطية هذه النقطة بشكل جميل، ولكني أود أن أضيف نقطتين إلى هذا الموضوع، الأولى، أن السبي الذي جعله الإسرائيليون خاصاً بهم، لم يكن كذلك، بل كان أسلوباً للملوك مع مسببي الفتن، بغض النظر عن ديانتهم وعرقهم، ينقلونهم إلى أماكن قريبة من مركز الحكم حتى يظلوا تحت السيطرة والرقابة.

النقطة الثانية، وهي أن شلومو ساند يكاد ينفي في كتابه "اختراع الشعب اليهودي" حدوث هذا السبي من الأصل بالشكل والعدد المذكور في المصادر التوراتية والتلمودية.

رغم إعجابي بما قدمه عبد الغني سلامة في كتابه من جهد واضح للدخول في منطقة شبه محرمة من التاريخ، إلا أن لدي بعض الملاحظات على الكتاب وهي:

1ـ هناك الكثير من الأخطاء اللغوية والنحوية رغم أن الكتاب يحمل اسم مدقق لغوي.

2ـ هناك مجموعة مهمة من المراجع التي لم يلجأ إليها الكاتب، كان من الممكن في تصوري أن تغني البحث وتعطيه بعداً أعمق، مثل مجموعة كتب خزعل الماجدي، وكتاب إشكالية الهوية في إسرائيل للدكتور رشاد الشامي، وكتاب مملكة الصعاليك لجورجي كنعان.

3ـ معظم الكتب التي استخدمها سلامة كمراجع هي كتب، رغم أهميتها، لكنها كتب تدعم وجهة نظره المسبقة حول الموضوع، وهذا لا يعني عدم اتفاقي معه على ذلك، لكن كان من الأفضل، في نظري، استخدام مراجع تدعم الرواية الأخرى، ثم القيام بتفنيدها بناء على المعطيات.

هذا كله لا ينفي الجهد الكبير والواضح المبذول في هذا الكتاب الذي أعتبره تأسيساً مهماً لدراسات لاحقة، قد تغني المكتبة العربية، والفلسطينية خصوصاً، فيوماً ما، ستكون الكلمة الفصل لمن يستطيع إثبات روايته، ولن تكون للأسلحة العسكرية كلمتها العليا كما هي الآن.


[*]

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2017
Track visitors of website