أفول موسم البحر الفلسطيني، أسامة العيسة، العدد 267

أفول موسم البحر الفلسطيني..!

أسامة العيسة[*]

 

في تلك السنوات، التي سترتبط بالنسبة للفلسطينيين لاحقًا، ببعد المنال، وحنين لا ينضب لتفاصيل ستتوارثها الأجيال، عاش طفل في مستوطنة روحوفوت، التي أُسست في عام 1890م من قبل المستوطنين اليهود البولنديين، على بعد نحو 20 كلم عن مدينة يافا، في موقع خربة ديران الفلسطينية، الشاهدة على تعاقب الحضارات على فلسطين، خصوصا الهلنستية والرومانية والبيزنطية، والإسلامية، التي تركت آثارها في الموقع.

تاريخ رحوفوت، ارتبط بالصراع على الأرض مع الفلسطينيين، ولكن في أثناء ذلك، وكما يحدث في معظم الصراعات، كان هناك لدى الفلسطينيين العرب ما يمكن أن يجذب أبناء المستوطنين، الذين جاءوا من أخر الدنيا، ليؤسسوا مستعمرة في سهل فلسطين الساحلي.

أحد هؤلاء الأبناء، كان يتسلل، عبر الرمال، ليسترق السمع والبصر على ما يفعله العرب في الموسم القريب الذي يُنظم بجوار نهر النبي روبين، ويحمل اسمه.

روبين، هو روبين بن يعقوب، الابن البكر للنبي الذي يحمل اسما آخر (إسرائيل)، والذي استحقه، وفقًا للعهد القديم، بعد صراع ليلة كاملة مع الرب، فمنحه الأخير شخصيًا اللقب. في الثقافة الإسلامية، التي تبنت الكثير من الديانتين الإبراهيميتين السابقتين، أصبح أيضًا روبين نبيًا، فابن النبي، لا بد أن يكون نبيًا مثله،  فكيف لو تعلق الأمر بالابن البكر للنبي.

موسم النبي روبين، هو موسم سكان الساحل الفلسطينيين، كان يقام سنويًا، مع بداية الشهر القمري في شهر آب من كل عام، يشارك فيه سنويًا نحو 30 ألفًا من الفلسطينيين، الذين يأتون لينصبوا الخيام، ويشاركوا في سباقات الخيل، فيستمعوا للحكواتية، ويجلسوا على المقاهي، ويستمتعوا بالرقص، وألعاب الخفة.

أمّا الموقع، فهو الفضاء حول مقام النبي روبين، المكان المفترض، حسب الدين الشعبي، لدفن روبين، قرب نهر روبين، أو مخاضة روبين، المجرى الأسفل لوادي الصرار الذي يحمل المياه من جبال القدس، لتصب في البحر المتوسط، واتخذت الاحتفالات به، سمعة أسطورية، إلى درجة أن المرأة اليافية، كانت تتغنج مهددة زوجها: (يا بتطلقني يا بتروبنّي).

أغلب سكان المنطقة من عرب الملاحة والسواركة، وبعد عقود طويلة، سيفتخر أبناء هذه القبائل، بأن معظم جداتهم وأمهاتهم كن يافيات.

لا نعرف بالضبط متى بدأ هذا التقليد الاحتفالي، ولكن بناء المقام تم، وفقا للوحة التأسيسية على مدخله، عام 1437م. وجود النهر، أسبق من ذلك بكثير، عرفه الكنعانيون باسم نهر بعل،  وسماه الرومان بيلوس.[1]

الفتى اليهودي من رحوفوت، الذي كان يتسلل ليلاً، ويمشي على الرمال، ليتلصص على ما يفعل الأعداء، هو س. يزهار سميلانسكي، الذي أصبح واحدًا من كبار الكُتّاب في الدولة التي انتصرت على أصحاب موسم البحر، ترك لنا وصفا مفعمًا بالحيوية، لما كان يفعله من سيجدون أنفسهم، بعد سنوات قليلة، بدون أرض، ووطن، وموسم:

"وأخيراً يصل المرء إلى النبي روبين الذي تقع مئذنته في الوسط، لمشاهدة الضوء المتوهج من النار... أو حتى من الكهرباء المولدة عن مولدات محمولة، ولمشاهدة عروض الرقصات، ودروشة الدراويش، والحلويات الملفوفة بألوان زاهية،... ورقصات هزّ البطن لامرأة غجرية،... بينما يبقى الغناء مسموعًا على الأطراف كل الوقت دون توقف حتى أعماق الليل... يا للعجب، ألا تعود، لتكون وتكون في هذا الدوران الزاهي الذي يغري ويضلل ويغني، وتذهب بعيداً وتغني، والموجود في الليل البعيد يحيط به الرمل الأبيض وملايين من النجوم".[2]

رائد الأبحاث الفلكلورية الفلسطينية الدكتور توفيق كنعان، يمدنا بالمزيد عن الموسم الثقافي-الفني-الديني-الاجتماعي-الترفيهي:

"..وفي احتفال النبي روبين يتجمع الناس بأعدادٍ كبيرة عند النهر الذي يحمل اسمه، ويمتد الاحتفال طوال الشهر الذي يبدأ من أول الشهر القمريّ في آب، حيث يؤمه الزوار. ويزيد عن عدد زوار النبي موسى حيث تنشأ المقاهي ومحلات الباعة، ويمتليء السهل حوله، وخاصة في الجهة الشمالية الغربية من النهر، بالخيام. ويأتي الحجاج بشكل رئيسي من يافا واللد والرملة والقرى المجاورة، ومن المناظر الجميلة مشاهدة قافلة صغيرة من الجمال تحمل عائلة بأكملها مع تجهيزاتها الضرورية للموسم. أمّا المزار نفسه فهو بناء صغير يضم الضريح (،xم)، وهناك غرفة صغيرة إلى الشرق منه، ورواق بثلاث قناطر تفتح شمالاً، ومحراب وهناك مئذنة، والبناء محاط بسور يضم بعض الأشجار أيضًا"[3].

ولاحظ كنعان، بأن الكثير من الأكشاك في الموسم، كتب عليها بأنها خاصة لموسم النبي روبين.

إن موسم النبي روبين وعلي بن عليم هما مكان الاحتفالات الصيفية لسكان السهل، على مقربة من البحر المتوسط.

اكتسب موسم النبي روبين، قبل سنوات قليلة من نكبة الشعب الفلسطيني زخمًا كبيرًا، كما حدث في موسم عام 1946م، وقد يكون أحد أسباب ذلك، انه يأتي بعد الظروف الصعبة التي عاشتها فلسطين خلال الحرب العالمية الثانية، وأنه شكل فرصة لإظهار الهوية الوطنية، من خلال عروض الكشافة المحلية.

يمكن استشفاف ذلك مما نشرته صحيفة فلسطين في 10 أيلول 1946م، وواضح تمامًا أن الموسم في ذلك العام بدأ في شهر أيلول، وليس آب، ولا يوجد تفسير لذلك، إلا تأخر هلال الشهر القمريّ:

"ازداد عدد زوار موسم النبي روبين هذه السنة إلى درجة كبيرة جدًا لم تكن المواسم السابقة قبل الحرب قد وصلت إليها، وأصبح الموسم في أوجه، وسيصل إلى الذروة يوم الجمعة (بعد غد)، حيث تتم زفة علم النبي روبين في أرض الموسم، ويجري الاستعداد من كل ناحية لهذه الغاية، وقد أعدت منظمة النجادة، استعراضًا كبيرًا تحضره فرق النجادة من أنحاء فلسطين للاشتراك في هذا الموسم الشعبيّ، ثم استقبال الزوار في مخيمها الكبير المنظم، بشكل يلفت الأنظار"[4].

ويمكن أن نشعر الآن، وبعد كل تلك السنوات، بحماسة محرر الخبر في صحيفة فلسطين، وهو في مكتبه في يافا، يكتب مبهورًا بما سيكون في مخيم فرقة النجادة خلال الموسم، التي رأى في النَّاس في وجودها معنى وطنيًا كبيرًا:

"بأنواره المتلألئة، وأعلامه المرفرفة وسيدوم الاستقبال 3 أيام متوالية، وقد ذهبت عصر أمس فرقة جوالة الإخوان المسلمين بيافا، حيث خيمت هناك وهي تستعد للاشتراك في زفة العلم والتمتع بمباهج الموسم لمدة 3 أيام"[5].

بالطبع يمكن تخيل، أن تعايشًا، حدث خلال الموسم، بين كشافة الإخوان المسلمين، والحواة، ولاعبي الخفة، وحتى الراقصات، خلال الموسم.

محرر الخبر، دس أنفه، في الإشكاليات الإدارية للموسم، فختم خبره: "ويهمنا أن نلفت أنظار البائعين، إلى ضرورة دفع ما عليهم من رسوم صحية، ليستطيع المشرفون على موسم روبين، أن يضاعفوا العناية بالشؤون الصحية هناك"[6].

الأعداد الكبيرة التي أمت موسم النبي روبين بنسخته عام 1946م، حمست أطرافًا مختلفة في عجلة الإنتاج الاقتصادي للموسم، ومن بينهم أصحاب مكاتب السيارات، فمثلاً شركة تكسي البنا، تنشر إعلانًا في الصحف:

"عندما تود الذهاب إلى روبين

اتصل حالا برقم

517

حيث يرسل لك تكسي فخم من

شركة تكسي البنا

هيا...اطلب الرقم"[7].

يمكن أن نخمن طبقة الجمهور المستهدف من هذا الإعلان، القادر ماديًا، على استخدام المركبات الفخمة للذهاب إلى روبين، الموسم الذي كانت تؤمه طبقات الشعب المختلفة.

المقارنة بين المركبات الفخمة، والقافلة التي رسمها كنعان، برومانسية، تعكس التطور الذي طرأ على الموسم ما بين العشرينات، عندما كتب كنعان، ونهاية الأربعينات.

تسارع الأحداث في أرض فلسطين، جعل الموسم المقبل عام 1947م، يأتي مرتبكًا من بدايته، صحيفة فلسطين تنشر ما يشبه البيان العسكري تحت عنوان (زفة علم روبين):

"يجري الاحتفال يوم الجمعة القادم 5 أيلول الجاري، بزفة علم النبي روبين في مدينة يافا، وبعد أن يطاف به حسب الطريقة المعتادة في الشوارع الرئيسية، يُحفظ في دائرة الأوقاف إلى يوم الجمعة 12 الجاري، حيث ينقل إلى أرض الموسم للاحتفال به هناك، ومما يذكر ان المصطافين أبدوا رغبتهم في أن تتم زفة العلم في أرض روبين بأقرب وقت ممكن لتتسنى لهم العودة من المصيف إلى بلدانهم وقراهم، قبل حلول موعد افتتاح المدارس في منتصف الشهر الجاري"[8].

ولكن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة للفتاة تمام الأكحل من يافا، التي أصبحت فنانة تشكيلية شهيرة، واستحضرت، وهي في المنفى موسم النبي روبين عام 1947:

"ها هي خيمتنا التي كانت من أكبر الخيم، وأجملها، والتي كان والدي يوصي بصنعها في مصر. خيمة مزخرفة بالأقمشة الملونة، تعلوها آيات قرآنية أو أبيات شعر، وتنقسم إلى عددٍ من "الغرف" وملحقاتها من حمام ومطبخ، تنصب على "تلة السكر"، وهي أبعد وأعلى تلال منطقة روبين، ويشد حولها صوان مستطيل من الخام الأبيض على رمال هذا التل النقية والمتجانسة اللون والملمس – ومن هنا اسم "تلة السكر". كانت "المخاضة" أحد فروع نهر روبين، بمياهها الضحلة التي تحفها من الجانبين أشجار الكينيا الباسقة، فكانت الصبايا يتمشين على ضفتيها في رحاب هوائها المنعش، بينما يستأجر الشبان الخيول العربية على الشاطئ. المتعة في موسم النبي روبين كانت تصل

الملفات المرفقة

أسامة العيسة.doc
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website