عملي في مركز الأبحاث - منظمة التحرير الفلسطينية 1973-1978، غازي الخليلي، العدد 267

عملي في مركز الأبحاث – منظمة التحرير الفلسطينية

1973-1978

غازي الخليلي[*]

 

بعد أسابيع قليلة من قدومي إلى بيروت، وجدت عملا في مركز الأبحاث الفلسطيني، الذي يقع في شارع السادات المتفرع من شارع الحمرا، حيث بدأت مسارا جديدا في حياتي. لم يكن قراري هذا سهلا في حينه، لأنه ليس سهلا الانفكاك، ولو مؤقتا، عن حياة سياسية حافلة لسنوات طويلة. ولكني في النهاية قررت أن أدخل تجربة جديدة في حياتي، وأتفرغ لكتابة العديد من القضايا الفكرية التي كنت أفكر بها خلال سجني.

مركز الأبحاث الفلسطيني من أهم المراكز البحثية والفكرية التي تُعنى بالقضايا والشؤون الفلسطينية بالإضافة إلى مؤسسة الدراسات الفلسطينية. أنشأته منظمة التحرير الفلسطينية عام 1965 في بيروت، وتولى مسؤوليته عند إنشائه فايز الصايغ، وخلفه عام 1966 أخوه الدكتور أنيس الصايغ، الذي أضفى عليه الكثير من وهج فكره، جاعلا منه واحدا من أهم الصروح الفكرية لدراسة القضية الفلسطينية بجوانبها المختلفة. وقد استقطب المركز العديد من المفكرين والأكاديميين، فلسطينيين وعربأ، إما كمتفرغين عاملين في المركز، أو كباحثين يجرى تكليفهم بإعداد دراسات وأبحاث حول مواضيع شتى تتعلق بالقضية الفلسطينية والصراع مع الصهيونية والقوى الاستعمارية.

في بداية عملي في مركز الأبحاث أوائل عام 1974، عملت محررا في "اليوميات الفلسطينية" ثم استلمت رئاسة تحريرها بعد عدة أشهر. و"اليوميات الفلسطينية" هي بمثابة سجل يومي للأحداث التي تتعلق بالقضية الفلسطينية، تصدر في مجلدات نصف سنوية، بعد أن يقوم محرروا اليوميات بتجميع هذه الأحداث من قصاصات الأرشيف الصحافي المستخلصة من العديد من المصادر الصحافية والإعلامية، فلسطينية وعربية ودولية، وتدوينها مرتبة يوما بيوم على قصاصات ورقية صغيرة، ليتم تجميعها لاحقا مرتبة باليوم والشهر والسنة، وإصدارها في مجلد نصف سنوي. ومن المحررين الذين عاصرت العمل معهم في اليوميات الفلسطينية، سهيل الناطور، وهدى عسيران، وإنعام عبد الهادي وفـريـال عبد الرحمن. والكتاب والأدباء والمفكرون الذين عاصرت العمل معهم في المركز كثر، أذكر منهم، محمود درويش، والياس خوري، والياس سحاب، وأسعد عبد الرحمن، وإبراهيم العابد، وجميل هلال، وعصام سخنيني، وبيان الحوت، وحمدان بدر، وصبري جريس، وعبد الحفيظ محارب، وتوفيق فياض، وبلال الحسن، ويوسف حمدان، وغازي خورشيد، وغازي دانيال، وفيصل دراج، وهاني مندس، وآخرون كثر.

المركز كان يضم إضافة إلى قسم اليوميات الفلسطينية، قسم البحوث والدراسات الفلسطينية، وقسم الدراسات الإسرائيلية، ونشرة رصد إذاعة إسرائيل، إضافة إلى المكتبة والأرشيف الصحافي وقسم الوثائق، الذي كان يضم الكثير من الوثائق الفلسطينية الأصلية، كأوراق الحاج أمين الحسيني وفوزي القاوقجي وغيرهم.

إضافة إلى المركز كمؤسسة فكرية وبحثية، أصدر المركز عام 1971 مجلة "شؤون فلسطينية" والتي كانت من أهم المنابر الفكرية والبحثية الفلسطينية. وكانت برئاسة محمود درويش، وكنت من المشاركين في تحريرها والكتابة فيها خلال عملي في المركز.

المركز كان مستهدفا من إسرائيل بأشخاصه ومبناه وما يحتويه من كتب ووثائق وغيرها. وقد جرى استهداف رئيسه الدكتور أنيس الصايغ بطرد ملغوم عام 1972 فانفجر بين يديه، ليقطع عددا من أصابعه ويصيب جزءا من سمعه وبصره. وفي ظهيرة يوم 14/12/1974 بينما كنت في المركز مع باقي العاملين، جرى استهداف المركز بأربعة صواريخ نم نصبها في أرض خلاء قرب المركز، فأصابت ثلاثة منها المكتبة، ألحقت بها دمارا هائلا، مزق الكتب والمخطوطات وأحالها إلى كتل من الأوراق الممزقة والمحروقة، ولم يُصب أحد من العاملين. وقد جرى استهداف مواقع فلسطينية أخرى في الوقت نفسه والطريقة نفسها، حيث جرى استهداف مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في كورنيش المزرعة في بيروت، وموقع لحركة فتح. وفي صيف العام 1982، قامت قوات إسرائيلية باقتحام المركز لدى اجتياحها لبنان، واستولت على كل محتوياته من كتب ووثائق وأرشيف صحافي وغيرها، وشحنتها إلى إسرائيل. واضطرت منظمة التحرير الفلسطينية إلى نقل مركز الأبحاث إلى قبرص بعد أن تعرض عام 1983 إلى عملية تفجيرية أودت بحياة وجرح عدد من العاملين فيه، حيث واصل العمل من موقعه الجديد.

أسرة المركز كانت مشكلة من فلسطينيين، منهم فلسطينيون من الداخل الفلسطيني "مناطق الـــ48" وهم العاملون في قسم الدراسات الإسرائيلية، مثل صبري جريس وعبد الحفيظ محارب، إضافة إلى بعض اللبنانيين، مثل غازي دانيال الذي كان يتولى قسم الشؤون الإدارية. بعض العاملين كانوا مفرغين على الصندوق القومي الفلسطيني، وبعضهم بموجب عقود سنوية، إضافة إلى بعض الباحثين المكلفين بإعداد دراسات وأبحاث لقاء مكافأة مقطوعة. وكان درويش الأبيض، مدير الصندوق القومي الفلسطيني والمعروف بدقته، يشرف من مركزه في دمشق على حسابات المركز ويدقق بها بانتظام.

إضافة إلى الصندوق القومي كمصدر مالي للصرف على نشاطات المركز وتغطية الرواتب الشهرية للعاملين. كان المركز يتلقى سنويا ما قيمته 150 ألف دولار من الجامعة العربية لتغطية نفقات مجلة "شؤون فلسطينية" التي كان المركز يصدرها شهريا. وحيث أن مالية المجلة لم تكن تخضع لتدقيق الصندوق القومي، كان الدكتور أنيس الصايغ يتصرف بطريقة أو أخرى وبشكل فردي، بجزء بسيط من هذا المبلغ، بدفع علاوات إضافية محدودة لبعض العاملين في المركز، إما لاستمالتهم أو اعتقادا منه أن ما يتلقاه الواحد منهم كراتب قليل.

عندما وصلت إلى بيروت أواخر العام 1973 كان الوضع فيها هادئا، إلى حد ما، باستثناء بعض المناوشات الصغيرة هنا وهناك، وخاصة بين الأطراف اللبنانية. بيروت كانت لا تزال تزهو بصورتها كعاصمة للانفتاح الفكري، وملجأ للعديد من المعارضين السياسيين العرب وغيرهم. دور السينما تعرض أحدث الأفلام. مسرحيات فيروز تصدح في صالة البيكاديلي. مقاهي بيروت المنتشرة في الروشة وفي شارع الحمراء تعج بالزبائن، السياسيون لهم مقهاهم الخاص "الدولتشي فيتا"، والمثقفون والصحافيون لهم مقاهيهم. مطاعم البيتزا الكثيرة في الروشة ملتقى للكثيرين في الأمسيات. شاطئ بيروت في الأوزاعي كان يعج برواده من رجال ونساء وأطفال في فصل الصيف، لا حدود أو تدخل فيما يلبسون أو لا يلبسون. ومن لا يرغب في الذهاب إلى البحر يصعد إلى الجبل، يتمتع بهوائه النقي، يزور مغارة جعيتا، إحدى أجمل إبداعات الطبيعة. ومن يرغب في تناول وجبة سمك طازج، يذهب إلى منطقة الخيزران بين صيدا وصور، حيث تنتشر مطاعم السمك على طول الشاطئ. ولمن يأسره منظر الثلج المتراكم على السفوح والمرتفعات، يذهب إلى بكفيا وبرمانا، يتزلج إذا شاء، أو يلهو بالثلج مع أطفاله وأصدقائه. إنها بيروت الواحدة، لا شرقية ولا غربية كما قسمتها الحرب لاحقا. إنها بيروت الجميلة بناسها وبالحياة فيها.

منطقة الفاكهاني حيث المقرات الرئيسية للقيادة الفلسطينية ولفصائل المقاومة على مختلف اتجاهاتها، كانت تشكل مركز حركة ونشاط دائم للفلسطينيين الذين وفدوا إلى لبنان من الأردن، وغيرهم من مثقفين وصحافيين فلسطينيين وعرب. بعد انتهاء عملي في مركز الأبحاث، كنت أتواجد في هذه المنطقة، للقاء الأصدقاء والتداول حول آخر الأخبار والمستجدات السياسية. مطعم "توليدو" في أول شارع أبي شاكر من جهة جامعة بيروت العربية، كان يقدم وجبات طعام بأسعار معقولة، وكان المكان المفضل للكثيرين ليس لتناول وجبة طعام فقط، وإنما أيضا لعقد حلقات النقاش أثناء تناول الطعام حول البرنامج السياسي المرحلي وغيره من الشؤون السياسية والفكرية.

هذا الجو المريح والإنساني سرعان ما تبدد مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، حيث بدت بيروت كمدينة أشباح، بعد أن انقسمت إلى "بيروتتين"، شرقية تتحكم بها القوى الانعزالية اليمينية، وغربية حيث مركز المقاومة الفلسطينية والقوى الوطنية اللبنانية، وكان التنقل بين "البيروتتين" أو في كل منهما، صعباً ومحفوفاً بالمخاطر، وانتشر فيهما المسلحون، يتحكمون بحياة الناس، ويفرضون عليهم نمط حياة جديد ولاإنساني.

كنت أذهب إلى مركز الأبحاث يوميا، حيث كانت مواعيد العمل في المركز من الساعة الثامنة إلى الساعة الثانية ظهرا، مع عطلة يوم الجمعة. كنت أغادر شقتي باكرا بعد تناول وجبة فطور خفيفة، وتصفح الجرائد اليومية "النهار والسفير" أهم صحيفتين لبنانيتين، حيث تعاقدت مع موزع جرائد لتزويدي بهما باكرا كل يوم. وقبل أن اقتني سيارة صغيرة آنذاك، كنت أستخدم سيارات السرفيس لتنقلاتي. كنت أقيم في شقة صغيرة في حي المزرعة-البربير، وكنت يوميا أقطع شارع أبو شاكر مشيا وصولا إلى جسر الكولا، حيث سيارات السرفيس التي تعمل على خط الكولا-كورنيش الروشة وشارع الحمرا. كانت سيارات "السرفيس" الصغيرة وسيلة التنقل العام الوحيدة في بيروت، وبربع ليرة لبنانية للراكب الواحد. الدولار الأميركي كان في ذلك الوقت يعادل ليرتين لبنانيتين.

في بداية عملي في المركز كنت أتقاضى 700 ليرة لبنانية، وارتفع لاحقا إلى حوالي 1900 ليرة لبنانية عندما أنهيت عملي في مركز الأبحاث أواخر عام 1978. بعد حوالي سنة من عملي في المركز، اقتنيت سيارة "فولكس فاجن" صغيرة، وأمّن لي صديق رخصة سياقة لبنانية مزورة، كما أمّن لي أيضا، وثيقة سفر لبنانية مزورة، وهي الوثيقة التي كانت تُصرف للاجئين الفلسطينيين في لبنان.

كان عملي كرئيس لتحرير "اليوميات الفلسطينية" يستهلك الكثير من الوقت والجهد. كنت أقوم بمراجعة القصاصات الورقية التي يعدها المحررون، بتدقيقها لغويا، والتدقيق بصحة ومصداقية الأخبار والمعلومات التي تتضمنها، وأحيانا أضطر لمراجعة المعلومة أو الخبر من المصدر الذي اعتمده المحرر، حيث أن كل محرر كان يذكر في نهاية كل خبر أو معلومة المصدر الذي استند إليه من الأرشيف الصحافي. بعد ذلك وبعد إنجاز ما مجموعه ستة أشهر، يتولى مسؤول الشؤون الإدارية إرسالها إلى المطبعة، والتدقيق في المادة المطبوعة قبل إجازة تجميعها وإصدارها في مجلد نصف سنوي.

كانت مجلة "شؤون فلسطينية" من أهم المنابر الفكرية، وكانت مفتوحة للكثيرين من الكتاب، فلسطينيين وعرباً وغيرهم. وكان من المحررين فيها من غير العاملين في المركز، الكاتب اللبناني إلياس خوري، وإلياس سحاب، والكاتب السوري الكردي سليم بركات. كانت المجلة تصدر شهريا وبانتظام، حتى في ظل اشتداد أوار الحرب في لبنان. كان العدد الشهري يشتمل على العديد من الأبحاث والدراسات ذات الصلة بالشأن الفلسطيني، إضافة إلى مراجعة لأحد الكتب والتقارير الدورية عن النشاط العسكري والنشاطات السياسية للمقاومة الفلسطينية. كانت المجلة تقدم مكافأة شهرية بقيمة 250 ليرة لبنانية عن كل مقال، و150 ليرة لبنانية عن كل مراجعة لكتاب أو تقرير. كنت أكتب فيها شهريا بانتظام، تقريبا.

أواخر العام 1976 حصلت تغييرات في المركز. استقال الدكتور أنيس الصايغ وخلفه محمود درويش وغادره بعض العاملين، منهم إبراهيم العابد الذي كان على علاقة قوية مع الدكتور أنيس. محمود درويش بحكم طبيعته كشاعر لا يطيق العمل الإداري، شكل هيئة من ثلاثة من العاملين في المركز لمساعدته في متابعة أعمال المركز، من بلال الحسن نائبا له، ومني مساعدا له للشؤون الإدارية والمالية، وعصام سخنيني مساعدا له لشؤون البحث والدراسات، مع احتفاظ كلينا بمسؤولياته السابقة.

اعتاد محمود درويش على أن نلتقي صباح كل يوم في مكتبه، سواء كهيئة ثلاثية أو بمشاركة آخرين مثل إلياس خوري، للتداول في شؤون المركز وما يستجد من أحداث سياسية. وكان من عادته أن يشاورنا في مقاله الافتتاحي الذي كان يكتبه لمجلة شؤون فلسطينية، وأحيانا كان يتلو علينا مقاطع من آخر قصائده، وكان يستمع بانتباه إلى أي ملاحظة من أي منا. وبشكل عام، كان التعاطي مع محمود درويش سلسا وتسوده الألفة، ولكنه كان يتذمر من حين لآخر حول وجوده في المركز ويقول: أنا كفاية عليَّ المجلة (شؤون فلسطينية)، وسأتحدث مع "أبو عمار" لإعفائي من هذه المهمة."

بعد أن استقال بلال الحسن ليعمل في جريدة "السفير" التي تأسست حديثا بمسؤولية طلال سلمان. نفذ محمود ما كان يفكر به. ففي منتصف عام 1978، أقدم وبشكل مفاجئ ودون التشاور مع أحد، على الطلب من الرئيس ياسر عرفات إعفاءه من هذه المسؤولية، واقترح بدلا عنه صبري جريس، الذي كان يتولى مسؤولية قسم الدراسات الإسرائيلية في المركز. لم يرتح الكثير من العاملين في المركز إلى تعيين صبري جريس، بحكم ما هو معروف عنه من تزمت إداري شكلي وولع بإصدار التعليمات. من ناحيتي، كان صعبا التفاهم مع صبري، فقدمت استقالتي من المركز بعد أسابيع قليلة من تعيينه، لأبحث عن مسار جديد لحياتي.

عملت في مركز الأبحاث حوالي أربع سنوات من بداية العام 1974 إلى نهاية العام 1978، كانت من أخصب سنوات حياتي فكريا وكتابيا، عملت خلالها على إنجاز العديد من المشاريع الكتابية التي كانت تختمر في ذهني منذ فترة. وخلال هذه الفترة واظبت على صلتي بالأحداث التي كانت تعصف في لبنان، من خلال صلاتي الواسعة مع عدد واسع من قيادات فصائل المقاومة وكوادرها.

بالإضافة إلى ما كنت أكتبه وأنشره في مجلة "شؤون فلسطينية" وفي العديد من نشرات وصحف فصائل المقاومة، مثل "فلسطين" الثورة، ومجلتي "الحرية" و "إلى الأمام" وأحيانا في جريدة "السفير" ومجلة "دراسات عربية" اللبنانيتين، أنجزت ونشرت العديد من الدراسات والكتب، منها كتابي "شهادات على جدران زنزانة" عن تجربتي الاعتقالية في الأردن، قام الاتحاد العام للكتاب والصحافيين الفلسطينيين بنشره عام 1975، ودراستي الموسعة عن "صحافة المقاومة في عشر سنوات" بمناسبة مرور عشر سنوات على انطلاق المقاومة عام 1975، تم نشره  في مجلة شؤون فلسطينية في العدد (41/42، العام 1975)، والدراسة الموسعة عن “مواقف الأحزاب الشيوعية والقومية العربية (1948_1973) من القضية الفلسطينية"، تم نشرها في مجلة "دراسات عربية"، (في ثلاثة أعداد متتالية عام 1977). ثم الدراسة المعمقة عن انتفاضة يوم الأرض في الداخل الفلسطيني في30/3/1976 (شؤون فلسطينية، العدد 57، عام 1976).

بالإضافة إلى هذه الدراسات وغيرها، نشرت كراسين، أحدهما عن "أحداث الأشهر العشرة الأولى من الحرب الأهلية في لبنان"، جمعت فيه مقالاتي العديدة عن هذه الأحداث. والآخر عن "المتغيرات في العلاقات الأردنية الفلسطينية منذ النكبة عام 1948 حتى العام 1975"، جمعت فيه مقالاتي عن هذا الموضوع والمنشور معظمها في مجلة "شؤون فلسطينية". وكتاب آخر بعنوان "سياستان إزاء حرب تشرين الأول (أكتوبر) والتسوية" ضم مجموع المقالات والموضوعات التي نشرتها في عدد من المنابر الإعلامية، حول حرب تشرين الأول (أكتوبر) وما تلاها من أحداث. كان من المفترض أن تنشر هذا الكتاب "دار الطليعة" اللبنانية، ولكن ظروف الحرب حالت دون نشره.

مشروعي وإنجازي الكتابي الأكبر، كان كتابي عن "المرأة الفلسطينية والثورة"، نشره مركز الأبحاث الفلسطيني عام 1977، وهو أول كتاب فلسطيني موسع ومعمق عن المرأة الفلسطينية، عن واقعها وما تتعرض له من اضطهاد مزدوج، سواء قبل الثورة أو بعدها، وكيف أثرت الثورة الفلسطينية على هذا الواقع، وما هي العوامل التي يمكن أن تساعد المرأة الفلسطينية على تعميق مكتسباتها التي حققتها بفعل الثورة، قبل أن تطرأ ظروف جديدة تسلبها ما حققته من مكتسبات، كما حصل مع المرأة الجزائرية بعد انتصار الثورة الجزائرية. الكتاب لاقى قبولا واسعا، وأعيدت طباعته عدة مرات في الأراضي المحتلة، وكان مرشدا ومرجعا لأكثر من جيل من النساء، وربما من الرجال الذين يؤمنون بحقوق المرأة في الحرية والمساواة الاجتماعية وغيرها.

الكتاب كان حصيلة جهد نظري وفكري وتتبع لمسار المرأة الفلسطينية والعربية في واقعها الحالي وخلال عقود سابقة، وتضمن دراسة ميدانية تحليلية استندت إلى استمارة من مئة سؤال توجهت بها إلى عينة عشوائية من رجال ونساء لاستكشاف مواقفهم من قضية المرأة، إضافة إلى استمارة أخرى حول واقع المرأة الفلسطينية في المخيم الفلسطيني. استغرق إعداد الكتاب أكثر من سنة، في وقت كانت فيه الحرب الأهلية في لبنان على أشدها. عملت معي ولمدة ستة أشهر الأخت سهير جرار، كمساعدة باحث للمساعدة في تعبئة الاستمارات وتفريغها.

الكتاب الآخر الذي كنت أحلم بإنجازه منذ كنت في المعتقل، كان حول "دولة فلسطين العلمانية الديمقراطية" على كامل أرض فلسطين التاريخية. لقد بدأت أوسع مطالعاتي وبحثي حول الموضوع، ووضعت مخططات الكتاب الأولية وأنا أعمل في المركز، وحصلت على موافقة أولية على تفرغي في مركز الأبحاث لإعداده. لكن لم يعد ممكنا مواصلة العمل على الكتاب بعد استقالتي من المركز وانخراطي في الحياة السياسية.

ظروف العمل خلال الفترة التي كنت أعمل فيها في مركز الأبحاث في بيروت، كانت صعبة وقاسية، في ظل الحروب التي اشتعلت في لبنان، سواء حروب بعض الأنظمة العربية ووكلائهم في لبنان ضد بعضهم البعض على الساحة اللبنانية التي كانت مفتوحة لشتى التدخلات، وبخاصة التدخلات السورية العراقية التي كانت تتحول إلى اشتباكات مسلحة بين وكلاء الطرفين في لبنان، أو الحرب الأهلية اللبنانية-اللبنانية التي وجدت المقاومة الفلسطينية نفسها طرفا فيها. وما زاد الطين بلة، الاعتداءات الإسرائيلية المتزايدة على المخيمات الفلسطينية وقواعد المقاومة في البقاع والجنوب اللبناني. وقد اضطرت المقاومة الفلسطينية، والتي كانت تعاني من حصار شديد، عربي ودولي، إلى إعلان التعبئة العامة واستقدام المئات من الطلاب الفلسطينيين الدارسين في الجامعات في الخارج إلى لبنان للمشاركة في الدفاع عن المقاومة، ضد الحروب المتعددة التي اشتعلت ضدها لتصفيتها، وجرى تشكيل ما بات يُعرف بـــ"الكتيبة الطلابية" التي ضمت طلابا فلسطينيين ولبنانيين وعرباً. وقد كان لهذا الكتيبة الذي انتمى معظم تشكيلاتها إلى حركة "فتح" نشاطات فكرية وعسكرية فاعلة.

وإني لأتساءل بعد هذه السنين الطويلة، هل كان ممكنا أن تنأى المقاومة الفلسطينية بنفسها عن الانخراط المباشر في الحرب الأهلية التي اندلعت بين المارونية السياسية ممثلة بشكل أساسي بحزب الكتائب اللبنانية، بزعامة الشيخ بيار الجميل، وحزب الأحرار اللبناني، بزعامة كميل شمعون، والحركة الوطنية اللبنانية على مختلف تشكيلاتها واتجاهاتها، أم أن الظروف السياسية المستجدة بعد حرب تشرين الأول (أكتوبر)، كانت أقوى منها، لأنها كانت معنية بنصرة الحركة الوطنية اللبنانية، التي دعمت الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان ودافعت عنه، إضافة إلى أنها كحركة مقاومة، وكوجود فلسطيني في لبنان، كان مستهدفا تصفيتها وشطبها من المعادلة السياسية.

لقد وجدت المقاومة الفلسطينية نفسها منخرطة في الحرب بعد "مجزرة باص عين الرمانة" في 13 نيسان (إبريل) 1975، التي نجم عنها مقتل 27 شخصا وإصابة آخرين. وهي المجزرة التي ارتكبتها عناصر من الكتائب اللبنانية، عندما نصبوا كمينا لباص كان يقل حوالي خمسين شخصا من الفلسطينيين عائدين إلى مخيم تل الزعتر، بعد مشاركتهم في احتفال أقامته الجبهة الشعبية-القيادة العامة بمناسبة الذكرى الأولى لعملية الخالصة.

منذ تلك المجزرة التهبت الساحة اللبنانية بحرب قذرة، كان يتم القتل فيها على الهوية، وانقسمت بيروت إلى شطرين، الشرقية تحت سيطرة المارونية السياسية، والغربية حيث المقاومة الفلسطينية والقوى الوطنية اللبنانية. كانت قذائف المدفعية والصواريخ تنهال بدون تمييز على الأحياء المدنية من الطرفين في "البيروتتين". لم يعد السير آمنا ولم يعد حتى البقاء في البيوت آمنا، وباتت بيوت الدرج الداخلية في البنايات، هي المناطق الأكثر أمانا لحماية الأطفال، حيث لا تتوفر ملاجئ.

تم مع بداية اندلاع الحرب تشكيل القوات المشتركة من فصائل المقاومة الفلسطينية وفصائل وتشكيلات مسلحة وطنية لبنانية، وكان الرئيس ياسر عرفات هو القائد الفعلي الممسك بزمام توجيه وقيادة العمليات العسكرية التي شملت كل الأراضي اللبنانية. وعندما تمددت الحرب إلى منطقة الجبل، انتشرت في المنطقة كتائب من المقاومة الفلسطينية بقيادة القائد العسكري الفتحاوي، موسى العملة "أبو خالد"، في ترشيش وضهور الشوير وعاليه وغيرها. وكنت في كثير من الأحيان أتردد إلى هذه المنطقة وألتقي بالأخ أبو خالد، ونتبادل الآراء حول الحرب في لبنان وتطوراتها المحتملة، وبخاصة أن العملة كان من أبرز الكوادر الفتحاوية ذات التوجهات الوطنية اليسارية.

الحرب تواصلت تحصد البشر وتدمر البنايات. الأسواق القديمة والتاريخية في وسط بيروت تحولت إلى ركام من الأتربة والحجارة، والفنادق الفخمة في الروشة دُمرت ونُهبت محتوياتها، والبنوك في المنطقة نُهبت. وجرى فرز سكاني رهيب، وامتلأت بيروت الغربية بالمهجرين من المناطق المسيحية. المخيمات الفلسطينية الواقعة في المناطق المسيحية، تعرضت لاعتداءات شرسة ومتواصلة من قوات "الجبهة اللبنانية" والمشكلة من الأحزاب المسيحية المارونية المنخرطة في الحرب، مثل حزبي الكتائب والأحرار وغيرهم. مخيما ضبية وجسر الباشا، جرى تهجير معظم سكانهما من الفلسطينيين وهم في غالبيتهم مسيحيون، وقد قُتل وجرح المئات من المهجرين من مخيم ضبية، عندما ألقت الطائرات الإسرائيلية في 6/8/1982 قنبلة فراغية على بناية عكر التي لجأوا إليها بعد تهجيرهم، وأحالتها وساكنيها إلى دمار شامل.

أما مخيم تل الزعتر الذي كان يقطنه ما يزيد على عشرين ألفاً من الفلسطينيين وما يزيد على 15 ألفا من اللبنانيين، بدا يتعرض لهجمات متتالية من قوات الكتائب اللبنانية وحلفائها بهدف تهجير سكانه. وتعرض بعد الاجتياح السوري للبنان، لحصار دامٍ وعمليات قصف عنيفة متواصلة لمدة 52 يوما. وعندما تم التوصل لاتفاق في 14/8/1976 بواسطة الصليب الأحمر لمغادرة من تبقى من سكانه، دون التعرض لهم بأذى، غدرت بهم القوات التي كانت تحاصرهم أثناء المغادرة، وأعملت فيهم قتلا وتذبيحا، مما فاقم عدد قتلى المخيم إلى ما يزيد على ثلاثة آلاف. وقد ردت المقاومة الفلسطينية على هذه المجزرة الدامية باقتحام بلدة الدامور الواقعة بين بيروت وصيدا وغالبية سكانها من المسيحيين، وأجبرت أهلها على الرحيل، وأسكنت مكانهم المهجرين من مخيم تل الزعتر، من فلسطينيين ولبنانيين.

وتواصلت الحرب، من بيروت إلى الشمال وإلى جبل لبنان حيث سيطر الدروز، وقاموا بتهجير سكانه من المسيحيين إلى جزين والمناطق المسيحية.

إسرائيل وبعض العرب، وبخاصة سورية دعموا المارونية السياسية. وبحجة منع تقسيم لبنان وإنهاء الحرب الأهلية، اجتاحت القوات السورية في بداية شهر حزيران عام 1976 لبنان بتواطؤ أميركي إسرائيلي، لكن بشرط ألا تتقدم القوات السورية أبعد من نهر الزهراني، لأن المنطقة ما بعد الزهراني، وعلى بعد 40 كيلومترا حتى الحدود اللبنانية-الإسرائيلية منطقة نفوذ إسرائيلية. وبات السوري هو المسيطر والحاكم في لبنان، حتى بعد مجيء ما يسمى قوات الردع العربية عام 1977، التي لم تغير من واقع الأمر شيئا. حيث ظل النظام السوري هو المسيطر والمتحكم في الوضع في لبنان. وفي يوم 16/3/1977، جرى اغتيال كمال جنبلاط، الزعيم الوطني اللبناني ومؤسس الحزب التقدمي الاشتراكي والحليف القوي للمقاومة الفلسطينية، على طريق الشوف وعلى مقربة من حاجز للقوات السورية، ما يشير إلى دور أو تواطؤ سوري في عملية اغتياله.

إسرائيل التي كانت تراقب الوضع، كثفت من غاراتها الجوية على المخيمات الفلسطينية حيث وُجدت، في بيروت وغيرها من المناطق، وعلى قواعد المقاومة في الجنوب والبقاع. وفي شهر آذار (مارس) عام 1978 قامت بعملية عسكرية واسعة "عملية الليطاني"، حيث اجتاحت بقوات كبيرة جنوب لبنان حتى حدود نهر الليطاني ووصلت إلى مشارف مدينة صور، وقامت بتهجير أكثر من 200 ألف شخص من سكان المنطقة وقتل ما يزيد على ألف، ودفع مقاتلي المقاومة إلى ما بعد الليطاني، وحولت هذه المنطقة إلى حزام أمني عازل تحت سيطرتها العسكرية المباشرة، واتخذت من ما يسمى "جيش لبنان الجنوبي" بقيادة المنشق عن الجيش اللبناني، سعد حداد، والمكون من عناصر مسيحية متعاونة مع إسرائيل وانشقت عن الجيش اللبناني، واجهة لسيطرتها وتحكمها في المنطقة.

استمر الوضع على هذا الحال حتى الحرب العدوانية على لبنان في 6/6/1982، التي أدت بعد صمود باسل للمقاومة الفلسطينية وحلفائها من اللبنانيين استمر حوالي ثلاثة أشهر، إلى خروج المقاتلين الفلسطينيين من بيروت والجنوب اللبناني، وفقا لاتفاق تم التوصل إليه بواسطة المبعوث الأميركي، فيليب حبيب. لكن شارون، وزير الدفاع الإسرائيلي واصل حربه العدوانية بعد مغادرة المقاتلين الفلسطينيين بأيام قليلة، واقتحم بيروت وحاصر مخيماتها، ليعقب ذلك قيام قوات الكتائب اللبنانية، بتواطؤ ودعم من القوات الإسرائيلية، بارتكاب أبشع مجزرة ضد الفلسطينيين في مخيمي صبرا وشاتيلا في بيروت يومَي 16 و17/9/1982 ومقتل حوالي ثلاثة آلاف فلسطيني غدرا وهم نيام في بيوتهم.

بالرغم من الغزو الإسرائيلي ومجيء قوات دولية أميركية وفرنسية إلى لبنان، للحد من الحرب الناشبة بين اللبنانيين أنفسهم، كما ادعوا، تواصلت الحرب وعمليات المقاومة المسلحة التي وجهت ضربات قاصمة لكل من القوات الأميركية والقوات الفرنسية، مما أدى إلى انسحاب الطرفين السريع. ولم تسلم القوات الإسرائيلية من الضربات القوية من المقاومة، وجرى إفشال مخططها في تركيب حكومة لبنانية موالية لإسرائيل بزعامة بشير الجميل، الذي جرى اغتياله في 14/9/1982. ولم تتوقف الحرب بين الأطراف اللبنانية إلا بعد سنوات، بموجب اتفاق الطائف الذي تم التوصل إليه برعاية سعودية في 30/9/1989.

لقد كانت هذه السنوات التي عشتها في بيروت، من أكثر السنوات إيلاما ومعاناة وقسوة في حياتي. فليس سهلا أن يعيش الإنسان مع هذه الأعداد الكبيرة من الناس التي تتساقط يوميا قتلى وجرحى، مع الصواريخ والقذائف العمياء التي تتساقط في كل مكان وفي كل ساعة، تحصد النساء والأطفال وهم نيام في بيوتهم. ومع هذه الأعداد الكبيرة من المهجرين. كان التنقل في بيروت خطرا، المذيع اللبناني شريف الأخوي كان يعلن يوميا بين ساعة وأخرى، نشرة عن أحوال أمن الطرق، يسترشد بها المواطنون في تنقلاتهم. وانتشرت في شارع الحمرا والروشة، البسطات التي تبيع شتى أنواع المسروقات من أثاث وغيره، المسروقة أو المنهوبة من البيوت التي جرى تهجير أهاليها.

كنت أعود في ساعة متأخرة من الليل إلى شقتي الصغيرة، أسجل في دفتر يومياتي أحداث اليوم، وأكتب على ضوء الشموع مقالاتي، وأفكر في هذه الحرب المجنونة وأتساءل بيني وبين نفسي، هل قدر الشعب الفلسطيني أن يعيش هذه الحروب المتواصلة، حروبا مع أشقائه العرب، وحروبا ضد مغتصبي أرضه والمتآمرين على وجوده، من أجل أن يستعيد حقه في الحياة.؟!


[*]

الملفات المرفقة

العمل في مركز الابحاث.docx
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2017
Track visitors of website