عرب النقب يواجهون النكبة الرابعة..!!، نظير مجلي، العدد 267

عرب النقب يواجهون النكبة الرابعة..!!

 

** أم الحيران ليست كل الحكاية. إنها مشهد للصورة التي تعدها حكومات إسرائيل المتعاقبة، لترحيل عرب النقب ونهب أراضيهم. وحكومة بنيامين نتنياهو، تبدو أكثر تصميماً من سابقاتها، لأنها تؤمن بأن أوضاع الانهيار في العالم العربي وما يحصل في سورية والعراق واليمن وليبيا من عمليات ترحيل جماعي يمكن أن تكون غطاء "لجرائم أقل حجماً" تنفذها بحق الفلسطينيين عموما والنقب بشكل خاص.

نظير مجلي[*]

 

عبد الرحيم مكاوي، رجل في الثانية والستين من العمر، يحمل دفتراً كتب عليه بخط متعرج: "مذكرات رجل مرت عليه ثلاث نكبات، ويستعد للرابعة". فتحه وراح يقرأ بعض ما جاء في آخر وصية من والده، قبل أن يودع الحياة: "وصيتي لكم أن لا تخنعوا مثلنا". أغلق الدفتر وقال: "وأنا على وصية والدي. هذه المرة لن نخنع ولن نخضع، وكما قال شاعرنا توفيق زياد: لن يخضع منا حتى طفل يرضع". ويبدأ باستعراض الأحداث وكيف تدحرج المشروع الإسرائيلي الجديد لهدم 35 قرية عربية وترحيل 40 ألف مواطن من سكانها بغرض إقامة 11 بلدة يهودية مكانهم، وعلى محياه يرتسم الحزن والخجل. ويقول: "ربما تنجح إسرائيل في دب الخلافات بيننا وزرع الفتنة، وربما يقودنا تخلفنا وأنانيتنا إلى الفشل وتنجح إسرائيل في تمرير المخطط، لكن عشرات الألوف منا سيقاومون، مهما يكلفنا ذلك من ثمن".

عبد الرحيم هو واحد من 40 ألف عربي من بدو النقب، الذين يتعرضون هذه الأيام لمخطط الترحيل، وقرية أم الحيران واحدة منها. سبقتها قرية العراقيب، التي تم هدمها 109 مرات فقط خلال ست سنوات. فالحكومات الإسرائيلية تضع نصب عيونها مهمة "إنهاء مشكلة النقب"، وتقصد بذلك نهب الغالبية الساحقة من أراضيهم. كل الحكومات الإسرائيلية فعلت ذلك، لكنها لم تنجح بالكامل. إلا أن الحكومة الحالية برئاسة بنيامين نتنياهو، تبدو مصممة أكثر من سابقاتها. وليس صدفة. فهي حكومة اليمين المتطرف، التي لا تنظر للآفاق المستقبلية وماذا يمكن أن يحدث بسبب سياساتها العدوانية الحالية.

وليس سراً، أنها تؤمن بأن أوضاع الانهيار في العالم العربي وما يحصل في سورية والعراق واليمن وليبيا من عمليات ترحيل جماعي يمكن أن تكون غطاء "لجرائم أقل حجماً" تنفذها بحق الفلسطينيين عموما والنقب بشكل خاص. فالترحيل هنا لا يبلغ عشرة ملايين شخص كما في سورية أو العراق. ولهذا، أعدوا قانوناً جديداً وأقاموا جهازاً للتنفيذ.

 

العرب في النقب

 

العرب الذين يعيشون في النقب والبالغ عددهم اليوم حوالي 220 ألف نسمة، هم ذرية البدو الذين عاشوا مئات السنين أحرارا في الصحاري. يتنقلون من النقب إلى الضفة الغربية شرقا عبر جبال الخليل المجاورة، وغربا نحو قطاع غزة وسيناء المصرية. في سنة 1948، عند الإعلان عن قيام إسرائيل، كانوا يشكلون 110 آلاف نسمة، أي بمقدار عدد جميع المواطنين العرب في إسرائيل حسب إحصاء سنة 1951 (لم يشمل سكان المثلث البالغ عددهم يومها 44 ألفا، والذين تم ضمهم إلى إسرائيل بموجب اتفاقية رودس في العام 1949)، وقد حلت عليهم النكبة الأولى مثلما حصل للشعب الفلسطيني برمته. فبعد أن تصارعت مصر والأردن على هذه المنطقة، ووقعت بينهما اشتباكات مسلحة دامية، انتظرت إسرائيل حتى ينهكوا بعضهم بعضاً، واحتلتها لاحقاً بسهولة (في شهر تشرين الأول، أي بعد أربعة شهور من قيام إسرائيل). وتمكنت من التخلص من غالبية السكان، عن طريق ترحيلهم نحو سيناء والضفة.

ثم أحلت عليهم نكبة ثانية في سنوات الخمسين الأولى بعد ثورة الضباط الأحرار في مصر بزعامة جمال عبد الناصر. فقد خشيت إسرائيل أن يتواصل أبناء الشعب الواحد، من النقب وسيناء وقطاع غزة، ويشكلوا تهديدا لها. فأبعدتهم عن أماكن سكنهم ونقلتهم إلى القسم الشرقي من النقب، ليقتربوا من الحدود مع الأردن (الضفة الغربية)، باعتبارها دولة آمنة.

النكبة الثالثة

 

النقب أوسع محافظة في أرض فلسطين التاريخية، يمتد من القرية العربية المشهورة الفالوجة، على الحدود مع مصر، التي حاصرتها إسرائيل في العام 1948 ثم دمرتها بعد احتلالها، وحتى بلدة أم رشرش التي أقامت إسرائيل مدينة إيلات على أنقاضها على الجانب الغربي من خليج العقبة. مساحة هذه المنطقة الشاسعة، تبلغ ما يقارب 13 مليون دونم كان يقطن فيها حوالي 110 آلاف نسمة من العرب الفلسطينيين، هجر 90% منهم بعد احتلال النقب عام 1948 ، كما تم تجميع كل من بقي في النقب في منطقة محصورة سميت  بالسياج وهي المثلث الواقع بين بئر السبع، وديمونا (كُرْنُب) وعراد في مطلع الخمسينات، بحيث فرض عليهم الحكم العسكري إلى أواسط الستينات.

السلطات الإسرائيلية لا تعترف بحق عرب النقب في ملكية أرضهم مدعية زورا بأنها تستند في ذلك لقوانين كانت سارية من قبل في عهد الإمبراطورية العثمانية وعهد الاستعمار البريطاني، مع أن الحكومة البريطانية اعترفت بحق ملكية أهل النقب لأرضهم حسب قانون العرف والعادة. فقد  أكد وزير المستعمرات، ونستون س. تشرتشل، بحضور المندوب السامي هربرت صمويل أن الحكومة البريطانية تعترف بملكية الأرض في بئر السبع حسب قانون العرف والعادة. ومع قيام  إسرائيل تم سن قوانين مختلفة لمصادرة الأراضي مثل سن قانون "الحاضر غائب" عام 1951، وقانون "أراضي إسرائيل" عام 1953، لتمنع رد الملكية إلى أصحابها الحقيقيين فحولت بموجب هذه القوانين حوالي 11 مليون دونم إلى ملكية الدولة. وفي عام 1965 سنت الكنيست قانونا للتخطيط والبناء وبموجب هذا القانون أصبحت منطقة السياج منطقه زراعية يمنع فيها البناء فأصبحت كل البيوت والمباني في هذه المنطقة غير قانونية وبذلك يتوجب على السلطات التنفيذية أن تطبق هذا القانون وتقوم بهدم المباني واقتلاع الأهل. وحتى تصعب الدولة على السكان الحصول على خدمات أساسية جعلت هذه المنطقة بدون سلطة محلية أو إقليمية.

في أواخر السبعينات، فرح الكثير من الإسرائيليين والعرب بتوقيع مصر وإسرائيل على اتفاقية سلام، ولكن تبين أن هذا السلام انطوى على نكبة جديدة لعرب النقب، إذ تقرر نقل المطارات ومناطق التدريب الإسرائيلية من سيناء المحتلة إلى النقب. ومن سخريات القدر أن السلطات الإسرائيلية أطلقت اسم "قانون السلام" على هذا القانون، الذي صادرت بموجبه ما يقارب 85,000 دونم من عرب النقب، بدعوى وضعها تحت تصرف الجيش، ونقلتهم إلى مناطق جديدة شرقي النقب.

فكانت نكبة ثالثة. وفي فترة الانتفاضة الفلسطينية الأولى، اكتشفت الحكومة الإسرائيلية أن نقل عرب النقب إلى شرقي النقب كان خطأ استراتيجياً، إذ إن فلسطينيي 48 في هذه المنطقة بدأوا يتأثرون من قربهم لجنوبي الضفة الغربية. وخشيت من انتفاضة خاصة بهم ضد سياستها. فقررت نقلهم مرة أخرى. لتسجل نكبة رابعة، يمكننا القول إنها في ذروتها حالياً. وقد استغرقت كل هذا الوقت من السنين، لأن الناس في النقب بدأوا يعون مدى قدراتهم في مكافحة المخطط سوية مع أهلهم في الجليل والمثلث والساحل.

ويقول عبد الرحيم، في حديث حصري: "عندما تقول رحلونا، تمر الكلمة هكذا بشكل عابر، وأرجوك أن لا تمررها هكذا. حاول أن تتصور كيف يتم ترحيل حوالي عشرة آلاف شخص من بيوتهم المبنية أو خيامهم وبيوت الشعر المنصوبة ومن المراعي وآبار المياه. ومن كان يجرؤ على المقاومة يومها، كانوا يجعلونه مثلا للآخرين، فيشبعونه ضربا وإهانة ويذلونه أمام عائلته وفي كثير من الأحيان، كانوا يعتدون أيضا على النساء والأطفال. وقد سمعت قصصاً عديدة في هذا المجال، مع أن والدي ظل يقول حتى آخر أيام حياته: "هناك أمور رويناها، وهناك أمور لا يمكن أن تروى لأحد وستدفن معنا في القبر، لأنها محزنة وقاسية".

ويضيف: "كان علينا أن نبدأ كل شيء من جديد. أنا أذكر كيف كان معظم أبناء جيلي من الأطفال، يرفضون المواقع الجديدة التي قذفونا إليها. وكنا نضيف إلى أهلنا عصبية على عصبية. لم يكن أحد يعترف بالصدمات النفسية التي تلقيناها. ولم يشعر أحد بحالات الجوع والفقر والفاقة التي عانيناها بسبب منعنا من دخول أراضينا المزروعة، فضاع الموسم الزراعي وتعبه ومصاريفه هباء. وفقدنا المراعي فنفقت الكثير من رؤوس الماشية. وانتشرت بيننا الأمراض. ونشأ لدينا جيل من البشر بلا أمن غذائي، وصارت تنخفض قامة أبنائنا بعدة سنتمترات، وهي علامات تعرف اليوم على أنها مرتبطة بشكل وثيق مع النمو البطيء والأغذية الناقصة".

مشروع برافر

 

من يوم 28/10/2007 تم تكليف وزير البناء والإسكان في الحكومة الإسرائيلية، لتشكيل لجنة بحث مهمتها تقديم توصيات بكيفية تنظيم السكن البدوي في النقب. وكان الهدف هو وضع صيغة قانونية لعمليات الترحيل والتركيز. وقد أنهت اللجنة عملها في كانون الثاني (يناير) 2008. وبعد فحص معمق لتقرير لجنة غولدبرغ لتنظيم السكن في النقب تمت المصادقه على القرار رقم 4411 تحت عنوان "تقرير مشروع تسوية تنظيم السكن في النقب" (لجنة غولدبرغ). لكن هذه اللجنة ووجهت بمعارضة يمينية شرسة. فعلى الرغم من أنها أوصت بمصادرة نصف أراضي عرب النقب المتبقية، لغرض الاستيطان اليهودي، إلا أنها قررت الإبقاء على القرى القائمة حاليا وعدم هدم أي بيت فيها. فقررت الحكومة تشكيل لجنة أخرى برئاسة إيهود برافر، لبحث كيفية تطبيق التوصيات. فخرجت هذه بتوصيات جديدة تقلل مساحة الأرض للعرب وتخصص الأراضي الباقية للجيش ولإقامة 11 بلدة يهودية جديدة في النقب. وقد اعتبرت التوصيات الجديدة خطيرة على مستقبل عرب النقب.

ويشرح المحامي ابن النقب، شحدة بن بري، ذلك قائلا: "في خريف سنة 2011 أقرت حكومة إسرائيل ثلاثة برامج كارثية بخصوص عرب النقب، الأول، والصادر بتاريخ 11/9/2013 (قرار 3707) والمسمى تقرير الطاقم الوزاري لتنظيم توطين البدو، أما القرار الثاني فقد صدر في اليوم نفسه ورقمه 3708 تحت الاسم: "برنامج لتعزيز النمو الاقتصادي وتنمية السكان البدو" أما القرار الثالث بتاريخ 30/10/2011 فهو (قرار رقم 3782) تحت عنوان "إقامة مستوطنات مشارف عراد". هذه القرارات الثلاثة ملتصقة ببعضها البعض. لذا، فمن أجل فهم القرار الأول والثاني علينا أن نقرأ القرار الثالث (3782) الذي ينص على ما يلي: "خلال الرؤية الصهيونية لازدهار النقب ووفقا لسياسة الحكومة لتطوير وتنمية وجذب السكان وزيادة المعروض من المساكن في الضاحية مرورا بنقل قواعد الجيش الإسرائيلي إلى النقب تقرر ما يلي:

أولا: الشروع في إنشاء مجمّعات استيطانية ذات طابع قروي على مشارف عراد، في الجنوب. تغطي المنطقة بين عراد (شارع 31) جنوبا ويمتد بين شوكيت (السقاطي)، وميتار وحورة الغربية ويحدها من المجلس الإقليمي تمار، ومدينة عراد ومنطقة كسيف.

وثانيا: إلقاء المهمة على مدير مكتب رئيس الحكومة، لتنسيق تنفيذ أعمال الموظفين، بشأن إنشاء المنطقة الاستيطانية بمساعدة دائرة الاستيطان التابعة للمنظمة الصهيونية العالمية، بالتعاون مع وزارة الإعمار والإسكان، والتنسيق مع وزارة الداخلية ووزارة تطوير النقب والجليل ووزارة الزراعة والتنمية الريفية، ووزارة العمل وحماية البيئة ووزارة المالية ودائرة أراضي إسرائيل من قبل رئيس ديوان الحكومة في غضون أربعة أشهر.

وثالثا: تنسيق العمل مع الموظفين العاملين على تسوية توطين البدو حسب قرارات الحكومة رقم 3708 و3707 الصادرة بتاريخ 11/9/2011.

ورابعا: تخصيص مليون شاقل لإقامة طاقم العمل على أن يتم تحويل المبلغ من وزارة المالية لرئيس الوزراء في غضون 20 يوما.

هكذا تقر الحكومة بإقامة عشر مستوطنات يهودية تهدف إلى استيعاب 300 ألف مستوطن يهودي في المنطقة المتواجدة ما بين عراد ومنطقة السقاطي، ومن أجل إقامة هذه المستوطنات سيتم اقتلاع خمس قرى عربية وهي: عتير وأم الحيران وتل عراد والحمرة وسعوة والباط.

ويكشف أحد قادة الحركة الاستيطانية، يارون بن - عزرا، المدير العام لقسم الاستيطان الصهيوني، أن "هناك هدفاً آخر لقرار الحكومة وهو الاستيلاء على الأراضي الأخيرة المتبقية وبالتالي منع المزيد من غزو البدو لأراضي الأمة ومنع التواصل البدوي أو العربي فيما بينهم في المنطقة المنحصرة بين جنوبي الخليل إلى عراد، ومن ديمونا ويروحام حتى بئر السبع. أما البند الثالث لقرار الحكومة المذكور فهو لا يدع مجالاً للشك بأن إقامة المستوطنات العشر اليهودية منوط بتنفيذ القرارين السابقين 3707 و3708، وأن عملية توطين اليهود تأتي بتنسيق كامل مع موظفي الحكومة المكلفين بترحيل البدو العرب عن أراضيهم وفقا للقانون المقترح".

وكيف تحول المخطط إلى مشروع قانون؟

بالرغم من تسمية مشروع القانون الفضفاضة "قانون تنظيم إسكان البدو في النقب" لسنة 2013، إلا أن بنده الأول يكشف حقيقته التي لا تمت بصلة للتنظيم أو الإسكان. يقول هذا البند عن الأهداف:

{C}(1) {C} تنظيم ملكية الأراضي في النقب حيال ادعاءات الملكية التي قدمها السكان البدو في النقب.

{C}(2) {C} لتمكين من تطوير النقب لما فيه منفعة جميع سكانه والتمكين من توفير حلول إسكانية للبدو في النقب.

من هنا، فإن المشروع يرمي للبت في الملكية والأصح، نزع الملكية وليس مشروع توطين أو إسكان كما يتخيل البعض ممن يقرأون عنوان القانون. ويبقى هذا القانون مختلفا عن بقية القوانين التي شرعتها الكنيست. فهو الأسوأ وهو الأكثر فظاظة والأبشع أخلاقيا ودستوريا.

فأولا: يحدد القانون كيفية تعويض أصحاب الأراضي عن طريق تأليف لجان تعويض يعينها رئيس الحكومة. هذه اللجان الحكومية ستقوم بتسجيل بروتوكولات ولكن نشرها سيتم فقط بالطريقة التي تراها اللجان مناسبة حسب وجهة نظرها وهي مخولة أن تشطب أسماء أصحاب الأراضي المدرجين في قراراتها أو أي وسيلة تمكن من التعرف عليهم قبل النشر. وهذا البند يأتي لمنع التسريبات كي لا يعلم صاحب الأرض مدعي الملكية مجريات البت في قضية جاره على سبيل المثال وكي لا يتسنى له المطالبة بالمساواة مع غيره في حال قرر المساومة ولإثارة الشكوك والتخوين وزرع الفرقة والشقاق بين أفراد المجتمع. ناهيك عن خرق مبدأ الشفافية والمساواة وحرية المعرفة والاطلاع على محتويات القرارات أو الطعن بمصداقيتها أو التوجه إلى القضاء.

وثانياً: هذا القانون يسري فقط على أصحاب الأراضي البدو العرب وهو لا يسري على "الكيرين كييمت" مثلا أو "سلطة التطوير" أو "الدولة"، الذين يعتبرون أكبر "مالكين" للأراض العربية المصادرة. وحتى إذا كانت لهذه المؤسسات مطالب ملكية في نفس المنطقة، فإن القانون لا يشملهم. لذا فهو قانون عنصري يتناقض مع مبدأ المساواة بين أفراد المجتمع الواحد والمؤسسات.

وثالثاً: في حالة توجه أحد أصحاب الأراضي للمحكمة ضد أحد (من ذوي النفوس الرخيصة) ممن توجهوا إلى لجنة التعويض مدعيا أنه صاحب الأرض الحقيقي فلا يحق للمحكمة إرجاء عملية التسوية إلا في حالات استثنائية.

ورابعاً، أنواع التعويض ستستند فقط على الأدلة التي بحوزة الدولة (كالتصوير من الجو أو خرائطها) ولن تستند على أدلة المواطن صاحب الأرض.

وخامساً، حسب البند الـ46 لمشروع القانون فإن "المقابل" (أي التعويضات التي تعرض على أصحاب الأراضي)، يتم فقط حسب نوعية الأرض وفي حالة تواجد صاحب الأرض المدعي الملكية عليها وكان قد استغلها حين قام بتقديم دعواه بالملكية. وبكلمات أخرى يعني أن كل من طرد بشكل قسري من أرضه حتى سنوات السبعين فلا يستحق أي مقابل لأرضه المسلوبة.

ولكن هذا لا ينهي الرواية إذ إنه حتى وإن استغل أرضه وتواجد عليها وما زال كذلك فهو لن يتلقى نصف أرضه بعد سلب النصف الآخر إلا بعد أن يوافق جميع المدعين (كالإخوة والأقارب) على الصفقة وإلا فإن التعويض سينخفض إلى....20 بالمائة. وهناك كذبة أخرى في قضية "التعويض" هي شرط استيفاء سبعة شروط مجتمعة إضافية، تعجيزية ومهينة منها على سبيل المثال: أن يسلم أرضه للسلطة وأن يخلي ويهدم ما عليها، وأن يسكن بمكان مخصص للسكن، وأن يزيل ويهدم ما على الأرض التي يتلقاها من الدولة كبديل (النصف أو الربع الذي يتلقاه من أرضه) كل مبنى أو غرض قائم بشكل غير قانوني. وأن يوقع خطياً على موافقته على كل ذلك.

 

الهدم والتدمير

 

بعد كل هذا ينتقل بنا مشروع القانون إلى التهديد والوعيد. فحسب هذا القانون "يجوز لمدير سلطة أراضي إسرائيل أو لمدير لواء في سلطة أراضي إسرائيل بالتشاور مع مدير السلطة أو من يفوضه، أن يقرر في أمر الإخلاء بأن على حائز الأرض أن يخليها خلال المدة المحددة في الأمر والتي لا تقل عن ثلاثين يوماً من تاريخ تبليغه به". أما في حالة عدم الإخلاء فينص مشروع القانون على ما يلي: "تنفيذًا للأمر يجوز لمن فوض بذلك بموجب قانون العقارات العامة الدخول إلى الأرض المراد إخلاؤها، والعمل على إخلائها من كل شخص ومتاع، واتخاذ التدابير كافة الكفيلة بضمان تنفيذ الأمر كما يجوز له لدى الحاجة استعمال قدر معقول من القوة والاستعانة بمساعدة من الشرطة لهذا الغرض".

ثم يستطرد مشروع القانون وينص على ما يلي: "على الرغم مما ورد في قانون التنظيم والبناء، يتيح أمر الإخلاء الصادر بموجب هذا القانون هدم البناية حتى بدون ترخيص بهدمها" (البند 69 د). بكلمات أخرى إن الدولة لن تعمل بموجب قانون التنظيم والبناء الساري على كل مواطنيها والذي يستوجب إصدار أمر من المحكمة بقصد هدم المنزل وسماع المواطن قبل قرار المحكمة، بل يودع القضية بيد موظفي الدولة واستثناء سريان قانون البناء على عرب النقب، وإن عملية الهدم ستجري دون محكمة بل بقرار موظف لدى السلطة وبدون أمر قضائي. مشروع القانون لا يتيح للمحكمة المركزية إلغاء أمر الموظف إذ تم تقييد المحكمة بشروط لوقف الهدم، شروط لا يمكنها أن تتواجد في النقب!!

هذا هو ما يجري في النقب حالياً. والعراقيب وأم الحيران هما نموذج واحد لما سيحدث لاحقا، إذا لم يعرف فلسطينيو 48 كيف يديرون معركة البقاء.

 

هوامش

(1)

(2)

(3)

(4)

 


[*]

الملفات المرفقة

نظير.doc
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website