أزمة كهرباء غزة: بين التهويل والتهوين!، تيسير محيسن، العدد 267

أزمة كهرباء غزة:

بين التهويل والتهوين!

تقرير وصفي- تحليلي

تيسير محيسن[*]

 

أثناء إعداد هذا التقرير راجعت الكثير من المواد ذات الصلة (تصريحات، مقالات، دراسات، محاضر، وقائع ندوات،..). انبثق من بين لغو الكلام سؤال ساذج: هل الأزمة مفتعلة؟ فإذا كانت كذلك فمن الذي افتعلها ولماذا؟ وإذا كانت غير ذلك، فما هي الأسباب الحقيقية وراءها؟. ولكن، أياً ما كانت الأسباب فهي تثير قلقاً مستمراً لدى سكان القطاع ولعلها تكون صاعق انفجارهم المحتمل إذا لم تجد لها حلاً قريباً.

لا يصعب القول أن أزمة الكهرباء باتت، خلال عشر سنوات، أزمة بنيوية مركبة؛ نتجت عن رهانات سياسية خاطئة وتخطيط إداري سيء وهيمنة نزعة فئوية غالبة. ولكن قبل هذا وبعده، ثمة حضور إسرائيلي طاغ لدرجة أن أحدا لم يعد يراه، يعزز الفرقة ويشعل نيران الخلاف ويستغل تردي الأوضاع ويعفي نفسه من المسؤولية!

في الأثناء، تولد عن الأزمة "اقتصاد سياسي" مربح ومريح للبعض. بينما للغالبية من الناس شكلت الأزمة حافزاً قهرياً لتغيير نمط الحياة اليومية وأجندات العمل والتعايش مع المخاطر الناجمة عن انقطاع الكهرباء والمتصل باستخدام بدائلها.

إلى ذلك، يمكن القول، دون مجازفة، إن الأزمة باتت موضوعاً سياسياً للتفاوض والابتزاز والمساومة، وموضوعاً اقتصادياً وتجارياً لعقد الصفقات والتربح، وموضوعا تقنيا وعلميا بالبحث عن البدائل، وموضوعا ثقافيا عبر سيل الكتابة المتدفق وسريان النكتة الساخرة والبوح الممزوج بالمرارة على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي.

شخصيا، أنهيت دراستي الثانوية على ضوء لمبة الكاز، وبعد 30 عاماً ولدت صغرى بناتي في العتمة، وطوال عقد لم تعرف ماذا يعني أن تعيش 24 ساعة متصلة من الكهرباء في اليوم تنير جوانب البيت المظلمة أو تدخل الدفء إلى زواياه الباردة في الشتاء. هل من المفيد التذكير بأن الحصول على خدمة الكهرباء لم يعد شرطاً ضرورياً للتحديث والتنمية فحسب، بل بات حقاً من الحقوق الأساسية للبشر!!

توطئة

دخلت الكهرباء قطاع غزة في عام 1935. ويسجل أنها استخدمت من قبل سلطات الانتداب البريطاني كأداة ضغط على السكان من خلال قطعها كما حدث في عام 1936 لمدة 4 سنوات.

في ظل الإدارة المصرية اُعتمد على المولدات بإدارة البلديات "محطات توليد الكهرباء". وبعد احتلال 1967 حاولت سلطات الاحتلال ربط القطاع بالشبكة الإسرائيلية. تعثرت المحاولة في البداية بسبب رفض الفلسطينيين الارتباط بدولة الاحتلال، حيث واظب رجال المقاومة على نسف أعمدة الكهرباء.

بدءا من عام 1973 ربط قطاع غزة بالشبكة القطرية الإسرائيلية بالكامل حتى عام 2002. مع نشأة السلطة الوطنية الفلسطينية طرأ تبدل على الهيكل المؤسسي لإدارة الكهرباء. تأسست سلطة الطاقة عام 1994، وشركة توزيع الكهرباء عام 1997، كما تأسست الشركة الفلسطينية للكهرباء عام 1999 وأنشئت محطة توليد الكهرباء في منطقة المغراقة (جنوب مدينة غزة)[1]. منذ عام 1998 انتقلت إدارة الكهرباء من البلديات إلى شركة التوزيع. وإثر استهداف محطة توليد الكهرباء 2006 من قبل الاحتلال، دخلت الكهرباء المصرية لتغطية العجز وخصوصاً في محافظة رفح.    

واكب إنشاء محطة التوليد جدل واسع. راهن البعض على أن استخدام الغاز المكتشف في شواطئ غزة سيقلل كثيرا من تكلفة الكهرباء، علاوة على الرغبة في فك الارتباط مع إسرائيل. المعارضون رأوا في هذه الخطوة إعفاءً لدولة الاحتلال من مسؤولياتها قبل أن يتحقق الاستقلال. وأن استخدام الغاز لن يكون قريب المنال نظراً لمجموعة من التعقيدات. ولعل الانتقاد الأهم تعلق بالعقد المبرم بين السلطة الفلسطينية وبين الشركة الفلسطينية للكهرباء (ينتهي عام 2020). إذ بموجبه التزمت السلطة بتوفير الوقود للمحطة، وبدفع مبلغ 2.5 مليون دولار شهرياً للشركة.

تتكون محطة التوليد من 4 مولدات، بطاقة إنتاجية تصل إلى 40 ميغاوات للمولد الواحد. وكان من المقرر توسيعها لاحقاً بإضافة مولدين آخرين. في الواقع، ونظراً لاستخدام الوقود الصناعي الإسرائيلي بدلا من الغاز الذي ظل حبيس البحر، وتعرض المحطة للقصف 2006، 2014، لم تتمكن من إنتاج أكثر من 70 ميغاوات شهريا. ومما زاد الطين بلة، استخدام السولار المصري المهرب عبر الأنفاق، بإضافة مادة تخفف من كثافته مما كان له بالغ الأثر على القدرة الإنتاجية واهتراء المولدات مع نقص مواد الصيانة بسبب الحصار، هذا بالطبع علاوة على الإضرار البيئي. بعد عام 2013 عادت محطة التوليد إلى استخدام الوقود الصناعي من إسرائيل عبر سلطة الطاقة في رام الله والذي تفرض عليه الحكومة ضريبة البلو (ضريبة المحروقات ويبلغ متوسط قيمتها حوالي 2.7 شيكل/لتر وقود). 

يقدر بعض الخبراء حاجة قطاع غزة اليوم من الكهرباء بحوالي 400 ميغاوات. المصادر المتاحة حاليا في ظل الأوضاع العادية توفر 210 ميغاوات تقريبا (حوالي 50% من الاحتياج الكلي). مع استمرار تزويد الخط الإسرائيلي 120 ميغاوات شهريا، تتذبذب كمية الكهرباء التي تنتجها محطة التوليد (45 ميغاوات في ظل أزمة الوقود)، وكذلك الخط المصري (تراجع من 30 إلى 22 ميغاوات).

واضح أن المصادر المتاحة حاليا لا تؤمن حاجة القطاع. ولهذه الأزمة وجهان: الأول يتعلق بالوقود والثاني بالجباية. في الأوقات الطبيعية، يجري العمل بنظام (8 ساعات وصل مقابل 8 ساعات قطع). أما في أوقات ذروة الأزمة، حين تتوقف المحطة نظراً لعدم القدرة على شراء الوقود بالسعر الجديد، فيتم العمل بنظام (6 ساعات وصل، مقابل 12 ساعة قطع). 

يقول رئيس مجلس إدارة شركة توزيع الكهرباء في غزة إن تكلفة تشغيل مولدين ارتفعت في غضون عام واحد من 22 مليون شيكل إلى 32 مليون شيكل. بينما تكلفة ثلاثة مولدات ارتفعت من 30 مليون إلى 45 مليون شيكل. ويعزو الأمر إلى ارتفاع سعر الوقود الصناعي وضريبة البلو، وزيادة الأحمال على الشبكة (منشآت ومشاريع جديدة) مع تعطل الخطوط المصرية أحياناً كثيرة.

طبقاً لنائب سلطة الطاقة الفلسطينية السابق، عبد الكريم عابدين، فإن عائد الكهرباء المستهلكة في قطاع غزة يجب أن يكون 97 مليون شيكل. بينما يبلغ إجمالي الجباية 28 مليون شيكل شهريا، وخصوصا بعد أن رفعت نسبة الخصم على موظفي السلطة الفلسطينية من أبناء قطاع غزة؛ إذ سارع ما لا يقل عن 80% منهم إلى عمل تسوية مع شركة التوزيع وهو ما أضاف حوالي 6 مليون شيكل شهريا إلى عوائد الشركة. هناك ديون تراكمية مستحقة للشركة على المواطنين والمؤسسات بقيمة 3.5 مليار شيكل. يذكر أن المؤسسات والمنشآت بما في ذلك المساجد التي تتبع حركة حماس، وحكومة الظل في غزة بما في ذلك موظفوها لا يسددون فواتير استهلاك الكهرباء. تخصم الحكومة نظرياً من رواتب موظفيها 170 شيكلاً شهرياً. لكنها لا تسدد هذه الخصومات إلى شركة التوزيع بزعم أنه جزء من الاستحقاقات الضريبية على الشركة.

اللافت أن طرفي الأزمة يلقي كل منهما المسؤولية على الطرف الآخر ويخلي مسؤوليته بالكامل. فحسب زعم رئيس مجلس إدارة شركة التوزيع في غزة يمكن حل المشكلة تماماً إذا ما أعفي الوقود الصناعي من ضريبة البلو 100%. هذا وترى أوساط في حكومة الوفاق الوطني أن الحل في تحسين الجباية والتزام حماس بتسديد فاتورة استهلاك مؤسساتها ومؤسسات حكومتها. ولو افترضنا ذلك، يمكن الحصول على حوالي 340 ميغاوات كحد أقصى، يراها البعض كافية لحل المشكلة إلى حد كبير؛ إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن قطاع غزة بات لديه خبرة في استخدام البدائل (مشاريع الطاقة الشمسية والمولدات الضخمة) بما في ذلك أنماط الاستهلاك المقنن. أما ما يرتبط بالتطور الطبيعي وزيادة الاستهلاك والتوسع العمراني والصناعي فيمكن الاعتماد على توسعة الخط الإسرائيلي.

أسباب الأزمة

ينقسم الناس في تفسيرهم للأزمة إلى ثلاث فئات: ترد الأولى الأزمة برمتها إلى السلطة الفلسطينية، رئاسة وحكومة. تقع جذور الأزمة بالنسبة لهؤلاء في العقد المجحف المبرم مع الشركة الفلسطينية للكهرباء. من الأسباب التي يذكرها ناس هذه الفئة: تقنين دخول كميات الوقود الصناعي، وفرض ضريبة البلو، والامتناع عن المساعدة في إدخال تقنيات تحسين الجباية ووقف السرقات (عدادات مسبقة الدفع، الروافع)، ورفض السلطة الفلسطينية إعطاء الموافقة على الضمان البنكي المطلوب لتنفيذ خط ،161، الاستيلاء على أموال المنحة الأوروبية المخصصة لتغطية تكاليف الوقود الصناعي منذ 2009 واستخدامها في غير ما خصصت له. في خضم أزمة الكهرباء، أعلنت حماس في بيان لها "أزمة الكهرباء مفتعلة ومسيسة، ... تهدف إلى إحداث حالة من الإرباك والفوضى".

اللافت أن حماس لم يسبق لها أن اعترفت بأي تقصير من جانبها وهو أمر غريب وغير منطقي، فهي تريد الحكم وتحمل الآخرين مسؤولية إدارة شؤون السكان وخدماتهم الأساسية! ولو صحت كل أسبابها التي تدفع بها لتفسير الأزمة، لترتب عليها هي وحدها، مقابل تخفيف المعاناة عن سكان قطاع غزة وخلق الظروف التي تدفع حركة نموه وتطوره إلى الأمام، أن تقدم على خطوات جريئة نحو الحل. والغريب أن الناطقين باسمها أعلنوا أكثر من مرة "أننا جاهزون للتعاطي وبشكل جدي وإيجابي مع أي جهود أو حلول تضمن وضع حد نهائي لهذه الأزمة". ومع ذلك لم تحل الأزمة.

بالمقابل، ترى الأوساط المحسوبة على الفئة الثانية أن الأزمة تقع على عاتق حركة حماس بالكامل. طبقاً لتصريحات الرئيس عباس "هناك العديد من الخطايا التي تجري في هذا الموضوع، سواء فيما يتعلق بالنفط أو توزيع الكهرباء أو جمع الاشتراكات، والأخطاء من الشركة أو في حماس أو غيرها". وحسب وزير المالية شكري بشارة فإن تكلفة الطاقة التي تؤمنها الحكومة لقطاع غزة تبلغ 270 مليون دولار (حوالي 80 ألف شيكل شهرياً، مقابل فاتورة الشركة الإسرائيلية، ودعم الوقود الصناعي، ورسوم شركة الكهرباء). من أسباب أزمة الكهرباء التي تعزوها أوساط الحكومة الفلسطينية إلى حركة "حماس" سيطرة حكومة الظل، التي شكلتها حماس بعيد إفشال حكومة الوفاق الوطني، على شركة التوزيع بحيث بات من الواضح تداخل صلاحيات سلطة الطاقة التي يرأسها م. فتحي الشيخ خليل حالياً وهو يرأس في ذات الوقت مجلس إدارة الشركة، الذي يضم أعضاء، طبقا لهذه الأوساط، متشددين ومن لون سياسي واحد وبعضهم تنقصه الخبرة والدراية. ومن هذه الأسباب عدم التزام حماس وحكومتها وموظفيها بتسديد فاتورة استهلاك الكهرباء. 

الفئة الثالثة تعزو الأسباب أساساً إلى انعدام الإرادة السياسية عند طرفي الأزمة. تستند هذه الفئة إلى عدد من المنطلقات: تزويد خدمة الكهرباء من الحقوق الأساسية وفقا للنظام الأساسي، وهي شرط صمود المواطنين وتطورهم، وأن بالإمكان تحييد ملف الخدمات عموماً وملف الكهرباء خصوصاً عن الخصومات السياسية. يسجل بعض الخبراء أن قطاع غزة أنفق ما يزيد على مليار ونصف مليار دولار خلال عشر سنوات على بدائل الكهرباء، علما أن هذا المبلغ يكفي لإنشاء خمس محطات لتوليد الكهرباء. أزمة الكهرباء من وجهة نظر هذه الفئة "مشكلة مركبة يتداخل فيها الواقع السياسي المأزوم، والانقسام، واحتكار رأس المال للخدمات الأساسية، وسوء الإدارة، وعدم الالتزام والمساواة في التحصيل، يضاف إلى كل ذلك الاحتلال والحصار". كما لم يتم مجابهة الأمر منذ البداية بحسن التخطيط واحترام كرامة المواطن وحقوقه وتوفير الحد الأدنى من العيش الكريم. كان بمقدور حماس وإن ورثت تركة ثقيلة إما أن تسهم في إيجاد الحلول الخلاقة وهو ما وعدت به ناخبيها، وإما أن تفسح المجال أمام القادرين على حل هذه المشكلات. وبمقدور حكومة الوفاق الوطني، ولها الوصاية على قطاع غزة، أن تترفق بأوضاع القطاع وتأخذ بالحسبان ظروفه المعقدة فتخفف عنه الضرائب وخصوصاً على سلعة إستراتيجية للبقاء والصمود والنمو. ترى أوساط هذه الفئة، وبعيداً عن الجانب السياسي، أن للأزمة وجهها الموضوعي؛ من حيث النقص الحاد في الطاقة، والطلب المتزايد عليها، وتراكم ديون الشركة على المواطنين (بحق وبغير حق)، والاعتداءات الإسرائيلية المستمرة والحيلولة دون دخول المواد اللازمة للصيانة والتطوير.

أبعاد الأزمة وتداعياتها:

قد يكون الوصف التفصيلي حول التأثيرات الضارة لانقطاع التيار الكهربائي فترات طويلة، من باب التزيد أو الانتقاص. فكل الكلمات تعجز عن تتبع هذه التأثيرات، الظاهرة والخفية، العاجلة والآجلة. ولعل أسوأ ما في الأمر، عبثيته وانعدام اليقين بشأنه. الناس، جلهم، لا يعرفون على وجه الدقة لماذا يتكبدون هذه المعاناة؟ ومَن الطرف الحقيقي الذي يقف وراءها؟ ومتى يمكن أن تنتهي إذا كان مقدراً لها أن تنتهي؟ وللتفصيل الموجز أنقل بعض العبارات الدالة على سوء الوضع: تضاعف عدد الأجهزة الطبية التي توقفت عن العمل. ازداد متوسط الانتظار لإجراء العمليات الاختيارية لجراحة العظام. تزويد 40% من البيوت في غزة بالماء لمدة تتراوح بين 6-7 ساعات يوميا فقط. انخفاض متوسط إنتاج وحدات تحلية المياه كثيرا. زيادة استخدام المولدات المتحركة التي تقل فيها درجة الأمان وتزداد الخطورة في استخداماتها مع تأثير هذه المولدات على تلويث البيئة. توقف عجلة الإنتاج وخسارة المنتج المحلي وارتفاع تكلفته. خصومات الرواتب والاستقطاعات والتلاعب بالأعصاب، زيادة الوفيات بسبب الحرائق،...إلخ!

ولكم أن تتخيلوا مدى تردي خدمة تزويد التيار الكهربائي إذا علمتم أن مجموع ساعات الانقطاع في العام قد تجاوز (2500 ساعة). تتفاقم الأزمة في ظل الزيادة السكانية، وتزايد الحاجة إلى البناء العامودي، وفي ظل أزمة المياه ندرة وملوحة وتلوثاً، ومعها ما يتصل بالصرف الصحي ومعالجة المياه العادمة. وللأزمة تأثيراتها على نازحي عدوان 2014 ممن لم يجدوا سوى كرفانات الحديد تؤويه وأسرته "عندي في الكرفان الوضع لا يليق بحياة بشر. في الشتاء ثلاجة، وفي الصيف نار". أما ربات البيوت، فهن كالقابضات على الجمر "الحياة ميتة عندنا في غزة، يصعب علينا متابعة دروس الأولاد في المنزل بسبب انقطاع الكهرباء، الساعات المحدودة من التيار لا تكفي للطبخ والغسيل وشحن البطاريات للإنارة".

الغريب والحال كذلك، أن يستهجن البعض خروج الناس إلى الشوارع وقد انتابهم الغضب مطالبين بأبسط حقوقهم "بدنا نعيش!". ليس هذا فحسب، بل يذهب إلى حد اتهامهم بما يشبه الخيانة فيلاحقهم ويفض تجمعاتهم ويعتقل من يعتبرهم محرضين على الفتنة. في الواقع، هناك ما يمكن أن نقوله عن الحراك الشعبي في هذا الشأن.

خلال سنوات الأزمة، كانت السمة الغالبة بين الناس التكيف وتدبر البدائل مع قدر من الشكوى والتذمر والسخرية المرة. هذا بينما انشغلت التنظيمات السياسية والاجتماعية خارج طرفي الأزمة في أعمال الوساطة بين الطرفين وتقديم مبادرات واقتراحات وبعض الأحيان بالتظاهر والندوات. وفي إطار عملية التكيف انقسم ناس غزة إلى فئات ومشارب: التكيف التقني عبر البدائل لمن استطاع إليها سبيلا، التكيف عبر التحايل باستخدام القلابات والربط مع أكثر من محول، التكيف عبر تقنين استخدام الطاقة إلى الحد الأدنى.

أما من حيث التكييف السياسي؛ فمن كان محسوباً على حركة حماس، قنع بما تقوله أوساط الحركة وحكومتها أن رام الله تتحمل المسؤولية الكاملة وأن هذه المعاناة هي ضريبة الدفاع عن المقاومة. ومن كان محسوبا على "فتح" وحكومة السلطة الفلسطينية ارتاح لفكرة أن سيطرة حماس على قطاع غزة هي سبب كل علة وعلى الذين انتخبوها 2006 أن يدفعوا الثمن. وللمفارقة جل هؤلاء المحاسيب ممن تضررت مناحي حياته وحياة أسرته جراء أزمة الكهرباء كثيراً.

وبين هذين الفريقين، أناس أمعنوا في التكيف الاجتماعي. ومن أشكاله تغيير نمط الحياة وإعادة هيكلة الوقت وابتداع وسائل لتلافي بعض الضرر وسريان النكتة و"فشة الخلق". ولما فاض بهؤلاء الكيل جوبهوا بماكنة الانقسام ومنطقه؛ إذ سرعان ما وظف غضبهم الإنساني واحتجاجهم الطبيعي في أغراض سياسية.

تكشف وقائع الحراك وتداعياته عمق الأزمة الشاملة التي تعصف بنا جميعاً: تتسع الهوة بين القيادة والجماهير يوما بعد يوم، ويفقد المواطن ثقته في المؤسسة وأشكال التنظيم الاجتماعي كافة، أوجاع الناس وشكواهم تترجم في خدمة استمرار الانقسام وإدارته على أحسن تقدير، وليس إلى مراجعات وترتيبات تخفف منها أو تحد من تفاقمها. والأدهى أن الأمر يتكشف مرة أخرى عن أن الفلسطيني لا زال منذ أكثر من 30 عاما يُساوم على حقوقه بالمزايا والمنافع الاقتصادية تارة وبالأمن والأمان تارة أخرى. (لكم أن تتخيلوا عبثية المشهد حين ينتفض الفلسطيني من أجل أنبوبة غاز أو إنارة منزل فيعتقل ويطارد، بينما ماكنة التهويد والمصادرة والتغول الصهيوني مستمرة ليل نهار، وتعاد صياغة الجغرافيا السياسية برمتها من حوله في الإقليم).

يتساءل الناس، ماذا تنفع حماس مكاسبها من أزمة الكهرباء؟ وماذا يضر حكومة السلطة الفلسطينية أن ينعم سكان غزة بأبسط حقوقهم التي تستطيع الحكومة تأمينها ولو بالحد الأدنى؟!. الواقع أن "منطق الانقسام" يقول أن ليس في الأزمة ما يفيد أياً من طرفيها، إلا بقاء الأزمة ذاتها! فما أن تخبو نيران أزمة حتى تؤجج، وما أن تحل أزمة حتى تخلق أخرى! إذ بدون ذلك لا مبرر لبقاء الحال على ما هو عليه! والأزمة مصلحة للقوى الخارجية، فهي طريقها للنفاذ إلى القصعة الفلسطينية بالتبرعات والمكرمات والتوسطات حتى باتت قضيتنا مجرد قضية إنسانية! وبات قرارنا رهناً بحاجات الإقليم وتقلباته.

يقول تقرير للمرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، إن إسرائيل تمارس شكلاً غير مسبوق من أشكال العقاب الجماعي؛ في نتيجته 40% من سكان القطاع تحت خط الفقر، و80% يتلقون مساعدات إغاثية، وأكثر من 50% من أطفالهم بحاجة لدعم نفسي، فيما يعاني 55% من الاكتئاب. كما يوضح المرصد أن الوضع الإنساني يتفاقم في ظل أزمة الوقود التي تتسبب في انقطاع التيار الكهربائي لفترات طويلة؛ ما يؤثر على الحياة اليومية ويحول دون تقديم الخدمات الأساسية بالجودة والكمية اللازمتين (حوالي 95% من المياه غير صالحة للشرب، بينما تعمل المشافي بأقل من 40% من إمكاناتها، تدهور الأمن الغذائي، ارتفاع نسبة البطالة، أزمة السكن وتعثر جهود إعادة الإعمار، انخفاض الناتج المحلي بنسبة 50%، القيود على التنقل والسفر،..).

الحلول المقترحة:

طوال فترة الأزمة لم ينقطع سيل الاقتراحات لحل المشكلة. العائق الرئيس أمام كل هذه الاقتراحات، بغض النظر عن طبيعتها الفنية أو الإدارية أو المؤسساتية أو السياسية، هو ذات "الأمر" الذي أفضى إلى نشوء الأزمة أصلاً. ولذلك ولدت دائرة مفرغة لا فكاك منها؛ تتفاقم الأزمة، يشتكي الناس، يبادر البعض لوضع واقتراح الحلول، تبدأ المشاورات والمفاوضات والابتزازات، يجري التوافق على شيء ما، ثم فجأة تعود الأشياء إلى سابق عهدها، وتهدأ الأزمة نسبياً. طورت خلال دورات الأزمة المتتالية حلول عدة؛ سواء في إطار لجنة الفصائل أو الندوات أو تلك التي قدمت من خبراء وأكاديميين، أو حتى من أولئك المحسوبين على طرفي الانقسام أنفسهم، بما في ذلك سلطتي الطاقة وشركتي التوزيع والإنتاج.

البعد السياسي في الحلول المقترحة تمثل أولاً وقبل كل شيء في وجوب توفر الإرادة السياسية. في حدها الأقصى تترجم هذه الإرادة إلى "إنهاء الانقسام" وتطبيق بنود اتفاقيات المصالحة. وفي حدها الأدنى، تحييد بعض الملفات ذات الصلة بشؤون الناس، ومنها ملف الكهرباء، عن التجاذب أو المناكفة السياسية. وبين الحدين، تركزت الاقتراحات على تمكين حكومة التوافق الوطني من الاضطلاع بمهامها في قطاع غزة. في هذا السياق تجدر ملاحظة ظاهرتين: الأولى تسييس أسباب الأزمة من قبل طرفيها، بينما في البحث عن الحلول تطرح القضايا الإجرائية والعملية وفي تفصيلها يقبع "شيطان الانقسام". الثانية، إقصاء المجتمع عن السياسة فيما يتعلق بالشأن الوطني العام، بينما فيما يتعلق بإدارة الشأن الحياتي والمعيشي تستحضر السياسة بقوة وبوصفها "شماعة" تعلق عليها أسباب العجز والتقصير. غني عن القول أن هذه دينامية تعمل على تجريف المجتمع والسياسة معا وتفريغهما من مضمونهما الكفاحي (صمود المجتمع، ورشاد السياسة).

اشتملت سلة الحلول المقترحة على طائفة من الإجراءات الإدارية والسياساتية، التي من شأنها، طبقاً لمقدميها، أن تعمل على تخفيف حدة الأزمة، وأن تمهد الطريق نحو حلول أكثر استراتيجية عبر عملية تراكمية من بناء الثقة وتذليل تدريجي للعقبات. الفرضية الأساسية هنا أن الجذر الثاني للأزمة يقع في منطقة من تضارب الصلاحيات وتداخلها ما يضعف من رجاحة وقوة القرار الإداري. إعادة تشكيل مجلس إدارة شركة التوزيع وفق أسس وطنية ومهنية وبمشاركة خبراء، والفصل بينه وبين سلطة الطاقة في غزة على قاعدة تحديد صلاحيات كل الجهات ذات الصلة بما يتفق مع اختصاصاتها ونطاق تفويضها القانوني والعملي. تشكيل مجلس أعلى للطاقة، ومنح لجنة فصائلية دورا وصلاحيات مؤقتة على طريق حل الأزمة، مع تكليف لجنة مختصة من المهنيين والأكفاء لاستلام وإدارة ملف الكهرباء. التوقف عن عمل تسويات لموظفي حكومة "الأمر الواقع" أو تسديد هذه المبالغ للشركة وفصلها عما تعتبره أوساط حماس في غزة "ضرائب مفروضة على الشركة"، كما تلتزم بتسديد فاتورة استهلاك المؤسسات المحسوبة عليها بما في ذلك المساجد والمشاريع التي تديرها. قبول حكومة التوافق الوطني بخصم ضريبة البلو بنسبة 100% واحتسابها من باب "دعم صمود سكان غزة" في مواجهة الصعاب والمحن الاقتصادية والاجتماعية. وضع وإقرار خطة إستراتيجية تأخذ بعين الاعتبار حق المواطن في الحصول على الخدمات الأساسية، انتهاء عقد محطة التوليد 2020، البحث عن البدائل الخلاقة والامتناع عن تسييس هذا الملف من أي طرف. تشتمل هذه الخطة على عدد من المشاريع يجري تنفيذها حسب الأولوية والإمكانيات المتاحة. كما تتضمن إعادة الهيكلة المؤسساتية وتحديد الأدوار والمسؤوليات بوضوح مع آلية للرقابة والمتابعة.   

الأبعاد التقنية والعملياتية في الحلول المقترحة اشتملت على ما يلي: رفع كفاءة محطة التوليد عبر مد خط الغاز (المحطة مصممة للعمل على الغاز)، وإضافة مولد أو أثنين. تطوير مشاريع الطاقة البديلة والشمسية بالتعاطي مع اقتراحات "سلطة الطاقة التركية" أو تركيب محطة عائمة. إعادة تمديد الخطوط المصرية تمديداً أرضياً لتلافي الانقطاع والعمل على زيادة الكمية بحوالي 15%. تركيب عدادات مسبقة الدفع. حل مشكلة خط 161 بتوفير الضمانات البنكية. إعادة طرح موضوع "الربط الإقليمي" وتذليل العقبات التي تحول دونه. تطوير وتبديل الشبكة حتى تلائم الطاقات الجديدة.

يرى البعض أن الأزمة مرتبطة بقضيتين: الوقود والجباية. وجل الحلول المقترحة تدور حولهما. وهذا صحيح إلى حد كبير. لكن مقاربة طرفي الأزمة للحلول تنطلق من واقع اختلافهما السياسي ونظرة كل منهما للآخر وصراعهما حول "الوصاية والولاية". يقول الرئيس محمود عباس "إذا صححت حماس أخطاءها، فنحن جاهزون لتطوير ملف الكهرباء". ويطالب رئيس حكومة التوافق الوطني بتسليم حكومته مسؤولية إدارة القطاعات كافة وليس فقط تغيير مجلس إدارة الشركة وسلطة الطاقة. بدورها حماس توافق على كل المقترحات، بما في ذلك تسليم الملفات كافة شرط تطبيق كل بنود المصالحة المتفق عليها!. من الواضح تماماً أن ملف الكهرباء ولج دائرة مغلقة. يقول بعض المتابعين إن "تصريحات التسلم والتسليم ليست جادة"، وإنها "مجرد ردود أفعال على الاتهامات المتبادلة".

وعند جهينة الخبر اليقين. فقد صرح المبعوث القطري الخاص في غزة محمد العمادي، أنه يعتزم إجراء مشاورات حول  خطة لحل الأزمة، تتكون من:

-         تشكيل لجنة تقنية، غير سياسية، تكون مسؤولة عن معالجة مشكلة الطاقة في غزة. (مكونة من خبراء من غزة، ومن قطر، ومن الأمم المتحدة، وأونروا).

-         المرحلة الأولى (التدخل الفوري): معالجة مشكلة الدفع مقابل الوقود.

-         المرحلة الثانية (التدخل متوسط المدى): إجراء محادثات مع إسرائيل حول إقامة خط كهرباء 161 (طبقا للعمادي إسرائيل موافقة لكن السلطة ترفض).

-         المرحلة الثالثة (المدى الطويل): تزويد المحطة بالغاز، لزيادة إنتاج الكهرباء، (تكلفة الغاز هي خمس تكلفة الديزل الذي يُستخدم حاليا).

 

خلاصة

تدلل تجربة الفلسطينيين خلال العقدين المنصرمين، بما في ذلك إدارة ملف الكهرباء في قطاع غزة، بأن "وهم السيادة" طغى على مجمل سلوكهم. أفضى هذا الوهم إلى انبثاق أزمات وافتعال أخرى مع تلاشي القدرة على مواجهتها في ظل هيمنة "منطق الانقسام" وتنصل دولة الاحتلال من مسؤولياتها. وبالتالي، ليس غريبا والحال كذلك أن تضعف مرتكزات صمود المجتمع وتتفاقم الأزمات.

تندرج "أزمة الكهرباء"، طبقا لمصطلحات إدارة الكوارث والحد من مخاطرها، فيما يعرف بـ"الكوارث من صنع البشر" man-made، وهي في جانب كبير منها مفتعلة؛ أو قل إنها مشكلة قابلة للحل ولكن أحداً لا يريد حلها. ومن تداعيات هذه الأزمة وغيرها، أن بات الشأن الفلسطيني "قصعة" مفتوحة، يعبث بها كل راغب في النفاذ إلى قرارنا وإرادتنا، بالمال تارة وبالتهديد تارة أخرى. وللمفارقة، بينما تتعاطى دولة الاحتلال مع القضايا الاستراتيجية المرتبطة بالصراع، أتخمت أجندتنا بتفاصيل حياتنا المرهقة بحثاً عن حلول باتت شبه مستحيلة.

وإذا كانت الغاية من افتعال الأزمات أن تبقى غزة رهينة، مسلوبة الإرادة، تعيش حالة انتقالية إلى أن يتقرر مصيرها؛ فإن أزمة الكهرباء على وجه الخصوص تدفع الناس إلى اليأس والخوف من المجهول والترقب القلق. كما أنها تفقد القدرة على التركيز والاهتمام بالأولويات وتنفي شرط النمو والتقدم. وإذا كانت أزمة المعابر تحد من القدرة على التواصل والانفتاح، وأزمة المياه تجعل من غزة مكانا غير قابل للحياة فيه، فإن أزمة الكهرباء تفاقم من كل هذه الأزمات لتجعلها، مجتمعة، أداة فعالة في تقويض ما تبقى من ركائز الصمود والقدرة على المواجهة.

لا ينحاز هذا التقرير إلى طرف على حساب طرف، فهذا لعمري من باب الترف، ففي نهاية المطاف، قليل من الإرادة كفيل بأن يجنب مليونين من الفلسطينيين عذابات لا مبرر لها مهما كانت حجج وذرائع من لهم الولاية بفعل الواقع والوصاية بحكم القانون. ويرى معد التقرير وجاهة وحكمة في كل الاقتراحات المقدمة، ولكن ما ينقصها جميعا الإرادة التي تحولها إلى واقع، خطط وإجراءات، قبل أن يأتي زمان نقول فيه: لقد فات الأوان! أي حين تتحقق الغاية التي اُفتعلت كل أزماتنا من أجلها، أي دفعنا دفعا نحو القبول بالحل الإقليمي.    

 

 

الهوامش:


[*] باحث وكاتب سياسي/غزة.


[1]تأسست الشركة الفلسطينية للكهرباء في العام 1999 وفقاً للقوانين الفلسطينية، وذلك بهدف إنشاء محطات لتوليد الكهرباء في مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية. الفلسطينية للكهرباء تعتبر شركة مساهمة عامة، يمتلك المساهمون من الجمهور نسبة 33% ويمتلك المساهمون 67%. تأسست شركة غزة لتوليد الكهرباء (الشركة التابعة) كذراع لتشغيل محطات توليد الكهرباء برأسمال 60 مليون دولار أميركي. الشركة الفلسطينية للكهرباء تمتلك شركة غزة لتوليد الكهرباء والتي تعتبر المزود الفلسطيني الوحيد للكهرباء في غزة حسب الاتفاقيات الموقعة.

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website