من النكبة إلى السلطة سيرة عبد الله الإفرنجي في كتاب - مراجعة محمود اللبدي - عدد 248

من النكبة إلى السلطة

سيرة عبد الله الإفرنجي في كتاب

 مراجعة: محمود اللبدي·

عبد الله الافرنجي، حياتي من أجل فلسطين Mein Leben fuer Palaestina - Hinter den Kulissen der Nahost Politik، الناشر: هاينه (ميونخ – ألمانيا)Wilhelm Heine Verlag, Muenchen 2011

432p.

في سرد شيق يوثق الكاتب عبد الله الإفرنجي، على مدى 432 صفحة تشكّل قوام كتابه "حياتي من أجل فلسطين" الصادر نهاية عام 2011 عن دار النشر الألمانية "هاينة"، سيرته الذاتية بدءاً من مرحلة الطفولة، مروراً بمرحلة الشباب، وصولاً إلى مرحلة الكهولة والنضوج.

يرصد الكاتب المحطات والمنعطفات التاريخية الحاسمة في مسار الحركة الوطنية الفلسطينية من خلال سرد وقائع الأوديسة الفلسطينية منذ اللجوء في عام النكبة، وما سبقه بقليل، حيث كانت تعيش عائلة الكاتب الإفرنجي في بئر السبع، ثم لجأت إلى غزة، ولم يكن الطفل عبد الله قد تخطّى الخامسة من عمره.

تنتمي عائلة الإفرنجي، التي تحمل اسما غريبا نوعا ما بالنسبة لعائلة بدوية، تنتمي إلى فخذ "الحكوك" من "عشيرة التياها" التي ضربت جذورها ومضاربها في منطقة الصحراء الجنوبية من فلسطين منذ زمن بعيد. أما والده الشيخ حسن فكان شيخ عشيرته وقائدها وأحد قادة عشيرة التياها الكبرى.

يتحدث السفير عبد الله في كتابه عن فترة طفولته القصيرة في بئر السبع وعن مشاركة والده وأعمامه في الكفاح الوطني الفلسطيني ضد العصابات الصهيونية حيث استشهد عمه في إحدى الصدامات المسلحة مع فرق الإرهاب الصهيوني التي نشطت في تلك المنطقة الصحراوية. وبعد إعلان الدولة الصهيونية على أرض فلسطين هاجرت عائلته إلى غزة حيث عانت العائلة من عذابات اللجوء والهجرة. أما الشيخ حسن المعيل الوحيد لعائلته الكبيرة فخسر قاعدته المادية والعشائرية ما اضطره للعمل كمقاول في مجال العمارة والبناء للتغلب على معاناة الهجرة واللجوء.

يروي السفير عبد الله ذكرياته في غزة إبان حرب السويس والهجوم الصهيوني على القطاع منتصف الخمسينات، والتي تركت أثرا عميقا في نفسيته كفتى لما شاهده من جثث محترقة لجنود فلسطينيين وقعت شاحنتهم العسكرية في كمين إسرائيلي. كما يروي مقتطفات من بداية الاتصالات الأولية التي تمت بين شقيقه الأكبر محمد وخليل الوزير (أبو جهاد) في منتصف الخمسينات وكيف لعب الفتى عبد الله في سن مبكّرة كمراسل بين نواة التنظيم الأولى التي تبلورت مع الوقت لتصبح الخلية التنظيمية الأولى لحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، وعن كيفية تطورها بعد ذهاب خليل الوزير في العام 1954 إلى القاهرة للتعرف على  ياسر عرفات

ثم يروي واقعة سفر أبو جهاد الوزير وشقيقه الأكبر محمد إلى السعودية للعمل كمدرسين، وسفرهما إلى الكويت في النصف الثاني من الخمسينات لمقابلة ياسر عرفات بهدف بلورة المزيد من الأفكار الثورية لتنظيم وتطوير أساليب العمل الكفاحي وتأسيس الخلية الأولى لحركة فتح والتي أصبحت تعرف فيما بعد باللجنة المركزية للحركة.

بعد إنهاء المرحلة الثانوية من دراسته في غزة سافر عبد الله الإفرنجي في العام 1963 إلى ألمانيا لمتابعة تحصيله العلمي حيث وقع اختياره على دراسة الطب. ولتجاوز العقبة اللغوية كان على الشاب عبد الله أن يتعلم اللغة الألمانية في معهد غوته ومن ثم الانتقال للدراسة في جامعة فرانكفورت. في بلدة قريبة من مدينة فرانكفورت تدعى لانغن، وجد الفتى الطموح غرفة لدى عائلة ألمانية متواضعة سكن فيها، حيث تعرف من خلالها على الصبية اليانعة ابنة البيت "بينيتا"، التي كانت ما تزال في المرحلة الإعدادية من دراستها والتي أصبحت فيما بعد رفيقة عمره وأم ولديه بشار ومنى.

بدايات التحرك السياسي الفلسطيني

شهدت أواسط الستينات بدايات التحرك الوطني الفلسطيني العلني حيث قام المناضل الجليل أحمد الشقيري  بإيعاز من الرئيس المصري جمال عبد الناصر والرسمية العربية بتأسيس منظمة التحرير الفلسطينية في العام 1964، ما فتح المجال لتحركات فلسطينية واسعة النطاق. وقد عكس ذلك نفسه، قبل كل شيء، على القطاع الشبابي والطلابي، وخصوصاً على صعيد الاتحاد العام لطلبة فلسطين الذي اتخذ من القاهرة مقراً له. وكانت رياح الثورة الفلسطينية قد وصلت إلى ألمانيا الغربية لتنتشر بين الطلبة الدارسين في تلك البلاد الناهضة من حرب عالمية طاحنة.

 في تلك المرحلة مارس الطلبة الفلسطينيون نشاطهم السياسي عبر فروع الاتحاد العام المنتشرة في الجامعات الألمانية المتنوعة، فكان من الطبيعي أن ينخرط الطالب عبد الله في صفوف الاتحاد لعام لطلبة فلسطين في ألمانيا، وأن يصبح من قيادات الاتحاد وكوادره الأساسية، خصوصا وأنه يحمل بين جوانحه معاناة الهجرة وذكريات حرب السويس واجتياح قطاع غزة.

 قبل إعلان تأسيس حركة فتح في مطلع العام 1965 كان عبد الله قد عايش بدايات حركة فتح ونشأتها منذ 1960، حيث أصبح عبد الله من أوائل المنخرطين في صفوفها، وكان ينقل رسالة فتح إلى الرفاق الأكبر سنا من الذين تقدّموا عليه وعياً وخبرة وخصوصاً إلى هايل عبد الحميد وهاني الحسن، وهو الذي عرّفهم بدوره على أبو جهاد. فعملوا معاً على توسيع دائرة التنظيم الفتحاوي بين صفوف الطلبة الفلسطينيين المتواجدين على الساحة الألمانية، كما توسعت دائرة العمل التنظيمي الفتحاوي لتشمل القطاع العمالي الوافد إلي ألمانيا سعيا وراء الرزق في بلد ناشئ عاش نهضة اقتصادية مزدهرة، سمحت باستيعاب المزيد من الأيدي العاملة الأجنبية.

تجربة النزول إلى الوطن

اندلعت حرب النكسة في حزيران/ يونيو عام 1967 ووقع ما تبقّى من أراضٍ فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة في براثن الاحتلال، مما فرض معطيات جديدة على أرض الواقع. وأدت النكسة إلى تنشيط دائرة العمل الطلابي الفلسطيني في إطار الاتحاد العام لطلبة فلسطين والتنظيم الفتحاوي السري على حد سواء. كما دفع ذلك ببعض الكوادر الطلائعية للتنظيم الحديث إلى تبني فكرة النزول إلى أرض الوطن المحتل لممارسة المقاومة الشعبية ضد الاحتلال. وكان عبد الله من أوائل الكوادر الفتحاويّين المقدامين الذين ذهبوا إلى الجزائر لتلقي التدريب العسكري مع بعض الرفاق المذكورين في كتابه زهير وعدنان وغازي وآخرين. وبعد تلقي التدريبات الكافية التي أشرف عليها خليل الوزير (أبو جهاد)  سافر الشباب إلى دمشق ومن ثم إلى الأردن للعبور إلى الضفة الغربية لواد الأردن. لم يُكتب لتلك التجربة العسكرية الرائدة النجاح بسبب قلة الخبرة وقلة التدريب وانعدام المعرفة بتضاريس الأرض وجغرافيتها وغياب الخطة الواضحة. ومن أهم العوامل التي أدت إلى فشل البعثة الطلائعية هو نزول هؤلاء الشباب ضيوفاً على أهلهم وقراهم مما أدى إلى افتضاح أمرهم وكشف نواياهم، فكان مصيرهم الوقوع السهل في قبضة الاحتلال.

لم تطُل إقامة المعتقلين الشباب في الأسر الإسرائيلي باستثناء غازي الذي أنكر شخصيته مصرّا على أنه ينتمي إلى عائلة "أبو عيّاش"، وليس إلى عائلة الشهيد البطل عبد القادر الحسيني، ما أدى إلى إطالة مدة اعتقاله لخمسة أشهر.

بعد عودة الأسير المحرّر عبد الله من سجنه تابع نشاطه السياسي في إطار الاتحاد العام لطلبة فلسطين، حيث انتخب رئيساً لسكرتارية التنسيق لفروع الاتحاد العام لطلبة فلسطين في ألمانيا والنمسا مستأنفا بذلك نشاطه السياسي والطلابي في مواجهة النشاط الإسرائيلي المعادي الذي تصدّره في تلك المرحلة السفير الإسرائيلي المعتمد لدى العاصمة الألمانية الاتحادية بون "آشر بن ناثان"، والذي قام بحملة دعائية عبر إلقاء محاضرات عدة في الجامعات الألمانية دفاعاً عن الاحتلال الإسرائيلي وسياسة الاحتلال. في تلك المرحلة هبّ الطلبة الفلسطينيون والعرب للتصدي للسفير وإفشال  تحركاته الدعائية، فكان عبد الله على رأس التحركات التي تحولت إلى صدامات واشتباكات بالأيدي. وفي خضم تلك الأجواء دبّر له بعض البلطجية التابعين للسفارة الإسرائيلية عملية اعتداء أدّت إلى ضربه بالهراوات على رأسه، نقل إثرها إلى المستشفى وهو في حالة يرثى لها.

بعد تماثله للشفاء، تابع عبد الله نشاطه السياسي في إطار الاتحاد العام لطلبة فلسطين دون تردّد أو تقاعس، ما رفع من شأنه لدى القيادة المتواجدة في سوريا والأردن. في تلك المرحلة ونتيجة للمدّ السياسي والجماهيري الناتج عن معركة الكرامة، وبشكل خاص في الأردن وصعود حركة فتح برئاسة ياسر عرفات إلى سدة القيادة في منظمة التحرير الفلسطينية واعتبار م. ت. ف. ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني بدأت مرحلة جديدة من العمل الوطني الفلسطيني عربياً ودولياً.

عملية ميونخ 1972

بعد تسلّم حركة فتح مقاليد الأمور في منظمة التحرير بدأت مرحلة من الانفتاح العربي على القضية الفلسطينية أدت إلى انتداب المناضل الطلابي في نهاية العام 1969 كأول مندوب إعلامي لفلسطين في مكتب الجامعة العربية في مدينة بون. أحدث هذا الانتداب انقلابا حاسما في حياة عبد الله الشخصية ومساره المهني الذي تحوّل عن دراسة الطب لكي يكرّس حياته كلها للعمل الوطني وليتفرغ بشكل كامل للكفاح من أجل قضيته العادلة. بعد الصراع الدموي في الأردن وما لحق بالحركة الجماهيرية في تلك المرحلة من تراجع، سادت حقبة من الانتقام أدت إلى تأسيس حركة سرية أطلقت على نفسها اسم "أيلول الأسود"، وهي المنظمة الفدائية التي قامت بتنفيذ عملية ميونخ ضد مقر المنتخب الأولمبي الإسرائيلي في العام 1972.

أثارت هذه العملية غضب الحكومة الألمانية ما أدى إلى طرد مجموعة من الطلبة والعمال الفلسطينيين الناشطين من ألمانيا الغربية، في ذلك الوقت. وكان عبد الله من بين الشباب الذين طردوا من ألمانيا دون أن يكون لهم أي صلة بالعملية، إلا أن الحالة الهستيرية التي سببتها عملية ميونخ لدى السلطات الألمانية دفعت وزير الداخلية في ذاك الوقت السيد هانس ديترش غنشر إلى اتخاذ قرار تعسفي بطرد وإبعاد من لا ذنب لهم، وهذا ما أدى إلى فقدان العشرات من الطلبة لمقاعدهم الدراسية. كذلك فقَد المئات من العمال الفلسطينيين مصدر رزقهم. أما المنتدب الإعلامي عبد الله فقد خسر موقعه في الجامعة العربية. فعاد إلى دمشق لمقابلة القيادة الفلسطينية والتي أوفدته مباشرة إلى الجزائر ليشغل منصب نائب للسفير الفلسطيني أبو خليل وافي في العاصمة الجزائرية. وهناك تعرض عبد الله والسفير أحمد وافي إلى انفجار طرد بريدي مفخخ مرسل من جهات إسرائيلية، أدى إلى إصابة أبو خليل بجروح بليغة أفقدته الجزء الأكبر من سمعه وبصره، أما عبد الله فقد نجا بأعجوبة وبإصابات وجروح طفيفة في وجهه ويديه.

لم تتوقف الزوجة الوفية "بينيتا" عن المطالبة بعودة زوجها المظلوم إلى حضن عائلته الدافئ، إذ كان لها الدور الأكبر في عودته إلى قواعده سالما. فهي لم تتوقف عن المتابعة لدى السلطات الألمانية برفع دعوى ضد الإبعاد التعسفي لزوجها الذي لم يكن له أي ضلع في عملية ميونخ، ولم يكن على علم بها. بعد مد وجزر وطول مماطلة كسبت "بينيتا" القضية لدى المحاكم الألمانية ما مكنه بعد غياب عامين من مد وجزر، أي في أيلول عام 1974 من العودة إلى موقعه وقواعده وبيته. فأعدّت له زوجته وعائلته بشار ومنى وأصدقاؤه استقبالا حافلا في مطار فرانكفورت. وبذلك عاد المبعد عبد الله إلى ألمانيا لكي يستعيد موقعه في مكتب الجامعة العربية في بون، ثم ليستأنف نشاطه السياسي بزخم أكبر من السابق.

شهدت نهاية العام 1974 منعطفا تاريخيا في مسار القضية الفلسطينية، والتي حملت بين طياتها الحدث الأبرز الذي تمثّل بالخطاب التاريخي للزعيم ياسر عرفات في الأمم المتحدة حاملا للعالم رسالته النضالية التي رفع فيها شعار "البندقية وغصن الزيتون"، ممّا فتح الباب على مصراعيه أمام انفتاح دولي أوسع على القضية الفلسطينية.  

الخطاب العربي لا يصلح

من خلال نشاطه المتواصل، سياسيا وإعلاميا، اكتشف السفير عبد الله الإفرنجي أنّ الخطاب العربي والفلسطيني لا يصلح لمخاطبة الرأي العام الأوروبي والألماني بشكل خاص، فهو خطاب عاطفي لا يقوم على العقل والمنطق. ويقول الكاتب "إنّ الشعراء والكتّاب العرب يكتبون بطريقة عاطفية، ربما لبعث الأمل لدى الشعب الفلسطيني المنكوب، ولكن هذه الطريقة لا توصل الرسالة الفلسطينية إلى الشعب الألماني، إلا أن هذا ينطبق على الخطباء مثل أبو إياد وأبو السعيد وكذلك على ياسر عرفات. ويقول أنّ أبو جهاد ربما كان أكثر قدرة على الإقناع من الآخرين، غير أنّ استعمال الشعارات الرنانة والكبيرة لا يفي بالغرض المطلوب. وهذا ما اضطر السفير عبد الله  إلى تغيير خطابه السياسي الذي كان يستعمله في المراحل الأولى في فرانكفورت والذي تميز بالخطاب التصويري والتكراري. خطاب كهذا لا يوصل الرسالة الفلسطينية المطلوبة إلى أوساط الطلبة. إلا أنه تعلّم مع الوقت أن يكبح  جماح عواطفه وخطابه الساخن وخصوصا عندما بدأ عملية مراقبة دقيقة لخطابه السياسي والإعلامي. ومع الوقت طوّر خطابا يقوم على ضبط النفس وعلى مراقبة دقيقة لردود فعل المستمعين وحركات وجوههم وانفعالاتهم. وهذا ما ساعد على التنازل عن الأسلوب الحماسي والعاطفي، ولكن دون التنازل عن جوهر الخطاب ومحتوياته. هذا الأسلوب الهادئ في الحوار أفاد السفير عبد الله كثيرا في محاضراته اللاحقة عن فلسطين، وفي حواراته اللاحقة مع الأوساط الألمانية المختلفة."

ويقول عبد الله في معرض سرده عن هذا الموضوع: "... إلا أن هذا الأسلوب كان قد غاب عن ذهني في خضم الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982 عندما بثت الإذاعة الإسرائيلية خبراً يقول إنّ الفلسطينيين قد استسلموا، فنسيت نفسي عندما سألتني الإذاعة الألمانية عن رد فعلي حول هذا النبأ مباشرة على الهواء فقلت بانفعال: "إذا كان الإسرائيليون يريدون الحرب، فنحن لها، وسنخوض هذه الحرب حتى نهاية مريرة وسيرى الإسرائيليون أياما سوداء".

بعد هذه التصريحات النارية بقليل رن عندي جرس الهاتف، وكان على الطرف الآخر الوزير هانس يورغن فشنفسكي المعروف بـ"بن فيش" يطلب مني احتساء فنجان من القهوة معه، فذهبت لمقابلته في الوزارة حسب الموعد. فخاطبني بشكل مباشر قائلا: "عبد الله... أنت أعطيت مقابلة إذاعية هذا اليوم، وقد سمعتها... أنت تخطيت بذلك كل الحدود... عليك أن تتمالك نفسك وتتماسك... فالألمان لا يحبّون هذه اللهجة، وحتى لو كنتم عسكريا أقوياء كما تقول، فلا داعي للصراخ  بذلك للملأ... ولكنكم لستم كذلك... أنتم في وضع سيء... وبصراخك للحرب فإنك تخسر تعاطف مستمعيك الألمان.... وكذلك سمعت نفس الملاحظات من زوجتي "بينيتا". وهنا يعترف عبد الله بكل بشجاعة أن كليهما كانا على حق".. وفي نهاية هذه الفقرة يقول الكاتب أنه "إذا كان قد اكتسب جمالية التعبير من اللغة العربية، إلا أن القدرة على الموضوعية فقد تعلمها  من ثقافته الألمانية."

العمل مع الصحافة

يرسم السفير عبد الله الإفرنجي خط سيره السياسي باعتباره نقطة لقاء تربط بين الحضارة الشرقية والغربية وكجسر يربط بين الحضارات التي تلتقي وتتباعد عبر مراحل التاريخ. ومن خلال عمله كسفير لبلده المحتل عمل عبد الله على كسب الرأي العام الألماني لصالح قضيته العادلة وقضية شعبه المعذب عبر مشاركته في العديد من اللقاءات الرسمية والشعبية وإلقاء المحاضرات السياسية لتقريب المجتمع الألماني من القضية الفلسطينية التي واجهت العديد من المعيقات بسبب ما تعانيه ألمانيا وشعبها من رواسب المحرقة النازية (الهولوكوست) التي اقترفها النازيون الألمان بحق اليهود إبان الحرب العالمية الثانية. وما زالت ألمانيا تعاني من عقدة ذنب تجاه إسرائيل واليهود حتى يومنا هذا.

ومع ذلك استطاع المبعوث الفلسطيني عبد الله الإفرنجي أن يقيم علاقات وطيدة مع القطاع الصحافي والإعلامي الألماني عملا على كسب الرأي العام الألماني لصالح فلسطين، أو لتحييد تعاطفه المطلق مع إسرائيل وعدوانها. فأقام علاقات صداقة مع كبار الصحافيّين الألمان أمثال غيرهارد كونتسلمان، وأولريش كينتسله من القناة الأولىARD  وكذلك مع أولريش متلتسكي من القناة الثانية ZDF‘ ونسج علاقات متينة مع الصحافي الشهير بيتر شول لا تور الذي كان على دراية كبيرة بالصراع العربي الإسرائيلي... وغيرهم الكثيرين... وأثناء إقامته الطويلة في ألمانيا أجرى السفير المفوض المئات من المقابلات الصحافية، كما شارك في الآلاف من المناسبات العلنية ذات الطابع الإعلامي للدفاع عن القضية الفلسطينية حيث عرف بفصاحة اللسان ورصانة المنطق، كما أصبحت له شعبية واسعة بين صفوف الشعب الألماني.

وإذا كان قد حقق نجاحا في الأوساط الصحافية والإعلامية بشكل عام، إلا أنه واجه صعوبات جمة مع الصحافة الألمانية المعادية والتابعة لمؤسسة شبرنغر الإعلامية (Springer-Presse) المعروفة بتحيزها المطلق لإسرائيل ومشاريعها العدوانية والتوسعية على حساب الفلسطينيين، وبعدائها المطلق للقضية الفلسطينية وممثلها في بون عبد الله الإفرنجي.

تركزت مهمة المبعوث الفلسطيني على دحض الحجج الصهيونية التي اتهمت الفلسطينيين دوما بالإرهاب بهدف تجريدهم من شرعية مقاومتهم ضد الاحتلال الإسرائيلي. كما اتهمت الفلسطينيين والعرب بنيتهم "رمي اليهود في البحر" مما يجعل إسرائيل دوما في دور الضحية المدافعة عن نفسها أمام قوى الشر المتمثل بالفلسطينيين. أما إسرائيل فتقدم نفسها دوما على أنها المسكينة المحاطة بالأعداء الذين ينوون بها شرا، والمكافحة أبدا من أجل البقاء والعيش. وهو أسلوب معروف من أساليب الدعاية الصهيونية المتنوعة مثل الاستعطاف ولعب دور الضحية والابتزاز من خلال الترويج للمحرقة وكأنها حدثت بالأمس القريب بهدف التغطية على جرائمها ضد الشعب الفلسطيني، ومن أجل تحويل الأنظار عن الاحتلال الإسرائيلي الظالم  الذي ما زال جاثما على صدور الفلسطينيين منذ عقود.     

العلاقة مع الوسط السياسي

خلال عمله الطويل في مجال السياسة في جمهورية ألمانيا الاتحادية تابع السفير عبد الله  التطورات السياسية في فلسطين ومرحلة ما بعد بيروت والانتشار الفلسطيني في الدول العربية، وقد تم انتخابه لعضوية اللجنة المركزية لحركة فتح في العام 1989. كما عايش التطورات على الساحة الألمانية وسقوط دول المنظومة الاشتراكية والاتحاد السوفياتي ما أدى إلى سقوط جدار برلين وإعادة توحيد ألمانيا. وهذا ما ساعد السفير المفوض عبد الله الإفرنجي على اختراق الحواجز وإقامة علاقات صداقة مع كبار رجال الدولة في ألمانيا من اليمين إلى اليسار، أمثال وزير التعاون الدولي السابق هانس يورغن فشنفسكي من الحزب الاشتراكي الديمقراطي SPD المعروف بلقب "بن فيش" الذي نسج علاقات ودية وطيدة  مع الرئيس أبو عمار ساعده في ذلك السفير المفوض عبد الله الإفرنجي، كما ربطته علاقات صداقة مع زعيم حزب الأحرار السابق يورغن مولمان من حزب الأحرار الوسطي FDP، وكذلك مع الزعيم اليميني من الحزب الاشتراكي المسيحي فرانس- جوزف شتراوس CSU. كما أقام علاقات ودية مع رؤساء الدولة مثل الرئيس يوهانس راو، وكذلك مع وزراء خارجية سابقين مثل زعيم حزب الخضر يوشكا فشر. ويحمل الكتاب صورا للسفير عبد الله الإفرنجي مع الرئيس أبو عمار أثناء زياراته المتكررة إلى ألمانيا بترتيب من السفير المفوض تشير إلى لقاءات ناجحة مع زعماء ألمان بارزين لا يمكن تجاهلهم في التاريخ الحديث لجمهورية ألمانيا الاتحادية في مرحلة ما بعد النازية أمثال المستشار فيلي برانت زعيم الحزب الاشتراكي وهلموت شميت أحد أبرز المستشارين لجمهورية ألمانيا الاتحادية..

كما يبرز الكتاب صورا للرئيس أبو عمار مع زعيم حزب الأحرار وزير الداخلية السابق هانس ديتريش غنشر وكذلك لقاء القائد الرمز أبو عمار مع الجالية اليهودية في ألمانيا.

الدعم الألماني لفلسطين

منذ اللحظة الأولى سارعت ألمانيا بمد يد العون للسلطة الوطنية بعد اتفاقات أوسلو، ولم يكن السفير الفلسطيني بعيدا عن ذلك. لم تتأخر الوفود الألمانية عن الحجيج إلى قطاع غزة لمقابلة زعيم السلام الرئيس عرفات والتباحث معه حول كيفية تقديم الدعم الألماني للسلطة الوليدة ما أسعد أبو عمار وأثلج صدره. كما سارعت ألمانيا بفتح مكتب تمثيلي لها في غزة بغية تنسيق الدعم وتوجيهه حسبما تقتضيه الحاجة الفلسطينية. فكان الفضل لألمانيا في طباعة الدفعة الأولى من الجواز الفلسطيني في العام 1996 والمكونة من مليون ونصف المليون نسخة من وثيقة السفر الفلسطينية الأولى، وكان ذلك بالتنسيق مع السفير المفوض عبد الله الذي أشرف على طباعته وشحنه إلى غزة، كما قام الألمان في نفس الفترة بطباعة الطوابع البريدية الفلسطينية الأولى.

في نفس الفترة، تحولت غزة إلى ورشة عمل ومشاريع عمرانية مولتها ألمانيا ودول أخرى، وكان الرئيس أبو عمار يزور تلك المشاريع، معرباً عن سعادته بأن عجلة السلام قد تحركت وأن الأمل بالحياة الحرة الكريمة قد عاد يدغدغ مشاعر الفلسطينيين. إلا أن ذاك الاندفاع نحو السلام والعمران قد تراجع باغتيال رئيس الوزراء إسحق رابين على يد متطرفين يهود في النصف الأول من نوفمبر 1995، وصعود اليمين المتطرف للحكم في إسرائيل بقيادة باراك وشارون ومن ثم نتانياهو وليبرمان.

لم يتوقف الدعم الألماني للسلطة، فأصبحت ألمانيا من أهم الدول المانحة التي ساعدت وما تزال تساعد في تعزيز البنية التحتية للأراضي الفلسطينية وخصوصا في مجال المياه والمياه العادمة والصرف الصحي والنفايات الصلبة. كما قدمت ألمانيا الدعم لبناء مؤسسات السلطة وتدريب كوادرها في مجالات متعددة. وما تزال ألمانيا تقدم الدعم للفلسطينيين حتى بعد رحيل الزعيم الخالد ياسر عرفات وصعود الرئيس أبو مازن لسدة الرئاسة في السلطة الوطنية الفلسطينية.

جسر للتفاهم بين الحضارات  

يسلط السفير المفوض عبد الله الإفرنجي، في كتابه، ضوءا على المكانة التي يرى نفسه فيها، وخصوصا بين شعبه الفلسطيني المعذب الذي ينتمي إليه قلبا وروحا وبين الشعب الألماني الذي انخرط  فيه وترعرع بين ظهرانيه واقتبس عنه العلم وأثار إعجابه. فقد تعلم من الشعب الألماني لغة العقل والمنطق، متغلبا بذلك على لغة القلب والعاطفة، فأصبحت له نظرة مغايرة أو نقدية للحال العربي والواقع الفلسطيني. الأمر الذي أعانه على تعديل نظرته لطريقة الحكم داخل أجهزة منظمة التحرير ونظامها السياسي والإداري القائم على نظام أبوي يعتمد على مبدأ الولاء الشخصي أو العشائري وليس على مبدأ الكفاءة وحسن الأداء والإخلاص للوطن والقضية. وهكذا، أصبح الإفرنجي يميل إلى النظام الديمقراطي القائم على انتخابات حرة ونزيهة تجري على فترات محددة بهدف تغيير النخب الحاكمة وضخ دماء فتية وعناصر جديدة لإدارة دفة الأمور. وتأتي هذه النظرة الثاقبة، كما يشير في نهاية كتابه، نتيجة الإخفاقات التي لحقت بالقضية الفلسطينية على مر العقود الماضية.

في محاولة جادة يتوجه الكاتب في كتابه إلى القارئ الألماني ملتمسا تفهم قضيته العادلة التي كرس حياته من أجلها وعايش مراحلها الأليمة منذ نعومة أظفاره مروراً بمرحلة الشباب وعذاباته، وصولاً إلى سن الكهولة الذي دخل فيه الآن.

إنه كتاب غني بالمعلومات والأحداث والوقائع التي تروي حكاية شعب ومسيرته الطويلة على درب الجلجلة دون أن يصل النهاية السعيدة. إنه كتاب غني بالأحداث والتحليلات القيمة المصاغة بحكمة وقدرة على التشويق من شأنه إثراء المكتبة الألمانية، وخصوصا إذا ما وضع في المكتبات الألمانية في مواجهة الكتب العديدة الصادرة باللغة الألمانية لصالح إسرائيل.      

·كاتب واعلامي مقيم في رام الله

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website