المتغيرات في الشرق الأوسط، وأثرها على مسار الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، جورج جقمان، العدد 267

المتغيرات في الشرق الأوسط، وأثرها على مسار الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي

 

د. جورج جقمان[*]

 

كثر الحديث في وسائل الإعلام الفلسطينية خلال الأعوام الثلاث الماضية، عن تحول القضية الفلسطينية إلى قضية هامشية، في خضم الصراعات التي شهدتها المنطقة خاصة في سوريا واليمن والعراق وليبيا، مضافاً إلى ذلك الهجرة الداخلية والخارجية لعدة ملايين من العرب الهاربين من اتون الصراعات الدامية والقتل العشوائي. واستنتج البعض أيضا أنه، في غمرة هذه المآسي والمعاناة الكبيرة، اضمحلت أهمية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي الذي لم يعد أولوية على الصعيد العالمي أو حتى العربي.

ولا شك أن الناظر إلى سطح هذا المشهد لا بد أن يرى أن تزاحم الأولويات بسبب المشهد المأساوي الذي لم ترَ المنطقة مثله لعقود خلت، لم يترك حيزا كبيرا للاهتمام بالقضية الفلسطينية التي كانت حتى في أحوال أفضل عبئاً على "الأشقاء" العرب وعلى آخرين أيضا. لكن وبالرغم من ذلك، يجب الالتفات إلى عاملين اثنين يتركان أثرا ويعدلان هذا المشهد بدرجة ما تمكننا من رؤية هذا الوضع بشكل مختلف، وتمكننا من توقع ما إذا كان سيستمر كما هو أم لا وتحت أي ظرف قد يتغير؟.

العامل الأول هو أن انتصار الجمهور العربي لقضية فلسطين كان في الغالب يتزامن ويترافق مع ما يحصل في فلسطين، ومن ثم، وتبعا لذلك، اهتمام الحكومات العربية بالموضوع. وقد كان هذا الاهتمام في معظم الأوقات يأتي ردّ فعل لما يحصل في فلسطين. فالجمهور العربي لم يكن مبادرا للانتصار لفلسطين أو التظاهر تأييدا إلا إذا كان حدث ما يحصل فيها، خاصة إن كان على درجة معينة من الأهمية يتعدى نطاق ما هو يومي من اعتقالات ومداهمات أو حتى هدم منازل وأعمال تنكيل أخرى، خاصة إذا أصبحت ذات طابع يومي أو شبه يومي روتيني. ولم يحصل شيء في فلسطين خلال الأعوام القليلة الماضية يستدعي ذلك، خاصة إن أخذ بعين الاعتبار إلحاح القضايا الداخلية في معظم الدول العربية، ووجود مآس ونوازل فاجعة حلّت بعدد من البلدان العربية الأمر الذي يستلزم أحداثا لها أهمية خاصة حتى يتم الالتفات إليها من قبل الجمهور العربي العام. وإذا كان الوضع غير مشتعل في فلسطين، فإن الجمهور العربي ليس ملكياً أكثر من الملك!!

أما العامل الثاني، فيكمن في أنه على الصعيد الدولي لم يتم نسيان القضية بدليل التفات مجلس الأمن لموضوع الاستيطان وإصداره قراراً بخصوص الموضوع في شهر كانون الثاني (يناير) 2017. ولعل من المفارقة أن هذا القرار يأتي ليس بفعل ما قام به الجانب الفلسطيني، وإنما كرد فعل على ما قامت به إسرائيل من توسيع نطاق سرقة الأرض الفلسطينية وترخيص مستوطنات جديدة، الأمر الذي بدا وكأنه قد أنهى حل الدولتين الذي تؤيده الدول الأعضاء في مجلس الأمن.

أقول من المفارقة لأن مسؤولية إبقاء القضية على جدول الأعمال العربي والدولي تقع أساسا على الجانب الفلسطيني الرسمي، على القيادة التي يجب أن تقود، وليس على الجمهور الفلسطيني أو على "المجتمع الدولي" الذي أسوة بالجمهور العربي يتفاعل كرد فعل على الأحداث، إلا إذا أثّرت الأحداث على مصالحه أو مواقفه كما هو الحال بالنسبة لقرار مجلس الأمن رقم 2334. فالموضوع الأساسي إذاً يتعلق بما فعله الجانب الفلسطيني الرسمي خلال الأعوام الماضية أو لم يفعله، ليبقي القضية غير منسية، إلا إذا تفطن لها مجلس الأمن بسبب مصالحه وبفعل مبادرات لقضم الأرض وإنهاء الحل المنشود فلسطينيا ودوليا قام بها الجانب الإسرائيلي.

وقد يظهر هنا أن ما لم يقم به الجانب الفلسطيني، والذي كان من الممكن أن يترك أثراً إقليمياً ودولياً، يتمثل بالامتثال للمطالبات الفلسطينية المجتمعية المتكررة لرأب الصدع وإتمام المصالحة بين الضفة وغزة، وأن هذا أضعف الإيمان وكخطوة أولى تتبعها خطوات أخرى يرجى منها إبقاء فلسطين على جدول الأعمال العربي والدولي. هذا خاصة أن الطرف الإسرائيلي يستخدم الانقسام إعلاميا للقول إنه لا يوجد طرف فلسطيني يمثل جميع الفلسطينيين للتفاوض معه، مضافاً إليه الفراغ السياسي الناجم عن عدم وجود "حراك" تفاوضي أو ميداني والذي هو أحد الأسباب الرئيسية لعدم الاهتمام النسبي بالقضية في هذين السياقين، وإيلاء الاهتمام الأكبر لما يحصل في دول عربية أخرى.

وبالرغم من وجاهة مطلب إنهاء الانقسام، سأحاجج هنا أن هذا ليس هو السبب الرئيسي لهذا الوضع وأن أمراً آخر يحتل أولوية أكبر، هو أيضا أسبق منطقياً على إنهاء الانقسام، وأن هذا هو السبب في الشلل السياسي الفلسطيني الحالي والسبب الرئيسي في الخفوت النسبي في الاهتمام بالوضع في فلسطين إضافة للوضع المأساوي في عدد من الدول العربية المنكوبة.

ولإيضاح ما أقصد بكون أمر آخر أسبق منطقياً على إنهاء الانقسام، أثير ابتداء السؤال عما هو المقصود بهذا الإنهاء. وإذا كان المقصود هو ما هو متفق عليه في آخر اتفاقيات القاهرة، أي اتفاقية عام 2011، فمن الجلي أنه يجب أن يسبقها تصور مفصل وخطة عمل مدروسة تتعلق بما يمكن عمله بعد تنفيذ بنودها لما في ذلك من تبعات جدية مرئية قد تكون في الواقع هي السبب الذي يقف وراء عدم تنفيذها. في كل الأحوال، هذا هو الأمر الأساسي الذي يجب أن يسبق تنفيذ اتفاق القاهرة.

ولتبيان التبعات الجدية لتنفيذ هذا الاتفاق، الأمر الذي يستلزم وضع خطة لما بعد تنفيذ اتفاق القاهرة بسبب هذه التبعات، لنتصور مسعى تنفيذ ثلاثة بنود أساسية في اتفاق القاهرة وما قد ينجم عن ذلك:

الأول، إصلاح مجالس منظمة التحرير الفلسطينية: لنفترض أنه تم الاتفاق على انضمام حماس وربما الجهاد أيضا إلى المجلس الوطني الفلسطيني، وتم حل القضايا المتعلقة بكيفية إجراء الانتخابات في الدول التي فيها تجمعات فلسطينية رئيسية، وتم التوافق على نسب التمثيل في الأماكن التي يتعذر فيها إجراء انتخابات. ماذا سيحصل بعد ذلك؟ من المرجح، بل من شبه المضمون أن إسرائيل والكونغرس الأميركي وربما إدارة الرئيس ترمب أيضا ستعتبر أن منظمة التحرير عادت لتكون منظمة "إرهابية". ومن المرجح إغلاق مكتب المنظمة في واشنطن أو حتى سحب الاعتراف بالمنظمة كممثل للشعب الفلسطيني. بل المرجح أيضا أن الضغوطات ستنهال على الجانب الفلسطيني كي لا يتم تنفيذ الاتفاقية حتى لو وقعت، كما حصل في السابق مع التوصل إلى اتفاقية القاهرة التي تمت في العام 2011.

ولتبيان أن هذه ليست افتراضات دون سوابق، أشير إلى التقرير الذي صدر في العام 2012 عن لجنة فرعية لمجلس النواب الأميركي بعد عقد جلسات "استماع" لعدد من مؤيدي إسرائيل المتحاملين على السلطة الفلسطينية حول الفساد في السلطة. ولا يمكن أن يكون محض مصادفة أن هذا التقرير أعد دون أي ارتباط باتفاقية القاهرة وأنه لا يهدف إلى الضغط من أجل عدم تنفيذها**.

الثاني، دمج الأجهزة الأمنية في الضفة والقطاع: من غير الواضح أن إسرائيل ستسمح بهذا، ولو افترضنا أن حماس قامت بتنسيب مجموعة من الأسماء لهذا الغرض، من المرجح أنه سيتم اعتقالهم وإفشال هذا المسعى عاجلا أو آجلا.

الثالث، إجراء الانتخابات النيابية والرئاسية في الضفة والقطاع: هنا أيضا من المتوقع أن تقوم إسرائيل باعتقال مرشحي حماس في الضفة، وهذا ما قامت به فعلا قبل وبعد انتخابات العام 2006. إضافة إلى أنه، لا يوجد أي ضمانة أنه سيتم السماح لأهل القدس بالمشاركة في الانتخابات كما تم سابقا خاصة بوجود حكومة متطرفة يقوم معظم أعضائها بالمزايدة على بعضهم البعض وعلى رئيس الحكومة في التطرف. ومن غير الواضح أنه يمكن عقد الانتخابات دون مشاركة أهل القدس لأن لهذا أبعاداً سلبية واضحة.

ماذا تبقى إذاً من البنود الرئيسية لاتفاق القاهرة الذي يحدد عناصر إنهاء الانقسام؟ تشكيل حكومة مشتركة وتشكيل لجان للمتابعة؟ بالنسبة للحكومة الواحدة للضفة وللقطاع، حيث أن وجود حكومتين هو من أبرز مظاهر الانقسام، هذا سيبقى متعذرا في غياب انتخابات نيابية جديدة تتشكل الحكومة بناء على نتائجها. ولن تقبل حماس غير ذلك كأساس لشرعية الحكومة، لأن تخليها عن الحكم دون ذلك سيكون من منظورها تخلياً لصالح "الضفة" أو فتح تحديدا دون سبب موجب من هذا المنظور. أما تشكيل لجان "المتابعة" فقد شكلت في السابق ولم يكن لها الكثير مما تعمله نظرا لتعثر تنفيذ البنود الأساسية الأخرى.

الاستكانة للواقع الراهن وغياب خطة معروفة للمستقبل:

أشرت سابقا إلى أن الإهمال النسبي لما يحصل في فلسطين هو غياب أحداث أو مبادرات فلسطينية تستدعي الاهتمام وتفرض نفسها على الساحة السياسية العربية والدولية، خاصة إن أخذ بعين الاعتبار الأحداث الجسام التي تمر بها عدد من الدول العربية. فالفراغ السياسي الحاصل يعني أن المفاوضات وصلت إلى طريق مسدود، خاصة أن الحكومة الإسرائيلية الحالية لا تريد المفاوضات، بدليل تصريح رئيس الوزراء أكثر من مرة أن الوضع الحالي هو الأفضل من منظور حكومته. والوضع الحالي هو أن يستمر المشروع الصهيوني في فلسطين، والآن في الضفة الغربية، من حيث سرقة الأرض وحصار السكان داخل معازل مسيطر عليها، ووجود حكم ذاتي محلي محدود الصلاحيات دون سيادة، يديره الفلسطينيون أنفسهم ويتحملون أعباءه المالية. أما الأعمال الفردية ضد إسرائيليين التي بدأت في صيف العام 2012 واستمرت بشكل متقطع، فلم تشكل ظاهرة محددة لها معالم سياسية واضحة سوى رفض الوضع الراهن بمختلف جوانبه سواء أكان إسرائيليا أو فلسطينيا. وفي كل الأحوال لم تشكل هذه ظاهرة تترك أثرا سياسيا عربيا أو دوليا، خاصة أنها كظاهرة لم يكن لها قيادة تحدد مطالبها بوضوح أو ترسم لها وتيرة إن لم يكن استراتيجية، ولم يكن للسلطة الفلسطينية علاقة بها بحيث تتمكن من البناء على مطالبها التي هي أصلا غير معلنة وغير محددة. وفي كل الأحوال، سعى أكثر من ناطق للسلطة الفلسطينية لإبعاد المسؤولية عنها خشية ردود فعل انتقامية تجاهها.

وإذا كان العرب والشعوب والدول الأخرى ليسوا ملكيين أكثر من الملك، وإذا بان أن الفلسطينيين يتصرفون وكأن الوضع القائم هو وضع دائم، وأنه من غير الواضح أن لهم خيارات معروفة أو مبادرات تستدعي التفاعل معها، سوى انتظار ما قد تأتي به الإدارة الجديدة للولايات المتحدة، والتوجس منها والسعي ما أمكن لدرء مخاطرها، لماذا يجب التوقع أنه سيتم الالتفات للوضع في فلسطين ما دام يظهر أنه "مستقر"، وأن السلطة وأعداداً كبيرة من الناس مستكينون لهذا الوضع؟

بالتالي، إن السؤال الأساسي هو: ماذا يمكن للسلطة والقيادة الفلسطينية عمله، ليس فقط ليتم الالتفات للوضع في فلسطين وعدم تهميشه خاصة في غمرة الأحداث التي تعصف بالمنطقة، وإنما لأجل الفلسطينيين أنفسهم وحتى لا تبقى السلطة الفلسطينية حكما ذاتيا محدود الصلاحيات تحت الاحتلال لزمن غير محدد وربما بشكل دائم؟

وضع العربة أمام الحصان

يرى العديدون كما أسلفت، أن ما يجب عمله ابتداء هو إنهاء الانقسام، وأن استمراره يضعف الجانب الفلسطيني ويوفر فرصاً للجانب الإسرائيلي للادعاء بأنه لا يوجد طرف ممثل لجميع الفلسطينيين حتى يتم الحديث معه. وبالرغم من أهمية إنهاء الانقسام والحرص الوطني الصادق لمثل هذه الدعوات المتكررة، إلا إنها تضع العربة أمام الحصان، إذ أنه توجد حاجة لخطوة أسبق منطقيا لإنهاء الانقسام تتمثل في وضع تصور مفصل أو خطة لمرحلة ما بعد إنهاء الانقسام والذي إن تم، سيرتد سلبا على الفلسطينيين دون هذه الخطة. وهنا أفترض أن إنهاء الانقسام يعني تطبيق البنود الرئيسية في اتفاق القاهرة من العام 2011، وهي الوثيقة الرسمية التي وافقت عليها كل من فتح وحماس وباقي الأحزاب والفصائل التي شاركت في الاجتماعات التي أدت للاتفاق.

والسبب في قولي أن هذه الخطوة أسبق على إنهاء الانقسام، هو التبعات المتوقعة المشار إليها سابقا لبنود اتفاق القاهرة الرئيسية، أي ردود فعل إسرائيل والولايات المتحدة خاصة في ظل إدارة ترمب، أو حتى في ظل إدارة أوباما. فتطبيق الاتفاق سيضع الجانب الفلسطيني في صدام مباشر مع إسرائيل ودول أخرى ومن المتوقع أن إسرائيل سترد بأشكال مختلفة شاهدنا بعضها سابقا، ابتداءً بإيقاف تحويل عائدات الضرائب المجبية لصالح السلطة الفلسطينية، مرورا بمنع مسؤولين من السفر، ثم إيقاف التنسيق بكافة أشكاله مع السلطة الفلسطينية ما عدا التنسيق الأمني، مرورا بفتح بعض ملفات الفساد وانتقائيا وحسب حدة الصراع، إلى تشديد الحصار ووضع الحواجز وصولا إلى ما يقارب شل حركة المواصلات بين المدن، وخطوات أخرى أشد إن لزم.  

فالسؤال إذاً: كيف ستتم مواجهة هذا الوضع وما هي الأدوات الفلسطينية للرد، أو ما هي مصادر القوة الفلسطينية التي يمكن تفعيلها في هكذا مواجهة، وما هو التصور أو الخطة المدروسة التي يجب أن توضع قبل الإقدام على إنهاء الانقسام؟ وليس المقصود هنا أنه من المفضل الإحجام عن هذا الصدام المتوقع ومن ثم عدم السعي لإنهاء الانقسام، بالرغم من أنه قد يكون أحد الأسباب الرئيسية وإن كان ليس الوحيد لعدم رأب الصدع حتى الآن. بل المقصود أنه بالرغم من كثرة الحديث عن هذه الحاجة والدعوة لها وتوقيع العرائض والبيانات، وتكرار المناشدات، وعقد الندوات والمؤتمرات حول الموضوع، يندر أن جرى بحث ما يمكن عمله في اليوم التالي إزاء ردود فعل إسرائيل المتوقعة، ناهيك عن وضع خطة لمواجهة خطواتها العقابية وردود فعلها في مسعاها لوقف هذا المسار، سواء من قبل السلطة الفلسطينية أو من قبل من يناشدونها لعدم التسويف أو التلكؤ في تطبيق اتفاقية القاهرة.

ومن الواضح أن هناك تردداً في الإقدام على هكذا مواجهة، وهو على الأرجح أحد أسباب استمرار الانقسام حتى الآن وإن لم يكن السبب الوحيد. فعلى ما يظهر أيضا، أن كلا الطرفين في غزة والضفة لا يريدان التخلي عن السلطة أو عدم الاستمرار بالاستئثار بها. لكن الثمن هو البقاء في هذا الوضع المستكين موضوعيا للواقع الراهن تحت الاحتلال، دون أفق للخروج منه، ما دامت المبادرة مفقودة والحياة "العادية" مستمرة.

المسار الصدامي المتدرج  

لكن الوضع لم يكن هكذا دائما. فقد بلورت القيادة الفلسطينية خطة لمسار صدامي متدرج بعد فشل "مسار أنابوليس" في نهاية العام 2008، وظهرت بعض عناصره إلى العلن في العام 2010 وما بعد، أي في المسعى لتقديم طلب عضوية الأمم المتحدة، أولاً لمجلس الأمن، ومن ثم للجمعية العمومية، وبعد ذلك طلب العضوية لهيئات ولجان مختلفة للأمم المتحدة، بما في ذلك متابعة جرائم الحرب المقترفة من قبل إسرائيل بحق الفلسطينيين. وكان هذا المسعى مستقلا عن إنهاء الانقسام، وكنتيجة لفشل المسار التفاوضي بعد ما يزيد على عقدين من الزمن منذ مؤتمر مدريد في نهاية العام 1991.

وقد صرح الرئيس أبو مازن في أكثر من مناسبة في حينه أنه لا فائدة من هكذا سلطة إن بقي الوضع على حاله، وأنه على استعداد "لتسليم المفاتيح" لإسرائيل إن لم يتغير الوضع عما هو عليه. لكن الجانب الفلسطيني أحجم عن الاستمرار بهذه الخطة كما رسمت والتي كان من الممكن أن تنتهي بأن تحل إسرائيل السلطة الفلسطينية كما قال صائب عريقات في حينه. ومن خلال هذه الخطة سعى الجانب الفلسطيني لاستثمار مصادر قوته الموجودة في سبيل تعديل ميزان القوة بين الطرفين من خلال وضع حياة السلطة الفلسطينية على المحك، لعل هذا يؤدي إلى مسار سياسي غير عقيم نظرا لحاجة إسرائيل لبقاء السلطة الفلسطينية، وإن كانت تريدها بشروطها.

والآن، بعد فشل المحاولات الحثيثة لوزير الخارجية السابق جون كيري في الأعوام القليلة الماضية، وحتى بضعة أشهر قبل انتهاء ولاية إدارة أوباما، وعدم وجود بوادر حتى الآن بأن إدارة الرئيس ترمب ستولي اهتماما جديا بالوضع في فلسطين، أو حتى لو أولت، فإن البوادر غير مشجعة على أقل تقدير، تبقى الخيارات الرسمية الفلسطينية نفسها والتي بدأت بها ثم توقفت، سواء لغرض إنهاء الانقسام أو لغرض الخروج من الاستكانة الحالية لوضع راهن يخلو من أفق سياسي مرئي.

إن فقدان المبادرة السياسية والتخلي عن مسار المقاومة الدبلوماسية والقانونية الذي بدأت به القيادة الفلسطينية كمسار تصعيدي متدرج هو السبب الرئيسي للإهمال النسبي لفلسطين على الصعيدين العربي والدولي. وهو أيضا الذي سمح بمبادرات مضادة مثل المطالبات المختلفة لما أسمي "بالرباعية العربية". وسيبقى الوضع على حاله سواء من ناحية إنهاء الانقسام أو من ناحية إبقاء فلسطين قضية ملحة على جدول الأعمال العربي والدولي، ما لم تتم استعادة زمام المبادرة والخروج من حالة الانتظار الحالية. نعم، سيكون هناك ثمن لهذا، ولكن الثمن الأكبر هو الذي يتم دفعه الآن من خلال استمرار المشروع الصهيوني في فلسطين من ناحية الاستحواذ على الأرض وإلغاء أي حل سياسي ممكن ومقبول فلسطينياً.


[*] دائرة الفلسفة والدراسات الثقافية وبرنامج الماجستير في الديمقراطية وحقوق الإنسان، جامعة بيرزيت.

** ويمكن مراجعة هذا التقرير على الرابط التالي:

         http://archives.republicans.foreignaffairs.house.gov/112/74960.pdf

 

الملفات المرفقة

جورج جقمان.docx
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website