صوت من القدس، المجاهد داود صالح الحسيني من خلال مذكراته وأوراقه، مراجعة عوني فارس، العدد 266

حمودة، سميح، صوت من القدس المجاهد داود صالح الحسيني من خلال مذكراته وأوراقه، رام الله، منشورات مكتبة دار الفكر، ط1، 2015.

مراجعة: عوني فارس[*]

 

يقوم المشروع التأريخي للمؤرخ الفلسطيني سميح حمودة على إنجاز "سلسلة من الدراسات المعمقة لستة عشر شخصية فلسطينية" من رجالات الحركة الوطنية الفلسطينية الذين عايشوا القضية الفلسطينية في مراحلها المختلفة، وقد دشَّنه بإصدار كتابه "صوت من القدس المجاهد داود صالح الحسيني من خلال مذكراته وأوراقه".

ويبدو واضحا من معاينة السلسلة بأن حمودة حريص على أن يساهم مشروعه في سد الخلل في دراسات النخبة التي تناولت شخصيات فلسطينية عاشت في المدن الفلسطينية المركزية مثل يافا وحيفا وعكا وغيرها، إذ تنتمي سلسلته إلى القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، وهي المناطق التي بقيت أكثر سخونة في مواجهة الاحتلال، لكن نخبتها بقيت على هامش اهتمام الباحثين في العلوم الإنسانية وتحديدا أؤلئك المهتمين بدراسات النخبة الفلسطينية.

كما أنه مهتم بأن يشكل مشروعه إضافة نوعية لحقل الدراسات الفلسطينية بحيث تُظهر، كما يقول: "التاريخ الفلسطيني من خلال رواية أبنائه" وليس استنادا إلى الروايتين البريطانية والصهيونية، وما تجود به مصادرهما الأرشيفية، وأن يساعد في قراءة "التاريخ الفلسطيني المعاصر بعيدا عن حالة الاستلاب الثقافي التي ألقت بظلالها على بعض دراسات النخبة"، خصوصا وأن حمودة يستند إلى الثقافة العربية الإسلامية باعتبارها مرجعية فكرية أصيلة، وبرؤية تؤمن بالتحرر من الاستعمار وبناء نموذج حضاري يمتلك زمام المبادرة ويتسم بالشفافية والوضوح.

محتويات الكتاب

يتناول الكتاب الحياة السياسية والجهادية للدكتور داود "محمد صالح" "محمد أمين" عبد اللطيف الحسيني (أبو المنذر)، معتمدا أساسا على نوعين من أوراقه الشخصية: "الأول مجموعة من التسجيلات والمذكرات والرسائل والسجلات الحكومية تعود لفترتي الانتداب البريطاني والحكم الأردني، والثاني ذكريات عن حياته وجهاده دوَّنها بنفسه سنة 1986".

يتكون الكتاب من ثلاثة أقسام، يحوي القسم الأول ثلاثة فصول، حيث يحلل حمودة في الفصل الأول مفهوم النخبة ويتناول بعضا من محاورها الرئيسة، ويعرض في الثاني حياة داود الحسيني ونشاطاته السياسية وجهاده حتى عام 1993، ويقدم في الثالث تحليلا لفكره السياسي والاجتماعي وأهمية مذكراته، ويناقش اتهامه بالمشاركة في الاغتيالات إبان الثورة الفلسطينية الكبرى، واغتيال الملك عبد الله وخطاباته في المجلس النيابي الأردني.

أما القسم الثاني ففيه نصوص مختارة لداود الحسيني تتناول نشاطه في الثورة الفلسطينية الكبرى 1936-1939 وأوراق كُتبت عام 1946، وأخرى تتضمن مراسلاته مع الحاج أمين الحسيني، ووثائق تاريخية تعود للعهدين البريطاني والأردني، ومجموعة من المراسلات والخطابات والبيانات الانتخابية، ويوميات سجن الجفر الصحراوي. ويتضمن القسم الثالث ذكرياته التي خطها بين 1983-1986.

تعود أهمية الكتاب برأي حمودة إلى كونه يحوي يوميات داود الحسيني، واليوميات قادرة، بعفويتها ولحظيتها وتحللها من الاعتبارات الاجتماعية والنفسية التي تقيد الكاتب، على تجاوز بعض سلبيات المذكرات التي تستذكر الماضي دون تحقيق وتأكد، وتجاوز علل السِيَر التي خضعت لتبييض صفحتها وتنزيهها من الأخطاء، وتعويض الباحث الفلسطيني، ولو في الحد الأدنى، عن غياب أرشيف وطني فلسطيني يمكن الاستناد إليه في دراسة القضية الفلسطينية بتشعباتها المختلفة.

كما أن الكتاب عبارة عن نصوص نحتها داود الحسيني أحد رجالات الحركة الوطنية وابن عائلة الحسيني، الذي بذل جهدا في المحطات المختلفة التي مرت بها فلسطين منذ الانتداب البريطاني، حيث ساهم في الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936-1939، وقدَّم من خلال أوراقه قراءة نقدية "لممارسات وسلوكيات كوادر الحركة الوطنية" خصوصا الدائرة الضيقة للزعيم الفلسطيني الحاج أمين الحسيني، الأمر الذي يسمح بتقييم أفضل للروايات المنشورة في مذكرات وأوراق آخرين ممن عاصروا الحركة الوطنية، كما رسم صورة لحالة الضفة الغربية إبان الحكم الأردني، وتفاصيل النضال ضد المخططات الاستعمارية الغربية في المنطقة، وما عاناه بعض كوادر الحركة الوطنية ممن عاشوا في سجن الجفر الصحراوي، وكشف النقاب عن بعض حيثيات استئناف النضال الفلسطيني الوطني من أجل تحرير فلسطين من خلال بناء منظمة التحرير وبواكير العمل فيها.

داود الحسيني: سيرة الحياة

ولد داود الحسيني في القدس عام 1903، خاله موسى كاظم الحسيني الزعيم الوطني المشهور، وأخوه جمال الحسيني أحد رجالات الحركة الوطنية المعروفين إبان الانتداب البريطاني، درس داود الحسيني في القدس والقاهرة، وتخرج طبيب أسنان في الجامعة الأميركية في القاهرة وبيروت عام 1928، افتتح عيادة في يافا، وهناك نشط في المجال الرياضي والسياسي، كما شارك في ثورة عام 1936 عبر جمع المال والسلاح لصالح الثورة، وتنقل خادما للحركة الوطنية بين الأقطار العربية وعدد من الأقطار الإسلامية والغربية، اعتقلته بريطانيا لنشاطاته ونفته إلى روديسيا قرابة الخمس سنوات، وبعد عودته عمل مع المكتب العربي في فرعه في بيروت، ومع الهيئة العربية العليا في القاهرة.

أسس داود الحسيني مع الشهيد عبد القادر الحسيني الجهاد المقدس، وشغل منصب مفتشه الإداري العام، وكان من ضمن من سجنوا على خلفية اغتيال ملك الأردن عبد الله الأول، خرج الحسيني من السجن وعاد لممارسة نشاطه السياسي، فانتخب عضوا في البرلمان الأردني 1956-1962، اعتقلته السلطات الأردنية عام 1963.

أصبح الحسيني عضوا في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير عام 1965، وتولى مسؤولية الدائرة السياسية للشؤون الخارجية، وشهد سقوط شرقي القدس والضفة الغربية بيد الاحتلال الإسرائيلي، فأسس مع آخرين الهيئة الإسلامية العليا لتكون واجهة نضالية في مواجهة الاحتلال، ولم يتحمل الاحتلال وجوده فنفاه إلى خارج فلسطين عام 1968، استقر في عمان وشغل أكثر من منصب وزاري في حكومات أردنية متعاقبة، وتوفي فيها عام 1993.

النخبة الفلسطينية... ملاحظات أساسية

نسج حمودة في القسم الأول من الكتاب إطاره النظري حول النخبة، تمهيدا لمناقشة نصوص داود الحسيني، فبيَّن مفهوم النخبة، وتناول مراحل تطور دراسات النخبة في الأكاديمية الغربية وتحديدا في العلوم السياسية، وعرض خلاصاته حول النخبة الفلسطينية، وأوضح بأن أهم ما يميز النخبة الفلسطينية بأنها نخبة تحت الاستعمار، وهذا ما يجعل من السؤال: لماذا لم ينجح المجتمع الفلسطيني تحت قيادة هذه النخبة في مواجهة المشروع الاستيطاني الصهيوني؟ المحور الأهم في دراسات النخبة الفلسطينية.

وحسب حمودة فقد امتازت النخبة الفلسطينية بالانقسام على المستويات الفكرية والسياسية، وبكونها امتدادا للعائلة، وبعدم وجود شخصية مركزية جامعة تقودها، وبتأثرها بالحداثة الغربية، الأمر أدى إلى الفشل الذريع عام 1948، وإلى أن تعيش التشتت بعد نكبة عام 1948.

وحتى يحدد حمودة موقع داود الحسيني داخل النخبة الفلسطينية قام بتوضيح موقفه من الحداثة الغربية والاستعمار، فالحسيني، كما يرى حمودة، ليس من فئة التقليديين الذين يرفضون الحداثة الغربية جملة وتفصيلا، ولا منبهرا بالغرب كليا، وإنما يتبنى فكرة الاستفادة من الغرب في إطار المرجعية العربية الإسلامية، أما موقفه من بريطانيا فلا هو متماشٍ مع سياستها ولا هو معارض علني فقط، ولا هو من الفئة التي تبادل الاستعمار المصالح في السر، وسقفها معارضة المشروع الصهيوني واستجداء بريطانيا، وإنما كان من الصنف الثالث الذي اعتبر الانتداب البريطاني مسؤولا رئيسا عما يجري في فلسطين.

الثورة الفلسطينية الكبرى وقضية الاغتيالات:

تقدم أوراق داود الحسيني حول الثورة الفلسطينية الكبرى 1936-1939 معلومات هامة تساهم في تسليط الضوء على زوايا معتمة في تاريخها، كما أنها تدحض بعض ما شاع من أحداثها، إذ تشير إلى دور محدود للقيادة السياسية في اندلاع الثورة وتوجيهها، فالعبء الأكبر حمله الثوار أنفسهم، وتعيد الاعتبار للمجهود المحلي في احتضان الثورة، حيث تفجَّرت معتمدة على الفلسطينيين في الأرياف والمدن في التمويل والتسليح، وتظهر اهتمام الثوار بالعمليات الاستخباراتية منذ بداية الثورة، وتؤرخ لانضمام بعض قادة الثورة للعمل المسلح، وتحديدا بعض الأسماء اللامعة مثل عبد الرحيم الحاج محمد وعارف عبد الرزاق، وتكشف أسماء بعض ممن ساهموا في الثورة وكانوا محسوبين على المعارضة، وتسرد قصص تعاطف بعض أفراد البوليس الفلسطيني مع المجاهدين وتسهيل مهماتهم.

وتخالف رواية داود الحسيني ما نشره إميل الغوري، أحد مساعدي الحاج أمين الحسيني، حول تأسيس تنظيم الجهاد المقدس، حيث إن تأسيسه لم يكن إبان الثورة، كما في رواية الغوري، وإنما قبيل اندلاع أحداث النكبة، ورغم أهمية ما قاله حول تجربته في الجهاد المقدس إلا أنه كان من المتوقع أن يقدم رواية أعمق وأوسع كونه كان سكرتيرا لعبد القادر الحسيني، خصوصا وأنه كتب مذكراته بعد ما يقارب الأربعين عاما من الأحداث، وبذلك يكون متحللا من المخاوف والعقبات التي تعيق سرده لبعض التفاصيل الهامة، تحديدا فيما يتعلق بأدوار كوادر الجهاد المقدس والمحطات التي مر بها التنظيم منذ نشأته حتى حله.

على أن الموضوع الأكثر حساسية في هذا السياق والذي تطرقت له رواية الحسيني هو حوادث الاغتيالات التي انتشرت إبان الثورة، واتهمت بها قيادة الحركة الوطنية، حيث لعبت تلك الاغتيالات دورا محوريا في إشعال نار الفتنة بين الفلسطينيين، الأمر الذي ساهم بشكل كبير في وأد ثورتهم، وهنا لا بد من الإشارة إلى استثمار حمودة لرواية الحسيني، لتقديم دراسة معمقة لقضية الاغتيالات والتي شغلت جانبا من اهتماماته البحثية، حيث استلزم الوصول إلى خلاصاته حول الموضوع إلى تنقيب عن الروايات وفيها، وإجراء مقارنات بينها، وجرأة في طرح هكذا موضوع شائك ومؤثر، خصوصا وأن الحركة الوطنية قد عانت من هذه الظاهرة في أكثر من محطة من محطات نضالها الطويل.

أمَّا رواية الحسيني حول الهيئة العربية العليا وعمله فتستحق التوقف، فهي خلاصة مهمة في هموم العمل الوطني وأمراضه والتي واكبت الحركة الوطنية منذ فترة الانتداب إلى الآن، كذلك سرده حول تجاربه في تهريب السلاح للثورة وما عاناه من أجل ذلك، فهي أيضا مهمة، ليس فقط لأنها تؤرخ لمرحلة مضت، ولكن لأنها مستمرة إلى الآن وإن اختلفت تفاصيلها، ويمكن هنا ملاحظة موقف رجالات الأنظمة العربية من دعم الثورة بالمال والسلاح، كما عاشها الحسيني في ذلك الوقت مثلما رواه عن مواقف لنوري السعيد والنقراشي وأحمد الشرباتي، فهي نفسها التي تعيشها المقاومة الفلسطينية منذ انطلاقتها المعاصرة حتى وقتنا هذا.

وأخيرا فإن ما رواه الحسيني حول تجربته في المنفى في روديسيا الجنوبية، والتفاصيل التي يذكرها عن المنفيين هناك تعتبر الأولى من نوعها، كما أشار حمودة، حيث لم ينشر شيء قبلها عن الموضوع بهذه التفاصيل.

داود الحسيني في المرحلة الأردنية

منح الحسيني الحقبة الأردنية جزءاً كبيراً من صفحات أوراقه، فقد تناول بالتفصيل مشاركته الفاعلة في الحياة السياسية، حين كان نائبا في البرلمان، وتحدث عن ذكرياته الأليمة في سجون النظام، وعن مواقفه من القضايا السياسية الساخنة في حينه محلية كانت أو إقليمية أو دولية، ويمكن هنا استخلاص نتيجتين مهمتين حول تجربته في تلك الفترة:

أولها: أن الحسيني كان جزءاً من النخبة الفلسطينية التي ارتضت أن تمارس السياسة وفقا لقواعد اللعبة السياسية، فدخل الانتخابات وأصبح نائبا ثمَّ وزيرا، وحاور النظام، وتجرع مرارة التجاوزات القانونية من قبل السلطة التنفيذية.

ثانيها: أن الحسيني لم يفقد بوصلته؛ إذ كان همه الأول إبان تلك الحقبة المساهمة في استعادة القدس، ولذا رأيناه يتقدم المشاركين في تأسيس منظمة التحرير، ويعبر في أكثر من موقف عن اعتراضه على بعض مواقف الحكومات العربية تجاه القضية وأهلها، ويسجن ويهان في سبيل ذلك، ولكنَّه يستمر في عطائه حتى وافته المنية.

كلمة أخيرة

أحسن حمودة في اشتغاله على أوراق داود الحسيني وفي إصداره للكتاب لما لرواية الحسيني من أهمية، كما بينَّا أعلاه، وإن كان من كلمة ختامية فهي دعوة لتعاون أكبر بين العائلات الفلسطينية المالكة لجزء مهم من تراث الفلسطينيين السياسي والاجتماعي والثقافي سجله أبناؤها في أرواق ودفاتر، والباحثين من ذوي الاهتمامات الأكاديمية والخبرة العلمية، حتى يتمكن الفلسطينيون من الحفاظ على تراثهم الغني وتجربتهم العميقة.


[*]

الملفات المرفقة

عوني فارس.docx
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2017
Track visitors of website