رواية "العاطل" والفلسطيني الشيطان: الكاتب لا ينفصل عن أفكار شخصياته، مصطفى الولي، العدد 266

رواية "العاطل" والفلسطيني الشيطان:

الكاتب لا ينفصل عن أفكار شخصياته

مصطفى الولي[*]

 

احتل أدب الرواية مكانا بارزا في نظريات الأدب، كما في مقاربات النقد الأدبي. ولقد شكلت مسألة العلاقة بين الأديب- الكاتب، وبين شخصيات عمله الروائي مطرحا للسجال والاختلاف والتباين. ويميل الكتاب الروائيون إلى التحرر من المسؤولية عن المواقف والأفكار التي تأتي في مساحة  السرد، خاصة حين يكلف المؤلف هذه الشخصية أو تلك في عملية السرد، أو الأشكال الأخرى، كالتداعي أو التذكر، أو الدخول في حوار مع شخصية أخرى داخل الرواية.

ولعلّي أدخل الى رواية "العاطل" لناصر عراق الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية، الطبعة الرابعة، 2012، من خلفية القناعة بأن الكاتب هو المسؤول الأول عن الأفكار التي تنطق بها الشخصيات. ربما يكون من حق الكاتب الدفاع عن نفسه من تحمل مسؤولية ممارسات الشخصيات، باعتبار ذلك جزءاً من الحيلة الفنية للارتقاء ببنية الرواية، من خلال تصعيد التوتر الداخلي للشخصية، لجعلها أكثر إدهاشا، وأقرب الى أن تكون من "لحم ودم" عندما يتعامل معها القارئ.

رواية "العاطل" لكاتبها ناصر عراق، موضوعها ليس فلسطينياً، ومكان الحدث الروائي ليس في الجغرافيا الفلسطينية، سواء الضفة وغزة أو الجليل وحيفا، ولا هو في مخيمات الشتات الفلسطيني. إنه في الإمارات العربية المتحدة (دبي). كما أن الشخصيات المحورية التي أبرزها السرد، وعاد بعضها ليشارك، عبر الحوار مع الشخصية الرئيسية، في مساحة محدودة من السرد الروائي لم نسمع صوتاً فلسطينياً واحداً في متن الرواية، بينما نتعرف فيها على أسماء شخصيات من عدد من البلدان والجنسيات، العربية وغيرها.

أما وأن الكاتب، قام، بلسان الشخصية المركزية، شبه الوحيدة التي ألقى عليها مسؤولية السرد بشكل كامل، بتقديم أسماء (أشخاص فلسطينيين) فهو أظهرهم بأسوأ ما يمكن من الصفات. وكل من يقرأ الرواية سيلمس، وبشكل سافر وصريح، طاقة كبيرة من التحامل على الفلسطينيين المتواجدين في الإمارات (دبي) دون أن يقدم السارد (محمد) أية حقائق ملموسة، سوى تقرير اتهام، يفصح عن تحامل فظ على هؤلاء الأشخاص الفلسطينيين، ونبذه لهم دون سواهم من المنتمين لبقية الجنسيات من العاملين في دبي.

لقد استوقفتني الرواية هذه (العاطل)، وأنا مسترسل في متعتي بالقراءة، فمرت معي أول إشارة سلبية عن شخص فلسطيني يعمل في شركة لبيع الموبايلات، فاعتبرت ذلك أمرا عابرا، ولم يستفزني، وتابعت القراءة، وسرعان ما قال السارد، (محمد) كلاما ينال من اسم شخص آخر، فلسطيني أيضا، فأخذني التحفز للاطلاع على كيفية ظهور ما تبقى من الأشخاص الفلسطينيين في الرواية، دون أن أتخلى عن استمرار القراءة، أو أصدر حكم قيمة فنياً عليها.

وما أن واصلت صفحة إثر صفحة، وأنا أتأثر بها على مستويين، المستوى الفني للعمل، والمستوى الفكري، العام، والخاص. حتى اكتشفت أن كل ما يتعلق بأشخاص فلسطينيين، لا يعدو كونه مساساً بطبيعتهم وسلوكهم، دون أن يستنطق الكاتب واحدا منهم ليعرفنا على ما يحمل من مواقف، ولا لتبيان ما يمكن أن يوضح ملابسات وردت بلسان الشخصية المركزية بالرواية (العاطل محمد). ففي مساحة الصفحات الطويلة، نسبيا ،التي جاءت بها الرواية، (350) صفحة وأكثر، كان الفلسطيني صامتاً، وليس فاعلاً، ولا متحدثاً، ولا محاوراً، كان موضوع توصيف فقط، وهو توصيف يرذِل الشخصية الفلسطينية، ويحط من مكانتها.

لقد أعادني هذا التأطير، المظلل بالسواد القاتم للفلسطيني، إلى زمن كان الأدب المتعلق بفلسطين وشخصية الفلسطيني، يقيم للفلسطيني إطارا "سوبرمانيا" وملائكيا"، ذلك في مرحلة الصعود الكفاحي للحركة الوطنية الفلسطينية. وما فعله الكاتب المصري ناصر عراق، في روايته، جاء معاكسا، للسوبرمانية والملائكية، فأبرز شيطنة الفلسطيني وحط من مكانته، بشكل واضح. حيث كلما مر السرد على اسم شخص فلسطيني، نراه خبيثا متعصبا لأبناء جلدته، مرتشيا، واشيا، يسعى لإزاحة أبناء الجنسيات الأخرى من مواقعهم، وتوظيف شخص فلسطيني مكانه. ويتحرش بالموظفات جنسيا بالكلمات والاحتكاك.

من أول إشارة للفلسطيني في الرواية حتى آخرها، لمن يقرأ الرواية، سيوافقني استنتاجي كما أظن. في الصفحة 75 من الرواية يقول الكاتب بلسان محمد:

"لم أشعر بترحيب كبير من قبل زملائي، ولكنني لم أتلق أيضا أي مشاعر سلبية منهم، باستثناء نائل أبو شمالة الفلسطيني من غزة، الذي كان على علاقة سيئة بكل الزملاء عدا الفلسطينيين" (المقتطفات اللاحقة رقم الصفحة فقط). ومؤسف حقا هذا التحديد الدقيق للقب نائل، حيث واقعيا عائلة أبو شمالة عائلة معروفة، ومن غزة تحديدا. وربما كان التحديد سيبدو طبيعيا فيما لو جاء في سرد للأحداث ومكانها وللعلاقات الاجتماعية التي نتعرف منها على لقب الشخصية "نائل". غير أن ورود ذلك بجرة قلم ودون مناسبة، وبلا أي قيمة فنية في السرد الروائي يجعل الإقحام المتعمد لنائل واسم عائلته ومدينته، علامة سلبية يحملها الكاتب في رأسه، فهي لا تضيف شيئا، اللهم سوى رسم إطار "شيطان" وبشكل مسبق للشخصية الفلسطينية.

في الإشارة الثانية، وفي الصفحة ذاتها من الرواية، يقترب السارد محمد، متأبطا فكرة الكاتب، ليطلعنا على "الفلسطيني عامر صوالحة" فيقول:

"شعرت بأنه يبتسم لي ابتسامة صفراء لا تحمل أي تشجيع على أن أظل بجواره، فانصرفت إلى السوري زاهر تقي الدين، فرحب بي في البداية، وأطلعني على بعض أنواع الموبايلات الموجودة وكم سعرها.....".

جرى ذلك من اللحظة الأولى لاستلام (العاطل محمد) لوظيفته، هكذا دون أي تقديم مسبق لشخصية عامر، وبشكل مفاجئ، يظنه القارئ بداية أنه من ضرورات إحاطة شخصية العاطل بظروف صعبة خلال بحثه عن وظيفة، هي بالأساس لا تناسب مؤهلاته المهنية والعلمية. فهو حصل عليها بالرشوة، والمرتشي فلسطيني الجنسية أيضا، وهذه المرة أشرك المؤلف شقيق العاطل، من خلال سرد مقطع سريع يبين كم هو "شيطان ومرذول" موسى الوحش، الفلسطيني الذي يشغل مركز مدير شركة تسويق وبيع الموبايلات. فيقول الشقيق:

"– أنصت جيدا... لقد دفعت رشوة للمدير موسى الوحش حتى يوفر لك عقد العمل" (ص77).

"هون عليك.. هل أخبرك بمقدار الرشوة التي أخذها مديركم الفلسطيني؟" ص 82.

وعندما انخرط محمد (العاطل) في وظيفته، استمر كابوس "الفلسطيني الشيطان" يطارده. فاثر مشادة في مكان سكن الموظفين" لم يكتف موسى الوحش بخصم ثلاثة أيام لكل منهما، بل قام بنقل محسن (...) ثم دعانا جميعا نحن المصريين فقط، إلى مكتبه وهو يصرخ في وجهنا منذرا:

إذا حدث هذا الأمر مرة أخرى، فسأقوم بإنهاء خدماتكم على الفور! (التعجب ليس مني). ويتابع الكاتب حملته على الفلسطيني فيكون أحد الفلسطينيين، (حسب الموظف أشرف) هو من تبرع بإبلاغ المدير". ص 89.

يعود الكاتب في تبخيس صورة الفلسطيني والحط من شـأنه على مستوى السلوك الأخلاقي، حين نقرأ:

"أخيرا تخلصت هند من سخافات موسى الوحش وملاحقة يقظان مشاعل ونائل أبو شمالة، اللذين لا يكفان عن مشاكستها ومطاردتها عسى أن ينالا وطرهما منها (...) لقد هددت نائل أبو شمالة مرة أنها ستبلغ عنه الشرطة، إذا حاول لمسها ولو بطريقة عفوية" ص. 106.

وفي مكان آخر في الرواية، يقدم لنا الكاتب بلسان (العاطل) صورة الفلسطيني كمفسد لشخصيات من جنسيات أخرى، كالباكستاني منير خان، الذي قدم شكوى باطلة للمدير الفلسطيني عن مسؤولية محمد في ضياع فواتير الحسابات في الشركة. حين "أشارت هند (بنت مغربية) بعينيها إلى اثنين من زملائنا الفلسطينيين. إنهم يحركونه كيفما شاءوا، وهو ينفذ كلامهم تقريبا وزلفى للمدير" ص 107.

في تصعيد ضد الفلسطيني في الرواية، نطالع كلاما بلسان محمد (العاطل) يتهم به نائل أبو شمالة، وهو يسترسل في شرح سبب طرده من العمل في الشركة، "ربما يكون نائل أبو شمالة تحديدا الذي يكره كل البشر، ما داموا ليسوا فلسطينيين مثله" ص 183.

كل الفلسطينيين بنظر الكاتب متعصبون وملتفون على بعضهم، يسعون للإطاحة بكل موظف ليأتوا ببديل له من الجنسية الفلسطينية. هذا ما أراد قوله العاطل محمد، ونقلا عن نصيحة شقيقه حسن، الذي همس له:

"أدرك أن هنا كثيرا من الفلسطينيين، يريدون إنهاء خدمات أي أحد ليضعوا مكانه واحدا من بني جلدتهم" ص144.

بعض العبارات التي يبدي فيها العاطل درجة حقده على الفلسطينيين العاملين في إمارة دبي، ليست من الضرورات الجمالية السردية، ولا هي لبنة ضرورية اقتضاها بناء الحدث الروائي، فهي فقط تكشف عن تحامل شرس وعدواني ضدهم. نقرأ "هكذا قال لي ابن المضاجعة موسى الوحش وهو يكاد يطردني من مكتبه". ص183، "ابن الكلب موسى الوحش"، ص193".

الأمر الذي يلفت الانتباه، هو أن الكاتب، مر على ذكر شخصيات من جنسيات مختلفة، مصري ولبناني وعراقي وسوري وباكستاني وخليجي، جميعهم حملوا ملامح إيجابية، أو قدمهم الكاتب، بلسان شخصيته المحورية، بصورة محايدة. حتى شخصية المصري أمجد صفوان، المتهتك، والنصاب، والمولع بمعاشرة العاهرات، العديم الاهتمام بنظافة جسده، يبدو في مكان آخر من السرد إنسانا شفافا شجاعا، وتبرؤه المحكمة من جريمة قتل لبائعة هوى روسية تعمل في الخليج. وأعطاه الكاتب مساحة مهمة في الرواية ليقدم شخصيته بتنوعها السلبي والإيجابي، بينما لم يفعل ذلك إطلاقا مع الشخصيات الفلسطينية، ولم يتح لها التعبير عن مكوناتها وصفاتها وقيمها. وهو ما استدعى أن نستعرض ما جاء في متن الرواية من شيطنة، والحط من مكانتهم. فرغم تعدد الأشخاص الفلسطينيين لم نجد ملمحا إيجابيا واحدا لأي منهم، على النقيض من بعض الشخصيات من الجنسيات الأخرى.

في الأدب الروائي المتعلق بفلسطين والشخصية الفلسطينية، طالعنا عوالم غنية ومتنوعة، وتعرفنا على شخصيات باهتة ومشوهة وسلبية، كما طالعنا عكس ذلك تماما. حتى الشخصية ذاتها كان الروائيون العرب والفلسطينيون، يقدمونها بتناقضاتها التي هي من طبيعة الشخصية الإنسانية عموما. فعلى سبيل المثال، أنزل غسان كنفاني نقده الشديد للأب الفلسطيني، في رواية عائد إلى حيفا، حين خسر ابنه خالد الذي تربى في حضن عائلة يهودية، كما والمح إلى عجز الفلسطيني عن قرع جدران الخزان في روايته رجال في الشمس. وفعل إميل حبيبي الشيء ذاته في رواياته بدءا من سداسية الأيام الستة، وسعيد أبي النحس المتشائل، وسرايا بنت الغول. كما أنزلت سحر خليفة سيف النقد الصارم على بنية المجتمع الفلسطيني خلال الانتفاضة الأولى في روايتها باب الساحة. فقدمت شخصيات ساقطة ومتعاونة مع الاحتلال، من نساء ورجال، كما قدمت شخصيات ذات محمولات عظيمة. أما جبرا إبراهيم جبرا، خاصة في روايته" البحث عن وليد مسعود "كما في "السفينة" بنى شخصياته الفلسطينية وهي تنخرط في معمعة الحياة، لتتبين لنا أنها شخصيات حقيقية من لحم ودم. نختلف معها وحولها ونلتقي بها بدهشة في جوانب أخرى.

قصدت مما أوردت أعلاه التوضيح، أن الفلسطيني ليس معصوما عن الخطأ، بل وحتى السقوط في حضيض الواقع بمفاسده وسلبياته، لكنه أيضا مثل أي إنسان، ونتحدث هنا ليس عن فرد معين، بل عن شعب بأكمله، فيه من الإنسانية والإبداع والقيم الراقية والحضارية، تماما كما هو الأمر لدى كل شعوب الأرض. وإذا حاول الكاتب الدفاع عن شيطنة الفلسطينيين في روايته (العاطل) بالقول إن ما تناوله هو عدد من الأفراد فقط، فمن حقنا وواجبنا أن نتساءل:

كيف أتيح له أن يتناول هؤلاء، وتجنب تناول أشخاص فلسطينيين إيجابيين بقيمهم وسلوكهم ونزاهتهم؟

وعندما يأتي السرد على المجال الثقافي، أدبيا وسياسيا، تحضر شخصيات من جنسيات عربية مختلفة، ويغيب عن تلك المجالات أي شخص فلسطيني، وربما ليترك الكاتب الشخصية الفلسطينية في أسوأ حال ويلغي أي مكانة لها في العالم الإيجابي.

محطات كثيرة في الرواية خصصها الكاتب للنقاشات الثقافية والسياسية والأدبية، وشارك فيها عدد من الجنسيات العربية، وأبدوا أراءهم بعدد من القضايا المتصلة ببلادنا ومجتمعاتنا، واستبعد تماما عن تلك المحطات أي شخص فلسطيني، والمعروف أن الشاغل الثقافي والفني والأدبي لنخبة كبيرة من الفلسطينيين تفوق انشغال الكثير من أبناء البلدان الأخرى، أو على الأقل ليست أدنى منهم، فما معنى تغييب هذه الحقيقة؟

في مقطع تحت عنوان: "المثقف" يتحدث العاطل عن أحد تلك اللقاءات:

"لم أكن أتخيل أن شؤون السياسة يمكن أن تستهلك أعصاب الناس وأوقاتهم هكذا، إلا حين أتاحت لي الظروف المكوث في منزل الأستاذ صلاح. كنا آخر الواصلين وهو يرحب بي ويقدمني إلى الحضور وهم: عبد الزهرة العباس صحافي عراقي وزوجته اعتقال عبد الجبار، وسعد شينو شاعر عراقي وزوجته سارة حكو، وجمال عبد الناصر قاص سوري وزوجته سوسن بيرقدار، وعماد بيضون صحافي لبناني (وبالطبع الشخصيات المصرية كانت الأكثر عددا وأحدها هو المضيف لهذا اللقاء). ص134

نافر جدا ذلك الإنكار لإنسانية الفلسطيني، ووضعه في الرواية دائما في مساحة سوداء، وتحميله أسوأ الصفات، وترذيله إلى أبعد الحدود. ونعته بأسوأ المسميات. ليبدو فيها أن فشل (العاطل) الذي هو من أبناء مصر، سببه تواطؤ وفساد الموظفين الفلسطينيين في دبي.

وحين تنتهي الرواية، يتجاوز العاطل عطالته المتعلقة بإحباطه الجنسي، وينجح بالاقتراب الجسدي من المرأة (زوجته)، وتتغير ظروفه الاجتماعية والنفسية ويشق طريقه السليم في الحياة، لكن الفلسطيني يبقى مثبتا في غلالة من السواد، لا يشفع له أي تحول أو تغير يطالعنا عليه السرد، فيبقى شيطانا مرذولا بشكل قاطع لا مغفرة له!

 

 


[*]

الملفات المرفقة

mUSTAFA aL wALI.doc
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2017
Track visitors of website