غادة (الفيس بوك)، سامية العطعوط، العدد 266

غادة (الفيس بوك)

                                                        سامية العطعوط[*]

 

كانت غادة تبدو صغيرة في السن من صورتها المنشورة على صفحتها، وجميلة. بينما لم أكن أضع صورتي على صفحتي، كي لا يتعرف عليّ أحد من الأعداء، وكي أمارس نوعاً من الخديعة المبطّنة، دون أن أضطر إلى الكذب. فأنا أسمر البشرة، نابت اللحية السوداء الكثة، نحيل الجسد، عيناي بنيتان تحيط بهما هالتان سوداوان، ساعداي الأسمران مشعران، لكن تقاطيع وجهي وذقني الدقيقة المثقوبة في وسطها، قد توحي بنوع من وسامة شاب يبدأ الثلاثين من عمره..!

حين جاءني صوتُها للمرة الأولى عبر الهاتف، ارتعشتُ. كان صوتاً أنثوياً فيه بحّةُ إغراء، والضحكة الأخّاذة التي خرجت من شفتيها، كانت تغريدة عصافير. وكأنها أمسكتْ بقلبي المتلهّف ودغدغته. أسَرَني صوتُها وتلك البراءة (اللعينة) في الحوار بيننا...!

: كيفك؟

: زينة، بس محترّة  ومو متحملة نفسي، قاعدة في البيت ... حارّة..!

وشعرتُ بالحرارة تنتقل إلى جسدي.

تابَعتْ: "إنت شلونك؟ لازم نلتقي، لازم تزورنا يا أوس مِن تِقدر... اليوم... باكر... مو مشكلة".

أجبتها بلهفة: "اليوم أفضل إذا فيه مجال.. شو رأيك؟ بس ما أريد أزعجك..!".

وافقت، وكانت النوايا تجول في رأسي وقلبي وجسدي. لم أكن أحتمل الانتظار حتى الغد، كي أراها... وربما، ربما.. مجرّد ربما، يحدث شيء بيننا...!

أخذتُ منها العنوان حيث سنلتقي، وطرتُ إلى هناك فرِحاً، بعد ساعات من جنون الانتظار. وصلتُ إلى المنطقة السكنية حيث تتراصّ البنايات العالية فيها، والمساءُ يغلفّ البيوت بغلالته. أوقفتُ سيارتي المضروبة قريباً، وجلستُ أنتظرها. ربع ساعة ولم تأت صديقتي الفيسبوكية..! لا أعرف لون سيارتها أو موديلها أو أي شيء، هو مجرد اتصال على الموبايل. رأيتُ من بعيد سيارة شيروكي تقف أمام مدخل العمارة حيث عنوان الشقة. حاولتُ رؤية السائق، كان رجلاً. توقفتْ سيارةٌ أخرى أمام المدخل، ترجّل منها ثلاثة، امرأة وزوجها وشابٌ مراهق. دخلوا إلى العمارة حيث كنت أنتظر. دقائق وتوقفتْ سيارةٌ ثالثة، كان فيها امرأة ورجل. دخلا إلى العمارة المقابلة. بدأتُ أتململ.

تأخّرَت، وأنا على أحرّ من الجمر....!

        منذ شهور وربما سنوات، لم أعش مغامرة عاطفية. كنتُ أرغب في رؤيتها وفيها بشدّة. جرفَني خيالي اللذيذ معه، ستأتي مرتدية ثوباً أحمر اللون، بشفاه تنضح بالشهوة. لو أنني أحببتها، لو أنها أحبّتني.. كيف سيكون طعم الحب والشوق؟؟! كيف سيكون طعم القبلة؟ جفّ قلبي منذ زمن وأنا أبحث عني في المرايا المهشّمة، وأخذتْني الحياةُ البرّية إليها سنوات طوال، وما زلت متمسكاً بالأمل، بالأنثى... أيّ أنثى!!

أن أراها، وأن أعيش معها تجربة حبّ جديدة، تجدّد نفسيّتي.

صديقتي، طويلةٌ ولا بدّ، وصوتُها ينمّ عن فتاةٍ في ريعان الشباب، بل أنثى مكتملة الأنوثة.

عدتُ إلى مراقبة السيارات القادمة، لم تتوقفْ أيّ سيارة. كانت السياراتُ تمرُّ بي كقطارٍ سريع يعبر سنديانة وحيدة عجوز، وأنا قابعٌ في مكاني لا أتحرك، أحرقُ السجائر فيتصاعدُ الدخان من قلبي وأماكن أخرى...!

قررتُ مهاتفتها.

: مرحبا

: أهلا

: كيفك، أين أنت؟

: هلا، الحمد لله... أنا كويسة,,,

: هل وصلتِ؟

: نعم، أنا في الشقة، بانتظارك

صُعقتُ... كيف لم أرها؟ هل وصلتْ إلى هنا قبلي؟ من المؤكّد أنها جاءت قبلي، هي أيضا لم تستطع صبراً، فجاءتْ على بساط ٍمن ريح.

صعدتُ إلى الشقة أقفز عن الدرجات قفزاً. قرعتُ الجرسَ وأنا ألهث. فُتح لي الباب. كدتُ أقعُ أرضاً، حين فوجئتُ بثلاثة أشياء:

أولاً: أن رجلاً ملتحياً، تقف خلفه امرأةٌ محجبة، مَن فتح الباب.

وثانياً: أن المرأة التي تبدو خلفه ليست طويلة كما هُيء لي.

 وثالثا: أن ابنهما المراهق كان يقف خلفهما، ويشير إليّ بيديه ويبتسم، ويكاد يغشى عليه من الضحك...!

صُعقتُ من المشهد، من حركاتِ الفتى ونظراته، من ابتسامتهِ الخبيثةِ المحمّلة بالمعاني. لم أدر ماذا أفعل، ذبتُ في ملابسي أمامهم، وهبطتُ الدرج مسرعاً، دون أن ألتفتَ ورائي...!


[*] قاصة فلسطينية.

الملفات المرفقة

غادة.doc
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2017
Track visitors of website