التاريخ يهيمن على الرواية الفلسطينية النكبة في روائيات فلسطينيات الانتماء والهوية، زلفى شحرور، العدد 266

التاريخ يهيمن على الرواية الفلسطينية

النكبة في روائيات فلسطينيات الانتماء والهوية

زلفى شحرور[*]

 

مدن.. أحداث.. تواريخ.. تفاصيل تتكرر وربما أيضا شخصيات ورموز تتشابه، عناصر مشتركة في روايتين لرضوى عاشور وسوزان أبو الهوى، وهما روائيتان من بيئات ومنابع ثقافية مختلفة، فما الذي جمع بينهما لتنتجا عملا فنيا بهذا التشابه وبهذه الرؤية؟

ربما هي قسوة الواقع وفداحة الجريمة التي عاشها الشعب الفلسطيني، بعد اللجوء واقتلاعه من أرضه وحياته وعالمه، وزجه في عوالم ومصائر جديدة، يصارع فيها ليظل على قيد الحياة، حاملا قضيته، يعيدها إلى دائرة الضوء ويعطي الشعب الفلسطيني أملا بالحياة وبالمستقبل، بما تحمله هذه العملية في داخلها من صراعات وتناقضات جمعت بين كاتبتي رواية "الطنطورية" و"بينما ينام العالم".

رواية "الطنطورية لرضوى عاشور" الكاتبة المصرية الأصل، الفلسطينية الانتماء نسبا وتضامنا، ورواية "بينما ينام العالم" للكاتبة الأميركية من أصول فلسطينية سوزان أبو الهوى، عبرتا بصورة جلية عن هذا التشابه، وعن حال نساء فلسطين، من خلال بطلتي روايتيهما (رقية وآمال).

رقية وآمال بطلتا الروايتين تحركتا في عالم نسائي بامتياز، خبرتا فيه معاناة اللجوء.. الصبر.. الأمل، قوة المثال.. في الصمود ورفض الواقع، بنات وأخوات شهداء. رقية في "الطنطورية" ضحية تعيش نتائج النكبة، تعيش خيارات الآخرين إلى أن انتفضت على ذلك بإصرارها على العودة للحياة في صيدا لبنان، ولكن دون أن تنخرط في أي فعل حقيقي مقاوم، بينما كانت آمال ضحية ومساهمة في الفعل المقاوم دون أن تنغمس فيه بقوة.

شكلت الروايتان الطنطورية (الصادرة عن دار الشروق في العام2010)، وبينما ينام العالم (المكتوبة باللغة الإنجليزية، ترجمة سامية تميمي والصادرة العام 2012 عن دار بلومزبري "مؤسسة قطر للنشر"، وترجمت فيما بعد إلى تسع لغات) صورة بانورامية لحال الفلسطيني بعد نكبة العام 1948، وكأنهما اتفقتا على التأريخ لهذه المرحلة، وبتفاصيل كثيرة خصوصا في رؤية المحطات المهمة في رحلة التراجيديا واللجوء الفلسطينية، لكن برؤية فنية مختلفة.

الطنطورية كتبت بصورة سردية لسيرة حياة رقية التي هجرت من قرية الطنطورة الفلسطينية جنوب مدينة حيفا، وفيها استشهد والدها وشقيقاها دفاعا عن قريتهم، لتلتحق بعائلة عمها الفدائي المسكون بتوفير السلاح للمقاومة، بعد تهريب عائلته إلى صيدا ليتفرغ للعمل الوطني، وعاشت مع أمها في كنفه في مدينة صيدا.

"الطنطورية" أقرب لشهادة حقيقية عن النزوح من دون أي دراما أو حبكة فنية، ودون تدخل على الإطلاق في الحدث. رقية المولودة في الطنطورة، واللاجئة في صيدا، والمتزوجة من ابن عمها الطبيب، والتي تنظم حياتها وحياة عائلتها فيما بعد على صدى الواقع المعيش، وعلى صدى خافت لعالم قديم ربطها بالطنطورة من خلال صديقتها وصال وأخيها عبد، ومن خلال زوجات ولديها رندة النابلسية وفاطمة اللداوية، وهي تؤشر لربط الكل الفلسطيني، وتمكنها من العودة نفسيا إلى فلسطين، لتقرر وقف الترحال في النهاية والعودة إلى صيدا، بعد أن غادرتها إلى بيروت أولا، والالتحاق بابنها الطبيب البكر مع زوجته في أبو ظبي، ومن ثم الانتقال إلى مصر لمرافقة ابنتها المتبناة مريم (تم تبنيها بناء على رغبة زوجها بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982)، وكأنها وطنها الثاني الذي حرمت منه بفعل الظروف، ومن خلال رقية تروي الكاتبة تاريخ منظمة التحرير والنضال الوطني الفلسطيني في لبنان على مستوياته السياسية والإنسانية والثقافية.

بيروت وجنين رمزان للمقاومة والمعاناة، وتجميع الفلسطينيين، والبحث عن أفاق جديدة يعبر عنه بالكفاح المسلح، ولاحقا باستشعار أهمية النضال الحقوقي، وإن تعاملت كل كاتبة مع تجربة لبنان وجنين بمنظور ورؤية مختلفة.

 رقية تعيش واقعها وحياة اللجوء فيها بصورة لا تعكس معاناة فردية بل معاناة جماعية، فهي تحيا في ظروف اقتصادية معقولة نسبيا مقارنة بحال اللاجئين، بينما تذهب آمال للبنان بحثا عن ظل حياة عائلية فقدتها في العام 1967، وعن عالم تنتمي له بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فيه تجد الحنان.. والحب.. والزواج والإنجاب، والمفارقة أن البطلتين تزوجتا من طبيبين يعملان في جمعية "الهلال الأحمر الفلسطيني" في الفترة ذاتها، واستشهدا في صيف العام 1982، فزوج آمال ماجد استشهد في الاجتياح الإسرائيلي للبنان، وزوج رقية في مجزرة صبرا وشاتيلا.

رواية "الطنطورية" سلطت الضوء على مرحلة لبنان في حياة الفلسطيني، بتفاصيلها السياسية بصورة عامة، وتفاصيلها الحياتية لمن هجر وعاش في مخيماتها، دون إغفال ربطها بمخيم جنين شمال الضفة الغربية المحتلة حيث تعيش صديقتها وصال مع أخيها عبد الذي التحق فيما بعد بمركز الأبحاث الفلسطيني ووالدتها في جنين، خبرت معها تجربة اللجوء قبل قرار والدتها استكمال رحلتها إلى صيدا لتلتحق بعائلة أختها المتزوجة من شقيق زوجها بعد استشهاد زوجها وولديها.

الطنطورية رواية سردية أقرب لسيرة ذاتية، حملت رؤية مرحلة خبرتها الكاتبة عن قرب في بيروت، ببعدها الوطني والكفاحي، والإنساني، فيها توصيف حقيقي موغل في واقعيته عن حياة الفلسطينيين في لبنان، اللجوء، المخيم، النضال للعودة للوطن مثله: (عمها أبو الأمين) والمقاومة بعد انتقال ثقلها إلى لبنان ومثله (عز وابنيه حسن وعبد الرحمن)، والفلسطيني الباحث عن لقمة عيشه والممول المالي للعائلة في تعليمها ونضالها ومثله (ابنها صادق وزوجها أمين).

وحضرت صورة بيروت في رواية "بينما ينام العالم" ضبابية من خلال يوسف وفاطمة (العائلة والمقاومة) وماجد (الحبيب) والوكالة (العمل) كما هي صورة جنين في الطنطورية.

آمال فقدت الشعور بالعائلة بعد العام 1967 باستشهاد الوالد، والتحاق يوسف بالثورة الفلسطينية في الأردن، وغياب الأم وحضورها الجسدي فقط، بعد أن غاصت عميقا في هاوية عقلها حتى أنها انفصلت عن جسدها، هربا من قسوة الواقع، لتغادر الحياة وابنتها في الرابعة عشرة من العمر، وهو الموت الذي يؤسس لحياة جديدة لآمال بالتحاقها بدار الطفل العربي في القدس. (أسستها هند الحسيني، بعد تحويلها فندق الأقواس السبعة الذي تملكه إلى مأوى لدار الأيتام، إثر استقبالها لثلاثة أطفال لاجئين ويتامى من مجزرة دير ياسين، وتوالي استقبال الأطفال الأيتام اللاجئين، وهو ما دفعها لتحويل الفندق إلى دار للأيتام ما زال قائما حتى الآن).

في القدس حققت آمال حلم والدها الذي اعتاد أن يقرأ لها من أمهات الكتب كل صباح، ليظل الشروق في ذاكرتها لحظة أمان خبرتها في حضن والدها، كان اقتراحا من صديق والدها جاك أوملي الاسكتلندي، مدير الأنروا في جنين الذي ربط مصيره بمصير اللاجئين.

بعد وفاة والدتها، اقترح أوملي نقلها لدار الطفل العربي وانحاز إليه، لينقذها بهذا الخيار من الانضمام لمصير ألوف اللاجئين الضائعين في متاهة النسيان في مخيمات اللجوء عند عمها أو خالتها، لتشكل في دار الطفل العربي عالما جديدا لها.

رواية "بينما ينام العالم" حملت بصمة حقيقية لروائية تكتب بتشويق ودراما، وإن حملت روايتها رؤية اختلطت على صاحبتها وعلى القارئ بإمكانية تحقيق السلام بالتسامح وإقرار المغتصب ببعض الحقوق لمن اغتصب أرضهم، لكنها تصل إلى استحالة تحقيق ذلك باستشهادها في جنين وتحميل أمانتها لابنتها سارة، ولكن برؤية ربما استشراقية، من خلال تقريب المحتل وتحويله لإنسان يمكن السلام والتعايش معه ممكن، وبمبالغة كبيرة في استخدام الرمزية، من خلال قصة إسماعيل التي استعارتها من الكاتب غسان كنفاني (عائد إلى حيفا) ووظفتها لأغراض درامية مصطنعة ومركبة، لم تخدم الفكرة النص بل تحولت عبئا عليه، أضاع الكاتبة والقارئ في محاولة لقبول إسماعيل ضحية لم يستطع مغادرة موقعه ويكتفي فقط بموقف المتفرج، ولم تستطع صاحبته التعامل معه بصورة طبيعة وتلقائية، بعد لقائه بأخته آمال المولودة بعد النكسة، في أميركا خارج منطقة الصراع.

آمال حفيدة كبير العائلة أبو الهيجا في قرية عين حوض، تعرفنا بالتقسيط على ما حدث لشقيقها التوأم إسماعيل، والذي خطف من عائلته لتحقيق حلم يهودية هاربة من معسكرات الإبادة النازية، خطف زوجها إسماعيل لإدخال الفرح لقلبها، في تضامن وتفهم من الكاتبة لهذه الحالة والتضامن معها، ليعيش إسماعيل كإسرائيلي يصبح جنديا في الجيش الإسرائيلي وعدوا لأخيه، يعذبه ويعاقبه على وجه الشبه بينهما.

حكاية آمال تمتد عبر العقود الستة للصراع العربي الإسرائيلي، وقائع حب وفقدان طفولة وزواج وحياة عائلية، ومواجهة الحياة الأميركية، وتاريخ عائلتها باستشهاد زوجة أخيها وابنته وجنينها في مجزرة صبرا وشاتيلا، واتهام يوسف بتفجير في محيط السفارة الأميركية في بيروت واستشهاده، واستشهاد زوجها الطبيب ماجد بعد مغادرتها بيروت، وهو من أقنعها بالسفر قبل الاجتياح وعدم انتظاره، للتحضير لانتقالهم، وفي هذه المرحلة تجد آمال أنها تحولت لصورة داليا المحبة الحنونة ولكن الكاتمة لمشاعرها، وتجمعها بسارة ابنتها التي كانت حاملا بها قبل مغادرتها بيروت ذات العلاقة بينها وبين داليا، تربي ابنتها سارة بعيدا عن تاريخ وحياة عائلتها إلى حين ظهور إسماعيل من جديد في حياتها، وهي العودة التي تجرها ثانية إلى  فلسطين، ومقابلة اليهودي من أصل الماني، الفار أيضا من النازية، اري انشتاين صديق والدها، الذي فتح لها كنوز والدها المعرفية والأخلاقية والقيمية الغائبة معه، وتعود إلى جنين، لكنها لم تعد إلى عين حوض واكتفت الكاتبة بعودة سارة لعين حوض للالتحام بذاكرة جديدة مع المكان.

رضوى وسوزان في هذين العملين الفنيين ربما أكملتا صورة الجدات الراويات للحكاية الفلسطينية، لتعميقها في ذاكرة الأحفاد، وحفظها خوف ضياعها، وتشجيعهم على تحمل شظف العيش وقسوة الحياة في بلاد اللجوء، ومخيمات اللاجئين. وربما بالغتا في الوصف، وفي نقل الموروث الشعبي من أغاني وأهازيج الأعراس، ووقعتا في الفخ النسوي بالإكثار من التفاصيل التي رسخت المعنى، ولكنها جاءت على حساب فنية العمل، وأثقلت النص بحمولة زائدة أصابت القارئ ببعض الملل.

جنين قوية وحاضرة في رواية "بينما ينام العالم"، تفاصيل اللجوء إلى المخيم بعد النكبة، انتظام حياة الناس من جديد، مع أمل يتجدد كل يوم بالعودة، حرب العام 1967 التي شكلت صدمة  للاجئين وأحلامهم بالعودة، وغيرت نظرتهم لحياتهم من جديد، مع  تأسيس مسار عملي جديد في حياتهم من خلال انضمامهم للعمل الفدائي وأجنحته السياسية، بعيدا عن المنظور العربي ووعوده بالتحرير من خلال الجيوش العربية.

في جنين حب حقيقي صادق يزهر، وعلاقات صداقة طويلة تعيش إلى الأبد بين هدى وآمال، خوف، واضطراب، وشظف العيش، وحلول فردية للبعض تمثلها آمال، وهي حلول تأتي من رحم وهول المعاناة، تغيب طويلا طويلا عن الوطن، لكنها تعود مرة أخرى إلى عالمها القديم بعودة إسماعيل بعد معرفته بالحقيقة، ومن ثم عودتها إلى جنين دون أن تعود لعين حوض وتستشهد هناك، وكأن مصير عائلتها كلها: (الموت في جنين) بمن فيهم إسماعيل الضائع في هويته وانتمائه.

في "الطنطورية" جنين رمز للمقاومة، جنين خيار جديد للشعب الفلسطيني في الداخل تتقاطع مع خيارات الخارج، المرة الأولى بوصول عبد من جنين وتواصله مع صديقتها وصال، (وصال وعبد شقيقان هجرا من قرية الفريديس مع والدتهم إلى الطنطورة، فقد والدهم في معركة الدفاع عن القرية،، استضافتهم عائلة رقية، وهجرت العائلتان معا إلى مدن فلسطينية أخرى، استقرت عائلة وصال وعبد في جنين، ورحلت عائلة رقية إلى صيدا، وصارت عائلتها في الوطن)، من لقائها مع وصال بعمان في حفل زواج ابنها صادق من رندة النابلسية، وفي مصر في حفل زواج ابنها حسن من فاطمة اللداوية في اليونان، لتحول وصال بثوبها الفلسطيني والأغاني الشعبية والدبكة إلى عرس في أرض الغربة بطقوس فلسطينية.

في الروايتين عودة إلى الوطن: سارة تعود مع أمها لكن رحلة العودة تبدأ من تل أبيب ومن ثم القدس لتنتهي في جنين باستشهاد آمال، وتكمل سارة رحلتها إلى عين حوض لكن بروح مختلفة عن الروح التي وصلت بها البلاد، حيث تتحول إلى مناضلة مدافعة عن حقوق شعبها في وسائل الإعلام، حتى تقوم سلطات الاحتلال بتسفيرها، وتكمل طريقها من هناك من أميركا.

حسن ابن رقية يعود أيضا ولكن بزواجه من فاطمة وجواز سفر كندي يخوله الزيارة والعودة الفردية، ولا تخولهما العودة الحقيقية للوطن وأرض الأجداد، وهي عودة رمزية بعودتهما إلى الطنطورة وعين حوض.

الطنطورة تحضر في تحرير الجنوب اللبناني ولقاء الأحبة في رحلة الزحف من لبنان وفلسطين واللقاء عند السلك الشائك على الحدود اللبنانية الفلسطينية، وفيه تسمع رقية صوتا يناديها، خيل لها أنه صوت عمها أبو الأمين، لتفاجأ بابنها حسن وعائلته، ولم تكن تعلم شيئا عن رحلته هذه. تهدي رقية حفيدتها المولودة حديثا مفتاح بيتهم في الطنطورة، وتحضر الطنطورة أيضا، من خلال لقاء رقية بعائلة من قرية عين غزال، ومن خلالهم تتعرف رقية على مصير يحيى  خطيبها الأول من عين غزال، في صورة تعكس الفرح وعمق مأساة الفلسطيني في أدق مشاعره.

الغريب في هاتين الروايتين أن صاحبتيهما ورغم بعد المسافة عن فلسطين، واختلاف التجربة والعمر، اتفقتا من حيث لا تدريان على الكثير من التفاصيل، والمحطات التي عاشتاها، وكان أصدقها في مخيم جنين، وفي لبنان، فمثلا سارة ولدت بعد الاجتياح الإسرائيلي في كاليفورنيا، ومريم التي أصر أمين زوج رقية على تبنيها بعد الاجتياح الإسرائيلي كان عمرها بالأيام، لتمثلا الاستمرارية.

وأيضا الحديث عن مركز الأبحاث الفلسطيني في بيروت، ورئيسه أنيس الصايغ صياغة لمشروع ثقافي، يقابله دار الطفل العربي لترميم نتائج النكبة، مشروع ثقافي ومشروع تعليمي وكأنهما القشة التي تعلق بها الفلسطيني من الغرق، وهما محرك مشروع ثورته ومشروع التحاقه بالعالم، هما أمان الفلسطيني، هما التعويض عن الأرض التي نهبت؛ التعليم لتوفير فرص العمل. والثقافة لتأكيد الهوية وتوثيقها وتوثيق الحكاية والرواية للأجيال.

أجمل صور الروايتين ومشاهدها كانت في الطنطورية وفي عين حوض، البحر، الزيتون، الأزهار، الأحصنة، صور متدفقة بالحياة.. الأمان.. الفرح.. الأمل نقلتها الروائيتان وفصلتا فيها قبل اللجوء. بدأتها رضوى بصورة البحر الذي يجلب الحب  والخير معه، آثار القرية، طقوس الزواج فيها، حياة العائلة وتفاصيل حياة أفرادها، تعكس فيها بساطة الحياة وقوة العلاقات. حيفا كانت غربة بالنسبة لوالدتها، عالمهم يتكون من خلال الصور التي ينقلها الوالد لهم، وبعد ذلك من خلال الراديو الذي احتل مساحة من بيتهم بعد اعتداءات العصابات الصهيونية، والتحضير الغني والمشبع لمرحلة ما قبل اللجوء واستيلاء العصابات الصهيونية على قريتها.

في حين بدأتها سوزان من طقس يومي للقرية في قطاف الزيتون الذي يكتسب صفة القداسة عند الفلسطينيين، في حقل جدها يحيى ووالدها وعمها درويش، وهما يمتلئان قوة في العمل، والأكل الذي تعده جدتها باسمة.

مشاهد القرية فيها صنعة حقيقية وفيها صور سينمائية وخيال وإبداع، تدعو للسلام والتعايش المشترك انطلاقا من التاريخ القريب لتعايش الفلسطينيين بمختلف فئاتهم ومذاهبهم الدينية، وفيها مواقف وصور أضيفت إلى النص بصورة سينمائية، عندما يقرر حسن ابن يحيى الذهاب إلى القدس بعد نهاية موسم قطاف الزيتون لتسويق محصوله من الزيت والزيتون والزبيب واللوز فيها، رغم أن أسواق يافا أفضل وأسواق طولكرم أقرب، لكنه يصر للقاء صديقه اليهودي اري بير لشتاين (اري شاب ابن لبروفيسور ألماني فر من النازية واستقر بالقدس في بيت صغير استأجرته أسرته من وجيه في المدينة) في القدس، رغم مخاطر الطريق من الجنود البريطانيين والعصابات الصهيونية وفاء لعلاقة جمعتهما منذ سبع سنوات في العام 1937.

كما رسمت سوزان في روايتها عالما جميلا، يعيش تناقضاته المختلفة، حب الأخوين لداليا، علاقة الكنة بالحماة، جموح داليا وتمردها على العادات والتقاليد، يرودها الزواج ويهدها النزوح، صور الخير، الورد، الأحصنة، المساحات الشاهقة المزروعة.

فكيف لمن امتلك هذا العالم أن يتحمل عذابات اللجوء. جدها يحيى (هي صورة متداولة في الأدب الفلسطيني لكنها في الواقع صور حقيقية) يعود إلى عين حوض بعد عام من اللجوء، هاتف داخلي يناديه، الأرض وأشجار الزيتون والتين تناديه لقطافها، لا أحد غير أهلها قادر على العناية بها، يلبي النداء ويتحضر بأجمل حلة، ويعود إلى عين حوض، يعود بعد أيام ويموت من فوره، وهو قابض على حبات الزيتون بين يديه وحبات من التين في جيبه، مات لأنه لم يعد يحتمل فكرة أن لا عودة لعين حوض.

يقابلها في الطنطورية حكاية العجوز الذي عاد إلى صفورية على حمار، ورغبة رقية في تقليده، وهي الحكاية التي نقلها لها الشيخ محمد من الطنطورة، التقته صدفة في مول تجاري في أبو ظبي.

في الروايتين هناك راوٍ، هناك حافظ للتاريخ، هناك من هو مؤتمن على الرواية لينقلها للأجيال القادمة، ويعيد ترتيب الحكاية في أذهان الأجيال الشابة. في الطنطورية كان الحاج محمد الذي روى لرقية ما جرى في قريتهم، استشهاد والدها. شقيقاها، طردا من قريتهما وحملا بشاحنات إلى طولكرم، نقل جثامين من استشهدوا في الحرب، اعتقاله على مدار عام ونصف، انتقاله إلى دمشق للالتحاق بعائلته، ومن ثم العودة إلى جنين، وفيها واصل نضاله واعتقل أكثر من مرة.

وفي "بينما ينام العالم" هناك الحاج سالم الذي روى لآمال بعد عودتها الكثير من التفاصيل عن حياة عائلتها، ليكمل لها صورة العائلة التي تعرفت عليها من اروى، وعلاقة آمال بهدى، وهي شبيهة بعلاقة وصال برقية.

العلاقة مع العالم الغريب والبعيد عن عالم اللجوء يشكل صدمة ثقافية لبطلتي الرواية، وهو بعد جديد تناولته الروائيتان؛ في "الططنورية" كانت، صدمة مع ثقافة البذخ  والاستهلاك في الخليج التي انغمست فيها فئة من اللاجئين، دون أن ينسوا وطنهم، ورقية ترفضها، وتصر على إبعاد ابنتها مريم عن هذه الثقافة، وتعوض ذلك بعلاقتها بالمستضعفين (يمثلهم الخدم في بيت ابنها) وهي تنحاز إلى السريلنكيات منهم على حساب الفلبينيات الأكثر تطورا من وجهة نظر أرباب عملهن، هناك رابط خفي يجمعها بهن، في حالتها الاحتلال الذي أبعدها عن وطنها، وفي حالة الخادمات القهر الاقتصادي، وهما بالنتيجة ضحيتان، ومع ذلك لم تعد تحتمل هذا العالم وترى في تعليم ابنتها في مصر فرصة للهروب منه.

آمال تكون صدمتها الثقافية في أميركا، في جامعة "تمبل" في فيلادلفيا التي استضافتها  لدراسة البكالوريس بمنحة، تعمل في مناطق السود، تستشعر الأمان بينهم، وتقيم علاقات صداقة معهم.

 الطنطورية تصمد في وجه هذه الثقافة، لكن آمال ما تلبث أن تنغمس في العادات الأميركية وتعيش حرياتهم، وتتخفى في ثوب إيمي الأميركية بدلا من آمال الفلسطينية، لينقذها يوسف من نفسها باتصال يعيدها إلى آمال التي تحسم أمرها بالذهاب إلى بيروت بعد إنهاء دراستها العليا في جامعة كارولينا في العام 1978.

في النهاية شكلت الروايتان صورا واقعية من حياة الفلسطيني، تعتمد على رواية من عاش المأساة مع بعض الصنعة، لكنهما أضافتا بعدا جديدا لأدب النكبة بنكهة ورؤية نسوية.

 


[*] كاتبة وإعلامية.

الملفات المرفقة

Zulf ahFROUE.doc
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2017
Track visitors of website