أهمية التاريخ الشفوي مقابلاتي مع زعماء الحركة الوطنية الفلسطينية، تيسير جبارة، العدد 266

شهادة:

أهمية التاريخ الشفوي

مقابلاتي مع زعماء الحركة الوطنية الفلسطينية

أ.د. تيسير جبارة[*]

 

كنت أتابع دراستي العليا (الدكتوراه) في جامعة نيويورك، وبعد أن أنهيت المقررات المطلوبة، بقي علي كتابة الرسالة، وقد نصحني المشرف بالسفر من أميركا للشرق الأوسط لمقابلة زعماء الحركة الوطنية الذين عاصروا الحاج أمين الحسيني من الذين بقوا على قيد الحياة. لأن رسالتي كانت بعنوان: "الحاج محمد أمين الحسيني مفتي القدس 1921-1937م". وبعد دراستي للكتب الكثيرة العربية والإنجليزية في الجامعة تكونت لدي أسئلة كثيرة لا بد من الإجابة عليها، وذلك لزيادة المعرفة والاطلاع على سيرة حياة المفتي الذي لعب دوراً كبيراً في تاريخ فلسطين.

قررت أن أراسل جامعة بيرزيت حتى أتمكن من التدريس في الوقت نفسه الذي أقوم بجمع المعلومات عن المفتي. وبالفعل عملت مع الجامعة وقمت بالتدريس فيها لمدة ستة شهور عام 1980م. في هذه الفترة زرت دور الأرشيف في الضفة الغربية وفلسطين المحتلة (إسرائيل) وفي سنوات لاحقة أصدرت كتابين تحت عناوين:

1-  الوثائق الفلسطينية في دور الأرشيف اليهودية.

2-  الوثائق الفلسطينية في دور الأرشيف البريطانية.

وكنت قد وضعت قائمة بأسماء شخصيات هامة لعبت دوراً هاماً في تاريخ فلسطين وكانوا يجتمعون يومياً أو أسبوعياً بالمفتي. فقد قابلت الدكتور إسحق موسى الحسيني الرجل الضليع في اللغة العربية في 28/6/1980 و23/7/1980م. وكان يسكن في الجهة الشمالية من ملعب الشيخ جراح شمالي القدس، وكان يجيب عن أسئلتي حول عائلة الحسيني وأصلها وفروعها ودورها في التاريخ الفلسطيني خاصة من حيث الإفتاء في القدس، فهي عائلة عريقة تقلد بعض أفرادها مناصب هامة في الإفتاء وفي بلدية القدس، كما علمت أن لهم بعض الأملاك أيضا خارج مدينة القدس.

وقلت له إنني أقوم بكتابة رسالة الدكتوراه عن المفتي وعن العائلة الحسينية، وإنني سوف أسافر إلى لندن لاستعمال الوثائق الفلسطينية هناك، فأرشدني إلى الاتصال بالدكتور عبد اللطيف الطيباوي الذي كان يعمل في لندن، وقال الدكتور إسحق إنه توجد وثيقة أصلية في المتحف البريطاني عن العائلة الحسينية وتوجد نسخة أخرى في المكتبة الخالدية في القدس وقد قدم لي رقم الوثيقة الموجودة في الأرشيف البريطاني.

وعندما سافرت إلى لندن قابلت الدكتور الطيباوي، وذهبت وإياه إلى الأرشيف، ثم قمت بتصوير الوثيقة عن آل الحسيني ورقمها هو: (OR3047)[1].

تطرق الحديث بيني وبين الدكتور إسحق موسى الحسيني إلى محمد عزة دروزة فقدم لي رقم هاتفه في دمشق، وقررت مقابلته بعد أن أغادر فلسطين (الضفة الغربية)، إلى دمشق، قمت بزيارة الدكتور إسحق أكثر من مرة أثناء وجودي في الضفة الغربية وفي جامعة بيرزيت. وكنت أساله عن العلاقة بين آل الحسيني وآل النشاشيبي، وكان يجيبني دائما لقد زرع الإنجليز والصهاينة الحقد والبغضاء بين هاتين العائلتين، واتبعوا أسلوب سياسة فرق تسد ونجحوا بذلك للأسف، حتى أدى ذلك إلى التفرقة بين أبناء الشعب الفلسطيني، فهناك قرى تابعة لآل الحسيني سياسياً وهناك قرى تابعة لآل النشاشيبي سياسياً. كما أن هناك عائلات في القرية الواحدة انقسمت على نفسها بعضها تتبع آل النشاشيبي وبعضها تتبع آل الحسيني. وكان يدور جدل بين هذه العائلات يؤدي إلى عدم الوحدة وعدم التفاهم والصراع أحياناً.

وفي جولة أخرى من المقابلات، قررت مقابلة الحاج أمين التميمي الذي كان يعيش بالقرب من فندق الامبسادور في القدس. وكان الحاج التميمي قد أرسله المفتي إلى تركيا للحصول على وثائق من الأرشيف التركي عن موضوع الأوقاف في فلسطين. وقد أحضر معه مئات الوثائق عن الأراضي الوقفية وقدمها للمفتي عام 1924م، وقد استطاع الحاج محمد أمين الحسيني بواسطة هذه الوثائق أن يقدم طلباً للإنجليز في 19/10/1922م طالباً منهم تعويض الشعب الفلسطيني عن سنوات استخدام هذه الأراضي الوقفية من قبل الإنجليز[2].

وطلب الإنجليز من المفتي هذه الوثائق لدراستها والتأكد منها، وبعد تقديم هذه الوثائق للإنجليز، سافر وفد إنجليزي متخصص بالوثائق إلى الأرشيف التركي، وبالفعل تأكد الإنجليز، أن هذه الوثائق صحيحة وأن هذه الأراضي هي أراضي أوقاف إسلامية استخدمها الإنجليز لمدة تزيد عن خمس سنوات. لذا طالب المفتي بالتعويض المادي أو الخروج من الأراضي الوقفية وقد دفع الإنجليز حوالي 40.000 جنيه إسترليني للمفتي كتعويض وخرجوا من هذه الأراضي إلى أماكن أخرى، وهناك مدارس بنيت على أراضي الأوقاف اعتبرها المفتي مدارس تابعة للأوقاف الإسلامية.

لقد كان الحاج أمين التميمي نشيطاً أثناء حياة المفتي، وعندما طلبت مقابلته خرج ابنه والبالغ من العمر وقتها حوالي أربعين عاماً لمقابلتي، فسألته إذا كان بالإمكان مقابلة والدك، فاعتذر وقال إن والدي مريض ولا يستطيع مقابلة أحد. وقلت: إذن أعود بعد شفائه من المرض، فرفض أيضاً، فقلت: إسأل والدك، فدخل إلى البيت وقال إنه سأل والده ورجع إليّ قائلاً: للأسف لن يقابل أحداً. وهذا هو الرجل الوحيد الذي فشلت في مقابلته.

ثم قابلت الأستاذ فيصل الحسيني، ابن الشهيد عبد القادر الحسيني شهيد معركة القسطل عام 1948م، في 28/6/1980م، والذي أطلعني على وثائق كثيرة بصفته مدير جمعية الدراسات العربية، والتي فيها الكثير من الوثائق الفلسطينية. وقد زرت الجمعية مرات عديدة، وقمت بتصوير وثائق كثيرة، اقتبست منها لمؤلفاتي ولرسالة الدكتوراه. كما سلمني بعض الوثائق التي تعود لآل الحسيني زمن الأتراك وفيها معلومات عن المفتين، والقضاة، والأئمة، من آل الحسيني في القدس منذ القرن السابع عشر الميلادي.

سألت فيصل الحسيني أن يرشدني إلى شجرة آل الحسيني وجذور العائلة فطلب مني الاتصال بالسيد سعيد الحسيني فقابلته وطلبت منه أن يسلمني هذه الوثيقة التي تضم جميع أفراد آل الحسيني من المفتين والقضاة والأئمة والمدرسين، وقد سلمني هذه الشجرة والتي تعود جذورها إلى الخليفة علي بن أبي طالب وقال داود الحسيني إن بعض أسماء أفراد العائلة الموجودين في شجرة العائلة قد أخذت من سجل المحكمة الشرعية في القدس.

وفي جولة أخرى من المقابلات، قابلت في القدس بتاريخ 12/6/1980م، وفي بيروت بتاريخ 22/11/1980م السيدة زينب الحسيني ابنة المفتي الحاج أمين الحسيني الكبرى، وكانت أسئلتي تتركز على العائلة وكيف كان المفتي يعيش مع عائلته وكيف كان يعاملها، فقالت زينب كنا نجتمع معاً أثناء وجبة الطعام مساءً وكان يحدثنا في الأمور الدينية ويبتعد عن الأمور السياسية، لكنه كان يعامل عائلته باللطف واللين، ويطلب منهم حفظ القرآن الكريم. ولم يفرق بين بناته في المعاملة وجميعهن شعرن بذلك الإحساس.

وقالت زينب الحسيني إن والدها انتقل عام 1928م مع عائلته من البيت الذي كان يسكن فيه خارج القدس القديمة ليسكن في بيت قرب المسجد الأقصى يشرف على حائط البراق مباشرة، وكان المفتي يهدف من هذا الانتقال إلى البيت الجديد داخل القدس القديمة والذي يشرف على حائط البراق، إلى مراقبة اليهود في حالة مخالفتهم الوضع كما كان عليه سابقاً، الذي يحول دون دخول اليهود لتلك المنطقة إلا بإذن المسلمين، وقصد المفتي أيضاً أن يظهر للصهاينة والإنجليز أنه حامي المقدسات الإسلامية ومستعد لبذل روحه في سبيل الحفاظ على الحائط إذا لزم الأمر. وقد قابلت كلاً من: زوجة محمد النقيب الحسيني (أمينة الحسيني)، وسعاد الحسيني (بنت المفتي) وفاطمة الحسيني.

وأثناء تجوالي في الضفة الغربية قابلت آخرين مثل إحسان النمر في 29/5/1980 وبتاريخ 6/6/1980 في نابلس الذي شرح لي عن كيفية نجاح الإنجليز والصهاينة في سياسة فرق تسد بين فلاح ومدني، وكانت مدينة نابلس مرتعاً لهذه السياسة الصهيونية الإنجليزية ولقيت قبولاً واسعاً، فأخذ ينظر المدني إلى الفلاح نظرة احتقار وازدراء وقد شعر الفلاح بذلك، وبالمقابل لم يرحب الفلاحون بالتجار القادمين من المدينة إلى القرية، بل طردوهم وتبعوهم بالشتائم حتى الخروج من القرية. لقد زرع الصهاينة هذه السياسة في فلسطين وكان على رئاستهم جابوتنسكي الذي حاول تشكيل جمعية التآخي العربي اليهودي رداً على تشكيل الجمعية الإسلامية المسيحية وقد فشل في مسعاه[3]، وكالفاريسكي الذي حاول تشكيل الجمعية الإسلامية الوطنية وقصده إضعاف الجمعية الإسلامية المسيحية. ولكنه فشل بسبب يقظة المسلمين، وهذه الجمعية لم تعش سوى ثلاثة أشهر حيث اكتشف أمرها شكري قطينة وفضحها على صفحات الجرائد العربية الفلسطينية.

كما شرح لي إحسان النمر عن معاملة الجيش التركي لأبناء نابلس، فقال إنها كانت جيدة إلى حد ما مقارنة مع معاملة الإنجليز، وقال ليتهم يعودون لحكم نابلس بدلاً من الإنجليز الذين عاملونا بالقسوة. وقد أهداني كتاباً بعنوان الطريق إلى السويس، وذكر لي أنه قام بتأليف عدة كتب.

كما قابلت السيد عادل كنعان بتاريخ 31/5/1980م في نابلس الذي كان يعمل في المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى، وقد سألته عن كيفية تشكيل المجلس الإسلامي، حيث شرح لي عن طريقة وكيفية تدخل الإنجليز في الانتخابات رغم أنه لا يخضع للإنجليز. وكان سؤالي الآخر وهو أن معظم الوثائق التي كانت تصدر عن المجلس الإسلامي كان قد وقعها الحاج أمين الحسيني، وكان طابع الوثيقة على الآلة الكاتبة هو (ف.ح) وأردت أن أعرف اسم هذا الشخص. وقد سألت السيد عادل فأجابني أن اسمه فهد حمدان ويكتب اختصاراً (ف.ح)، وعندما سألته من هو هذا الشخص قال لي قصة غريبة وهذا موجزها:- كان فهد حمدان يتيماً وقد كفله الحاج أمين وقام بتعليمه ثم عينه موظفاً في المجلس الإسلامي طابعاً، واستطاعت المنظمة الصهيونية شراء هذا الشخص وأصبح عميلاً للمنظمة الصهيونية، وكانت المنظمة قد حصلت على كل نسخة قام بطباعتها وصدرت عن المجلس الإسلامي الأعلى، وقد تم اكتشاف هذا العميل، ووصل الخبر إلى المفتي عن تصرفات فهد حمدان. كانت هذه صدمة للمفتي لكنه لم يعاقبه معاقبة شديدة كما يستحق بل فصله من وظيفته وأسمعه كلاماً قاسياً. وقال السيد عادل لم يكتف المفتي بفصل فهد حمدان من وظيفته بل وضعه تحت المراقبة السرية لمعرفة إذا كانت هناك خيوط أخرى تتصل بالمنظمة الصهيونية وتوصل المعلومات للصهاينة. لكن المنظمة أفشلت خطط المفتي ولم يتصل أحد من اليهود بفهد حمدان بعد اكتشاف أمره. كانت المنظمة الصهيونية تشتري الأنفس الضعيفة من الفلسطينيين وتجندهم لخدمتها، ومثال ذلك أنها جندت شخصاً لمراقبة المفتي عند ذهابه للقاهرة للدعوة إلى عقد المؤتمر الإسلامي في القدس عام 1931م، وقد أرسل هذا الجاسوس رسالة إلى المنظمة الصهيونية ذاكراً لهم عن نشاطه ضد المفتي وعن ملاحقته وأنه ركب في القطار نفسه الذي ركب به المفتي، وقال إنه سوف يتكلم مع الشخصيات الكبيرة في القاهرة بصفته شخصية فلسطينية كبيرة ضد آراء المفتي[4].

وقد كتب مارتن كريمر رسالة دكتوراه في جامعة برنستون بولاية نيوجيرزي في أميركا ذكر فيها أن عميلاً اسمه تيسير دويجي وهو صحافي كانت قد وظفته الوكالة اليهودية لنشر مقالات ضد المؤتمر الإسلامي في كل من فلسطين وسوريا ومصر، ودفعت الوكالة له أجراً[5].

وهناك أشخاص آخرون قابلتهم في القدس ورام الله، أذكر منهم السيدة ماري شحادة زوجة بولص شحادة محرر جريدة مرآة الشرق، حيث قدمت لي نسخاً من الجريدة وكانت تحتفظ بأعدادها، وعندما قلت لها هل استطيع الحصول على بعض النسخ وأعيدها إليك، فأجابتني إن زوجي أوصاني قبل وفاته أن احتفظ بهذه الجرائد الثمينة ولا أفرط بها، وأما إذا أردت استعمالها فسوف أخصص لك مكاناً لتستخلص ما تشاء منها في البيت نفسه، وأخذتني إلى مكتبة البيت فإذا بالغرفة مليئة بأعداد الجرائد وبعض الكتب الخاصة.

كانت جريدة مرآة الشرق تؤيد حزب المعارضين أي النشاشيبيين ضد المجلسيين أي المفتي وجماعته في المجلس الإسلامي. وسألتها لماذا هذا العداء بين زوجك المرحوم بولص شحادة وبين المفتي، فأجابتني إن زوجي كان يرى التفاوض مع الإنجليز واليهود ولكن المفتي لا يرغب بذلك ولا حتى جماعته المجلسيون. وكانت جريدتهم (جريدة الجامعة العربية) تكتب ضدنا وتتهجم على جريدتنا (مرآة الشرق) لأننا نريد الصلح مع اليهود والإنجليز، ولا يدركون أن بريطانيا أقوى دولة على الكرة الأرضية، هل يستطيع المجلسيون أن يقفوا أمام قوة بريطانيا؟ هل يستطيعون الانتصار عليها؟

وأضافت قائلة: أريد أن أحدثك قصة حدثت مع زوجي للدلالة على سوء النية من المجلسيين، حيث ذهب زوجي برفقة بعض أصدقائه مع المعارضين وهم أعضاء في الحزب الوطني إلى عمان للسلام على الشريف حسين عندما جاء إلى عمان عند ابنه الأمير عبد الله عام 1924م، وبالقرب من القصر الأميري تعرض زوجي وجماعته لرشق البيض والبندورة من المجلسيين فأصبحت حالتهم يرثى لها[6]. ولم ينس زوجي هذه القصة وحدثني بها مراراً وكان يشتم آل الحسيني والمجلسيين وأضافت قائلة: إن جريدة مرآة الشرق كانت تكشف أخطاء المجلسيين على صفحاتها.

ذهبت إلى عمان لمقابلة رجال آخرين عاصروا المفتي ويعيشون في عمان، وكان منهم حيدر الحسيني ابن كامل الحسيني شقيق المفتي، وقد قابلته أكثر من مرة، ولم يبخل علي بالأجوبة حتى الأسئلة الصعبة والسرية، وكان المسؤول عن مجلة فلسطين التي كانت تصدر عن الهيئة العربية العليا، وكان على إطلاع تام بما يجري في فلسطين وعن نشاط المجلس الإسلامي الأعلى.

وقال لي حيدر الحسيني عن موضوع البنك العربي كيف تم تأسيسه وما هو دور المفتي بذلك، فقال حيدر:- إن مفاوضات جرت في مصر بين طلعت حرب رئيس البنك المصري وعبد الحميد شومان[7] مؤسس البنك العربي لاحقاً وذلك لتأسيس بنك مصري – فلسطيني في القدس، وكانت المفاوضات ناجحة في صيف عام 1929م، وعندما سمع الصهاينة هذه الأخبار طلبوا من عميلهم في مصر قطاوي باشا استعمال نفوذه لدى الملك فؤاد ليوقف هذا المشروع أولاً، وكذلك عدم التدخل المصري في شؤون فلسطين ثانياً.

نجح قطاوي باشا عميل الصهاينة في مهمته وفشلت المفاوضات الفلسطينية المصرية ولم يتشكل بنك فلسطيني مصري. وبسبب هذا الفشل قام المفتي بتشجيع عبد الحميد شومان الفلسطيني الجنسية من بلدة بيت حنينا قرب القدس أن يفتتح بنكاً فلسطينياً دون الاشتراك مع مصر، وقال المفتي: إنه سيضع أموال الأوقاف في البنك العربي بقصد تشجيع البنك. وهكذا تأسس البنك العربي في القدس عام 1930م.

وسألت حيدر الحسيني كيف استطاع المفتي أن يخرج من المسجد الأقصى عام 1937م علماً أنه محاط ومطوق من الإنجليز والعملاء؟ وكان قد مكث محاصراً في الأقصى حوالي ثلاثة أشهر دون أن يستطيع الإنجليز القبض عليه، تحسباً من ردود الأفعال جرّاء انتهاك حرمة الأقصى بدخول الجنود إليه. فأجابني حيدر قائلاً:- كان المفتي يصلي في الأقصى، وكان بجانبه بعض المصلين الهنود، وبعد الانتهاء من الصلاة همس أحدهم في أذنه قائلاً أنه مسلم هندي وهو جندي من الجيش الإنجليزي الذي يخدم في فلسطين، وجاء مع آخرين للقبض عليه. وبالفعل تسلق المفتي حائط المسجد الأقصى وكان في انتظاره بعض جماعته خارج السور وركب في سيارة ذاهباً إلى يافا ثم دخل قارباً صغيراً وأبحر على الساحل الفلسطيني متجهاً إلى الشمال مع حرس خاص له حتى وصلوا إلى مكان قريب من عكا، وركب قارباً آخر متجهاً إلى لبنان، وعندما وصل السواحل اللبنانية تم إلقاء القبض عليه من قبل خفر السواحل الفرنسيين ظانين أن هذا القارب يقوم بتهريب المخدرات. وعندما علموا أن زعيم فلسطين في هذا القارب قاموا بتسليمه للقوات الفرنسية في لبنان عندئذٍ طلب منهم اللجوء السياسي. وفي اليوم التالي أوردت الجرائد الإنجليزية أنه قد تم إلقاء القبض على المفتي داخل المسجد الأقصى، بينما نشر في اليوم نفسه نبأ في الجرائد الفرنسية أن المفتي هو الآن لاجئ سياسي في بيروت. عندئذٍ قام وزير المستعمرات بإقالة قائد الشرطة في فلسطين بسبب إعطائه أنباء كاذبة عن اعتقال المفتي في الأقصى وظهر أنه في لبنان، ولا يبعد أن يكون الهدف من نشر الخبر في الصحافة الإنجليزية هو استفزاز المحيطين بالحاج أمين لكشف مكان اختفائه.

وأما عن دور المفتي في الدفاع عن أراضي الأوقاف الإسلامية فقد حدثني الأستاذ حيدر الحسيني قصة نجح فيها المفتي في إفشال خطة صهيونية للسيطرة على أراضي في قرية عتيل قرب طولكرم، سمع المفتي أن شخصاً من قرية عتيل توصل في مفاوضاته مع المنظمة الصهيونية إلى بيع أرضه بثمن عالٍ ولم يوقع الاتفاقية بعد، عندئذٍ أسرع المفتي وأعضاء من المجلس الإسلامي إلى قرية عتيل واجتمعوا بصاحب الأرض، الذي أعلمهم أنه لم يوقع الاتفاقية بعد، ولكنه وافق على بيع أرضه، فقال المفتي سنعطيك ثمن الأرض بنفس المبلغ الذي اتفقت به مع الصهاينة، ونسجل الأرض وقفاً إسلامياً، ولا مانع أن تبقى في أرضك تحرثها وتأخذ محصولها ولكنها تكون مسجلة باسم الأوقاف الإسلامية. فوافق الرجل وعندما علمت المنظمة الصهيونية أن الأرض سجلت وقفاً إسلامياً احتجت وقدمت شكوى للمندوب السامي البريطاني، وذكرت في شكواها أن المفتي عقبة أمامنا يمنعنا من شراء الأراضي، كما أنه يسجل الأراضي وقفاً إسلامياً حتى لا نستطيع شراءها.

وذكر الأستاذ حيدر الحسيني أن المفتي كان نشيطاً وصديقاً للمسلمين الهنود فعندما توفي مولانا محمد علي في لندن عام 1930م طلب المفتي من شوكت علي شقيق المرحوم أن يدفن مولانا محمد علي في باحة الأقصى المبارك، وقد تم نقل المتوفى من لندن إلى فلسطين بدلاً من لندن إلى الهند، وتم دفنه في ساحة المسجد الأقصى المبارك بالقرب من أضرحة موسى كاظم الحسيني وعبد القادر الحسيني والشريف حسين[8] والذي يزور المسجد الأقصى سيرى على الضريح هذه الكلمات:

بسم الله الرحمن الرحيم "إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة" ضريح المجاهد العظيم مولانا محمد علي الهندي تغمده الله برحمته توفي بلندن في النصف من شعبان ودفن بالقدس يوم الجمعة الخامس من رمضان سنة تسع وأربعين وثلائمائة وألف هجري"{C}[9]{C}.

شجع المفتي مولانا شوكت علي الكتابة عن فلسطين في الجرائد الهندية، وشرح له أن الأراضي في فلسطين مهددة من المنظمة الصهيونية، فأرسل مولانا شوكت علي رسالة إلى المفتي ذكر فيها: أنه سوف يطلب من المسلمين في الهند أن على كل مسلم هندي أن يشتري دونماً أو نصف دونم أرض في فلسطين وأن يسجلها وقفاً إسلامياً، وتكون هذه الأرض عبارة عن قطعة له في الجنة يوم القيامة{C}[10]{C}.

وسألت الأستاذ حيدر الحسيني فقلت: لقد ترك المفتي فلسطين فمن يدير الأمور في البلد؟ هل المعارضون سيطروا على الأمور، خاصة وأن معظم زعماء الحركة الوطنية في المنفى أو السجن أو الشتات؟ فأجابني قائلاً: إن وجود المفتي في لبنان لم يمنعه من تسيير دفة الأمور في فلسطين، حيث كانت له عيون تراقب الوضع، وكان يرسل من يثق بهم إلى الوطن للاجتماع مع آخرين في القدس، وسلمهم رسائل خطية طلب فيها منهم تحقيق أمور كثيرة وكأنه موجود في القدس، تماماً كما يسير دفة الأمور عندما كان محاصراً في المسجد الأقصى المبارك ثلاثة أشهر، فلم يبتعد عن العمل السياسي حتى ولو كان بعيداً عن مكتبه في القدس، وقال حيدر قمت أنا بتسليم رسائل خطية وأقوال شفوية من المفتي لأشخاص مقربين من الحاج أمين لم يتم نفيهم.

وقابلت الشيخ عبد الحميد السائح{C}[11]{C} في عمان بتاريخ 18/7/1980م، حيث ذكر لي أن المفتي حوصر من الإنجليز، والصهاينة، والمعارضين، ورغم ذلك كان ثابتاً يدافع عن حقه في فلسطين كي تصبح مستقلة، وبقي رمزاً وممثلاً للروح الوطنية في فلسطين وأما عن المؤتمر الإسلامي فقال:- إن المفتي أراد أن يبين للعالم الإسلامي أن السنة والشيعة هم وحدة واحدة لا فرق بينهما، حيث طلب من زعيم الشيعة السيد كاشف الغطاء (من العراق) أن يصلي إماماً في الوفود الإسلامية التي وصلت المسجد الأقصى المبارك، وقد شرح الزعيم الشيعي للمسلمين أن الآية الكريمة (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله)، تعني أن الله سبحانه وتعالى بارك في الأقصى وما حوله، وليس فقط المباركة للشجر والحجر، بل للشعب الفلسطيني أيضاً الذي هو عبارة عن حارس للمسجد الأقصى المبارك من الاعتداءات الصهيونية أو أي اعتداء أجنبي، والمباركة هنا حتى قيام الساعة.

ثم قابلت الدكتور محمود الحسيني في عمان بتاريخ 17/7/1980م، وقلت له إنني قرأت في الأرشيف الصهيوني عن شخص تردد اسمه كثيراً وهو محمد شاكر الحسيني، من هو هذا الشخص؟ وما هي وظيفته؟ ولماذا كان يكتب كثيراً ضد المفتي ويرفع الرسائل للمندوب السامي؟ والباحث في تاريخ فلسطين والذي يقرأ هذه الرسائل يظن أن محمد شاكر الحسيني رجل سياسي، وكأن تاريخ فلسطين مبني عليه، فأجابني الدكتور داود قائلاً إن هذا الشخص لم يكن معروفاً ولم يكن مهماً، ولم يلعب أي دور سياسي في تاريخ فلسطين ولكن ربما الحزب المعارض هو الذي كان وراء هذه التصرفات.

وهناك رسائل وصلت المندوب السامي البريطاني موقعه من أشخاص ومن بينهم محمد شاكر الحسيني تتهجم على المجلس الإسلامي الأعلى وتتهجم على الحاج أمين الحسيني وذلك بتاريخ 11/8/1932م، وقد أرسل المندوب السامي رسالة إلى وزارة المستعمرات البريطانية بتاريخ 24/9/1932م، قال فيها إن هؤلاء ليسوا ذوي أهمية في فلسطين وأنهم غير محبوبين في بلدهم، وجاء في رسالة المندوب البريطاني عن هؤلاء الذين وقعوا على الرسائل فقال:

“…I may add that the petitioners are not people of importance, nor are many of them highly respected in the country”{C}[12]{C}

وقابلت الدكتور رجائي الحسيني في بيروت بتاريخ 22/11/1980 و23/12/1980م، وكذلك قابلت عبد الرحمن خليل (أبو شحادة) من قرية لفتا بتاريخ 22/7/1980م، وسألت كلاً منهما بأوقات مختلفة عن فرق الكشافة التي تشكلت في فلسطين، فأجابني الدكتور رجائي أن المفتي كان المخطط لتأسيس هذه الفرق الكشفية. أما عبد الرحمن خليل الذي كان أحد قادة الكشافة الفلسطينية{C}[13]{C}، فقد قال:- يرجع تاريخ تشكيل فرق الكشافة هذه إلى طلب الحاج أمين الحسيني من بهاء الدين الطباع، لبناني الأصل، تشكيل فرق كشفية فلسطينية، وكان المفتي قد تعرف على الطباع أثناء زيارته للهند لجمع الإعانات لإعمار المسجد الأقصى المبارك. وكان الطباع آنذاك يقوم بتدريب الفرق الرياضية الكشفية الهندية في الهند. وكان هدف المفتي من تأسيس فرق الكشاف تشكيل جيش محلي بحجة تأسيس فرق كشفية رياضية لأن اليهود كان لهم فرق كشفية صهيونية تدعى المكابية{C}[14]{C}، ولهذا السبب تشكلت فرق رياضية كشفية عربية في جميع مدن فلسطين بتشجيع من الحاج أمين الحسيني. وكان تأسيس هذه الفرق الكشفية الرياضية على نمط كشافة بادن باول الإنجليزي الذي كان أول من أسس الكشافة الإنجليزية{C}[15]{C}.

وذكر لي حيدر الحسيني أن المفتي طلب حضور جميع أعضاء الكشافة إلى ساحة المسجد الأقصى وقد حضر أكثر من 15.000 كشافٍ إلى ساحة المسجد وأنشدوا الأناشيد الوطنية{C}[16]{C}، وكان قصد المفتي من ذلك إبراز القوة الفلسطينية أمام الصهاينة والإنجليز. وقد أحتجّ المندوب السامي على هذا التصرف من قبل الكشافة وطلب من المفتي أن لا يتدخل في الأمور السياسية وأن لا يخلط الأمور الدينية بالسياسية{C}[17]{C}.

وقابلت الدكتور عزت طنوس عدة مرات عام 1980م، فقال إن الشعب الفلسطيني:- اختلف في قبوله أو رفضه الكتاب الأبيض، فمثلاً رفضه المفتي لأن فيه نقاطاً غامضة، ولأن فيه السماح بهجرة 75 ألف يهودي في أول خمس سنوات ثم تتوقف الهجرة اليهودية نهائياً وتصبح الهجرة مرهونة بموافقة العرب، وقال عزت طنوس إنه وافق على ما جاء في الكتاب الأبيض لأن فلسطين ستصبح مستقلة بعد فترة انتقال مدتها عشر سنوات. وأضاف طنوس قائلاً - وكان متفائلاً جداً – لو قبل المفتي بالكتاب الأبيض لتغير مجرى تاريخ فلسطين. لكن المفتي كان يرى أن وعود الإنجليز كانت كلها عبارة عن تخدير للعرب. وتوقع استمرار الهجرة اليهودية رغم صدور الكتاب الأبيض، والحقيقة أن الهجرة اليهودية لفلسطين استمرت حتى انقضاء الخمس سنوات المحددة في الكتاب الأبيض، لذا كان توقع المفتي صائباً.

وقابلت المؤرخ والسياسي محمد عزة دروزة في بيته الكائن في دمشق وذلك بتاريخ 28 و29/7/1980م{C}[18]{C}.

وصلت دمشق واتصلت به تلفونياً بعد أن حصلت على رقم التلفون من د. إسحق موسى الحسيني عندما كنت في القدس. ذكر دروزة عنوانه لي وانطلقت إلى شقته الكائنة في الطابق الثاني من العمارة وسط دمشق. فوجئت بتواضع العمارة التي يسكن في شقة فيها. وكانت المفاجأة لي ناتجة عن تصوري بأن شخصاً مثل هذا السياسي الكبير، والمؤرخ، والعالم والذي يعتبر الرجل الثاني بعد الحاج أمين الحسيني، وأحد مؤسسي جامعة النجاح الوطنية وحزب الاستقلال، لا بد وأن يعيش في بيت يتلاءم مع تاريخه النضالي والسياسي والعلمي.

وصلت العمارة وصعدت إلى الطابق الثاني وطرقت الباب ففتحت الباب فتاة، علمت فيما بعد أنها ابنته الوحيدة التي تلازمه، فسألتها إذا كانت هذه الشقة للأستاذ دروزة، فقالت نعم، تفضل.

دخلت الشقة وسلمت عليه وعلى زميله وكانا يلعبان طاولة الزهر (النرد). عرفته بنفسي، وأنني جئت لمقابلته من الوطن المحتل، وأنني سأسأله مجموعة أسئلة عن الحاج أمين الحسيني الذي هو موضوع رسالتي للدكتوراه. فرحب بي وتنهد طويلاً وقال: رحمك الله يا حاج أمين. سيكتب التاريخ عنك، ولن يجزيك كل ما كتب عنك فهو قليل. فسألته لماذا؟ فقال هو إنسان عمل لبلده ومات غريباً عنها. وتنهد مرة أخرى ثم قال: إسال يا بني. فعلقت على كلامه قائلاً وكيف أسالك وأنت مشغول في لعب الزهر، فقال لا تهتم، اسأل وسأجيبك، وقبل أن أبدأ الأسئلة أحضرت ابنته القهوة العربية وقال تفضل اشرب القهوة، هذه ابنتي (وقد تجاوزت الخمسين من عمرها) ملازمة لي، تكتب ما أقوله لها. إنها ساعدي الأيمن، ولولاها لما صدرت الكتب التي أصدرتها.

تجولت عيناي في الصالة المفتوحة على بقية الغرف، فشاهدت غرفة مليئة بالجرائد الصفراء، فقلت له ما هذه الجرائد، فأجابني: كنت أشتري الجريدة يومياً وأقرأها وكنت احتفظ بها. لكن للأسف هذه الجرائد ليست مصنفة بل فوق بعضها وليست مؤرشفة.

كان هدف حديثنا من تلك المقابلة هو التعارف، وسألته بعض الأسئلة الخاصة به فكان يطيل الإجابة ويلعب الزهر ويتنهد ويقول شعراً:

ألا ليت الشباب يعود يوماً: فأخبره بما فعل المشيب

وبعد أن انتهى من لعب الزهر وخرج صديقه، جلس على الكنبة مرتاحاً وأكمل حديثه لي عن حياته الشخصية وعلاقته بالمفتي، كنت أسأله بصراحة عن معلومات غامضة ظننت أنه لا يعرفها فكان يجيبني ويعطيني الدليل ويقول كان فلان حاضراً وفلان آخر حاضراً، وعلمت أنه كان على علم بدقائق الأمور، وأحببت أن لا أطيل عليه المقابلة، وكان ساعة كاملة، ثم طلبت المغادرة، فقال معك إذن، نلتقي غداً.

وفي اليوم التالي 29/7/1980م، وصلت شقته وطرقت الباب، ففتحت ابنته لي الباب مرحبة بي وسارت معي إلى أبيها وجلست بجانبه، إنسان لطيف حسن المعاشرة يحب الضيف يتمتع بذاكرة قوية، تجاوز التسعين عاماً من عمره، معتدل الطول يضع على عينيه النظارات الدائرية البنية السميكة، يلبس الطربوش الأحمر خارج البيت، ويخلعه إذا دخل البيت.

قال لي أنتم أيها المؤرخون عليكم مهمة صعبة وطويلة، اكتبوا كثيراً عن فلسطين، اجعلوها في أذهان وقلوب أبنائكم لا تجعلوا اليهود يكتبوا أكثر منكم، إنهم يزيفون ويزورون التاريخ، أنتم عليكم مسؤولية شاقة وعملكم هو جهاد.

قدم لي كتاباً مطبوعاً وليس منشوراً كان عنوانه "تسعون عاماً في الحياة" وقد استعملت هذا المطبوع لرسالة الدكتوراه، حيث اقتبست منه، ولم يستعمله أحد قبلي. وطلبت نسخة منه فوافق. وقد صدر هذا المطبوع فيما بعد بعنوان آخر، وفي هذا الكتاب يذكر عن حياته السياسية. ثم قدم لي كتاباً آخر عن النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) وكتاباً آخر بعنوان عمر بن الخطاب من تأليفه. وقال لي: أوصيك أن تقوم بترجمة هذه الكتب إلى اللغة الإنجليزية، أو تعطي هذه الكتب لأحد المترجمين كي يقرأها كل أجنبي عن الإسلام والمسلمين، اعتذرت له بسبب انشغالي برسالة الدكتوراه، لكني وعدته أن أبحث عن أحد لترجمة هذه الكتب.

ومما أذكر من أقواله: كنا لا ننام الليل أحياناً ونحن نخطط لما سنعمله في اليوم التالي من أمور كثيرة. وكنا نعلم أن هذه البلاد سوف يسلمها الإنجليز للصهاينة، لكن الشعب الفلسطيني لم يكن يصدق أن هذا سيحدث، لأننا كثيرون بينما اليهود قليلون.

وقال: لقد زرت ملوك العرب وشرحت لهم عن الخطر الواقع على فلسطين، وكنت أقول لهم، إن الحاج أمين ينقل لكم هذا الخبر وهو أن الأندلس ضاعت بسبب تفرق المسلمين وأن فلسطين ربما تضيع كما ضاعت الأندلس إذا بقي العرب متفرقين.

مكثت عنده في هذه المقابلة أكثر من ساعة ونصف، ثم غادرت شقته وسار معي حتى الباب الخارجي، وأراد أن ينزل معي على الدرج إلى الطابق الأرضي، فشكرته وطلبت منه العودة إلى شقته، لقد عشت معه في ذكرياته زمن الانتداب البريطاني وتذكر أعماله وسردها لي وكأنه يعيش في فلسطين في الثلاثينات من القرن الماضي.

وأثناء مقابلتي معه أذكر أنني سألته عن دور الإنجليز والصهاينة في تجزئة الشعب الفلسطيني، فقال نعم نجح الإنجليز في سياسة فرق تسد من حيث موضوع فلاح ومدني وخاصة في مدينة نابلس{C}[19]{C} وللأسف أيضاً في تفرقة الشعب الفلسطيني في موضوع حسيني ونشاشيبي. وسألت دروزة عن سبب وقف الإضراب الفلسطيني عام 1936م، هل هو بسبب تدخل ملوك العرب لدى الفلسطينيين لوقف الإضراب أم هناك أسباب أخرى؟ فقال دورزة: إن الحقيقة ليست فقط نداء الملوك العرب لنا كي نوقف الإضراب ولكن الظروف الاقتصادية الصعبة التي وصلت إليها فلسطين، كما طلب المزارعون منا أن نوقف الإضراب.

توفي محمد عزة دروزة (في دمشق) عام 1983م ودفن فيها.

وقابلت الأستاذ منيف الحسيني في 3 و14 و21/12/1980م محرر جريدة الجامعة العربية وكانت هذه الجريدة لصالح المجلسيين تدافع عنهم، لقد حاولت الحصول على نسخ من جريدة الجامعة العربية من الأرشيفات في بريطانيا والقدس وبيروت فلم أجد نسخاً من هذه الجريدة. وعندما قابلت الأستاذ منيف الحسيني ذكرت له عن عدم استطاعتي الحصول على نسخ من الجريدة فقال لي أنا احتفظ بأعدادها، وسمح لي بزيارته والاطلاع وقراءة أعداد هذه الجريدة، وهي كنز من المعلومات عن التاريخ الفلسطيني زمن الانتداب البريطاني. وبعد أن حصلت على ما أريد منها سألته إذا كان بالإمكان تصوير جميع هذه النسخ من الجريدة ووضعها في مركز الأبحاث الفلسطيني في بيروت، فأجابني قائلاً سوف أهدي جميع هذه النسخ إلى مركز الأبحاث الفلسطيني في بيروت.

ذكر لي منيف الحسيني عن دور المفتي في محاربة سماسرة الأراضي وتعطيل صفقات البيع وذلك بأن أصدر تعليماته إلى القضاة سراً بتعطيل هذه الصفقات، والطريقة هي أنه إذا أراد أي شخص أن يبيع أرضه كان عليه أن يحصل على وثيقة من المحكمة الشرعية لكي يثبت بأنه هو الوريث الشرعي لتلك الأرض، لذلك طلب الحاج أمين من القضاة سراً في المحاكم الشرعية بأن لا يعطوا هذه الوثائق لأشخاص يشك فيهم، وذلك لكي يمنعوا بيع هذه الأراضي لليهود.

وحدثت الأستاذ منيف الحسيني قصة عن زواجه من زوجته شمعة الخالدي، وقد قرأت هذه القصة في الأرشيف اليهودي فقلت له: قرأت برقية مرسلة إلى المندوب السامي البريطاني{C}[20]{C}من ثلاثة أشخاص من آل الخالدي في القدس يشكون فيها زواج منيف الحسيني من بنت آل الخالدي{C}[21]{C}، حتى أنهم ذكروا في رسالتهم كلمات بذيئة ضد تصرفات المفتي لأنه أجبر الفتاة على الزواج من منيف الحسيني وهو الذي كتب عقد الزواج.

وقبل مقابلتي مع منيف الحسيني وزوجته أردت التأكد من هذه القصة قبل سفري لبيروت للاجتماع بهما. لذا قابلت فؤاد عبد الغني الخالدي في بيت حنينا قرب القدس وسألته فيما إذا كان قد أرسل مع اثنين من آل الخالدي برقية إلى المندوب السامي يعترضون على زواج منيف من بنت من آل الخالدي، فقال فؤاد الخالدي إنه لم يبعث برقية مطلقاً إلى المندوب السامي ولا حتى أصدقاؤه، وقال إن زواج منيف من شمعة الخالدي لم يحبذه بعض الأفراد من العائلة ولكنهم لم يعترضوا عليه.

سافرت إلى بيروت لمتابعة مقابلاتي، فاجتمعت مع منيف الحسيني وزوجته وسردت لهما القصة المكتوبة في الأرشيف اليهودي، فاستغربت شمعة الخالدي وزوجها، وقالا إن الحاج أمين لم يجبر الفتاة على الزواج مطلقاً، وقالت أيضاً على العكس تماماً إنني وافقت على الزواج منه لأنني كنت معجبة به. وتدلنا هذه القصة على أنها منتحلة، وأن ملفقيها كانوا على اطلاع تام بعدم رضا بعض آل الخالدي من هذا الزواج خوفاً من انتقال أراضي آل الخالدي إلى آل الحسيني بسبب الزواج مع فتاة من آل الخالدي. إن الصهاينة كانوا هم ملفقي هذه القصة للإفساد والتفرقة بين العائلات المقدسية.

وقابلت السيد عبد الحليم الجولاني الملقب بالشلف بتاريخ 11/2/2000م في الخليل. وكان عمره خمسة وتسعين عاماً ويتمتع بذاكرة قوية جداً وصحة جيدة. سألته عن نشاطاته في مقاومة الإنجليز والصهاينة، فأجابني بأنه كان يسيطر على منطقة الخليل وكان معه عدد لا بأس به من المتطوعين الذين تصدوا للدبابات والطائرات الإنجليزية وأسقطوا طائرتين من طلقات رشاشاتهم. وأضاف قائلاً بأنه استطاع أن يشكل حكومة داخل حكومة الانتداب وسمى المكان الذي يسيطر عليه دولة "شعب الملح" لأنه كان يعيش في منطقة تسمى بهذا الاسم. فكان قد خطط لعمليات فدائية كثيرة وذلك لضرب الإنجليز والسيطرة على أسلحتهم بسبب قلة الأسلحة لدى الثوار فهجم على مركز بئر السبع الإنجليزي وسيطر عليه واستولى على جميع الأسلحة في المركز العسكري، وكانت هذه الغنائم كثيرة جداً لدرجة أن القائد عبد الرحيم الحاج محمد في منطقة شمال فلسطين طلب منه أن يزوده ببعض هذه الأسلحة.

وقد قابلت بعض الشخصيات الأخرى في الخليل وشرحوا لي عن قوة جماعة الجولاني، حتى إنه قام بحراسة أبو عمار أثناء زيارته السرية لفلسطين في بداية الاحتلال عام 1967م.

وفي نهاية حياته عاش الجولاني في بيت متواضع على تلة تشرف على منطقة شعب الملح. وهو المكان الذي له فيه ذكريات الجهاد.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الخاتمة

 

هناك الكثير من المعلومات المستقاة من أفواه الزعماء والذين عاصروا الانتداب البريطاني لم تذكر في الكتب التي تبحث في تاريخ فلسطين، وقد نجد أن هذه المعلومات ربما تسيء إلى سمعة أفراد لذا يتجنب الباحث ذكرها، ولكننا في الحقيقة لا نستطيع أن نهمل أي حدث مهما بدا صغيراً وتافهاً فربما هذا الحدث الصغير يغير مجرى تاريخ بأكمله.

والتاريخ الشفوي مليء بالمعلومات التي يعبر فيها المتحدث عما شاهده واشترك به أو سمعه من أفواه الآخرين المعاصرين له. وعلينا أن لا نهمل هذا التاريخ.

ولا نعني أن التاريخ الشفوي هو منزه عن الخطأ أو أن كل ما يقال من المتحدث صحيح، بل على المؤرخ أن يغربل ما قد يسمعه من معلومات واضح أنها كاذبة وغير صحيحة، وهذه تعود إلى المؤرخ المتفحص.

كما أن الذي عاصر الحدث قد لا يقول كل شيء للسائل، وربما لا يجيب على كل الأسئلة، أو ربما يتهرب من هذه الأسئلة. وربما يزيد كثيراً في موضوع معين لا نرغب الزيادة فيه خاصة عندما يتحدث عن نفسه أو عن أقاربه. فعلى المؤرخ أن يكون صبوراً يقظاً يعرف متى وكيف يسأل حتى تنجلي الحقيقة وتتضح الأمور الغامضة.

لقد توصلنا إلى معلومات لم تكن موجودة في الكتب التاريخية عن سيرة الحاج أمين الحسيني ونضاله في سبيل قضيته، القضية الفلسطينية. وجميع من تمت مقابلتهم، كانوا طاعنين في السن لكن عقولهم كانت نيرة أثناء المقابلة معهم، وهذا طبيعي إذ تنشط الذاكرة البعيدة لدى كبار السن وتضعف الذاكرة القريبة.

 

 

 

 

 

 

 

 

المصادر والمراجع

 

{C}1-  {C}تيسير جبارة: المسلمون الهنود وقضية فلسطين. دار الشروق عمان، 1998.

{C}2-  {C}تيسير جبارة: الحاج محمد أمين الحسيني، مفتي القدس، رئيس المجلس الإسلامي الشرعي. دراسة في نشاطاته الإسلامية 1937م، دار الفرقان. عمان، 1995م.

{C}3-  {C}متحف روكفلر (فلسطين سابقاً). وثيقة آل الحسيني رقم (OR3047).

{C}4-  {C}Israel: State Archive file No.192, and file No.187.31.

{C}5-  {C}محمد عزة دروزة: القضية الفلسطينية في مختلف مراحلها، بيروت 1959م.

{C}6-  {C}Zionist Archive. File no S/25/5689

{C}7-  {C}جريدة الجامعة العربية أعداد مختلفة.

{C}8-  {C}الموسوعة الفلسطينية المجلد 3 ط2 عكا 1986م.

{C}9-  {C}أوراق تشارلس تيجارت محفوظة في كلية سانت أنطوني في أوكسفورد ببريطانيا.

{C}10-         {C}مجلة فلسطين عدد رقم 161 عام 1974م عدد خاص بسبب وفاة المفتي.

{C}11-         {C}عيسى السفري: فلسطين العربية بين الانتداب والصهيونية، يافا 1937م.

{C}12-         {C}أرشيف وزارة المستعمرات البريطانية CO 733 وثائق مختلفة.

{C}13-         {C}أرشيف جمعية الدراسات العربية بالقدس.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الهوامش:

{C}
{C}

{C}[*]{C}

{C}
{C}

{C}[1]{C} قمت بمقابلة الأستاذ حيدر الخالدي أمين المكتبة الخالدية في القدس، وسمح لي بتصوير وثيقة بعنوان "تراجم أهل القدس في القرن الثاني" وموجودة في متحف روكفلر- متحف فلسطين سابقاً وهي من أملاك آل الخالدي. وكتب الوثيقة مفتي القدس حسن الحسيني في القرن الثامن عشر الميلادي. انظر تيسير جبارة، الحاج أمين ص3.

Israeli State Archive- file No 192{C}[2]{C}

{C}[3]{C} محمد عزة دروزة: القضية الفلسطينية في مختلف مراحلها. ص41.

{C}[4]{C} الأرشيف اليهودي. ملف رقم 5689/25/S انظر نص الوثيقة في كتابي: وثائق فلسطينية في دور الأرشيف اليهودية، ط1، منشورات البيادر، القدس، 1985.ص.101.

{C}[5]{C} الأرشيف الصهيوني. ملف رقم 5689/25/S.

{C}[6]{C} انظر القصة نفسها في: دروزة: القضية الفلسطينية في مختلف مراحلها. ص48.

{C}[7]{C}الموسوعة الفلسطينية المجلد3، ط2، عكا 1986م. ص157، عبد الحميد شومان: رجع من أميركا إلى فلسطين ونجح في تأسيس البنك العربي. وقد أصدر البنك كتاباً عن سيرة حياته بعنوان "العصامي".

[8] تيسير جبارة: المسلمون الهنود وقضية فلسطين. دار الشروق عمان 1998م،ص171.

[9]المصدر نفسه.

[10]مقابلة مع حيدر الحسيني. وانظر جريدة الجامعة العربية عدد 1050 بتاريخ 16/4/1933م.

[11]أصبح الشيخ عبد الحميد السائح رئيس المحكمة الشرعية في القدس بعد ضم الضفة الغربية للأردن، طردته إسرائيل عام 1967 وأصبح قاضي القضاة في الأردن، ثم رئيس المجلس الوطني الفلسطيني.

[12]أرشيف الدولة 31/187     Israeli State Archive. K. من المندوب السامي آرثر واكهوب إلى سكرتير وزارة المستعمرات بتاريخ 24/9/1932م.

[13]انظر أوراق تشارلس تيجارت- رئيس البوليس الإنجليزي في فلسطين. هذه الأوراق محفوظة في كلية سانت انطوني في أوكسفورد في بريطانيا.

[14]عيسى السفري: فلسطين العربية بين الانتداب والصهيونية. ص21.

[15]بادن باول (1857-1941م) أول مؤسس للكشافة في بريطانيا.

[16]لم يذكر لي حيدر الحسيني تاريخ هذا الاستعراض.

[17]مجلة فلسطين، عدد رقم 161 عام 1974م عدد خاص بسبب وفاة الحاج أمين الحسيني.

[18]محمد عزة دروزة: القضية الفلسطينية في مختلف مراحلها، ص46.

[19]المصدر نفسه.

[20] Israeli State Archive- file No 245.(P.a369/173) Record group 2.

[21]المصدر نفسه.

الملفات المرفقة

تيسير جبارة.docx
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2017
Track visitors of website