المقاطعة الدولية: منطق المقاومة الشعبية ي الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، عزام شعث، العدد 266

المقاطعة الدولية:

منطق المقاومة الشعبية في الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي

 

     عزام شعث[*]

 

يمكن لمن يتابع تطورات قضية الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي على مدى العقود الخمسة الماضية، ملاحظة أن مسيرة النضال الوطني الفلسطيني التي بدأت بالكفاح المسلح والمواجهة الشعبية، مروراً بالتسويات السياسية مع إسرائيل، ثم تدويل القضية وانضمام فلسطين للأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة، وصولاً إلى حملات المقاطعة الدولية؛ لم تُغلق ملف الصراع، أو تصدر حُكماً نهائياً فيه، فلم تزل قضية الصراع مفتوحة على كل الاحتمالات، لا سيما في ضوء التعقيدات الراهنة على الصعيدين الدولي والإقليمي.

لقد مثّلت مسيرة النضال الفلسطيني التي بدأت بتأسيس حركة "فتح" العام 1965، وتبنيها لخيار الكفاح المسلح في مواجهة إسرائيل، إضافة نوعية، وإسهاماً أصيلاً راكم إلى رصيد تجربة النضال الوطني الفلسطيني.  صحيح أن الظروف الذاتية الخارجية بالنسبة للنضال الفلسطيني قد أدّت إلى محدودية نتائجه حتى نهاية الستينات، ولأسباب عديدة ليس أقلها أن مركز الحركة الوطنية تأسس خارج فلسطين، وأن انطلاق العمل الفدائي الفلسطيني كان خارجها، وبعيداً عن خطوط المواجهة المباشرة مع إسرائيل، إلا أن النضال الفلسطيني في عقدي السبعينات والثمانينات وفي الانتفاضتين الشعبيتين الأولى والثانية أعوام 1987 و2000، قد وصل إلى مستوى غير مسبوق لجهة تحقيق نتائج إيجابية ومثمرة، راكمت إلى رصيد التجربة الوطنية الفلسطينية.

المعنى، أن الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، ومنذ انخراط فصائل العمل الوطني في إطارها، زاوجت بين "الكفاح المسلح" و"المقاومة السلمية" وثبتتها في أدبياتها وبرامجها السياسية كتعبير وأداة للمطالبة بتقرير المصير، وتحصيل الاستقلال الوطني، وإقامة الدولة الفلسطينية.

ثمة عوامل عديدة ساعدت على انطلاق المقاومة الفلسطينية بشقيها، المدني والمسلح، ضد الاحتلال الإسرائيلي عقب حرب عام 1967، من أهمها:[1]

-                   الصحوة الوطنية قبل الحرب، والرغبة في الحفاظ على الهوية الفلسطينية، ووجود مساحة من حرية الممارسة السياسية والتنظيمية في السنوات التي سبقت الاحتلال.

-                   تعمق حالة الإحباط لدى اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات، فبعد أن طال انتظار يوم العودة إذا بالاحتلال يتكرس ويزداد شراسة.

-                   شدة القمع الذي تعرض له أهالي الأرض المحتلة أثناء الحرب.

-                   وجود كوادر عسكرية جيدة، تلقت تدريباتها في جيش التحرير الفلسطيني، ووجود كميات من الأسلحة والذخائر، إلى جانب التربية الوطنية والقومية التي تلقّاها الطلبة في المدارس.

-                   اللاءات الثلاث: "لا صلح، لا تفاوض، لا اعتراف" التي تمخضت عن القمة العربية في الخرطوم العام 1967، مما أدّى إلى تحسن نسبي في العلاقات العربية، ووفَّر الحماية لقوات الثورة الفلسطينية الناشئة.

-                   جاءت معركة الكرامة في شهر آذار (مارس) 1968، لتزيد من رباطة جأش الفدائيين، ودفعت باتجاه ضرورة مقاومة قوات الاحتلال الإسرائيلي. 

وعلى الرغم من تأثر منظمة التحرير الفلسطينية بالتطورات الدولية والإقليمية التي دفعتها إلى تبني البرنامج السياسي المرحلي، وولوجها معترك التسوية السياسية، وانخراطها في مفاوضات مباشرة مع حكومة إسرائيل، توجتها باتفاق أوسلو العام 1993، إلا أن فصائلها لم تُسقط خيار المواجهة مع إسرائيل من برامجها، وخُططها وأهدافها. تأكدت هذه الحقائق في جولات المواجهة الشعبية مع إسرائيل في الأرض الفلسطينية حتى بعد قيام السلطة الوطنية الفلسطينية.

وشكّلت المقاطعة التي تبنتها القوى العربية والعالمية المتضامنة مع الحق الفلسطيني إحدى أدوات الصراع ضد الاحتلال الإسرائيلي، وهي بذلك راكمت إلى رصيد تجربة النضال الوطني الفلسطيني. وتستمد المقاطعة الدولية أهميتها من توظيفها لقواعد القانون الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان، ومن تطورها كحركة شعبية عالمية واسعة الانتشار، قوامها قوى المجتمع المدني، والحركات الاجتماعية، والمنظمات الأهلية، والشركات والناشطون في مجال مقاطعة إسرائيل.

تهدف هذه الورقة إلى تتبع تطورات الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي عبر استعراضها لنضالات الحركة الوطنية الفلسطينية في مواجهة إسرائيل، باستخدامها المقاومة الشعبية كأحد أداتين- المقاومة والتسوية السياسية- تبنتهما طوال مسيرة الكفاح الوطني. كما أن هذه الورقة معنية برصد أشكال المقاطعة الدولية لإسرائيل منها المقاطعة الاقتصادية، والمقاطعة الثقافية والأكاديمية.

أولاً: تطور المقاومة الشعبية الفلسطينية:

عرف الفلسطينيون- طوال مواجهتهم للمشروع الاستعماري الإسرائيلي- أشكالاً وأساليب عديدة للمقاومة الشعبية، وقد مثلت الانتفاضتان الفلسطينيتان الأولى والثانية النموذج الأبرز للجمع بين الإبداعات النضالية التي اختزنها الفلسطينيون منذ وقوع ما تبقى من بلادهم تحت الاحتلال الإسرائيلي قبل 49 عاماً.

1-             الانتفاضة الفلسطينية الأولى (1987):

تأسست قناعة الفلسطينيين على ضرورة نقل المعركة ضد إسرائيل إلى عمق الأرض المحتلة؛ بهدف  التصدي للممارسات الإسرائيلية اليومية بحق المدنيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، الأمر الذي دفع  الشعب الفلسطيني- بدعم من قيادته-إلى خوض الانتفاضة الشعبية الفلسطينية الأولى التي عُرفت بـانتفاضة الحجارة أواخر العام 1987. امتدت الانتفاضة إلى الضفة الغربية وقطاع غزة، واستقطبت جميع فئات الشعب الفلسطيني وتنظيماته وقواه الوطنية، واستمرت مدة ست سنوات.

استطاعت الانتفاضة بفعلها الاحتجاجي والمقاوم أن تفرض نفسها على إسرائيل التي عجزت عن وقفها والقضاء عليها حتى باستخدامها وسائل القتل والتحريض، والمواجهة المباشرة مع الشبان الفلسطينيين العزل في ساحة المعركة.

ولقد أسست انتفاضة العام 1987، لحالةٍ من الوعي الوطني في صفوف الفلسطينيين تحت الاحتلال وفي الخارج، ولدى الجماهير العربية، فضلاً عن تأثيرها المباشر في النطاقين الإقليمي والدولي، والالتفاف الواسع حولها بحسبانها حركة انتفاض شعبي تنتصر لحقوق الفلسطينيين في الحرية والاستقلال وتقرير المصير.

2-             الانتفاضة الفلسطينية الثانية (2000):

تطورت المواجهة الشعبية الفلسطينية في أثناء انتفاضة الأقصى العام 2000، إلى اشتباكات مسلحة على نقاط التماس والحواجز العسكرية الإسرائيلية وإلى عمليات فدائية داخل الخط الأخضر. وتميزت الانتفاضة بالمشاركة الشعبية الواسعة في كل أرجاء الأرض المحتلة، كما تميزت بشدة القمع الإسرائيلي الذي تمادى في قتل الأطفال الأبرياء واستخدام الأسلحة المحرّمة دولياً. فخلال الفترة من (28/9/2000 وحتى 31/12/2005) بلغ عدد الشهداء (4242) شهيداً، بينهم (793) طفلاً، و(270) سيدة، وقامت قوات الاحتلال الإسرائيلي بعمليات اغتيال وتصفية جسدية ميدانية لـ(376) مواطناً[2].

كانت إسرائيل قد استخدمت كل الوسائل لوقف المقاومة الشعبية الفلسطينية، لكنها لم تتمكن. ففي أعقاب  انتفاضة العام 1987، دخلت في مفاوضات مدريد وأوسلو، واضطرت للتعامل مع القيادة الفلسطينية والاعتراف بمنظمة التحرير، الأمر الذي مهّد لقيام السلطة الوطنية الفلسطينية.

3-             المقاومة الشعبية الفلسطينية بعد العام 2005:

-                   مؤتمر بلعين الدولي للمقاومة الشعبية: يعقد سنوياً في قرية بلعين، وقد انطلقت فعاليات المؤتمر الأول تحت مسمّى المؤتمر العالمي للنضال الشعبي ضد الجدار والاحتلال في بلعين في 20 شباط (فبراير) 2006، وأوصى المشاركون فيه ببناء حركة كفاحية إنسانية تناضل من أجل الحرية والسلام للشعب الفلسطيني والشعوب الأخرى الواقعة تحت وطأة الاحتلال[3].

-                   إقامة القرى الفلسطينية: صعّد الفلسطينيون من مقاومتهم الشعبية للاستيطان الإسرائيلي، من خلال إقدامهم على إقامة قرى فلسطينية من الخيام على الأراضي التي صادرتها إسرائيل لإقامة المستوطنات عليها، ومن هذه القرى: "قرية باب الشمس، قرية باب الكرامة، قرية حي المناطير، قرية كنعان، قرية أحفاد يونس، قريتا عين حجلة والعودة{C}[4]{C}.

{C}-                   {C}مسيرات العودة في الداخل والشتات: في الذكرى الثالثة والستين للنكبة نظمت مسيرات الزحف العربية والفلسطينية الرافضة لسياسات إسرائيل ولاعتداءاتها على المدنيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة على ثلاث جبهات حدودية، هي: "الأراضي الفلسطينية المحتلة والجولان المحتل وجنوب لبنان".

{C}-                   {C}المواجهة الشعبية الفلسطينية (2015):

دفعت الاعتداءات الإسرائيلية على المسجد الأقصى من خلال إجراءات تهويده ومخطط تقسيمه زمانياً ومكانياً والتنكيل بالمصلين المسلمين في رحابه، ومنع وصول آلاف المسلمين لأداء الشعائر الدينية، وهدم المنازل ومصادرة الأراضي في الضفة الغربية، بما فيها القدس المحتلة، لصالح تعزيز البناء الاستيطاني وزيادة طرح العطاءات لإنشاء وحدات لإقامة المستوطنين، وتغيير الواقع الجغرافي والديمغرافي في الضفة الغربية تمهيدًا لتقويض المساحة المخصصة لإقامة الدولة الفلسطينية ضمن حدود الرابع من حزيران عام 1967؛ إلى ارتفاع وتيرة الغضب الشعبي الفلسطيني في الضفة الغربية (بما فيها مدينة القدس) وقطاع غزة والأراضي المحتلة عام 1948. فلم يجد الشبان الفلسطينيون أمامهم من خيار سوى تجديد المواجهة مع إسرائيل بأشكال وآليات جديدة. وقد شكلت مدينة القدس بمركزيتها الوطنية والدينية رافعة للهبة الجماهيرية، فمنها وحولها انطلقت شرارة المواجهة الشعبية مع الاحتلال الإسرائيلي، لتمتد إلى جميع المدن والقرى مع إطلالة شهر تشرين الأول (أكتوبر) العام 2015، ولا تزال المواجهة مفتوحة على كل الاحتمالات، وقد يُكتب لها أن تشكّل هبة جماهيرية عارمة تمتد إلى كافة الأراضي المحتلة، وتتحول إلى انتفاضة ثالثة بقيادة وطنية موحدة "قيادة سياسية للانتفاضة"، وذلك بهدف خلق واقع جديد، يُعزّز ويُقوّي خيارات الفلسطينيين في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، من زاوية "رفع كلفة الاحتلال"، وتحميله المسؤولية عن تدهور الأوضاع، وبالتالي خضوعه للمطالب الفلسطينية المتمثلة بإنهاء الاحتلال وتلبية الحقوق الوطنية{C}[5]{C}.

بين الانتفاضتين الفلسطينيتين الكبيرتين وما بعدهما- تنكّرت إسرائيل لتعهداتها، ولم تفِ بالتزاماتها للفلسطينيين وللوحدات الدولية التي مهدت للاتفاق الفلسطيني- الإسرائيلي ورعته منذ مرحلته الأولى، فخابت آمال وتطلعات الفلسطينيين حيال الانعتاق من الاحتلال، حتى بعد انقضاء 16 عاماً بالتمام والكمال على موعد مفاوضات الحل النهائي التي لم تبدأ بعد، فلا السلطة الفلسطينية مُكنت من بسط سيطرتها على الأراضي الفلسطينية الواقعة تحت الاحتلال، ولا تقيدت إسرائيل ببنود الاتفاق الموقع معها أصلًا، فهي من ناحية أمعنت في سياسة الفصل بين المدن والقرى الفلسطينية، وعزّزت الاستيطان لآفاقٍ غير مسبوقة، فاقت حتى خططها في بناء الوحدات الاستيطانية منذ قيام كيانها في أيار (مايو) 1948، وتجرأت على الحقوق الفلسطينية وأحكمت حصارها على قطاع غزة لتسع سنوات، منذ منتصف العام 2006، وقامت باعتداءات متتالية ضد المدنيين الفلسطينيين في الأعوام 2008، 2012، 2014، ومن ناحية ثانية داست دباباتها بنود اتفاق أوسلو وتجاوزته، ومنعت عنه أسباب الحياة، ومن ناحية ثالثة ورابعة استمرت إسرائيل في انتهاكات حرمة المقدسات الإسلامية في مدينة القدس المحتلة، واستمر المستوطنون، برعاية رسمية، في اعتداءاتهم على المواطنين الفلسطينيين في كل أماكن وجودهم في الضفة الغربية.

مثّلت المقاطعة الشعبية الفلسطينية- طوال مسيرة الكفاح الوطني- أحد أهم أشكال المقاومة ضد إسرائيل وسياساتها العنصرية. ولقد مرت المقاطعة بمراحل عديدة بدءاً من مرحلة انطلاقتها الأولى بين عامي 1920- 1945 (مقاطعة الأنشطة الاقتصادية والتجارية الإسرائيلية في فلسطين، مقاطعة شركة الكهرباء في يافا وإنارة المدينة بالمصابيح)، مروراً بالمرحلة بين عامي 1945- 1948 (تحريم نقل ملكية الأرض والممتلكات الفلسطينية لإسرائيليين)، ثم بين عامي 1951-1967 (تشجيع المنتج المحلي والصادرات الفلسطينية إلى الخارج، وحظر التعامل مع الدول المساندة لإسرائيل)، وصولاً إلى المقاطعة الشعبية لإسرائيل في الانتفاضتين أعوام 1987 و2000 (الإضراب عن العمل في إسرائيل ومقاطعة المنتوجات الإسرائيلية).

أما المؤسسات والقوى الفلسطينية في الأرض المحتلة عام 1948، فقد أسهمت في حملات المقاطعة الدولية ضد إسرائيل. كان ذلك واضحاً عندما حددت استراتيجيتها في المؤتمر الدولي ضد العنصرية في ديربان 2001، لجهة محاصرة النظام الإسرائيلي، واستقطبت التأييد الشعبي الدولي، الذي أدان إسرائيل جراء جرائمها ضد الشعب الفلسطيني. 

ثانياً: حملات المقاطعة الدولية لإسرائيل:

في ضوء المأزق الذي وصل إليه خيارا المقاومة المسلحة، بتحولها من استراتيجية تحرير إلى فعل الدفاع عن النفس، وانسداد أفق عملية التسوية السياسية مع إسرائيل، تزايدت الحاجة إلى البحث في خيارات جديدة لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي أو تفعيل القائم منها. وقد برزت في الآونة الأخيرة المقاطعة{C}[6]{C} الدولية بوصفها أحد أهم أشكال المقاومة ضد الاحتلال؛ إذ وصلت حركة المقاطعة ضد إسرائيل، إلى درجةٍ من التطور تتطلّب التعامل معها بوصفها أداة نضالية أساسية في دعم العمل الوطني الفلسطيني المقاوم، والتي أخذت تتحوّل إلى محور عمل للقوى العربية والعالمية المتضامنة مع الحق الفلسطيني، وتوظّف قواعد القانون الدولي ومبادئ حقوق الإنسان ضد ممارسات الاحتلال الإسرائيلي وجرائمه.

لقد كانت المقاطعة استراتيجية رسمية عربية؛ إذ صدر عن جامعة الدول العربية عدد من القرارات، كان أولها القرار رقم (16) في 2 كانون الأول (ديسمبر) 1945، الذي طالب دول الجامعة بمنع منتوجات المؤسسات التجارية الصهيونية من دخول أراضيها، وطالب القرار كل المؤسسات والمنظمات والتجار والأفراد العرب برفض التعامل بالبضائع الصهيونية أو توزيعها أو استهلاكها.

وباتت المقاطعة أكثر تنظيماً مع صدور قرار مجلس الجامعة العربية رقم (357) في 19 أيار (مايو) 1951، الذي تضمن تأسيس جهاز يُشرف على عملية المقاطعة، وإنشاء مكتب للمقاطعة العربية لإسرائيل مقره دمشق{C}[7]{C}.

غير أن توقيع اتفاقات السلام بين مصر وإسرائيل في العام 1979، مثّل أول اختراق رسمي لنظام المقاطعة العربية لإسرائيل، ففي الأثناء، اتجهت مصر لتوقيع اتفاقات وبروتوكولات استهدفت إقامة علاقات سياسية واقتصادية مع إسرائيل، وكان إلغاء المقاطعة العربية واستبدالها بنظام للعلاقات الطبيعية أحد أبرز شروط إسرائيل. الأمر الذي يفسر النتائج المتواضعة والمحدودة لسياسات المقاطعة الرسمية العربية لإسرائيل.

تطورت المقاطعة الدولية الحالية كحركة شعبية عالمية لمقاطعة إسرائيل، وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها، وهي تُعرف بـ"BDS"؛ اختصاراً للكلمات الثلاث: مقاطعة Boycott، وسحب الاستثمارات Divestment، وفرض العقوبات Sanctions. وتنشط الحركة الدولية في الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني في إنهاء احتلال إسرائيل للأراضي العربية الفلسطينية، وتلبية الحقوق الوطنية الفلسطينية في الحرية والاستقلال والعودة وفقاً لقرار الأمم المتحدة رقم (194).

أخذت المقاطعة الدولية لإسرائيل أشكالاً عديدة، منها المقاطعة الاقتصادية، والمقاطعة الثقافية والأكاديمية، والمقاطعة الرياضية، والمقاطعة العسكرية، وقد تأثرت إسرائيل بسياسة المقاطعة تأثراً واضحاً.  فمثلاً، في حزيران (يونيو) 2013، قررت الحكومة الإسرائيلية أن حركة المقاطعة الدولية BDS باتت تشكل تهديداً استراتيجياً لإسرائيل، وعلى إثره، نقل رئيس الحكومة مسؤولية مجابهة حركة المقاطعة إلى وزارة الشؤون الاستراتيجية، بعد أن فشلت وزارة الخارجية، التي تولت هذه المهمة منذ عام 2005، في منع أو حتى إبطاء النمو المطرد لحركة المقاطعة عالمياً{C}[8]{C}.

{C}-                   {C}المقاطعة الاقتصادية:

تستهدف حركة المقاطعة الدولية الاستثمارات في المستوطنات الإسرائيلية. ولإجبار الشركات على سحب استثماراتها من إسرائيل، يقوم ناشطو الحركة بحملات منظمة ومستدامة تستهدف مهاجمة الشركات التي تستثمر في إسرائيل من خلال التهديد بمقاطعة منتجاتهم أو التحريض عليها، وبالتالي تقليل الإيرادات وفرض تكاليف إضافية عن طريق إحداث ردود فعل سلبية بين جمهور المستهلكين وتدمير سمعة هذه الشركات بين زبائنها؛ بهدف زيادة الضغوط على هذه الشركات من خلال التركيز على صورتها وسمعتها{C}[9]{C}

ينظر الاقتصاديون الإسرائيليون لحركة المقاطعة بأنها خطر محدق يهدد الاقتصاد الإسرائيلي. وتُقدر بعض المصادر الإسرائيلية خسائر قطاع الزراعة وحده بما يعادل (30) مليون دولار، يعود معظمها لمقاطعة المستعمرات، فيما تشير بيانات أخرى إلى أن خسائر الاقتصاد الإسرائيلي نتيجة حملة المقاطعة الأوروبية للمنتجات الزراعية من المستوطنات الإسرائيلية تصل إلى نحو 6 مليارات دولار في عامي 2013 و2014{C}[10]{C}. وعلى المستوى التجاري، صرح وزير المالية الإسرائيلي بأنه في حال استمرت المقاطعة في النمو وانخفض التصدير لأوروبا بنسبة 20%، ستخسر إسرائيل أكثر من 10.000 وظيفة، وما قيمته 5.7 مليار دولار من العملات الأجنبية{C}[11]{C}.

{C}-                   {C}المقاطعة الثقافية والأكاديمية:

فعلى صعيد المقاطعة الثقافية والأكاديمية، بدأت حركة المقاطعة الدولية نشاطاً واسعاً دعت فيه إلى المقاطعة الأكاديمية للمؤسسات الإسرائيلية، واستطاعت حركة المقاطعة التأثير في قطاعات عريضة للانضمام إليها منها عدد من اتحادات الطلبة في الجامعات البريطانية والكندية، وبعض الجامعات الأميركية، وفنانون، وكُتاب. كما نجحت الحركة في إجبار بعض المغنّين على الالتزام بالمقاطعة الثقافية لإسرائيل، وعدم إقامة أي من نشاطاتهم الفنية في إسرائيل{C}[12]{C}، فضلاً عن مقاطعة عدد كبير من الأكاديميين في دول عديدة للجامعات الإسرائيلية. فمثلاً، قرر عالم الكونيات البريطاني ستيفن هوكينغ، في حزيران (يونيو) 2013، الانسحاب من مؤتمر إسرائيلي يرعاه الرئيس الإسرائيلي السابق شمعون بيريز{C}[13]{C}، وفي العام نفسه تبنت أربع جمعيات أكاديمية في الولايات المتحدة الأميركية مقاطعة أكاديمية شاملة لإسرائيل، ومن بين تلك الجمعيات "جمعية الدراسات الأميركية"[14].

وأخيراً، يمكن القول: أن المقاطعة كإحدى أدوات المواجهة الدولية مع إسرائيل تمثل إضافة نوعية للنضال الفلسطيني، وهي تتطلب أول ما تتطلب إسناداً فلسطينياً على المستويين الرسمي والشعبي، سيما في ضوء المآزق التي وصل إليها الفلسطينيون طوال مسيرتهم النضالية إن على مستوى الكفاح والمقاومة المسلحة، أو على صعيد التسوية السياسية مع إسرائيل. 

 

 

 

الهوامش:


[*] باحث في الشؤون الفلسطينية.


[1] عدنان أبو عامر، تطور المقاومة الفلسطينية الشعبية والمسلحة بين عامي 1967-1987، غزة: الجامعة الإسلامية، مجلة الجامعة الإسلامية، المجلد التاسع، العدد (1)، كانون الثاني (يناير) 2011، ص1216.

[2]  محسن محمد صالح، القضية الفلسطينية خلفياتها التاريخية وتطوراتها المعاصرة، بيروت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 2012، ص126.

[3] محسن صالح، المقاومة الشعبية في فلسطين، تقرير معلومات (26)، بيروت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، ص24.

[4]  المصدر نفسه، ص27.

[5] للمزيد حول أشكال المقاومة الفلسطينية في الأراضي المحتلة، انظر: عزام شعث، هبّة شعبية أم انتفاضة: مآلات المواجهة الشعبية الفلسطينية مع الاحتلال الإسرائيلي، القاهرة: المركز العربي للبحوث والدراسات، مجلة آفاق سياسية، كانون الأول (ديسمبر) 2015، ص55.

[6] والمقاطعة كإحدى وسائل الضغط لجأت إليها الشعوب في منازعاتها السياسية مع دولٍ أخرى، ونصت عليها المواثيق الدولية كعهد عصبة الأمم وميثاق الأمم المتحدة، كإجراء غير عسكري ضد الدولة التي تُمارس أعمالاً من شأنها تهديد السلم والأمن الدوليين.

[7] صدر عدد من القرارات عن مجلس جامعة الدول العربية حول مقاطعة إسرائيل، منها القرار (2819)، والقرار (2879)، والقرار (2880)، والقرار (3348)، والقرار (3247).

[8] سامية البطمة وعمر البرغوثي، تأثير حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (BDS): البعد الاقتصادي، فلسطين: معهد أبحاث السياسات الاقتصادية (ماس)، 2014، ص1.

[9] محمود جرابعة، تقرير حركة مقاطعة إسرائيل: الإنجازات والمعوقات والآفاق، مركز الجزيرة للدراسات، 2015، ص4.

[10] المصدر نفسه، ص5.

[11] سامية البطمة وعمر البرغوثي، مصدر سبق ذكره، ص4.

[12] محمود جرابعة، مصدر سبق ذكره، ص5.

[13] مؤتمر استراتيجية المقاطعة في النضال ضد الاحتلال ونظام الأبارتهايد الإسرائيلي: الواقع والطموح (ورقة خلفية)، الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016، ص5.

[14] مقابلة أجرتها جريدة الحياة الجديدة مع عمر البرغوثي، بتاريخ 7/7/2014.

الملفات المرفقة

عزام شعث.docx
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website