الانتخابات الرئاسية الأمريكية 2016، سمير عوض، العدد 266

الانتخابات الرئاسية الأميركية 2016

                                                                                د. سمير عوض[*]

                                       

حصلت المفاجأة غير المتوقعة بفوز المرشح الجمهوري للانتخابات رجل الأعمال والملياردير "دونالد ترمب" بحصوله على غالبية أصوات المجمع الانتخابي، بواقع 290 صوتاً مقابل 228 لمنافسته من الحزب الديمقراطي السيناتور السابق ووزيرة الخارجية السابقة "هيلاري كلينتون"، وذلك على عكس غالبية استطلاعات الرأي التي كانت تعطي كلينتون تقدما بواقع 3-4 نقاط. وكذلك حقق الجمهوريون فوزا كبيرا في مجلسي الشيوخ والنواب يبلغ في مجلس الشيوخ 51 إلى 48 للديموقراطيين، وفي مجلس النواب 238 إلى 193.[1] وبهذا يكون الجمهوريون قد حصلوا على ما يكفي من الأصوات للسيطرة على السلطة التنفيذية ممثلة بالرئيس والحكومة، والسلطة التشريعية المتمثلة بالكونغرس المكون من مجلس النواب ومجلس الشيوخ. ومن المعروف أن المحكمة العليا بحاجة إلى عضو من أجل اكتمال عددها بعد وفاة القاضي سكاليا وهو كان من المحافظين، وهذا العضو ينسبه الرئيس ويشترط موافقة مجلس الشيوخ عليه، وبما أن الرئيس المنتخب محافظ ومجلس الشيوخ ذو أغلبية جمهورية فسيكون العضو الجديد في المحكمة العليا محافظا كذلك. وهذا العضو سيجعل غالبية القضاة من المحافظين.[2] وبهذا تكتمل السيطرة الجمهورية على فروع السلطة الثلاث.

كيف يتم انتخاب الرئيس في الولايات المتحدة.

يرجع اختيار الرئيس الجديد للولايات المتحدة الأميركية، للمجمع الانتخابي، وليس للأصوات الشعبية العامة في كافة الولايات. والمجمع الانتخابي المكون من 538 مندوبا أي ما يوازي عدد أعضاء مجلسي النواب والشيوخ الأميركيين. حيث يتوجه الناخب الأميركي لصناديق الاقتراع في الثامن من تشرين الثاني (نوفمبر)، كل أربع سنوات، ويحتاج المرشحان للرئاسة الأميركية إلى النصف زائد واحد من مجمل أصوات "المجمع الانتخابي" أي 270 صوتا لدخولهما للبيت الأبيض. ولكل ولاية عدد معين من الأصوات حسب عدد سكانها ونوابها الذين يمثلون الكونغرس الأميركي، وهذا يعني مثلا أن كاليفورنيا وهي أكبر الولايات الأميركية من حيث عدد السكان تحصل على 55 صوتاً في المجمع، بينما تملك ولاية رود ايلاند ثلاثة أصوات فقط، في حين لا تملك العاصمة واشنطن أية أصوات. وفكرة "المجمع الانتخابي" تم ابتكارها من قبل الآباء المؤسسين للاتحاد الفدرالي لتشكل ما يشبه الحاجز بين الأصوات الشعبية وبين الكونجرس للحد من تأثير الدعاية والشعبوية على النظام السياسي الأميركي.

العوامل المؤثرة في السلوك الانتخابي الأميركي

هناك عدد من العوامل التي تؤثر على السلوك الانتخابي، منها عوامل قصيرة المدى وعوامل بعيدة المدى. أما بخصوص العوامل القصيرة المدى، فإنه بشكل عام يمكن القول إن وجود أزمة دولية يؤثر على سلوك الناخب الأميركي، وتعتبر الحالة الاقتصادية أيضا من العوامل القصيرة المدى فإذا كانت الأوضاع الاقتصادية سيئة فإن الاتجاه العام لدى الناخب الأميركي هو التصويت ضد من هو في السلطة وذلك للتعبير عن عدم الرضا.

أما بخصوص العوامل طويلة المدى فهي كثيرة: منها الانتماء الحزبي، فأعضاء الحزب الجمهوري المحافظون عموما، يصوتون تقريبا طوال حياتهم لمرشحي حزبهم، من ناحية أخرى فإن الانتماء العرقي يعتبر من العوامل طويلة المدى، فالسود واليهود يصوتون عادة للحزب الديمقراطي وكذلك الأميركيون من أصول لاتينية، فالعمر، والدين، والإقليم، عوامل بعيدة المدى تؤثر في السلوك الانتخابي للمواطن الأميركي. وكانت هناك خصوصية في هذه الانتخابات كون المرشحة الديمقراطية امرأة مما مكنها من حشد تأييد كبير بين النساء والداعمين للمساواة ولفكرة وصول المرأة للحكم. كما ساهم تهجم المرشح الجمهوري على الأقليات في زيادة هذا الحشد، إلا أنه ربما قد شجع آخرين للتصويت له كما أظهرت نتائج الانتخابات.

 

دور الأحزاب السياسية في الانتخابات الأميركية:

تلعب الأحزاب السياسية دوراً كبيراً في عملية الانتخابات سواء في التمويل أو الانتخاب أو الترشيح، فلا يمكن الحديث عن النظام الانتخابي في الولايات المتحدة الأميركية دون الحديث عن هذه الأحزاب.

فكانت نشأة الأحزاب الأميركية السياسية مرتبطة بعملية الانتخابات، فمع التوسع في منح حق الاقتراع، وزيادة أعداد الناخبين، كان لا بد من وسيلة للاتصال بالجماهير واستقطابها والحصول على ثقتها، فتشكلت في البداية لجان انتخابية تهدف إلى تنظيم عملية الاتصال بين المرشح والناخب، وبعد ذلك تطورت إلى مؤسسات سياسية أو أحزاب تلعب دوراً هاماً في الانتخابات، وفي هذا المجال ظهر الحزب الديمقراطي باعتباره أقدم الأحزاب السياسية في الولايات المتحدة الأميركية، حيث تعود جذوره إلى أوائل القرن الثامن عشر، وقد أسسه توماس جيفرسون ونشأ بعده الحزب الجمهوري لغايات انتخابية محضة، حيث أسس على يد أبراهام لنكولن. يسيطر الحزبان الجمهوري والديمقراطي على كافة مجريات الحياة السياسية في الولايات المتحدة الأميركية فمرشحو الحزبين هما المتنافسان الرئيسان على رئاسة الجمهورية، وحكام الولايات، وعضوية مجلسي الشيوخ والنواب. حيث إن استمرار محاولات إنشاء حزب ثالث كانت تؤدي دائما إلى نشوء أحزاب صغيرة أو محدودة الحجم لا يمكن أن تصل إلى الحكم أو السلطة.[3]

الانتخابات التمهيدية في الحزبين الرئيسيين

أما الطريقة التي تسمي الأحزاب بواسطتها مرشحيها، فإنها تبدأ بانتخابات تمهيدية يشارك فيها أنصار الحزب الواحد لاختيار مرشحي الحزب الذين سيخوضون الانتخابات الرئاسية العامة، حيث يتم عقد مؤتمرات حزبية على مستوى الولايات بهدف اختيار المرشحين وبعدها يتم عقد مؤتمر قومي للحزب على مستوى الولايات المتحدة الأميركية يتم من خلاله إعلان النتائج النهائية لاختيار مرشح الحزب لخوض انتخابات الرئاسة، وبشكل عام تساعد هذه المؤتمرات في التعرف على المرشحين، وبرامجهم وسياساتهم وبعد اختيار المرشح تبدأ الحملة الانتخابية لكلا المرشحين والتي عادة ما تنتهي بمناظرات سياسية يتم نقلها بواسطة وسائل الإعلام المختلفة، وتلعب دورا في التأثير على الناخب الأميركي.[4]

وبالرغم من أن العالم لم يلقِ بالا للمرشح الجمهوري دونالد ترامب في بداية الدعاية الانتخابية، إلا أنه كان قد فاز على كافة المرشحين الاثني عشر في الانتخابات الداخلية للحزب الجمهوري بما فيهم أسماء ذات شهرة وخبرة سياسية كبيرة مثل جيب بوش حاكم فلوريدا السابق وتد كروز السيناتور من تكساس، وكريس كريستي حاكم نيو جيرسي وغيرهم.

وكانت هناك ظاهرة مهمة في الانتخابات الأخيرة للحزب الديموقراطي بالذات، حيث كان أحد المرشحين المنافسين لـ"هيلاري كلينتون" هو بيرني ساندرز، المرشح الاشتراكي وحاكم ولاية فيرمونت السابق. إذ تمكن ساندرز من التأثير على قرارات الحزب الديموقراطي، وتمكن جدليا من سحب الحزب الديموقراطي إلى اليسار قليلا وامتنع عن المشاركة في مؤتمر أيباك الصهيوني.

 

المناظرات الانتخابية

وفي انتخابات 2016 أجريت ثلاث مناظرات انتخابية بين مرشحة الحزب الديمقراطي ومرشح الحزب الجمهوري، حيث أظهرت استطلاعات الرأي تقدم المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون على منافسها في كل هذه المناظرات، ليتضح فيما بعد أن واقع الأصوات كان لصالح المرشح الجمهوري دونالد ترامب على عكس تلك الاستطلاعات.[5]

وكان واضحا الاتفاق بين المرشحين المتنافسين على استمرار التعهد بدعم إسرائيل وضمان أمنها فيما ظهر اختلاف كبير بينهما في الملفات الأخرى، وهذا يعود إلى عوامل كثيرة أهمها الثقل الملحوظ لجماعات الضغط "اللوبي" المؤيدة لإسرائيل والتأييد الكبير لإسرائيل لدى القاعدة الشعبية ولدى كبار الممولين للحملة الانتخابية. ومن الملاحظ أن الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب قد أظهر امتنانه الكبير للوبي الصهيوني بتعيينه لأحد رموز جماعات الضغط الموالية لإسرائيل وهو ستيف بانون بمنصب "كبير موظفي البيت الأبيض". ويتوقع أن تستمر التعيينات بالإدارة الجديدة بما يحفظ الود بين الإدارة الجديدة واللوبي الصهيوني. كما أنه لم يبد خلال حملته الدعائية أي معارضة للاستيطان ولم يؤكد تمسكه بحل الدولتين كما أنه تعهد بنقل السفارة الأميركية إلى القدس وأبدى إعجابه بجدار الفصل وتمنى أن ينشئ جدارا مثله بين أميركا والمكسيك، إلا أنه من الجدير ذكره أيضا أنه وفور ظهور نتائج الانتخابات صرح بأنه سيدفع باتجاه الحل السلمي بين الفلسطينيين وإسرائيل، الأمر الذي اعتبره بعض السياسيين الإسرائيليين بمثابه تنكر لتعهداته.

 

العلاقة الفلسطينية مع أميركا

هي علاقة رسمية بالأساس تمر عبر بضع عشرات من الأشخاص وهي مبنية على "الدبلوماسية التقليدية" مع بعض الاستثناءات، ولا يشارك المجتمع، ولا المنظمات غير الحكومية ولا الأحزاب ولا مجموعات المصالح بشكل مؤثر ومتواصل بتدعيم هذه العلاقة. هذا رغم بروز بعض المحاولات سواء كانت عربية عامة أو فلسطينية خاصة لتشكيل مجموعات ضغط تركز على استجابة دوائر اتخاذ القرار للمطالب الفلسطينية والعربية العادلة والمتناسبة مع المصالح الأميركية وبخاصة رؤية الرئيس الأميركي السابق جورج بوش بشأن إنهاء النزاع في المنطقة على أساس حل الدولتين، والذي يتضمن قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيا وقابلة للحياة اقتصاديا. وإلى أن تنجح هذه المحاولات سيظل شكل العلاقة محكوما بمحددات الدبلوماسية التقليدية. بينما العلاقة الإسرائيلية مع أميركا علاقة متشابكة ولها أبعاد سياسية وثقافية وتاريخية، ويمكن القول بأنها علاقة عضوية. هذه العلاقة الخاصة تمر عبر مئات الآلاف وربما الملايين من المواطنين الأميركان والإسرائيليين، إذ لا يمكن تفسير الدعم الكبير والمستمر الذي تلقاه إسرائيل لدى دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة بقوة اللوبي الصهيوني فحسب.[6]

قد يكون السبب الرئيسي في ذلك هو استخدام إسرائيل وأميركا قنوات الدبلوماسية العامة منذ عدة عقود مما أدى إلى بروز شبكات المصالح ومجموعات الضغط التي تعمل على التأثير في تشكيل وتنفيذ السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأميركية بما يخدم مصالح إسرائيل، دون إهمال الجوانب المتعلقة بالدبلوماسية التقليدية وأجهزتها وشخوصها. فاستخدام الدبلوماسية العامة جعل السياسة الداعمة لإسرائيل تلقى قبولاً شعبياً واسعاً ينعكس في نتائج الانتخابات على الساحة الأميركية الداخلية.[7]

إذا نظرنا إلى دوائر التأثير المتعلقة بقضية فلسطين، سنجد أنّ الدائرة الأوسع والأكبر وهي الدائرة العالمية، هي أقرب إلى الموقف الفلسطيني (بدون تحديد لماهية هذا الموقف)، والدائرة الإقليمية قد تبنت بشكل واضح المبادرة العربية والتي هي القادرة على تحديد أسس السلام الشامل في المنطقة. إذاً يبقى الانقسام على الساحة الفلسطينية ما بين فتح وحماس الذي يعرض كل هذا البناء للخطر، كونه لا يمكن إجبار إسرائيل على التحرك باتجاه تطبيق التزاماتها، بدون توحيد الموقف الفلسطيني قبل ذلك. وهي مهمة ليست مستحيلة بشرط الاتفاق على تقاسم الصلاحيات والسلطة.

مواقف الإدارة الأميركية تميل مؤخرا باتجاه المشاركة مع الدول الكبرى على الساحة الدولية ويمكن في هذا الصدد رؤية الموقف الجديد من التقارب مع روسيا لمحاربة الإرهاب، وإنهاء حالة التحدي الروسي لحلف الناتو والاتفاق على مجمل الأبعاد السياسية والاستراتيجية بما في ذلك قضايا الشرق الأوسط. النظام العالمي يميل إلى إعادة توزيع القدرات ضمن المستويات المختلفة، سواء على مستوى النظام الدولي أو مستوى الدولة أو حتى الفرد، خصوصاً بعد تجاوزه حرباً دولية أو أزمة عالمية. كما كانت الحال بعد انتهاء الحرب الباردة، وانهيار الاتحاد السوفييتي، وكذلك أحداث 11 أيلول (سبتمبر) وما أعقبها من حرب "المحافظين الجدد" على الإرهاب أو الإسلام.

 

 

 

الهوامش:


[*] جامعة بيرزيت.


[1]  CNN, 2016 Presidential Election results: http://edition.cnn.com/election/results

[2] Matt Ford, The Atlantic, What Lies Ahead for the Supreme Court in a Trump Administration?, Nov., 10 2016.

[3] Hugh Davis Graham, American Politics and Government, New York, Harper & Row, Publishers. 1975, p7-8.

[4] Kenneth Janda et, al. The Challenge Of Democracy, Government in America. Houghton Mifflin Company, Boston 1992. P 151-155.

[5] The New York Times, Latest Election Polls 2016. http://www.nytimes.com/interactive/2016/us/elections/polls.html

[6]   كميل منصور، الولايات المتحدة وإسرائيل، العروة الأوثق، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1998. ص 336.

[7]  أندرو باسيفيتش: الإمبراطورية الأميركية- حقائق وعواقب الدبلوماسية الأميركية، الدار العربية للعلوم، عين التينة، لبنان، 2004. ص 118-119.

 

الملفات المرفقة

سمير عوض.docx
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website