خطط تفكيك اليسار في إسرائيل، حتى عام 2017، توفيق أبو شومر، العدد 266

خطط تفكيك اليسار في إسرائيل، حتى عام 2017

توفيق أبو شومر[*]

 

ما أزال أذكر قول الحاخام الكبير، أبراهام كارليتز، أو باسمه الأشهر (غازون عيش)، وهو من أبرز تلاميذ زعيم التيار الديني الصهيوني (القومي) الراب، إبراهام إسحق كوك، قال لرئيسي وزراء إسرائيل، الأول، بن غوريون، والثاني، إسحق بن زئيفي عندما زاره الاثنان 1952 قبل وفاته بعام: "مثلُ العلمانيين والمتدينين، كمثل عربتين، التقَتَا على جسرٍ ضيِّقٍ، الأولى فارغةٌ، والثانية محمَّلةٌ بالدِّين والتراث، في مثل هذه الحالة، على العربة الفارغة، أن تُخليَ الطريقَ للعربةِ المحمَّلة بالدين والتراث اليهودي!!" (صحيفة مشبحاه 21/8/2011).

هذا القول ظلَّ ساريَ المفعول في إسرائيل، وإن وضُحَت معالمُه لكثيرين مؤخَّرا فقط، عقب الانقلاب الديني على الأحزاب العلمانية، اليسارية، عام 1977 عندما نجح حزب الليكود اليميني، في إقصاء حزب العمل اليساري عن السلطة السياسية في إسرائيل، هذا اليسار الذي قاد الهجمة الأولى على فلسطين، وأسس دولة إسرائيل!

ظلَّ زحفُ التيار الحريدي اليهودي يتواصل في مجالات الحياة المختلفة، وغزتْ سرايا الحارديم، حتى معقل اليساريين الرئيس، الجيش، وتمكن الحريديون من تأسيس كتائب وألوية في الجيش، لها ألبسةُ الجيش، ولكنها تمارس طقوسها الدينية، وتسعى لاستبدال الأوامر العسكرية بأوامر ونواهي الشريعة اليهودية. ففي لواء، غفعاتي للمشاة سرايا أصولية من الحارديم، وهي تتوسع لتصل إلى أن تشكل كتائب جديدة، وكذلك الحال في لواء، الناحال. (هآرتس 9/7/2015).

مَن يتابع هذا الانقلاب اليميني يعلم بأن اليساريين في إسرائيل قد دخلوا في العقد الأول من الألفية الثالثة غرفة الإنعاش، وهم يلفظون آخر أنفاسهم، بعد أن تمكنت الكتائب اليمينية، المكارثية من نزع أظافر اليساريين، الذين انتهى دورُهم، المتمثلُ في اجتذاب دعم اليسار العالمي المنقرض، وبخاصةٍ، جذبُ المهاجرين اليهود من الدول الاشتراكية، فقد جفَّف الساسةُ اليمينيون النظامَ (الكيبوتسي)، وهو نظام ما بعد الاشتراكية، فلم يبقَ اليوم من هذا النظام سوى أسماءِ بعض الموشافات، والقرى، بدون أن تلتزم بمبادئ الكيبوتس التي كانت سارية المفعول في خمسينات، وستينات، وسبعينات القرن الماضي! كما يقول البروفيسور، موشيه شاكيد، بروفيسور الأنثروبولوجي في جامعة، تل أبيب: "ها هي الكيبوتسات تندثر" (معاريف 19/11/2001).

يجب أن نشير إلى أن عمليات التخلص من اليساريين، واستحداث فايروسات مضادة لليسار جرتْ في وقتٍ مبكر جدا في بداية تأسيس إسرائيل، وقد أثبتَتْ هذه الفايروسات فعاليَتها، فقد جرتْ التجربة بنجاح على الكاتب المتنور، أول رئيس للجامعة العبرية، يهودا ماغنس، واتهم بالعمالة للبريطانيين، لأنه طالب الرئيس الأميركي ترومان بألا يوافق على إقامة دولة لليهود، وقال له: "انقذوا اليهود من أنفسهم، لأنهم سيسببون حروبا عدة في المنطقة، من منطلق حرصه على اليهود، وكذلك تخلص سياسيو إسرائيل من الكاتب، إسرائيل شاحاك في بداية تأسيس إسرائيل، فهو على مذهب ماغنس، وجرى إقصاء الاثنين عن الأرشيف الإسرائيلي الفكري، والأدبي، والسياسي!

أما اليوم، فالكاتب اليساري، شلومو صاند، ينتقد اليساريين، ويصرخ: "استسلم اليساريون للمتدينين، ومنحوا الحاخامين السلطات على الشؤون العائلية، لم يكن اليساريون يوما أكثر ديموقراطية من اليمينيين، بل كانوا فقط، أكثر نفاقا" (مقال الكاتب، هآرتس 13/8/2016).

يجب أن لا يغيب عن الأذهان آليات تفكيك حركة ماتسبن اليسارية، ما بعد الشيوعية، المكونة من مجموعة من الحزب الشيوعي الإسرائيلي.

حركة، ماتسبن كانت حركة اشتراكية، أسستْ عام 1962 من اليساريين الشيوعيين، من أنصار الشيوعية الصينية، لم تُخفِ الحركةُ عداءها للحركة الصهيونية، رفعت شعارا جديدا: "يا ساميي الشرق الأوسط، اتحدوا" ضم هذا الحزب خليطا من الإسرائيليين والفلسطينيين.

تمكن جهاز الشاباك الإسرائيلي من تفكيك هذا الحزب، بوسيلة أخرى، سيجري استخدامها أيضا لتفكيك حركات اليساريين عام 2016 كما سيأتي.

"فقد اتُّهم أحدُ أعضاء حركة، ماتسبن اليهودُ بالتجسس، وهو أودي أديب، فسجن اثنتي عشرة سنة" (موقعRNG  العبري 12/8/2016)، ثم جرى تفكيك الحزب في أوائل سبعينات القرن الماضي.

تُشير صحيفةُ هآرتس، إلى هجوم الحارديم على أكبر معاقل اليساريين، الجيش:

"بدأت عمليات حردنة الجيش في إسرائيل، أي تحويله إلى جيش ديني، بواسطة الحاخامية العسكرية، شعبة التوجيه الديني، فهي تتولى تغذية الجنود بدروس دينية، تهدف للسيطرة على الجيش، وجعل القيادة في يد الحاخامين (هآرتس، 29/12/2015).

يقول الكاتب الصحافي في صحيفة هآرتس، دانيال بن سيمون:

"عام 2007 أسوأ أعوام اليسار في إسرائيل، فقد تلاشى حزبُ العمل، وأصبح تابعا لحزب كاديما، وتبخرتْ حركة ميرتس، وتحوَّلت إسرائيل إلى دولة رأسمالية، وصار من الصعب على المفكرين والسياسيين أن يجدوا فروقا، بين حزب الليكود، والعمل (هآرتس 13/7/2007).

من مساوئ التيار اليساري في إسرائيل أنَّه تيارٌ وظيفيٌ، وليس تيارا فكريا، وإنْ حاول أن يضع مكياجا يساريا على وجهه، يتمثل في المزيج بين النظام الكيبوتسي، والهستدروتي، هذا اليسار الوظيفي كانتْ مهمتَه الرئيسة في البداية تعزيزُ وترسيخُ الاحتلال الإسرائيلي، وجذب المهاجرين والمناصرين لإسرائيل من الدول الاشتراكية والشيوعية.

اقتصر دور اليسار في إسرائيل في الوساطة بين السياسيين الإسرائيليين، وبين السياسيين الفلسطينيين والعرب، وتولَّوْا تبرير السياسة الكولونيالية، وتقريبها ديماغوجيا من فكر اليسار العالمي.

في هذا الإطار، يمكنني أن أستثني من النظرية السابقة تيارَ (المؤرخين الجدد) الذي انبثق فجأة من أرشيف إسرائيل، وكان هذا التيارُ الجديدُ يسارا حقيقيا اعتمد مبدأ البحث في الملفات التي جرى الإفراج عنها في بداية الألفية الثالثة، وشرعَ عددٌ كبيرٌ من هؤلاء اليساريين في إعادة اكتشاف الحقيقة، وعثروا على كثيرٍ من الحقائق!!

هؤلاء، اليساريون الحقيقيون أنجبوا حركة يسارية أخرى، تتمثل في ظاهرة تيار ما بعد الصهيونية، وقد تبنَّت هذا التيارَ جامعةُ بن غوريون في النقب، هذا التيار دعا لإعادة تفكيك المجتمع الإسرائيلي كجزء من الحداثة العالمية، بما يعني دحر العقيدة الصهيونية، كعقيدة تقليدية، وكشف الستار عن خبايا القضية الفلسطينية، المسكوت عنها، كما يقول الكاتب يائير شيلغ. (هآرتس 29/9/2000). وفي الإطار نفسه ظهرت حركة يسارية حقيقية جديدة، أسسها أوريل هالبرين، أو كما أسمى نفسه، يونثان راطوش، هي حركة الكنعانيين، وهم الذين رفضوا هويتهم اليهودية، وغيروها بالكنعانية التي تضم المسلمين، والمسيحيين، واليهود، وكل الطوائف الأخرى، فهي إذن حركة كوزموبوليتانية عالمية. "نشأت هذه الحركة كرد فعل على نظرية، إسرائيل دولة يهودية" (كتاب الإسرائيليون الأوائل لتوم سيغف ص 250).

هذه هي النخبة اليسارية الحقيقية التي يمكننا أن نصنفها في خانة اليسار، وحتى تتضح الرؤية، يجب أن نشير إلى أهم مراكز اليسار الإسرائيلي في إسرائيل؛

مِن أبرز مراكز اليسار ثلاثُ جامعات، تقف على رأسها جامعة حيفا، وتل أبيب، وبن غوريون في النقب، تأتي بعدها الأحزابُ السياسيةُ، وعلى رأسها حزب ميرتس، وبعض منسوبي حزب العمل، الذي غيَّر اسمه اليوم إلى المعسكر الصهيوني، والقائمة المشتركة، المكونة من مجموع الأحزاب العربية، وبعض اليساريين الإسرائيليين الوسطيين، ممن فضلوا الانضمام إلى حزب، هناك مستقبل، بزعامة، يائير لابيد.

وتأتي في المرتبة الثالثة الجمعياتُ غير الحكومية، مثل جمعية، جنود يكسرون الصمت، وحركة السلام الآن، وجمعية بيتسيلم، وييش دين، وعير عميم، وزخروت، ونيو بروفايل، وجنود يرفضون الخدمة العسكرية، وغيرها من الجمعيات المحسوبة على اليسار.

أما في المرتبة الرابعة، فيأتي الإعلامُ والأدبُ والثقافة، وعلى رأس وسائل الإعلام تأتي صحيفة، هآرتس، وبعض الكتاب والمؤرخين والفنانين.

هذه المراكز اليسارية ظلت تشكل كابوسا عند اليمينيين المتطرفين، والسياسيين المكارثيين في إسرائيل، وكان لا بد أن تقوم المؤسسة السياسية والثقافية المكارثية بوضع الخطط لتحجيم دور هذه المؤسسات، ومن ثَمَّ إسكاتُها إلى الأبد.

مرَّت الخطط وفق الآليات التالية:

إيجاد الأكاديميين المكارثيين القادرين على الرد على التيار اليساري الخطير، المؤرخين الجدد، وتيار ما بعد الصهيونية، وقد تمكن المكارثيون من اختراق تيار المؤرخين الجدد، فعمدوا إلى الإيعاز للباحثين المأجورين بالتصدي لهذه الظاهرة اليسارية الخطيرة، فتولى الباحث، إفرايم كارش التصدي لبني موريس، فكتب كتابا يعدد فيه الأخطاء البحثية لبني مورس، (كتاب، تزييف التاريخ ص 76) ثم جاء الدور الترويضي لبعض ضعاف النفوس من الباحثين، وكان أولهم، بني مورس الذي أطلق الشرارة الأولى للمؤرخين الجدد، في كتابه عام 1987 (مشكلة اللاجئين) اكتشف من خلال الوثائق المفرج عنها؛ أن الفلسطينيين، لم يَرحلوا بمحض إرادتهم، وفق الرواية الإسرائيلية، بل إنهم هُجِّروا بخطة مدروسة عام 1948 فطُرِد بني مورس من عمله في صحيفة الجيروسلم بوست، مما دفعه ليعلن توبته، ويقوم بتبرير الطرد، ويصحح نظريته في كتاب جديد، تصحيح خطأ عام 1996.

"لم يكتفِ بني مورس بالمنصب الجديد كأستاذ التاريخ في جامعة بن غوريون، بل شرع في دحض نظريات المؤرخين الجدد، وعلى رأسهم إيلان بابيه." (هآرتس 9/1/2004).

قال عنه إيلان بابيه: "هذا الانتهازي عدَّل كتابه وحذف منه كلَّ ما يُسيء لإسرائيل، لكي يحصل على درجة بروفيسور" (هآرتس 10/4/2005).

وقام وزير المعارف أيضا، أمنون روبنشتاين بالتصدي للمؤرخين الجدد، وكذلك فعل عدد من الصحافيين، أبرزهم، الكاتب المكارثي، بن درور يميني.

هاجم هذا الكاتبُ الروائيَ الإسرائيلي اليساري البارز، عاموس عوز، لأن عوز قرر ألا يحضر المناسبات الرسمية الحكومية احتجاجا على يمينية حكومة إسرائيل، وبقاء الاحتلال وقال عنه: "سينال عاموس عوز جائزة الـ(BDS)، على الرغم من أنه– كما يقول: (لا يدعم المقاطعة)!! يا للحزن، عوز الصهيوني، محب إسرائيل، ليس كارها لها، كما اعتاد اليساريون أن يُرددوا دائما!! لعاموس عوز صوت النبي يعقوب، أما فعله، فهو لعيسو، (يديعوت أحرونوت 7/11/2015)!

تجب الإشارة إلى سلاحٍ آخر استُخدم لتصفية اليساريين المثقفين، فكان الردُّ من جنس العمل، فقد أقامَ المكارثيون الأكاديميون المناهضون لليساريين المؤتمرات العلمية في الجامعات، لمكافحة تيار المؤرخين الجدد، في كل من جامعة حيفا، وبن غوريون في بداية الألفية الثالثة، وكان الهدف هو إيقاف زحف هذه الظاهرة الخطيرة، وعلى هامش هذه المؤتمرات الجامعية، انبثقت مؤتمرات إسرائيلية كبرى، وعلى رأسها، مؤتمر، هرتسيليا السنوي، الذي افتتح في كانون الثاني (يناير) 2000، وأسسه رجلُ الموساد، ومستشار الأمن، عوزي أراد، وضمَّ السياسيين والعسكريين، وعلى رأسهم، إيهود باراك، وإسحاق ليفنون، وتامير باردو، رئيس الموساد السابق. يهدف المؤتمرُ لترسيخ الطابع اليهودي لدولة إسرائيل، وتقديم الآراء للسياسيين، في مجالات الأمن والمناعة الوطنية. يستضيف المؤتمرُ خبراءَ من كل أنحاء العالم.

أما مؤتمر طبريا، فيُعتبرُ  سلاحا آخر للتصدي لظاهرة المؤرخين الجدد اليساريين، فقد أصدر وثيقته المشهورة، التي تنصُّ على التأكيد على هوية إسرائيل، كوطن للشعب اليهودي، وهي دولة يهودية وديموقراطية، للرد على يساريي الحركة الكنعانية، والمؤرخين الجدد (الأيام، المشهد 28/12/2004).                      

لم يَسْلَمْ حتى رئيسُ دولة إسرائيل، رؤوفين رفلين من محاولة التطويع، ونزعِ يساريتِه منه، لأنه شارك في مؤتمرٍ، حضرته الجمعية اليسارية: (جنود يكسرون الصمت) في نيويورك  يوم 10/12/2015، وكان رئيس الدولة متواجدا هناك، اعتبر سياسيو إسرائيل المتطرفون، وبخاصة الصحيفةُ اليمينية، "إسرائيل هايوم" حضورَ رئيس الدولة خروجا عن قطيع السياسة الرسمية اليمينية، فانبرتْ له ألسنةُ التحريض المكارثية، وكان شعارها الرئيس:

كيف يسمح لنفسه أن يتواجد مع جمعية، (جنود يكسرون الصمت) في مؤتمرٍ واحدٍ، وهو في منصب رئيس الدولة! كان ينبغي عليه أن يعتذر، فهو يسيء إلى الجيش الإسرائيلي، باعتبار الجيش مقدسا كالهيكل الثالث. وكان للتحريض مقدماتٌ سابقة، منها، أنه شارك أهالي كفر قاسم، وهم يخلدون ذكرى المجزرة الإسرائيلية ضد أهلهم، مجزرة عام 1956، قبل ثلاث سنوات، يومها ألقى رؤوفين رفلين خطابا، اعتذر فيه للفلسطينيين باسم إسرائيل عن جريمة المجزرة، فقام المتطرفون الإسرائيليون بإلباس صورته في مواقع التواصل الاجتماعي العقالّ الفلسطيني، ثم ألبسوه ملابس هتلر، وكذلك فعلوا، عندما التقى الرئيس أوباما في كانون الأول (ديسمبر) 2015 لأنه نشر مقالا قال فيه: "إن هناك تمييزا وظلما وإهمالا واقعا على الفلسطينيين في القدس" (صحيفة يديعوت أحرونوت، 18/12/2015).

أما أخطر الأسلحة، فهو لوبي الكنيست اليميني المتطرف، المختص بصياغة القوانين لمطاردة اليساريين، وقد صاغت الكنيست الحالية أكثر القوانين العنصرية، قوانين هدفها محو اليسار، وتنظيف الساحة الإسرائيلية منه، بخاصة عندما تولَّى حزب البيت اليهودي الاستيطاني المتطرف قيادة التشريع، في انتخابات الكنيست العشرين 2015 وحصل على حقيبة العدل، للوزيرة، إيليت شاكيد.

"يُقدر عدد مشاريع القوانين العنصرية، التي تستهدف الفلسطينيين واليساريين، خلال عام واحدٍ فقط 2015-2016 بعشرين مشروعَ قانونٍ عنصري (صفحة مدار الإلكترونية، صحيفة الأيام". 20/8/2016).

أصدرَتْ الكنيست القانونَ الأولُ المختص بمراقبة مصادر تمويل الجمعيات اليسارية، يَشترطُ القانونُ على كل جمعية تتلقى أكثر من نصف موازنتها من الدول الأجنبية، أن تنشر ذلك في الصحف، لإثبات خيانتها!!

"على كل منتمٍ إلى هذه الجمعيات أن يُعرف على نفسه، وأن يذكر الجهة الممولة لجمعيته، مع إلزام تلك الجمعيات أن تنشر تفصيلات الدعم  الخارجي في كل مطبوعاتها ومنشوراتها". (يديعوت أحرونوت 8/3/2016).

هذا القانون لا ينطبق إلاّ على الجمعيات اليسارية، التي تشجع حرية الرأي، وتتلقى الدعم من دول أوروبا، ولا ينطبق على الجمعيات اليمينية الاستيطانية التي تمولها الدولة، أو تتلقى الدعم من أصحاب الملايين اليهود!!

أما القانون الثاني، فهو يستهدف اليسار الفلسطيني المتمثل في أعضاء الكنيست الفلسطينيين، أقرت الكنيست قانونا يسمح لأعضاء الكنيست بطرد أعضاء كنيست آخرين، بأغلبية تسعين صوتا إذا حرَّضوا على الإرهاب، أو عرضوا أمنَ إسرائيل للخطر.

"هذا أيضا لا ينطبق إلا على أعضاء الكنيست الفلسطينيين، أو اليساريين!!" (هآرتس 20/7/2016).

يجب أن لا يغيبَ دورُ جهاز شرطة إسرائيل في مُطاردة أبرز حزب يساري فلسطيني، من الصامدين في أرضهم منذ عام 1948، وهو، حزب التجمع الوطني الديموقراطي، (بلد) هذا الحزب اليساري مطاردٌ اليوم لشرطة إسرائيل، بتهمة تزييف وثائق وشهادات في قضية مصادر الأموال التي يتلقاها الحزب من التبرعات، ولا يقوم الحزبُ بإبلاغ  مُسجِّل الجمعيات في إسرائيل عن مصدر هذه الأموال.

على إثر ذلك نظَّم أنصار حزب بلد مظاهرة يوم 20/9/2016 في الناصرة، للاحتجاج على عملية تصفية الأحزاب العربية، وسعي الشرطة إلى تشويه صورة الحزب اليساري العربي (بلد)، واعتقال عدد من أعضاء الحزب، وأسمى ناطقٌ باسم الحزب ما يجري، بأنه تصفية سياسية.

"أشارت مصادر من شرطة إسرائيل؛ أنَّ ملايين الشواقل دخلتْ صندوق الحزب، بواسطة عمليات احتيال ونصب، تصل من الداخل والخارج، فقد وصل مليون دولار في حقيبة للحزب من الخارج، ويستخدم الحزب وثائق مزيفة  لتسويغها" (يديعوت أحرونوت 21/9/2016).

يعتزم رئيس الائتلاف الحكومي الليكودي، دافيد بيتان تقديم مشروع قرار جديد للكنيست يمنع الإسرائيليين من تشجيع مقاطعة بضائع المستوطنات، أو تشويه صورة إسرائيل في الخارج، وينصُّ مشروع القانون على فرض عقوبات على مَن يدعو للمقاطعة، أو يشهد ضد إسرائيل في المؤسسات الدولية، بدفع تعويضات عن الضرر، ومنعه من المشاركة في الأنشطة الحكومية، ونزع ترخيص الجمعية والمؤسسة التي ينتمي لها، وقد يصل إلى حد سحب الجنسية الإسرائيلية من المتهم. (هآرتس 23/10/2016).

جاء هذا المشروع عَقِبَ خطاب رئيس جمعية بيتسيلم، حجاي إلعاد أمام مجلس الأمن الدولي، وتقديم شهادته أمام المجلس يوم 14/10/2016، ومطالبته المجلس بأن يُنهي الاحتلال (لفلسطين)، مما قاله في الجلسة:

"أصبح الظلمُ المُسمَّى، الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، والسيطرة على حياة الفلسطينيين، في غزة والضفة، جزءا من النظام الدولي.

باسم بيتسيلم (مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان، أناشدكم بأن تفعلوا ما يلزم، لإنهاء الاحتلال." (صحيفة بيتسيلم الرقمية 20/10/2016).

أما السلاح الآخر المستخدم لإذابة بقايا اليسار، فيتمثل في أعضاء الحكومة اليمينية المتطرفة الحالية، التي يرأسها نتنياهو، ويحتل زعيم حزب البيت اليهودي، حزب الاستيطان، وزارة التعليم، المسؤولة عن صياغة الأجيال في إسرائيل، وإذا أردنا أن نرى المفعول القوي لسلاح الحكومة اليمينية المتطرفة، فإننا نضم إلى نفتالي بينت، وزيرة الثقافة الليكودية، ميري ريغف، فقد تولَّى الاثنان ملف تصفية جيوب اليساريين في القطاعات التربوية والثقافية، باستخدام إيقاف الموازنات عن الجيوب اليسارية المتبقية في إسرائيل، من أبرز تلك الإجراءات ضد حرية الرأي والتعبير:

حجبتْ الليكودية اليمينية، ميري ريغف يوم 10/6/2015 دعم مسرح الأطفال في يافا، لأن مدير المسرح الفلسطيني، نورمان عيسى (اليساري) رفض تقديم عروض مسرحية في المستوطنات. أمرتْ، ميري ريغف أيضا في العام نفسه، بإزالة رواية (جدار حي) من المنهاج التعليمي، لأن الرواية تحكي قصة عشق بين فلسطيني ويهودية!!

ألغتْ ميري ريغف مهرجان أفلام النكبة، مع العلم أن منظمي المهرجان هم أعضاءُ جمعية إسرائيلية اسمها (زوخروت) ذكريات، لأن الجمعية يسارية، تقوم بتنظيم رحلات للفلسطينيين إلى بيوتهم التي هُجِّروا منها، وتُعيد إلى القُرى أسماءها الأصلية!

"حرَّضت، ميري ريغف وزيرَ الدفاع، ليبرمان على مسؤولي إذاعة الجيش الإسرائيلي، يوم 20/7/2016 وطالبته بإيقاف دعم المحطة الإذاعية، لأن الإذاعة عرضت قصيدة، سجِّل أنا عربي، لمحمود درويش.

"استدعى ليبرمان مدير الإذاعة، يارون ديكل ووبَّخه وهدده، وشبَّه ليبرمان محمودَ درويش بهتلر!!" هآرتس يوم 22/7/2016.

إكمالا للصورة فقد أصدر وزير التعليم الحالي، نفتالي بينيت زعيم حزب الاستيطان، البيت اليهودي، بصفته وزيرا للتعليم قرارا بمنع طلاب المدارس من حضور مسرحية (الزمن الموازي) التي مثَّلتها فرقة المسرح الحيفاوية (اليسارية)، فرقة "مسرح الميدان" التي يديرها، عدنان طرابشة، لأن المسرحية تحكي قصة سجين فلسطيني، هو وليد دقة، وهي تُظهر الجانب الإنساني في الحياة، ولا علاقة لها بالإرهاب، وقد دعمتْ وزيرةُ الثقافة، ميري ريغف، قرار نفتالي بينت وجمدت الموازنة المالية السنوية للفرقة، مليون دولار، وناصرها عضوُ المجلس البلدي في حيفا، شاي بلومنتال، (موقع عرب 48 22/5/2015).

أما عن مايسترو جوقة إقصاء اليساريين ومطاردتهم وتهجيرهم، فهو بالتأكيد، رئيس الحكومة، نتنياهو، فهو يصمتُ عن أداء المكارثيين في حكومته، ويناصرهم سرا، ويُبقي آخر أسلحة إزالة اليساريين في يده، وهو سلاح الإعلام!

فنتنياهو ما يزال يقبض على وزارة الاتصالات، وهو مايسترو وسائل الإعلام في إسرائيل.

يعلم نتنياهو أن عالم اليوم هو عالم (إعلامالي) وقد شرع في تطبيق سياسته، عندما تحالف مع الملياردير، شلدون أدلسون، مالك صحيفة، "إسرائيل هايوم"، لم يكن هدف هذا التحالف سوى إنهاك مصدر قوة اليسار، المتمثل في الإعلام اليساري، وشرع مالك الصحيفة في توزيع صحيفته مجانا، لتحتلَّ المرتبة الثانية في التوزيع بعد صحيفة يديعوت أحرونوت، قدَّم نتنياهو أيضا دعما لموقع (واللا) الإخباري، لأنه ينشر التقارير الإيجابية عن نتنياهو. وأغفل في مقابل ذلك البحث عن حلٍّ للمشكلات المالية التي تعترض صحيفة، معاريف، لأنها يسارية وتنتقد نتنياهو.

أما القناة العاشرة الإسرائيلية، فهي أيضا هدفٌ للتصفية والمضايقة، عندما رفضت اللجنة الإعلامية في الكنيست تأجيل سداد ديون القناة عام 2011، ولم تلتفت الحكومة إلى التماس المؤسسات الإعلامية، بضرورة تقسيط الديون البالغ قدرها، أربعة وأربعين مليون دولار، فالقناة لا تحظى بإعجاب المتطرفين، وعلى رأسهم نتنياهو نفسه،

"القناة العاشرة محسوبة على المعارضة، (اليسار) بما تقدمه من برامج وتحقيقات تمسّ بأعضاء في الكنيست" (هآرتس 15/12/2011).

حاول الإعلاميون اليساريون إيقاف خطة نتنياهو الرامية إلى تسخيره ليتوافق مع سياساته، فقدم عضو حزب المعسكر الصهيوني، إيتان كابل مشروع قانون ينصُّ على منع توزيع الصحف اليومية مجانا، للحد من نفوذ صحيفة إسرائيل هايوم، ومُرِّرَ القانون بالقراءة الأولى، أجاز القانونَ ثلاثةٌ وأربعون عضوا، وعارضه ثلاثةٌ وعشرون، وامتنع تسعة آخرون عن التصويت، ولكن نتنياهو، وجوقة الليكود، أوقفت القراءة الثانية، والثالثة، وصف نتنياهو مشروع القانون:

"إن هذا المشروع مشروعٌ مُخزٍ، وقال عنه عضو الكنيست من البيت اليهودي، موتي يوغيف: هذا اليوم هو يوم أسود في تاريخ إسرائيل" (تايمز أوف إسرائيل 13/11/2014).

طالبتْ عضو الكنيست، ميراف ميخائيلي من الصحافيين أن يمتنعوا عن نشر أية مقابلات مع نتنياهو لمواقفه ضد الإعلام الحر (اليساري) قائلة:

"نتنياهو يُدير حربا ضد الإعلام الحر، بصفته وزيرا للاتصالات" (هآرتس 24/8/2016).

وأخيرا جرى تفجير محاولة نتنياهو تأجيل الإعلان عن بدء سلطة البث الرسمية، التي تضم الإذاعات والفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي، التي تمولها الدولة، قرَّرَ نتنياهو تأجيل الموعد إلى العام القادم 2017 وفضح كثيرٌ من الإعلاميين هذه الخطة، لأن نتنياهو يسعى لتمكين مقربيه الإعلاميين من الاستيلاء على المناصب الكبيرة في هذه السلطة، حتى أن الكاتب، بن كاسبيت يقول:

"يحاول نتنياهو تطويع الإعلام الحر، حتى يُمكِّن مقربيه من الاستيلاء عليه" (معاريف 24/7/2016).

ويقول المعلق البارز في القناة الثانية، أمنون أبراموفتش:

"يحاول نتنياهو تقليد نظام الإعلام السوري، ويسعى لجعل إعلام إسرائيل يمجِّد نتنياهو، كما يمجد الإعلام السوري، الرئيس بشار الأسد" (القناة الثانية 25/7/2016).

قال زئيف هرتسوغ، زعيم المعسكر الصهيوني:

إنَّ مطالبة، ميري ريغف، ودافيد بيتان، رئيس كتلة الليكود بضرورة إلغاء سلطة البث، ليس زلة لسان، وإنما تعبير عن سياسة نتنياهو، الذي يريد أن يصبح فيدل كاسترو الإعلام!!

قال حزب الليكود في صفحته على الفيس بوك 2/8/2016:

"بينت، وإيليت شاكيد من أنصار اليساريين، وهآرتس تمس برئيس الحكومة".

يُعتبر، وزير الدفاع، أفيغدور ليبرمان أبرز الشخصيات التي تشارك في تصفية اليساريين، وتحثُّ على اقتلاعهم من جذورهم في الساحة الإعلامية. هو يردُّ على مطالبة اليساريين بمحاكمة الجندي، إليئور عازاريا محاكمة عادلة، لأنَّ هذا الجندي قد قتل الفلسطيني، عبد الفتاح الشريف، وهو أعزل وجريح في شهر آذار (مارس) 2016.

"قال، ليبرمان في معرض حديثه أمام سكان مستوطنات الجنوب، المحاذية لقطاع غزة:

"يجب على الصحافة أن تُسخَّر لتعزيز قوة الردع ضد العدو، وليس ردع الجنود الإسرائيليين، كما يفعل الصحافيون اليساريون، وجمعية جنود يكسرون الصمت" (تايمز أوف إسرائيل 30/8/2016).

ظلَّت صحيفة، هآرتس وهي آخر جيوب اليساريين، هدفا رئيسا للتصفية، بما تملكه من أقلامٍ يسارية، ومن توجهاتٍ، لا تُرضي الحكومة اليمينية في إسرائيل. وقد أصبحتْ عبئا على كاهل الحكومة اليمينية، لذا فقد طالتها يدُ المؤامرة، وشرع اليمينيون في العمل على تصفيتها، بمختلف الطرق، ومن أبرز الوسائل التي استخدمتْ في هذا المجال، استحداث حركة أُطلق عليها اسم، "احتياط" للتحريض على صحيفة هآرتس:

"احتياط"، هي حركة تهدف في الظاهر لمكافحة الــ(BDS)، وهي اليوم تقوم بمطاردة صحيفة هآرتس، فأعضاء المنظمة سيوزعون عشرين ألف نسخة على الجمهور، على شكل صحيفة هآرتس، أي نسخ مُزيَّفة، وفيها مقالات معادية لإسرائيل، منها مقال، عاموس شوكن، مالِك الصحيفة، الذي دعا العالمَ للضغط على إسرائيل واستخدام سلاح المقاطعة ضدها، وفي النشرة أيضا، مقالات أخرى للكاتب اليساري، جدعون ليفي الذي يسمي إسرائيل دولة الشر، لأن الجنود الإسرائيليين يقتلون الأطفال الفلسطينيين، في النسخ الموزَّعة تحذير للجمهور:

"لا تقرأوا هآرتس، هذه الصحيفة لا تستحق اسمها (الأرض)، فحركة، البي دي إس تعتمد في حربها ضد إسرائيل على هذه الصحيفة!!" (هآرتس 2/8/2016).

أما آخر الأسلحة الهادفة لإزالة اليسار الإسرائيلي، فهو سلاح من نوعٍ جديد، هو أكثر فعالية، وأقدر على المتابعة ومطاردة بقايا اليساريين، ويعود السبب إلى أن هذا السلاح، بعيدُ في صورته الخارجية الشكلية عن الحكومة، وهو في الوقتِ نفسه، يرفع شعارات مُضلِّلة، تتماثل مع اليسار، وربما تختلط به، لأنه سلاحٌ مُغرِّر، يتمثل هذا السلاح في استحداث عدد من الجمعيات، غير الحكومية، لها أنظمةٌ ولوائحُ داخلية خادعة.

هذه الجمعيات المختلقة تتولى مُطاردة  الجمعيات المحسوبة على اليسار، ورصد تحركاتها، وتحريض الإسرائيليين عليها، من أبرز هذه الجمعيات الراصدة لحركة اليسار، جمعية، إم ترتسو،IM TIRTZU. هذه الجمعية تُموَّل حكوميا من:

بنك ليئومي، شركة سونول، شركة طمبور، منتدى المتدينين الصهاينة!!

جمعية، إم ترتسو، (إذا أرّدْتُم) أُسِّستْ عام 2006، جمعية صهيونية، مديرها ومؤسسها، رونين شوفال، تحارب كل الدعوات بنزع الشرعية عن إسرائيل، وهي مختصة بمحاربة كل ناقدي إسرائيل في الجامعات الإسرائيلية، وبخاصة مطاردة اليساريين وجمعياتهم التي تكشف الحقائق عن جرائم الاحتلال، وتسعى لتشويه كل الجمعيات الدولية المختصة بحقوق الإنسان، اتهمتْ هذه الجمعيةُ أكاديميين إسرائيليين بأنهم يدعون لمقاطعة إسرائيل،

شوَّهتْ جمعيةُ إم ترتسو العنصرية الجمعية اليسارية، جنود يكسرون الصمت، التي كانت ترصد انتهاكات الجيش في حق الفلسطينيين! ولم تكتفِ بتشويهها، بل لاحقتْ، وشوَّهت الجمعيات اليسارية التالية: بيتسيلم، وحركة السلام الآن، وجمعية ييش دين، وزخوروت، وعدالة، وعير عميم، وجنود يكسرون الصمت، ومحسوم ووتش، وغيشاه، ونساء من أجل السلام، ومحاربون من أجل السلام! شنَّتْ الجمعيةُ حملةً شعواء على أعضاء الكنيست الفلسطينيين، وعلى رأسهم النائب، محمد بركة، لأنه شارك في فيلم (جنين)، وهي تطالب المسيحيين بالانضمام للجيش الإسرائيلي، قامتْ الجمعيةُ بتشجيع الجنود الإسرائيليين على مواصلة قتل الفلسطينيين، خلال عملية "الجرف الصامد"، 2014 ووزعوا عليهم المعدات، والطعام، في ساحة المعركة. رفعتْ الجمعية شعارا مركزيا:

(جمعيات اليساريين، جمعيات عميلة للأجنبي).

قام بعض أعضاء هذه الجمعية بتشويه صورة حركة السلام الآن، في المظاهرة التي نظمتْها حركة السلام بمناسبة يوم القدس، كان المتظاهرون يحتجون على الاحتلال، ومصادرة أراضي وبيوت الفلسطينيين في القدس، حيث "قام مدسوسون ملثمون من جمعية، إم ترتسو برفع أعلام فلسطينية في المظاهرة لتشويه صورة حركة السلام الآن أمام الجمهور الإسرائيلي، وإظهار حركة السلام الآن، وكأنها جمعية فلسطينية!!" (هآرتس 6/3/2016).

هذا هو السلاحُ نفسُه الذي استخدم بفعالية ضد حركة، ماتسبن في سبعينات القرن الماضي، عندما اتهموا أحد أعضاء حركة ماتسبن الإسرائيلي، أودي أديب بالجوسسة لحساب الفلسطينيين، واعتقلوه وسجنوه، وأدى ذلك في النهاية لإذابة تلك الحركة!

أما الجمعية الثانية الخطيرة، فهي جمعية، عير داود، أو باسمها الإعلامي المشهور، إلعاد، ELAD: هي جمعية استيطانية، مختصة بتهويد القدس، ومطاردة سكان القدس الفلسطينيين لهدف ترحيلهم، مقرها في سلوان، تتلقى الدعم من الوكالة اليهودية، ومن الحكومة، ومن شركات غسيل الأموال.

"تلقت الجمعية 265 مليون شيكل من شركات مختصة بغسيل الأموال في جزر الباهاما، وسيشل، بالإضافة إلى تبرعات من الوكالة اليهودية، وهي لا تسجل الأموال عند مسؤول الجمعيات" (هآرتس 6/3/2016).

أُسست عام 1986، الجمعية تدير مشروعاتٍ سياحيةً كبيرة،  تتلقى الدعم من الوكالة اليهودية، ومن الحكومة الإسرائيلية، وعلى رأسها، وزيرة العدل، إيليت شاكيد.

تقوم أيضا بمطاردة جمعية يسارية مناهضة لها، وهي جمعية، عير عميم اليسارية، التي تتولى إقامة دعاوى قضائية، أمام المحكمة العليا بالنيابة عن الفلسطينيين، ضد جرائم اغتصاب بيوتهم، ومصادرة ممتلكاتهم وعقاراتهم:

"طالبت هذه الجمعية من محكمة القدس المركزية أن تكشف العلاقة بين جمعية إلعاد، وبين وزيرة القضاء، إيليت شاكيد، هذه الأخيرة تواطأتْ مع جمعية إلعاد ووافقت على مخططات إنشاء مبنى استيطاني كبير في سلوان" (هآرتس 13/10/2015).

ومن الجمعيات الأخرى، والحركات، والتكتلات، الآخذة في التبلور حديثا، هي تجمع جديد، أو جمعية في طور الإنشاء، لم تتبلور بعد، وهي (أمر1) وهي مختصة بمطاردة يساريي الجيش الإسرائيلي، ومؤسسوها، هم مجموعة من الحاخامين، الذين لهم علاقة بشعبة التوجيه الديني في الجيش، أو الحاخامية العسكرية، هذه الجمعية تطلب من الجنود الحارديم، أن يتقدموا بشكاوى ضد ضباطهم ومسؤوليهم، ممن يفرضون عليهم حلق اللحى، أو إرغامهم على ممارسات غير شرعية، كمنعهم من لبس الكيبا، أو إرغامهم على أكل الطعام (الطريف) أي غير الكوشير، أصدرتْ هذه الجمعية بيانها الأول:

"أيها الجندي، هل تُرغم على أكلِ اللحم الطريف، غير الحلال؟ هل أجبرك المسؤولون من الضباط (اليساريين) أن تدخل كنيسةً، أو مسجدا؟ هل أرغموك على حلاقة ذقنك؟ إذن، اشتكِ لنا" (صحيفة يديعوت أحرونوت 16/8/2006).

هناك جمعية أخرى، جمعية (لافي) تختصُّ بمتابعة نظام تثقيف الجيش في إسرائيل، هدفُهَا، منع تثقيف الجيش على قيم اليساريين المعمول بها في جيش إسرائيل، ومحاصرة معهد (هارتمان) اليساري، المسؤول عن تثقيف الجيش  منذ تأسيس إسرائيل، عام 1948، مؤسسو الجمعية من أنصار حزب البيت اليهودي، وعلى رأسهم المحامي، أفيحاي بورن، هم يسخرون من نظام تثقيف الجيش على المبدأ الذي هو شعار جيش إسرائيل (طهارة السلاح)، وهم يعترضون على قيام الجيش باستضافة اليساريين كمحاضرين في ألوية وكتائب الجيش، وينشرون أفلاما وثائقية تحريضية بأقوال المحاضرِيْن اليساريين للجنود والضباط، ومِن أبرز لقطات التحريض، أقوال نائب رئيس هيئة الأركان، يائير غولان، الذي قال:

"يجب أن لا نصل إلى ما وصل إليه النازيون" ويسعى منسوبو جمعية، لافي لتكثيف دور الحاخامين في الجيش، كبديل عن التثقيف اليساري." (هآرتس 13/8/2016).

جمعية، لافي، وأمر1 فرعان من كتيبة الهجوم الرئيسة على أكبر معاقل اليسار، الجيش الإسرائيلي. الحاخامية الدينية الحريدية الكبرى، بذراعها القوي، الحاخامية العسكرية، التي تقوم بتوجيه الجنود، أو (حردنتهم) هذه الكتيبة هي من أقوى الكتائب التي تسعى لإزالة اليسار من الجيش، ومِن ثَمَّ، الهيمنة على هذا الجيش، ليصبح جيشا حريديا.

هناك جمعية أخرى مختصة بمطاردة وتصفية جمعيات اليساريين، وهي جمعية (ريغافيم)  Regavim أُسِّستْ الجمعيةُ عام 2006 مؤسسها، غوش هاستن، هدفها في صفحتها الإلكترونية: "استعادة الأراضي من الفلسطينيين، قطعة، قطعة، ومحاربة (غزو) العرب لأرض إسرائيل، أما الهدف الثاني فهو مطاردة، وإسكات جمعيات اليساريين، ييش دين، السلام الآن، بيتسيلم، وعير عميم، وغيرها.

تُموَّل هذه الجمعية من مجلس المستوطنات (أمناه)، ومن ميزانية الحكومة، وهي تتقدم بشكاوى ضد جمعيات اليسار السابقة، التي تطالب المحكمة العليا برفض أوامر هدم منازل الفلسطينيين في سوسيا، فالجمعية تجمع الوثائق لإبطال تلك الشكاوى، لتكريس طرد الفلسطينيين من سوسيا، وهي تدعو لضم مناطق، A-B لإسرائيل.

هناك أيضا، جمعية أخرى أسِّستْ للتعامل مع اليساريين خارج إسرائيل، وداخل إسرائيل أيضا، وهذه الجمعية هي ذراع مخابراتي فعّال تابع للذراع الخارجي للمخابرات الإسرائيلية، الموساد، جمعية شورات هادين Shurat Hadin أي الملفات القانونية، ترأسها المحامية نتسانا دارشان ليثر، إنها جمعية مختصة برفع القضايا ضد السلطة الفلسطينية، وهي أيضا تطارد اليساريين في الخارج، ومن أبرز أنشطتها، مطاردة جمعية، "جي ستريت J Steet" المرتبطة باليسار، والتي شجّعها الرئيس الأمريكي أوباما، ومن أبرز أنشطة الجمعية مطاردة كِتاب: (فلسطين السلام، لا العنصرية) للرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر، وهي تطارد معظم الجمعيات التي تدعم الفلسطينيين، وهي أول مَن حرَّض المخابرات الإسرائيلية لتصفية جمعية، وورد فيجنWorld Vision  في قطاع غزة، بتهمة دعم الجمعية للإرهاب، في منتصف 2012.

خلاصة

بدأتْ خططُ تفكيك اليسار في إسرائيل بالشجب والاستنكار وإقصاء اليساريين المعارضين عن مركز القرار، ومطاردتهم في أرزاقهم، ثمَّ بشراء الولاءات، من قبل بعض النفعيين، المنسوبين للفكر والثقافة، كما في حالة، بني موريس، ثم طوروا سلاح المواجهة، بما يناسب المعركة، وبخاصة عندما ازدهرتْ حركة المؤرخين الجدد كظاهرة ثقافية يسارية في بداية الألفية الثالثة، فأنتجوا فيروسا هجوميا، ليس فرديا، بل على شكل مؤتمرات علمية، ومنتديات ثقافية، كما كان الحال في مؤتمر هرتسيليا وطبريا، ثمَّ استحدثَ ساسةُ إسرائيل الأسلحةَ الهجومية، على شاكلة اللوبي الإعلامي، والثقافي المكارثي الرسمي، صاحبِ القرار، الذي أخذ على عاتقه محاصرةَ اليساريين، بواسطة إيقاف، أو تجميد الدعم المالي للإعلام اليساري، ثم لجأوا إلى سلاحٍ قاتل، يتمثل في قوانين مضادة لليساريين في الكنيست، على شاكلة قانون تمويل الجمعيات اليسارية، وإقصاء كل نائب مُشكك في دولة إسرائيل، ثم تَحوَّل المكارثيون الإسرائيليون إلى سياسة الخنق النهائية، بمحاصرة مصدر القوة الرئيس، الإعلام، كما هو الحال في المعركة الجارية حاليا على سلطة البث الإعلامية.

لم ينسَ مخططو إنهاء اليسار أن يستعملوا سلاح الدين اليهودي الحريدي، فمكَّنوا الحاخامية الدينية من رقاب اليساريين، وفرضتْ هذه الحاخاميةُ قوانينها في الزواج والطلاق على اليساريين، ومُنحوا سلطة التهويد، ومنح الجنسيات، وحصلوا على الإعفاءات من الجيش، وحصلوا على ميزانيات ضخمة، لتمكينهم من فرض هيمنتهم.

أخيرا، قام سياسيو إسرائيل اليمينيون باختراع السلاحِ الفتَّاك الأخير، وهو [الجمعيات المضادة للجمعيات] وهي منظومة من الجمعيات المخابراتية الحكومية، تتصدى للجمعيات اليسارية، وتُشوِّه صورتَها أمام الجمهور الإسرائيلي، وقد بدأت ثمارُ هذه الأسلحةِ تُؤتي أُكلَها في كثيرٍ من مراكز اليسار، حيث أُرغمَ المؤرخون الجُدُد، إيلان بابيه، وآفي شلايم، وشلومو صاند، وغيرهم على أن يتركوا إسرائيل، ويهاجروا إلى أمريكا، وأوروبا، فها هو الصحافي اليساري، الكاتب البارز في صحيفة هآرتس، غدعون ليفي، يسير في شوارع تل أبيب بحراسة مشددة، وها هو أحد اليساريين، ممن دعم حركة المقاطعة لبضائع المستوطنات، المحامي البارز، غلعاد باز يطلب حق اللجوء السياسي في كندا.

"قدَّم، غلعاد باز طلبَ حقِ اللجوءِ السياسي  إلى مقاطعة مونتريال في كندا لأنه يتعرض للمضايقة، وأنه مُطارد في إسرائيل بسبب يساريته، بخاصة بعد قرار وزير الداخلية، أريه درعي بمنع دخول أنصار البي دي إس إسرائيل، وطرد كل مَن يوجد منهم في إسرائيل" هآرتس 25/8/2016.

أما عن جمعية، جنود يكسرون الصمت، فقد غيَّرتْ مسارها، بفعل الضغط الشعبي والخطط الحكومية التي تحاصرها، فقررت أن  تعود إلى الحظيرة الرسمية، وأن تتخلص من صفة اليسار التي أُلصقت بها.

الكاتب الصحافي، يوعاز هندل يلوم نفسه لأنه كان من أنصار هذه الجمعية، ثم اكتشف أخيرا أنها تضر بصورة إسرائيل في الخارج، أخيرا، يشكرها:

"عندما أُسستْ الجمعية من جندي من كتيبة الناحال العاملة في الخليل، كنتُ أظنُّ أنها ستحسِّن أخلاقَنا، وكنتُ على علاقة طيبة بهم، غير أن الأمر انقلبَ عندما بدأت الجمعية تعمل ضد إسرائيل، تنشر في الخارج صورا مسيئة، وتُنظِّم معارضَ لجرائم الجيش، أما اليوم فها هي تعود إلى إسرائيليتها، وتدعم الجندي، إليئور عازاريا، الذي يُحاكم بتهمة قتل الفلسطيني المصاب في الخليل!!" (يديعوت أحرونوت 3/8/2016).

فهل سيشهد عام 2017 استحداثَ سلاحٍ آخرَ جديدٍ، يُضاف إلى ترسانة الأسلحة السابقة المستخدمة لإبادة اليسار في إسرائيل، وتصفيته نهائيا؟!

أم أنَّ هذه الخطط سوف تُعيدُ القوةَ لليساريين، إذا نجح هؤلاء اليساريون في جعلها تطعيماتٍ ضد اليمين الحريدي المتطرف؟!

سؤالان، سيظلانِ عالقَينِ في ساحة إسرائيل، التي اعتادتْ أن تكون ساحة مفاجآتٍ، سرعان ما تُقلب الموازينُ فيها بسرعة!

·       

 

 


[*] كاتب فلسطيني.

الملفات المرفقة

توفيق أبو شومر.docx
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website