التحولات الدولية وأثرها على فلسطين، مهند عبد الحميد، العدد 266

التحولات الدولية وأثرها على فلسطين

مهند عبد الحميد[*]

 

"أثار سحر هذه الأرض القديمة وموقعها الحيوي على حدود التشابك بين القوى والحضارات، مطامح ومطامع وغزوات كانت تؤدي إلى حرمان شعبها من إمكانية تحقيق استقلاله السياسي".[1]

كما تأثر حق تقرير مصير الشعب الفلسطيني بالتحولات والصراعات الدولية، وبمستوى تدخل القوى المهيمنة على النظام الدولي وتوازناته في المراحل المختلفة. ويمكن التوقف عند 5 مراحل شهدت كل مرحلة تحولا كبيرا انعكس إيجابا أو سلبا على القضية الفلسطينية:

المرحلة الأولى: انهيار سيطرة الإمبراطورية العثمانية لمصلحة الانتداب البريطاني.

 كان من نتائج الحرب العالمية الأولى 1914-1918 بين دول الحلفاء التي تضم (بريطانيا وفرنسا وروسيا) وبين دول المركز التي تضم (ألمانيا والنمسا والدولة العثمانية وبلغاريا)، انهيار وتفكك الإمبراطورية العثمانية. فقد تخلت تركيا عن السيادة على ولايات العراق وفلسطين والأردن لتصبح تحت السيطرة البريطانية. وتخلت كذلك عن سوريا ولبنان لتصبح تحت السيطرة الفرنسية بموجب اتفاقية سايكس-بيكو 1916 جاء ذلك مخالفا لوعود بريطانيا باستقلال البلدان العربية التي كانت تخضع لسيطرة الدولة العثمانية، بحسب مراسلات (حسين–مكماهون) عام 1916. وفي العام 1917 صدر وعد بلفور: الذي تتعهد بموجبه الحكومة البريطانية بتأسيس وطن قومي "للشعب اليهودي" في فلسطين.

وكانت دول الحلفاء المنتصرة قد قررت وضع الأقاليم والشعوب التي كانت جزءا من الإمبراطورية العثمانية تحت نظام الانتداب لمواجهة مشكلة مصير الأقاليم والشعوب التي كانت تحكمها الدول المنهزمة في الحرب العالمية الأولى. جاء ذلك في مقررات مؤتمر الصلح الذي عقد في باريس عام 1919، والذي أعلن فيه عن تأسيس عصبة الأمم المتحدة.

يعترف عهد عصبة الأمم في المادة 22 بشخصية الشعوب العربية وبانطباق أحكام هذه المادة عليها. "إن بعض الشعوب التي كانت من قبل تنتمي إلى الإمبراطورية التركية قد وصلت إلى درجة من التقدم يمكن معها الاعتراف، مؤقتاً، بوجودها كأمم مستقلة، ويكون الاعتراف رهنا بتقديم المشورة الإدارية والمساعدة من قبل دولة منتدبة، حتى يحين الوقت الذي تصبح فيه قادرة على النهوض وحدها. ويجب أن يكون لرغبات هذه الشعوب اعتبار رئيس في اختيار الدولة المنتدبة"[2]. لم تكن فلسطين مستثناة من هذه الأحكام، وإنما كانت حالها كحال بقية الأقطار العربية التي كانت واقعة تحت الحكم العثماني. ثم جاء صك الانتداب الصادر عن مجلس عصبة الأمم عام 1922. ليقر الانتداب البريطاني على فلسطين. جاء في المادة الثانية من صك الانتداب: "تكون الدولة المنتدبة مسؤولة عن وضع البلاد في أحوال سياسية وإدارية واقتصادية تضمن إنشاء الوطن القومي لليهود". والذي يعني تسهيل هجرة اليهود ومنحهم الأراضي الأميرية، كما جاء في المادة 6 وتسهيل اكتساب المهاجرين للجنسية الفلسطينية كما جاء في المادة 7 [3]. يلاحظ هنا أن نصوص الصك تتناقض مع المادة 22 من عهد العصبة الذي يعترف بشعوب- ومنها الشعب الفلسطيني- تحتاج فقط إلى مساعدة من دولة منتدبة لتنال استقلالها. المادة 4 من صك الانتداب تتجاهل التعاون مع الشعب الفلسطيني كسكان أصليين وأكثرية ساحقة أكثر من 90% في فلسطين بالقول: تعترف الدولة المنتدبة بوكالة يهودية ملائمة كهيئة عمومية لإسداء المشورة لإدارة فلسطين والتعاون معها في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية". والأخطر من ذلك أن صك الانتداب أقر بالصلة التاريخية التي تربط "الشعب" اليهودي بفلسطين". بالاستناد للرواية التوراتية الأسطورية التي قدمتها الحركة الصهيونية، ثم جاء وعد بلفور وصك الانتداب ليصادقا على تلك الرواية باعتبارها حقيقة.

الحرب العالمية الأولى وما أحدثته من تغيير كبير في العلاقات الدولية "اتفاق فرساي المذل" الذي أسس لصعود النازية ومهد للحرب العالمية الثانية، وقد انعكس ذلك التغيير سلبا على فلسطين التي تعرضت لاستعمار مزدوج يتكون من استعمار بريطاني ومن استعمار صهيوني استيطاني إقصائي بدعم وغطاء من عصبة الأمم المتحدة. وقد ساهم الاستعماران في منع الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره والاستقلال أسوة بباقي الشعوب التي تعرضت للاستعمار.

هكذا انعكست التحولات الدولية أثناء وبعد الحرب العالمية الأولى، بالسلب الكبير على القضية الفلسطينية، الذي وصل إلى حد شطب وتجاهل وجود شعب فلسطيني. غير أن المادة 22 من ميثاق عصبة الأمم للعام 1919، ومعاهدة لوزان للعام 1923 أقرتا مبدئيا بأن الشعب الفلسطيني -شأنه شأن الشعوب العربية الأخرى التي انسلخت عن الدولة العثمانية- هو شعب حر مستقل"{C}[4]{C}. وشكل هذا الإقرار أساسا قانونيا للاعتراف الدولي بالشعب الفلسطيني، الذي لعب نضاله ضد الاستعمار البريطاني والاستيطان الكولونيالي الصهيوني، في انتزاع اعتراف "لجنة بل" بعدالة مطالب الشعب الفلسطيني بالاستقلال. ودعت اللجنة إلى إنهاء الانتداب وتقسيم فلسطين، وتبنت الحكومة البريطانية هذه التوصيات "بكتاب أبيض" أصدرته في تموز (يوليو) 1937، لكنها تخلت عن موقفها لاحقا. في كل الأحوال أثبت الشعب الفلسطيني حضوره وتجاوز الإنكار الاستعماري الصهيوني لوجوده.

ثانيا: الحرب العالمية الثانية والنكبة الفلسطينية.

أحدثت هذه الحرب تحولات كبيرة على صعيد كوني أبرزها هزيمة النازية في ألمانيا والفاشية في إيطاليا والعسكرية اليابانية. وتراجع نفوذ بريطانيا وفرنسا كدولتين استعماريتين مهيمنتين، وانقسمت أوروبا إلى أوروبا الغربية وأوروبا الشرقية، وانقسم العالم إلى معسكرين الشرقي بزعامة الاتحاد السوفييتي والغربي بزعامة الولايات المتحدة. أصبح النظام الدولي ثنائي القطبية تتحكم فيه إلى حد كبير القوتان العظميان، وبدأ الصراع بينهما حول النفوذ والسيطرة يأخذ شكل الحرب الباردة. وكان من نتائج صعود الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة انحسار الاستعمار القديم وصعود حركات التحرر وانتزاع العديد من الدول لاستقلالها التي حظيت بدعم ومساندة الاتحاد السوفييتي. وكانت الثورة الاشتراكية عام 1917 قد أعلنت انحيازها ودعمها لحق الشعوب في تقرير مصيرها وتحررها من الاستعمار. هذه الثورة هي التي كشفت اتفاق "سايكس بيكو" لتقاسم السيطرة على الشعوب العربية بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية لكن هذا الموقف لم يجد له ترجمة عملية في دعم الشعب الفلسطيني للخلاص من الاستعمار البريطاني ومن المشروع الكولونيالي الإقصائي الصهيوني. وبالرغم من أن مقاومة الشعب الفلسطيني ساهمت في إدخال تعديل على المواقف البريطانية والدولية (الكتاب الأبيض) عام 1939، وقرار التقسيم عام 1947 والمشروع الأميركي نيسان (إبريل) عام 1948 الذي دعا إلى وضع فلسطين تحت وصاية الأمم المتحدة لملء الفراغ الذي تركه إنهاء الانتداب البريطاني ولأن خطة التقسيم لا يمكن أن تنفذ بالوسائل السلمية وحتى لا يفرض هذا الحل على الشعب الفلسطيني. لقد عارض الاتحاد السوفيتي مشروع الوصاية الدولية، لكن الضغط الصهيوني دفع الحكومة الأميركية للتراجع سريعا. المفارقة كانت في الموقف السوفييتي الذي لم يشترط موافقته على إقامة دولة إسرائيلية بإقامة دولة فلسطينية، ولم يصر على وضع آلية لتطبيق قرار التقسيم سلميا. كما لم يعترض على احتلال وضم إسرائيل للأراضي المخصصة للدولة الفلسطينية، ولم يعترض على عملية التطهير العرقي ضد الشعب الفلسطيني وما انطوت عليه من جرائم حرب، وبلغ الموقف السوفييتي ذروة السوء عندما دعم القوات الصهيونية بالسلاح (الصفقة التشيكية) أثناء الحرب العربية الإسرائيلية عام 1948. كانت مواقف الاتحاد السوفييتي متناقضة مع مبادئ ثورة أكتوبر الاشتراكية التي تنص على حق الشعوب في التحرر من الاستعمار وفي تقرير مصيرها، وهي الثورة التي كان لها موقف مميز من حل المسألة اليهودية باندماج اليهود في الشعوب والقوميات التي ينتمون لها على قاعدة رفض اعتبار الديانة اليهودية قومية.

كانت موازين القوى الدولية ما بعد الحرب العالمية الثانية تسمح بانتزاع الشعب الفلسطيني لحقه في التحرر وتقرير المصير. لكن الموقف السوفييتي الخاطئ، والموقف الأوروبي المتآمر الذي حاول أن يدفع ثمن معاداته للسامية وثمن المحرقة النازية من كيس الشعب الفلسطيني. لماذا التقى الاتحاد السوفييتي مع الدول الإمبريالية عند هدف دعم المشروع الصهيوني وإدارة الظهر للشعب الفلسطيني؟ هذا السؤال ظل مسكوتا عنه ولم يخضع للمراجعة. التبريرات التي قدمتها الأحزاب الشيوعية وبخاصة الحزب الفلسطيني استندت إلى تبعية الدول العربية، بما في ذلك الهيئة العربية العليا، للدول الاستعمارية ومؤامراتها، وإلى رفضها لقرار التقسيم. لكن هذا يطمس أهمية الانحياز للشعوب التي تتعرض للمؤامرة، والانحياز للشعوب لا يكون بإجازة مشروع صهيوني يمارس التطهير العرقي ويقتلع شعبا من وطنه ويجسد بذلك أعمق المصالح الكولونيالية في فلسطين وعموم المنطقة. معارضة تحالف أنظمة رجعية مع الاستعمار هذا صحيح، ولكن تأييد مشروع استيطاني كولونيالي إقصائي هذا غير صحيح تماما. قد يكون الاتحاد السوفييتي راهن على "اشتراكية" المشروع الصهيوني وعلى "عدائه"! للاستعمار البريطاني! والتعويل على نشوء مصالح للاتحاد السوفييتي مع دولة إسرائيل على قاعدة خلافاتها "التكتيكية" العابرة مع بريطانيا. لكن سرعان ما انطفأ ذلك الرهان البائس. ومع انطفائه تصالح الاتحاد السوفييتي مع تلك الأخطاء الكبيرة بدعم الأنظمة الوطنية في مصر وسوريا والعراق والجزائر وبدعمه لمنظمة التحرير، وبمعارضة دولة إسرائيل التي بلغت ذروتها بقطع العلاقات بعد عدوان 1967.{C}[5]{C}

لم يقتصر الأثر السلبي على الشعب الفلسطيني بواقعة النكبة الكارثية "التطهير العرقي والطرد"، وبمنعه من حقه بالتحرر وتقرير المصير أسوة بكل الشعوب التي وقعت تحت نير الاستعمار. بل وبمحو جريمة التطهير العرقي كليا من الذاكرة العالمية، فلم تعترف الأمم المتحدة بها كحقيقة تاريخية وجريمة سياسية وأخلاقية ضد البشرية جمعاء، ولم تتحمل مسؤولية نتائجها بما في ذلك محاكمة المتهمين بارتكابها كما تم التعامل والاعتراف بجريمة الهولوكوست كجريمة ضد البشرية جمعاء. ولم تعترف الأمم المتحدة مع قضية اللاجئين كقضية سياسية مطروحة للحل عبر تطبيق قرار الجمعية العامة رقم 194 بعودة اللاجئين إلى وطنهم. فلم تدرج قضية اللاجئين الفلسطينيين على "منظمة اللاجئين الدولية"، بل استحدثت وكالة خاصة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا). وجرى التعامل مع قضية اللاجئين باعتبارها قضية إنسانية مجهولة الفاعل والأسباب، وباعتبار الضحايا هم المسؤولين عنها.

ثالثا: الحرب الباردة والصعود الوطني الفلسطيني

انقسم العالم إلى معسكرين، المعسكر الرأسمالي وكان يستند إلى حلف الأطلسي "الناتو" دول أوروبا الغربية  وإلى دولة إسرائيل كرأس حربة وقاعدة انطلاق، وإلى مجموعة من الدول العربية الحليفة لأميركا وبريطانيا وفرنسا. مقابل المعسكر الاشتراكي وكان يستند إلى "حلف وارسو" الذي يتكون من دول أوروبا الشرقية وحركات التحرر والأحزاب الشيوعية واليسارية في أنحاء العالم ومجموعة من الجمهوريات العربية، وكانت الصين الشعبية تحسب على المعسكر الاشتراكي رغم اختلافها مع الاتحاد السوفييتي. وإذا كان المعسكر الاشتراكي قد حقق اختراقا في منطقة الشرق الأوسط عبر تحالفه ودعمه لمصر الناصرية وبدرجة أقل لسوريا والعراق والجزائر. إلا أن المعسكر الرأسمالي استعاد نفوذه التدريجي في تلك الدول بعد حرب حزيران عام 1967، وبعد حرب 1973 على وجه خاص.

منظمة التحرير كجزء من حركات التحرر كانت مشمولة بالمعسكر الاشتراكي. وقد اكتسب النضال التحرري الفلسطيني زخمه من انتمائه لهذا المعسكر، ومن مشاركته في مجموعة دول عدم الانحياز التي كانت أقرب إلى المعسكر الاشتراكي، ومن انفتاحه على المجموعة الأوروبية التي حاولت تمييز موقفها عن الموقف الأميركي. ففي عام 1980 صدر "إعلان البندقية" باسم المجموعة الأوروبية اعترف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة، وطالب إسرائيل بالتوقف عن بناء المستوطنات التي اعتبرها غير شرعية ووصفها بأنها عقبة أمام تحقيق السلام{C}[6]{C}. وتدعم النضال الفلسطيني عبر العلاقة المميزة مع الصين التي كانت تنافس الاتحاد السوفييتي على قيادة حركات التحرر، الصين الاشتراكية أول من دعم حركة (فتح) ودعمت أيضا المنظمات اليسارية التي تبنت الكفاح المسلح. وقد ترجم التأييد والزخم الدولي المؤيد والداعم لنضال الشعب الفلسطيني إلى قرارات رسمية أهمها:

{C}·        {C}القرار رقم 3210 الصادر في 14/10/1974 نص على أن “ الشعب الفلسطيني هو الطرف الأساسي المعني بقضية فلسطين. لذلك قررت الجمعية العامة دعوة منظمة التحرير الفلسطينية الممثلة للشعب الفلسطيني إلى الاشتراك في مداولات الجمعية العامة بشأن قضية فلسطين”. وقد صوتت 105 دول إلى جانب هذا القرار، وعارضه أربع دول.

{C}·        {C}القرار رقم 3236 الصادر في 22/11/1974 بأغلبية 89 صوتاً، مقابل 8 أصوات ضده، وامتناع 37 صوتا. ويحمل هذا القرار التاريخي عنوان “إقرار حقوق الشعب الفلسطيني”: “إن الجمعية العامة تؤكد من جديد حقوق الشعب الفلسطيني الثابتة في فلسطين. الحق في تقرير مصيره دون تدخل خارجي. الحق في الاستقلال والسيادة الوطنيين. والحق في عودة اللاجئين إلى ديارهم وممتلكاتهم التي اقتلعوا منها. وتعترف بأن الشعب الفلسطيني طرف رئيسي في إقامة سلم عادل ودائم في الشرق الأوسط. وتعترف كذلك بحق الشعب الفلسطيني في استعادة حقوقه بكل الوسائل وفقاً لمقاصد ميثاق الأمم المتحدة ومبادئه.

{C}·        {C}قرار رقم 3379، 10/11/1975 نص على: "أن الصهيونية هي شكل من أشكال العنصرية والتمييز". ودعا جميع دول العالم إلى مقاومة الأيديولوجية الصهيونية التي تشكل خطرًا على الأمن والسلم العالميين. صوت مع القرار 72 دولة مقابل 35 ضده وامتناع 32 عن التصويت{C}[7]{C}.

{C}·        {C}القرار 3376 (الدورة– 30) تاريخ 10/11/1975. وفيه دعت الجمعية العامة، منظمة التحرير الفلسطينية كممثل لشعب فلسطين إلى الاشتراك في جميع الجهود والمناقشات والمؤتمرات الخاصة بالشرق الأوسط التي تعقد تحت إشراف الأمم المتحدة، على قدم المساواة مع الأطراف الأخرى.{C}[8]{C}

{C}·        {C}وفي العام 1977 تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا اعتبر يوم 29/11 من كل عام يوماً عالميا للتضامن مع الشعب الفلسطيني.

كما نرى فإن القرارات تجسد الصعود الفلسطيني المدعوم عربيا وعالميا، ذلك الدعم الذي لم يقتصر على المعسكر الاشتراكي بل امتد إلى حركات التحرر العالمية، فكان لافتا مبادرة الثورة الفيتنامية تسليم رايتها بعد انتصارها المدوي إلى الثورة الفلسطينية باعتبارها أهم ثاني حركة تحرر وطني بعد الثورة الفيتنامية. كما حظي النضال الفلسطيني بتأييد أوروبي غربي هام، وتمثلت منظمة التحرير في منظمات إقليمية ودولية كالجمعية العامة، ومنظومة عدم الانحياز، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، ومنظمة المؤتمر الإفريقي، وانتهاءً بعضوية الاشتراكية الدولية. هكذا أدت المتغيرات الدولية إلى صعود فلسطيني في مقابل عزلة إسرائيلية بلغت ذروتها باعتبار الصهيونية حركة عنصرية. لكن الأقلية المؤيدة لدولة الاحتلال الإسرائيلي بقيادة الإدارات الأميركية المتعاقبة كان لها دور معطل ومعرقل لحل القضية الفلسطينية ولإنهاء الاحتلال للأراضي الفلسطينية وتمكين الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره. فلم تترجم عشرات القرارات الصادرة عن الجمعية العامة وبعض القرارات الصادرة عن مجلس الأمن إلى إجراءات عملية. خلافا لذلك جاء عدوان 1982 الذي دبرته إسرائيل بدعم كامل من أميركا ليدمر المركز السياسي والعسكري للمنظمة في لبنان. الذي كان من نتيجته إبعاد المنظمة عن مركز الصراع وإضعافها وخفوت اندفاعتها. وكانت الحكومة الإسرائيلية تخشى من انفتاح المنظمة على الإدارة الأميركية واكتساب شرعية إضافية ما دفعها إلى تدبير العدوان الذي اقتلعها من لبنان، حيث لم يَرْقَ التوازن الدولي الذي حققه المعسكر الاشتراكي إلى مستوى حماية المنظمة حين استفردت إسرائيل بها على امتداد ثلاثة أشهر من العدوان الوحشي.

وقد جاء اقتلاع المنظمة من لبنان كحلقة ثانية بعد اتفاقات كامب ديفيد المصرية الإسرائيلية التي أحدثت تحولا كبيرا لصالح السيطرة الأميركية على المنطقة.

في تلك المرحلة نما اعتقاد لدى اتجاهات سياسية فلسطينية وبخاصة الاتجاه المركزي، أن الثورة الإيرانية التي استبدلت سفارة إسرائيل بسفارة فلسطينية قد تخلق نوعا من التوازن الجديد الذي من شأنه إسناد القضية الفلسطينية. غير أن الجمهورية الإسلامية التي قامت بتصفية القوى الديمقراطية والليبرالية واليسارية والفئات الدينية المتنورة وفرضت سلطة دينية ثيوقراطية، اكتفت برفع الشعارات الكبيرة ضد "الشيطان الأكبر" أميركا،  وكانت تنظر إلى السيطرة على مجتمعها وإخضاعه وإلى توسيع نفوذها الأيديولوجي إقليميا في المقام الأول. وقد اقتصر دعمها للقضية الفلسطينية على المستوى الرمزي، ولم تعوض خروج مصر من الصراع.

مرحلة الانهيار السوفييتي وعودة سيطرة القطب الواحد

هزيمة الاتحاد السوفييتي في أفغانستان، وهزيمة منظمة التحرير في لبنان، وإخضاع مصر عبر اتفاق كامب ديفيد، والإخفاق الاقتصادي العميق للدول الاشتراكية، وعجز السوفييت عن مجاراة سباق التسلح مع أميركا فضلا عن الأزمة الكبيرة التي أحدثها تسرب غاز المفاعل النووي "تشيرنوبل" كانت تلك مقدمات لحسم السيطرة الأميركية على المنطقة. التطور الأهم كان الانهيار السوفييتي والتحاق أوروبا الشرقية بأوروبا الغربية، وتسليم الرئيس الروسي يلتسن بالأمر الواقع وهو تهميش دور روسيا كدولة عظمى، وتراجع هامش استقلال الاتحاد الأوروبي الحليف التقليدي لأميركا، وصارت سياسته الخاصة بالشرق الأوسط ملحقة بالسياسة الأميركية. وكان من بين المتغيرات الأخطر إقصاء دور هيئة الأمم المتحدة التي باتت تحت السيطرة الأميركية المطلقة. وفي عهد القطب الواحد تراجع التعامل مع حق الشعوب في تقرير مصيرها، وجرى تجاهل حق حركات التحرر الوطني في مواصلة نضالها المشروع. وطرحت بدائل للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية في ما يتصل بالقضية الفلسطينية "الأرض مقابل السلام"، والحقوق السياسية للفلسطينيين، "والتفاوض الثنائي بمعزل عن مؤسسات الأمم المتحدة وبمعزل عن مرجعية القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية. هذه التحولات دشنت عهدا عالميا جديدا عنوانه سيطرة القطب الواحد الأميركي على العالم وكما يقول أحمد قريع أبو علاء في كتابه: (الرواية الفلسطينية الكاملة للمفاوضات): "هو العالم الذي تقرر فيه دولة بمفردها ماهية الشرعية ومعايير الحق وتطبيقات العدالة، دولة تعادي كل حركة تحرر على وجه الأرض وترى في كل كفاح وطني مسلح عملا من أعمال الارهاب المدانة سلفا ولا ترى في المقابل في كل ما تقوم به إسرائيل من احتلال واستيطان وقمع وإرهاب للشعب الفلسطيني ما يستحق اللوم والمساءلة كي لا نقول الشجب والإدانة"[9].

جاءت حرب الخليج لتُرَسِّم السيطرة الأميركية على أكثر من صعيد. وكانت منظمة التحرير من بين معسكر المهزومين. لكنها حاولت تدارك ذلك بالاستناد لانفتاحها السابق على المجموعة الأوروبية ومحاولاتها السابقة الانفتاح على الولايات المتحدة، وبخاصة بعد الانتفاضة الشعبية الأولى والمبادرة السياسية التي أطلقتها المنظمة عام 1988 وأدت إلى اعتراف دولي كبير وفتحت الحوار بين الولايات المتحدة والمنظمة. غير أن حرب الخليج 1991 أضعفت وعزلت المنظمة التي اتخذت موقفا قريبا من الموقف العراقي في أزمة وحرب الخليج.

انطلقت الولايات المتحدة من حرب "تحرير الكويت" لإعادة بناء شرق أوسط جديد، كانت المنظمة تخشى من الشطب السياسي في ظل القطب الواحد الأميركي الذي ألغى من أجندته حركات التحرر. وقد ترجمت إدارة بوش الأب تلك المواقف عندما وضعت شروطا قاسية مقابل المشاركة الفلسطينية في مؤتمر مدريد للسلام في العام 1991. فلم تسمح بمشاركة المنظمة بشكل مباشر، واقتصرت المشاركة الفلسطينية على وفد من الأراضي المحتلة بدون القدس، يكون جزءا من الوفد الأردني وبقيادته. التزمت إدارة بوش الأب بالشروط الإسرائيلية وحاولت إملاءها على القيادة الفلسطينية لكن الأخيرة تملصت تدريجيا من تلك الشروط، فاستجارت من الرمضاء بالنار عندما فتحت قناة تفاوض سرية في أوسلو. واعتقدت أنه يمكن التوصل إلى تسوية مع حزب العمل الإسرائيلي. غير أن اليمين الإسرائيلي الرافض للحلول السياسية مع الشعب الفلسطيني قطع الطريق على هذا المسار، بعد حادثة قتل رابين، وكانت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية قد اعترضت على الاتفاق ووضعت خطة تطبيق اتفاق المبادئ التي أصبح اسمها "اتفاقية القاهرة"، كان من شأنها تعميق السيطرة الإسرائيلية وعزل المناطق الفلسطينية وجعلت ما بعد الاتفاق أسوأ من ما قبل الاتفاق بالنسبة للمواطنين الفلسطينيين مع سريان التطبيق. وساهم عاملان آخران في حشر القيادة الفلسطينية في الزاوية. الأول: الضغط الذي مارسه نظام حسني مبارك على القيادة الفلسطينية للتوقيع على اتفاق القاهرة. والثاني: قيام حركة حماس بدعم إقليمي بزعزعة العامل الأمني عبر التوجه إلى ضرب أهداف مدنية في العمق الإسرائيلي، ذلك العامل الذي ارتكز إليه رابين وبيرس في تسويغ وإبرام الاتفاق مع المنظمة. كما تم توظيف اتفاق أوسلو إسرائيليا للادعاء بأن القضية الفلسطينية قد انتهت بهذا الحل وشرعت إسرائيل بقبض الثمن في أكثر من مجال. عربيا: أبرمت إسرائيل اتفاق وادي عربة مع الأردن، وأقامت علاقات تعاون مع 12 دولة عربية. ودوليا: أبرمت إسرائيل اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي الذي منح إسرائيل أفضليات وكأنها عضو في الاتحاد الأوروبي. وكان تراجع الجمعية العامة عن قرار "اعتبار الصهيونية حركة عنصرية" دفعة على الحساب. أما الدعم الدولي والعربي الذي كان من المفترض أن يساعد الشعب الفلسطيني للخلاص والانفصال عن الاحتلال فقد تحول تدريجيا إلى الإغاثة وإلى تغطية الأعباء المترتبة على دولة الاحتلال. رغم ذلك أصبحت القضية الفلسطينية مطروحة على الأجندة الدولية وأصبح الاعتراف الدولي بإقامة الدولة الفلسطينية كبديل للاحتلال الإسرائيلي حقيقة غير متنازع عليها.

خامسا: مكانة فلسطين في مرحلة التوحش والإرهاب.

التوحش الناجم عن الاقتصاد المعولم ينتج المزيد من الأزمات، فقد بلغ عدد الذين يعانون فقرا مدقعا ملياري شخص، والطبقة المتوسطة تتعرض إلى الإفقار. الاقتصاد المعولم لم يعد قادرا على الدمج وتحول إلى الطرد والإقصاء، فسياسة الخصخصة وتحرير الأسواق وإلغاء الحدود أمام الشركات العملاقة والمضاربات في البورصات وفي العقارات التجارية وفي أسعار النفط وغيرها، قادت إلى البطالة وخسارة الضمان الاجتماعي  والخدمات الصحية وطرد الملايين من منازلهم "أزمة الرهن العقاري"، وطرد ملايين المزارعين من أرضهم، واضطرار أكثر من 60 مليوناً للجوء من أوطانهم بسبب الحروب والفقر. لقد برز جشع من يملك الأموال من أجل الحصول على المزيد.[10] وبحسب تقرير التنمية البشرية للعام 2015 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي "فإن 1% من سكان العالم يستأثرون بـ50% من الثروة العالمية و80% من سكان العالم يستخدمون 6% من الثروة{C}[11]{C}. التوحش الاقتصادي أدى ويؤدي إلى حروب وانفجارات شعبية وإرهاب.

الحرب على الإرهاب

قامت الولايات المتحدة بمشاركة بعض حلفائها بتلك الحرب بهدف القضاء على الإرهاب والدول التي تدعمه .بدأت بعد هجوم تنظيم القاعدة 11 سبتمبر (أيلول) 2001 وشكلت هذه الحرب انعطافة خطيرة وغير مسبوقة بسبب استبدالها حل الخلافات بالطرق السلمية بأسلوب القوة والحسم العسكري، وبسبب اختلافها عن الحروب التقليدية وغموض العديد من أهدافها. وقد أسميت الحرب على الإرهاب بالحرب الاستباقية، وبتوجيه ضربات وقائية تقرّرها أميركا منفردة، وتستند هذه الحرب على القواعد العسكريّة الأميركيّة المنتشرة في الفلبين وأوروبا وتركيا وقطر والعراق ومنطقة الخليج. وكان من أبرز تجليات تلك الحرب احتلال وتدمير أفغانستان والعراق. غير أن الحرب على الإرهاب زادت من انتشار الإرهاب والتطرف والعنف والصراعات العرقية والطائفية، وأدت إلى تفكيك دول كالعراق وسوريا وخلقت مشكلة اللاجئين الذين يعيشون شروطا غير إنسانية.

في هذه المرحلة حاولت إدارة بوش الابن استخدام القضية الفلسطينية كغطاء لاحتلالها العراق، حين أيد الرئيس الأميركي إقامة دولة فلسطينية، وتحولت المبادرة إلى خطة خارطة الطريق التي تشرف عليها الرباعية الدولية وقد تضمنت جدولا زمنيا لإقامة الدولة. وكان بوش قد أيد حرب شارون على الانتفاضة الثانية وأيد حصار الرئيس عرفات وتقييد صلاحياته وصولا إلى استشهاده بتدبير إسرائيلي كما تشير مختلف التقديرات. وأيد بوش دمج شارون حربه ضد النضال الفلسطيني بالحرب على الإرهاب. ولم تتمخض خارطة الطريق عن شيء في عهد بوش ولاحقا في عهد الرئيس أوباما.

التوحش الاقتصادي السياسي العالمي عزز التوحش الإسرائيلي في قضيتين جوهريتين، الأولى: استبدال المؤسسة الإسرائيلية القانون الدولي بكل عناصره بما في ذلك قرارات الشرعية الدولية بأيديولوجيا توراتية "الحق التاريخي" وأرض الميعاد" و"الشعب المختار". والثانية: تعميق الاحتلال والاستيطان، وتهويد مدينة القدس، ونهب الموارد الطبيعية، ووضع شعب بأكمله في قبضة أمنية وبنتوستونات الفصل العنصري. رغم ذلك ومن وسط التوحش، نجحت المؤسسة الفلسطينية في انتزاع تمثيل فلسطين كدولة عضو مراقب في الأمم المتحدة، وفي الانضمام لعشرات المنظمات والاتفاقات والمعاهدات الدولية. ما أضفى على الوضع الفلسطيني نوعا إضافيا من الشرعية بمسمى دولة تحت الاحتلال، ما يساعد في خوض معارك دبلوماسية وقانونية لها صلة بجرائم الحرب وبالانتهاكات الإسرائيلية.

 

 

الهوامش:


[*]


[1] وثيقة إعلان الاستقلال/ وكالة الأنباء الفلسطينية/ قرارات تاريخية.

[2] المادة 22 وثائق فلسطينية/ دائرة الثقافة / م.ت.ف ص103، 104.

[3] صك الانتداب/ وثائق فلسطينية/ مصدر سابق، ص 105.

[4] http://www.almrsal.com/post/347009

[5] مهند عبد الحميد/ اختراع شعب وتفكيك آخر/ مسارات 2015، ص 29، ص 30.

[6] بيان البندقية/ وثائق فلسطينية/ مصدر سابق، ص 327.

[7] وثائق فلسطينية، مصدر سابق/ ص 137.

[8]  المصدر نفسه.

[9] أحمد قريع/ الرواية الفلسطينية الكاملة للمفاوضات/ الجزء الأول/ بيروت– مؤسسة الدراسات الفلسطينية الطبعة الثانية 2006 ص 44.

[10] ساسكيا ساسن http://albayyna-new.com

[11] عبد الغني سلامة/ تقرير التنمية البشرية للعام 2015 الحوار المتمدن 1/3/2016.

الملفات المرفقة

مهند عبد الحميد -مصادر.docx
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2017
Track visitors of website