انعكاسات التطورات الإقليمية على الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، داوود تلحمي، العدد 266انعكاسات التطورات الإقليمية على الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي: تأثيراتٌ مباشرة غير مؤاتية، لكن الآفاق الأبعد تبقى مفتوحة داود تلحمي في مقابلةٍ صحافية أُجريت معه في أوائل

انعكاسات التطورات الإقليمية على الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي:

تأثيراتٌ مباشرة غير مؤاتية، لكن الآفاق الأبعد تبقى مفتوحة

داود تلحمي[*]

 

في مقابلةٍ صحافية أُجريت معه في أوائل نيسان (أبريل) 2001، بعد زهاء الشهرين على انتخابه رئيساً للحكومة الإسرائيلية، ردّ أريئيل شارون على سؤالٍ للصحافي آري شافيط بشأن الاحتمالات المستقبلية قائلاً: "من الناحية الاستراتيجية، أقدّر أن من الممكن، بعد عشرة أعوامٍ أو خمسة عشر عاماً، أن تكون قدرة العالم العربي على إلحاق الضرر بدولة إسرائيل أقلّ مما هي عليه اليوم. وذلك لأن إسرائيل ستكون دولةً ذات اقتصاد مزدهر، في حين أنّ من الممكن حدوث تدهورٍ في العالم العربي". جاء حديثه هذا في سياق تفسيره لمعارضته التوصل إلى أي حلٍ شامل مع الجانب الفلسطيني، ودعوته للاكتفاء بحلٍ انتقالي "لفترةٍ زمنية طويلة وغير محددة"، كما قال.[1]

وبعد مضي خمسة عشر عاماً ونيف، يبدو كلام شارون هذا، للوهلة الأولى، وكأنه استشرافٌ وبُعد نظر. ولكن الأمر لا يتعلق، بالأساس، بالاستشراف الصرف. فشارون، الذي كان يستعدّ، منذ توليه لمسؤولياته الحكومية، لتوجيه ضربةٍ، يريدها قاصمة، للحركة الوطنية الفلسطينية في الأراضي المحتلة، بعد حياةٍ طويلة أمضاها في محاربتها، ومحاربة حركة التحرر العربية، كان، بالأساس، يعبّر عن استراتيجيةٍ واعية ومخططٍ لها. وهي استراتيجية اتبعتها، بصيغٍ متعددة، قيادات إسرائيل المتعاقبة، منذ نشأة الدولة، وتقوم على أساس العمل على إجهاض أي نهوضٍ تحرري في المنطقة العربية، المحيطة في المقام الأول، ولكن ليس حصراً. فأي نهوضٍ كهذا تعتبره إسرائيل تهديداً لها ولوجودها ولاستمرار فرضها لشروطها ودورها في الإقليم.

فعلى سبيل المثال، أعدّت قيادات نافذة في إسرائيل، في أواسط العام 1954، لعمليات تفجيرٍ ضد مؤسساتٍ ومصالح بريطانية وأميركية في مصر، في محاولةٍ لعرقلة مساعي القيادة المصرية الجديدة، آنذاك، للتوصل إلى اتفاقٍ لجلاء القوات البريطانية عن مصر. وبعد أشهرٍ قليلة، في آخر أيام شهر شباط (فبراير) 1955 تحديداً، قامت قواتٌ خاصة إسرائيلية بعدوانٍ على غزة، راح ضحيته زهاء الأربعين عسكرياً مصرياً، في وقتٍ كانت فيه القيادة المصرية تركّز جهودها آنذاك على معالجة المشاكل الداخلية الأساسية للشعب المصري. وفي أواخر العام 1956، تطوّعت إسرائيل لتصدّر العمل العدواني العسكري على مصر، فاحتلت قطاع غزة وسيناء، ممهدةً لتدخل جيشي فرنسا وبريطانيا، الساعيتين لمعاقبة نظام جمال عبد الناصر على تأميمه قناة السويس في صيف ذلك العام. ولا أحد نسي، بالطبع، الحرب العدوانية الإسرائيلية في حزيران (يونيو) 1967، التي استهدفت كذلك ضرب النظام الوطني المصري، ومجمل النهوض الوطني في المشرق العربي، بما في ذلك صعود حركة المقاومة الفلسطينية المتجدد آنذاك.

وما قاله شارون في ربيع العام 2001 جاء بعد زهاء الخمس سنوات على صدور وثيقةٍ استراتيجية هامة قدّمها أنصار اليمين الصهيوني من "المحافظين الجدد" الأميركيين لبنيامين نتنياهو عند توليه رئاسة الحكومة للمرة الأولى في أواسط العام 1996. وهي الوثيقة التي حملت عنوان "قطيعة كاملة" A Clean Break، ودعت إلى "تغيير طبيعة العلاقات مع الفلسطينيين"، والتخلي عن شعار "أرض مقابل السلام" لصالح شعار "سلام من خلال القوة"، كما دعت إلى الإطاحة بالنظام الحاكم آنذاك في العراق، واحتواء وإضعاف سوريا كمقدمة "لإعادة رسم خارطة الشرق الأوسط"، بما يعزّز "صياغة إسرائيل لمحيطها الاستراتيجي".[2]

ولم يكن نتنياهو وشارون، وغيرهما من المسؤولين الإسرائيليين المتعاقبين على السلطة، ليتوقّعوا، تماماً، ما جرى في المنطقة العربية بعد ذلك، وإن كان لهم دورٌ مؤثّر في بعض ما شهدته المنطقة، بدءاً من تشجيع إدارة جورج بوش الابن الأميركية على اجتياح العراق في العام 2003. فالحراكات الثورية الشعبية التي شهدتها المنطقة العربية منذ أواخر العام 2010 وأوائل العام 2011، انطلاقا من تونس ومصر، كانت لها دوافعها الداخلية الخاصة في كل بلد، لخّصتها مطالب أبنائها في الخبز والحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، وتطلعهم للتخلص من أنظمة الاستبداد والفساد والتبعية. وهو تطلعٌ لا يمكن أن يعتبره المسؤولون الإسرائيليون، في حال تحقّقه فعلاً، تطوراً إيجابياً بالنسبة لهم ولدولتهم. فبالرغم من زعمهم باحتكار دولتهم لـ"الديمقراطية" في المنطقة، فهم سيكونون أول المتضررين من وجود أنظمةٍ عربية ديمقراطية، فعلياً وليس شكلياً، تعبّر عن مصالح شعوبها، وليس عن مصالح شرائح ضيقة حاكمة تفتقد للشرعية الشعبية، ويسهل فرض الإملاءات عليها أو إرهابها وابتزازها.

بالمقابل، ستكون قضية الشعب الفلسطيني التحررية، بالتأكيد، مستفيداً رئيسياً لو وصلت الحراكات الثورية الشعبية في المحيط إلى نهاياتها المأمولة، بتحقّق الدمقرطة الفعلية للمنطقة العربية. لكن سرعان ما أدركت القوى المتضررة، الداخلية في كل بلدٍ عربي معني، وكذلك دول الإقليم والعالم المستفيدة من استمرار الوضع اللاديمقراطي القائم، خطورة هذه التحولات المحتملة على مصالحها، فسارعت إلى التحرك لإجهاض الحراكات الشعبية، وحرف مساراتها، سواء عبر قمع هذه الحراكات واحتوائها في البلدان المحسوبة في خانة التبعية للغرب، أو من خلال العمل على تحويل هذه الحراكات إلى عمليات استنزافٍ داخلي في البلدان الأخرى، بما لا يستبعد حتى إمكانية تهديد تماسك كياناتها ووحدتها. وعملية الإضعاف والتفكيك هذه تعزّز، في كل الحالات، من وضع إسرائيل، التي تظهر، بعد ذلك، وكأنها الدولة الوحيدة المستقرة والمتماسكة في المنطقة. وهو ما أوحت به "نبوءة" شارون في مقابلته المشار إليها.

وعلى أي حال، كانت عملية الاستنزاف والتفكيك هذه قد بدأت قبل الحراكات الثورية العربية الأخيرة، وخاصةً، منذ بداية القرن الجديد، من خلال الحرب العدوانية التي خيضت في العام 2003 للسيطرة على العراق، والانطلاق من إعادة تركيبه، أو فكّه، لرسم خارطة "الشرق الأوسط الجديد"، وفق التعبير الرائج آنذاك في واشنطن. وهي خارطةٌ يُفترض أن تعزّز وتؤبّد الهيمنة الأميركية على المنطقة، وتضمن، في الوقت ذاته، استمرار تفوق إسرائيل وأولوية المصالح الإسرائيلية فيها. وهاجس التفكّك هذا في العراق تعيشه الآن بلدانٌ أخرى في المنطقة، وخاصةً سوريا، التي باتت، خلال السنوات الست الأخيرة، مسرحاً لحربٍ دموية مدمرة، هدّدت بتدمير وحدة البلد. والأمر نفسه تكرّر في ليبيا واليمن، الأبعد جغرافياً.

هذه التطورات في المحيط الإقليمي تنعكس، بالتالي، سلباً على الوضع الفلسطيني وعلى مآلات الصراع مع المحتلين الإسرائيليين. خاصةً بعد أن بات الآن جلياً أن ميزان القوى القائم بين طرفي الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، لا يفتح، في الأمد القريب، آفاق الحسم لصالح تحقيق جلاء الغزاة الإسرائيليين عن الأراضي التي احتلوها في العام 1967، ناهيك عن انتزاع حقّ اللاجئين والمشردين من وطنهم منذ العام 1948 في العودة إليه. فإذا كان خروج مصر من الصراع في أواخر السبعينات الماضية قد أضعف الوضع الفلسطيني والعربي المشرقي إلى حدٍ كبير، فإن اشتعال الحروب الداخلية – الإقليمية - الدولية في دول الجوار يفاقم من إضعاف الوضع الفلسطيني.

كما أن مفاقمة التناقضات ذات الطابع الديني والمذهبي في المنطقة، إلى حدّ تحولها إلى صراعاتٍ دموية في أكثر من ساحةٍ عربية، تشكّل مصدر إضعافٍ إضافي للوضع الفلسطيني. فمن مصلحة الشعب الفلسطيني وحركته التحررية بناء علاقات تكافلٍ وتضامن مع كل شعوب المنطقة العربية ومحيطها المباشر، وخاصة شعوب بلدانٍ كبيرة ومؤثرة في هذا المحيط مثل إيران وتركيا. في حين أن من مصلحة إسرائيل تسعير هذه التناقضات، لتتحول إلى تناقضات رئيسية بديلة عن التناقض الرئيسي الفعلي، مع احتلالاتها.

كما أن هذا الانشغال العربي – الإقليمي بالصراعات الداخلية والبينية يضعف إمكانية تثمير أي تطورٍ في المواقف الدولية لصالح الشعب الفلسطيني ومشروع تحرره. فبالرغم من كل الإنجازات والاعترافات الدولية بحقّ الشعب الفلسطيني في الاستقلال والحرية، بما في ذلك إقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29/11/2012 بتمثيل دولة فلسطين كدولةٍ عضو مراقب في الأمم المتحدة بأغلبيةٍ تتجاوز ثلثي عدد الدول الأعضاء (138 دولة من أصل 188 شاركت في التصويت)... وقبل ذلك فتوى محكمة العدل الدولية في 9/7/2004 باعتبار بناء جدار التوسع الاستعماري في الأراضي المحتلة عملاً "متعارضاً مع القانون الدولي"... وبالرغم من تصويتٍ كاسحٍ متكرّر في الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال الأعوام الأخيرة لصالح حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير (وهو تصويتٌ أظهر في أواخر العام 2014 – 18/12/2014 تحديداً – تأييد 180 دولة من أصل 191 شاركت في الاقتراع)... ما زال المحتلون الإسرائيليون يمضون في تحدي القوانين والمواثيق الدولية والاستهتار بقرارات الهيئات الشرعية.

ومن غير المتوقع أن تُجري إدارة دونالد ترامب الجديدة في الولايات المتحدة تغييراً إيجابياً ذا مغزى في السياسات الأميركية، بعد أن أبدت إدارة باراك أوباما لامبالاةً واسعة، على المستوى العملي، تجاه كل الانتهاكات الإسرائيلية، واستمرّت في تقديم أشكال الدعم العسكري والتكنولوجي. لا بل إن البوادر الأولية التي توحي بها تعيينات إدارة ترامب، ناهيك عن تصريحاته ووعوده أثناء الحملة الانتخابية، تشير إلى مزيدٍ من الانحياز لصالح مواقف اليمين الإسرائيلي المتشدد.

وإذا كان التدخل العسكري الروسي في سوريا منذ مطلع خريف العام 2015 شكّل تطوراً ملفتاً في معطيات المنطقة، فإن تأثيره اللاحق على الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي ليس واضحاً بعد. فروسيا اليوم ليست الاتحاد السوفييتي السابق، ومواقفها وسياساتها ليست محكومةً بالأيديولوجيا، حتى في ظلّ استمرار دعمها السياسي للحقوق الفلسطينية في الأروقة الدولية. واستمرار الضعف في الوضع العربي (والفلسطيني) لا يشكّل عنصراً مشجعاً لدورٍ روسيٍ فعال لصالح الجانب العربي (والفلسطيني) في الصراع مع المحتلين، خاصةً وأن سياسات روسيا في منطقتنا تحكمها اعتباراتٌ براغماتية وجيوسياسية أوسع، تتعلق، بالأساس، بالوضعية الدولية للدولة الروسية، بدءاً بالأوضاع في محيط روسيا الجغرافي المباشر.

ولا يُفهم من كل ذلك أن الوضع الفلسطيني في الصراع مع الاحتلال محكومٌ بالجمود والانتظار. فهناك، في كل الظروف، مجالٌ رحبٌ للفعل الفلسطيني في عدة اتجاهات، أهمها، في هذه المرحلة، العمل على تثبيت صمود المواطنين وثباتهم، في القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة، كما في مناطق 48، وكذلك العمل على إعادة تكريس وتعزيز وحدة الشعب الفلسطيني ومشروعه الوطني من خلال توثيق الصلات والتفاعل والتعاضد والتشارك في القرار والفعل بين مختلف مكونات الشعب، في الأراضي المحتلة كما في أقطار اللجوء والشتات. خاصةً وأن بعض هذه التجمعات الفلسطينية تضرّرت قطاعاتٌ واسعة منها في السنوات الأخيرة نتيجة الصراعات الدموية المحتدمة في دول المحيط العربي، وخاصةً في سوريا، بعد العراق.

فالمعركة مع المحتلين ستكون، كما بات الآن واضحاً، طويلة الأمد. والتطورات الجارية في الإقليم قد تصبّ لصالح المحتلين في الأمد المباشر والقريب. ولكن الأمور لن تكون، بالضرورة، كذلك على أمدٍ أطول. خاصةً إذا ما عزّز الفلسطينيون صمودهم على أرضهم، ودعموا وحدة مكوناتهم وتجمعاتهم، وواصلوا مواجهتهم لسياسات الاحتلال وانتهاكاته بالوسائل التي تحقّق نتائج إيجابيةً لهم في كل مرحلة، ووثّقوا علاقاتهم وصلاتهم مع شعوب المحيط العربي والإقليمي المؤثّر، وبنوا تضامناً دولياً متطوراً على أساسها، بحيث تتراكم، مع الزمن، عوامل القوة التي توفر شروط تحقيق الضغط الضروري على المحتلين لدفعهم للانصياع للقانون الدولي، والإقرار، في نهاية المطاف، بحقوق الشعب الفلسطيني في وطنه.

أواخر تشرين الثاني/نوفمبر 2016

 

 

 

 

 

الهوامش:


[*]


[1] موقع صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية على شبكة الإنترنت، 11/4/2001.

[2] نص الوثيقة كما ورد في:

Journal of Palestine Studies, No. 102 – winter 1997, pp. 143 -145.

 

الملفات المرفقة

داود تلحمي.docx
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website