اليهود العرب...قراءة ما بعد كولونيالية في القومية والديانة والأثنية، مراجعة محمود فطافطة، العدد 265

اليهود العرب.. قراءة ما بعد كولونيالية في القومية والديانة والإثنية

 

مراجعة: محمود الفطافطة[*]

 

المؤلف: يهودا شنهاف شهرباني

المترجم: ياسين السيد

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار" ـــ رام الله، 2016

عدد الصفحات: 372

 

يُعالج كتاب (اليهود العرب.. قراءة ما بعد كولونيالية في القومية والديانة والإثنية) قضية لم تأخذ حقها من البحث والنقاش، وهي وضع اليهود العرب ضمن السياق الأعم للشرق الأوسط من خلال توظيف إطار ما بعد كولونيالي، وهذا ما دفع ببعض النقاد لوصف هذا الكتاب بأنه "طليعي" في ما يختص بدراسة جوهر كينونة اليهود الذين يُسمون وفق القاموس الصهيوني بـ(الشرقيين)، ويعتبرهم الكاتب يهوداً عرباً.

ويُعبر توظيف المؤلف لمصطلح اليهود العرب عن اعتراض أساس إزاء ما كرسه الخطاب الصهيوني ـــ وما يزال ــ من تضاد بين العرب واليهود عموماً، ويُعلن عن مقاربة مختلفة تفكك هذا الخطاب، وتضعه في السياق الكولونيالي للحركة الصهيونية، وتكشف عن مساجلات أرشيفية جديدة تُظهر النظرة الاستشراقية التي اتسمت بها النخب الصهيونية تجاه هؤلاء اليهود العرب.

ويكشف الكتاب، عبر المراسلات والوثائق، أن الصهاينة العلمانيين سعوا لتعزيز البعد الديني بين اليهود العرب من أجل "تطهيرهم" من عروبتهم، ما أسس لنتائج عكسية في فترة الدولة، إذ أدت المحاولات الرامية إلى بناء هوية إسرائيلية لليهود العرب من خلال قمع هويتهم العربية، إلى التمسك أكثر فأكثر بهذه الهوية، وإلى تحديد مسألة التمييز الطائفي في إسرائيل، التي تحيل بدورها إلى بذور التناقض في الصهيونية، فكراً وممارسة.

يتكون الكتاب من تقديم، ومقدمة، وخمسة فصول، وخاتمة. يتناول التقديم، الذي كتبه الباحث في مركز "مدار" أنطوان شلحت، قراءة تحليلية ونقدية للنص، حيث يُشير إلى أن المؤلف لجأ إلى الفكر ما بعد الحداثي لكي يقوض الرواية التأريخية الصهيونية الرسمية من خلال قصة اليهود العرب، ولكي يرفض "الحقيقة" التاريخية المزعومة المتمثلة بـ"الأمة اليهودية".

ويوضح شلحت أن نقطة بداية دراسة اليهود العرب ينبغي أن تبدأ في مطلع العقد الرابع من القرن العشرين الفائت، وذلك عندما فتحت الحركة الصهيونية أعينها على اليهود العرب باعتبارهم مخزوناً للهجرة اليهودية، وليس عند وصولهم إلى إسرائيل خلال حقبة الخمسينات من القرن نفسه. هذا الأمر يتيح (وفق شلحت) إمكان وضع دراسة العلاقات القائمة بين اليهود الشرقيين واليهود الغربيين في سياق اللقاءات الكولونيالية المبكرة التي حصلت بين اليهود العرب والمبعوثين الصهاينة والأوروبيين قبل إقامة الدولة وخارج فلسطين، كما يتيح إمكانية دراسة الطريقة التي أُعيد فيها إنتاج هذه العلاقات عقب وصول اليهود العرب إلى إسرائيل.

التاريخ يبدأ من البيت

المقدمة التي جاءت بعنوان: التاريخ يبدأ من البيت، يرى الكاتب أن مؤلفه يتناول اللقاء المعقد الذي ساده الصراع وعمه التضارب والتناقض، بين اليهود الذين ينحدرون في أصولهم من الدول العربية والقومية الصهيونية والدولة اليهودية. ويؤكد على ضرورة وضع السياق الكولونيالي المكبوت في صلب هذا النقاش. وعلى الرغم من الاختلافات القائمة بين التجارب الكولونيالية التي خاضها اليهود في العراق واليهود في شمال أفريقيا إلّا أن السياق الكولونيالي هو الموضع الذي يجب أن يبدأ منه أي نقاش يتناول اليهود العرب. وحسبما تراه النظرية ما بعد الكولونيالية، فما تزال بقايا المنطق الكولونيالي بشأن اليهود العرب متأصلة في الثقافة والسياسة الإسرائيلية حتى اليوم.

اكتشاف اليهود العرب!!

في الفصل الأول من الكتاب الذي جاء بعنوان "اكتشاف اليهود العرب"، يبين المؤلف أن اليهود العرب وصلوا إلى إسرائيل بموجب مبادرة أطلقتها دولة إسرائيل والمنظمات اليهودية، وكان بعضهم يعيش في راحة وأمان في الأراضي العربية، وكان آخرون منهم يعانون من الخوف والاضطهاد. ويضيف: "إن تاريخ اليهود العرب وهجرتهم إلى إسرائيل تتسم بالتعقيد، ولا يمكن استيعابها في تفسير سطحي ضحل".

ويرى المؤلف أن منظور التحليل الذي يدرس اليهود العرب، حال وصولهم إلى فلسطين يخضع لنظرية المعرفة التي تتبناها الدولة ويقع تحت هيمنتها. فهم يُعتبرون، هنا، مهاجرين يجري دمجهم في جغرافيا الدولة ونظامها التعليمي وجهازها العسكري، كما في حقول الذاكرة الصهيونية أيضاً.

ويشير الكتاب إلى أن اليهود العرب عجزوا عن صياغة تعريف ذاتي متسق لهويتهم القومية، إذ لا يُنظر إلى هذه الهوية على أنها ذات طابع إثني، بسبب الانقسام الداخلي الذي وسم الخطاب الذي كانوا يعملون في نطاقه. ولم تكن الأصوات التي برزت من المنظمة العالمية لليهود من البلاد العربية موحدة، بل كانت منقسمة على نفسها.

ويركز المؤلف في هذا الإطار، على نشاط ومنظور عمل المنظمة العالمية لليهود من البلاد العربية (WOJAC) التي نشأت في العام 1975 من أجل "أن تموضع الذاكرة اليهودية الشرقية في خارطة الذاكرة الجماعية الصهيونية". ويرى أن إنجاز المنظمة الأبرز خلال سنوات عملها يتمثل في أنها صاغت ثلاث نظريات سياسية كبيرة من حيث كونها عظيمة الأهمية بالنسبة لإسرائيل وأيديولوجيتها الصهيونية. أولى هذه النظريات هي التي ادعت بأقدمية الكيان اليهودي، قومية وديناً، في الشرق الأوسط، فيما أكدت النظرية الثانية أن تبادلاً سكانياً بين لاجئين عرب ولاجئين يهود في الشرق الأوسط قد حدث فعلاً ويمكن الاستفادة منه في أي وقت. وبخصوص النظرية الثالثة، فأقرت بأنه في إثر تبادل السكان المذكور يُمكن تبني الادعاء، في الوقت الراهن، بشأن الموازنة (أو التعويض) في الأملاك بين اللاجئين العرب واليهود.

الاستعمار والاستشراق

وفي الفصل الثاني الموسوم بعنوان: الكولونيالية، والنزعة المركزية الأوروبية والاستشراق اليهودي، أُشير إلى أن المنظور ما بعد الكولونيالي ـــ الذي كانت غالبية الباحثين الإسرائيليين تنكره حتى وقت متأخرـــ يملك القدرة على تقديم إطار مفيد لدراسة العلاقات القائمة بين اليهود الأوروبيين وغير الأوروبيين باعتبارها علاقات معرقنة ومشرقنة.

وفي هذا الشأن يستعرض شهرباني نظرية أقدمية الكيان اليهودي، قومية وديناً، في منطقة الشرق الأوسط، إذ يوضح أنها قسمت الوحدة الإثنو ـــ قومية اليهودية حسبما تروج لها الصهيونية، ناهيك عن أنها تعرض ماضياً لليهود العرب مختلفاً عن ماضي اليهود الأوروبيين. وفي رأيه، فإن هذه النظرية تجعل اليهود العرب مختلفين مع الأيديولوجيا الصهيونية في ثلاثة مواضيع أساسية، هي: النظرة إلى الإقليم، والموقف من التاريخ، ومن الهوية.

وجاء عنوان الفصل الثالث من الكتاب بسؤال: كيف أصبح اليهود العرب متدينين وصهيونيين؟. وتحت هذا العنوان يذكر الكاتب أن اللقاء بين الصهيونية وبين اليهود العرب تميز منذ بدايته بتداخل المنطقين القومي والكولونيالي فيه. ومن أجل شمل اليهود العرب في "المشروع القومي" كان على هؤلاء المرور في سيرورة الغاء لعروبتهم، أو حسب تسمية المؤلف كان عليهم التعرض لعملية "تطهير اليهودي العربي من عروبته".

ورغم أن هذا الإلغاء أو التطهير جرى تبريره، من طرف الصهاينة أنفسهم، بأحاديث عن العصرنة والتقدم إلا أن الذي هدد القومية الصهيونية (وفق شهرباني) لم يكن "تخلف" أو "تقاليد" اليهود العرب، وإنما عروبتهم المشدَد عليها من قبلهم هم أنفسهم. فالماضي العربي ليهود الشرق هدَد بأن يمس وحدة صف "الأمة الإسرائيلية" المتجانسة ظاهرياً وأن يموَه الخط الفاصل الضروري (سياسياً) بين اليهود والعرب. وفي هذا الشأن، ردد أول رئيس وزراء لإسرائيل دافيد بن غوريون المقولة التالية: "نحن لا نريد بأن يكون الإسرائيليون عرباً. يتوجب علينا أن نكافح روح المشرق الذي يخرب أفراداً وجماعات".

إلى ذلك، يوضح المؤلف أن الصهيونية واجهت صعوبات في تقبل اليهود الذين كانوا عرباً بين صفوفها. فعلى خلاف الفلسطينيين، الذين خضعوا للتطهير الإثني والتعريب (بمعنى أنهم كانوا يُعرّفون كعرب وليس كفلسطينيين)، كان يتعين على اليهود العرب أن يمروا بعمليات "التحديث" بهدف طمس أصولهم العربية.

التناقض بين المشترك!

ويتناول الفصل الرابع من الكتاب القواسم المشتركة بين اليهود العرب والفلسطينيين. وفيه يركز على قضية تبادل السكان، إذ يوضح أنه في الوقت الذي أعدت فيه دولة إسرائيل نظرية واضحة لتبادل الممتلكات التي تعود لليهود من البلاد العربية واللاجئين الفلسطينيين، كان موقفها المتصل بتبني نظرية تبادل السكان ملفوفاً بالغموض. ومن المؤكد أن المسألة السكانية بما فيها "الحاجة" إلى تحقيق الأغلبية اليهودية في إسرائيل، كانت تحتل رأس سلم الأولويات في الدولة قيد البناء.

ولم تلجأ الحكومة الإسرائيلية إلى استخدام نظرية تبادل السكان لمصلحتها بغية تعزيز استراتيجية حساباتها القومية إلا في أعقاب هجرة اليهود العرب من العراق خلال خمسينات القرن الماضي. ومع ذلك لم تقر دولة إسرائيل بسبب وجودها، ولم تفصح عنه على الإطلاق. ويبين الكتاب أن نظرية تبادل السكان بقيت خاملة حتى منتصف العقد السابع من القرن الماضي، بعدما تأسست منظمة التحرير الفلسطينية. حينئذ تم استحضار هذه النظرية وتوظيفها في الخطاب السياسي، ولا سيما في خطاب المنظمة العالمية لليهود من البلاد العربية.

الذاكرة والنظريات

أما الفصل الخامس، الذي جاء بعنوان "اليهود العرب والذاكرة التاريخية الصهيونية"، فقد أشار فيه الكاتب إلى أن الخطاب العام والخطاب الأكاديمي ينظران إلى "الشرخ الإثني" باعتباره ظاهرة يهودية داخلية لا علاقة لها بالصراع القومي الدائر بين اليهود والفلسطينيين، إذ يُنظر إلى الأمة اليهودية على أنها أمة موحدة تميزها وحدة متراصة.

وبناءً على ذلك، ينفصل النقاش الذي يتناول العلاقة القائمة بين المشرقيين والاشكنازيين عن النقاش الذي يتطرق إلى العلاقات السائدة بين اليهود والفلسطينيين، ويُنظر إلى خطوط المواجهة بين الفريقين، وتوصف كما لو أنها تمتد بين مستويين متوازيين لا يلتقيان على الإطلاق. ولكن ما حصل على أرض الواقع أن الخطاب الذي جاءت به المنظمة عمل على تفكيك الخطاب القومي اليهودي الداخلي المتجانس، وتعرية التناقضات المتأصلة فيه، وفضح المنطق الغائي الذي تنطوي عليه القومية الإسرائيلية المتخيلة. وبذلك، صارت المؤسسة الإسرائيلية تنظر إلى الرحلة التي سعت المنظمة إلى القيام بها في حالة الصهيونية كما لو أنها "ستطلق الجني الإثني من المصباح"، وهو ما سبب غماً وكدراً كبيرين في أوساط أعضائها.

كذلك، فإن اليهود العرب لا يحملون وجهة نظر واحدة وحيدة وثابتة. ففي الواقع، هناك العديد من وجهات النظر بين اليهود العرب، على الرغم من أن هذا قد تعرض للطمس بالطريقة نفسها التي جرى فيها تشكيل "الكينونة المشرقية" واختراعها في الذاكرة الجمعية الإسرائيلية.

وفي هذا الفصل ركز المؤلف حديثه عن النظريات السياسية الثلاث التي صاغتها المنظمة العالمية لليهود من البلاد العربية ـــ أُشير إليها سالفاً ـــ إذ يذكر أن هذه النظريات أخذت مفعولاً مُضاعفاً في أعقاب اتفاق السلام مع مصر وبدء النقاش حول اللاجئين الفلسطينيين. فعلى أساسها، أنه في مقدرة دولة إسرائيل أن تدعي، من جهة، الحقوق الشرعية لليهود في أرض إسرائيل (أقدمية الكيان اليهودي) وأن ترفض، من جهة أخرى، المطلب الفلسطيني بحق العودة (تبادل السكان تم حقاً)، وكذلك أن ترفض، من جهة ثالثة، المطلب بالتعويض عن الأملاك الفلسطينية التي صادرها القيم العام لدولة إسرائيل (موازنة الأملاك).

وعلى هذا الأساس، فإن عضو المنظمة د. جاك برانس، وازى من حيث الأهمية بين تأسيس منظمته وبين نشاط منظمة التحرير الفلسطينية، بقوله: "نحن الجواب الوحيد (في إسرائيل) على م.ت. ف، على حق العودة .. من أجل ذلك نحن موجودون".

 وفي خاتمة الكتاب التي استعاض عنها المؤلف بعنوان "ما بعد الصهيونية"، ذكر أن الدراسات التي تتناول المجتمع الإسرائيلي تطرقت إلى استيعاب اليهود العرب في إسرائيل، وللقائهم مع الدولة، وتعبئتهم وحشدهم من خلال السياسة، وأشكال احتجاجاتهم، وحراكهم أو جمودهم، ومكانهم ضمن منظومة التقسيم الطبقي والأنظمة السياسية الإسرائيلية.

وينوه إلى أن حياة اليهود العرب في الدول العربية تعتبر شاذة وغير سوية، وأنه يُنظر إلى هجرتهم إلى إسرائيل كما لو كانت هي الحل المحتوم لهذا الشذوذ، موضحاً أن اليهود العرب يملكون وضعاً حدياً وهجيناً ومتحولاً في إطار النظريات المعرفية القومية والكولونيالية التي تخيلت الصهيونية نفسها ضمنها. فمن جانب، كان يُنظر إلى هؤلاء اليهود في الخطاب الصهيوني بوصفهم عنصراً أصيلاً من المجتمع القومي، وبوصفهم تعبيراً عن أسسه البدائية الأولانية. وكانوا يخضعون، من جانب آخر، لنظرية معرفية كولونيالية، بحيث جرت شرنقتهم وعرقنتهم ضمن هذه النظرية المعرفية.

بماذا يتميز هذا الكتاب؟

استناداً إلى ما تم ذكره يجب التأكيد على جملة نقاط أساسية:

1.    يُقدم هذا الكتاب مساندة قوية لتطبيق منظور ما بعد كولونيالي على فهم العلاقات الإثنية، ليس بين اليهود والعرب، بل بين اليهود أنفسهم أيضاً.

2.    الكتاب يقدم لنا، للمرة الأولى، بحثاً معمقاً حول عمل ونشاط المنظمة العالمية لليهود من البلاد العربية التي أدت دوراً شديد الخصوصية في بناء "الأساطير المؤسسة لإسرائيل"، خاصة تلك التي ما زالت تتفاعل إلى الآن ارتباطا بالصراع الإسرائيلي ـــ الفلسطيني.

3.    تبنى الكتاب عرض منظور جديد لفهم العلاقات الدقيقة بين اليهود العرب واللاجئين الفلسطينيين الذين نزحوا عن ديارهم في العام 1948، وهي علاقة عادةً ما تجري التعمية عليها أو إقصاؤها في الدراسات التي تستند إلى التأريخ الصهيوني ونظرية المعرفة الصهيونية.

4.    أن الهدف الرئيس لهذا الكتاب هو دراسة اليهود العرب في السياق الصهيوني، وتجاوز الفرضيات التي تنطوي عليها الصهيونية في الوقت نفسه. ومن خلال طرح وجهة نظر ما بعد كولونيالية، سعى الكتاب إلى إعادة دراسة اللغة التي انتجتها الصهيونية، والتأريخ الذي شكلته، والنظرية المعرفية التي استندت إليها هذه اللغة وذلك التأريخ. واشتملت هذه العملية على ثلاث إستراتيجيات تحليلية تتناول النظرية المعرفية والتأريخ والمنهجية.

5.    لم يكتف شنهاف بالتصدي لـ"عملية تطهير اليهودي العربي من عروبته" من الناحية النظرية فقط، كما يتجلى في هذا الكتاب وغيره من أبحاثه ومقالاته العديدة، بل إنه يردف ذلك بالسلوك العملي. فقد اتجه الى تعلم اللغة العربية لينذر جل وقته لترجمة نتاجات من الأدبين العربي والفلسطيني؛ ليقدم نموذجاً يحتذى لما يعتبره البعض مسؤولية أخلاقية يتعين على المثقف أن يحملها على كاهله ترتيباً على سعيه نحو غايات كثيرة في مقدمتها تحدي نظرية المعرفة الصهيونية.

تقييم عام

1.    بالتأكيد على ما ذُكر سالفاً، فإن الكتاب في كليته العامة يمتاز بأهمية قصوى من حيث الموضوع والمضمون. فهذا الموضوع ندر التطرق إليه بصورة معمقة وتحليلية ونقدية شاملة، في حين أن المضمون يمتاز بتوسع واعتماد على مصادر أولية مهمة.

2.    رغم كل ذلك لم يمنع الأمر من وجود بعض السلبيات التي لازمت الدراسة، والتي نجملها في الآتي:

أ‌.       لم يأت المؤلف على ذكر تاريخ وواقع اليهود العرب في دول عربية عديدة، وإن كان تركيزه على التجمع اليهودي في العراق واليمن، دون الاستفاضة إلى اليهود في المغرب العربي ومصر.

ب‌.  رغم إكثار المؤلف من استعراض تصريحات ومواقف العديد من الباحثين والمسؤولين اليهود بشأن الموضوع المطروح إلا أنه في بعض الحالات لم يقم بالتحليل الواسع والربط المنطقي، كما أن هناك بعض القضايا اكتفى المؤلف بالمرور عليها سريعاً دون أن يمنحها الحق في المعطيات والتحليل.

ت‌.  نلاحظ وجود بعض الفصول أوسع بكثير من فصول أخرى بالرغم من أن بعض الفصول القصيرة ذات أهمية، وفيها أحداث ووقائع بحاجةٍ إلى توسع معلوماتي وتحليلي أكثر.

ث‌.  رغم إشارة المؤلف إلى وجود وثائق تؤكد وتبرهن صدقية ما يذهب إليه إلا أن الكتاب يفتقر إلى مسرد للوثائق أو الملاحق. فلا يوجد في الكتاب نشر أي وثيقة، وهذا بالطبع يقلل من قيمة الكتاب وتفرده عموماً.

الخلاصة النهائية:

يشكل هذا الكتاب قيمة معرفية وعلمية لما تضمنه من اختيارٍ نوعي لموضوعٍ بحثي متميز، اشتمل على مضمون ثري وتحليل موضوعي، وقراءة واقعية وتحليلية نقدية، لقضية لم تأخذ حقها من البحث والتحليل والنقاش. وبما أن هذا الكتاب قد يمثل مرجعاً أولياً لأي قارئ أو باحث يود الاطلاع على تاريخ اليهود العرب وواقعهم، سواء من أقام منهم في الوطن العربي، ولا يزال بعضهم يقيم، أو أولئك الذين هاجروا إلى إسرائيل، فإن الضرورة البحثية تستوجب دعوة الباحثين والكتاب العرب إلى منح هذا الموضوع أهميته البحثية، حتى تتوازن النظرة الدقيقة والصحيحة إلى هذه المجموعة التي يُثار حولها الجدل المتعلق بزوايا عدة، منها مسألة التمييز الطائفي في إسرائيل، أو طبيعة ارتباطها بالصراع الفلسطيني العربي ـــ الإسرائيلي، وصولاً إلى معرفة بذور التناقض في الصهيونية، فكراً وممارسة.


[*]

الملفات المرفقة

محمود فطافطة مراجعة.docx
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2017
Track visitors of website