متحف بيت لحم: بذرة شقت الصخر، عزيز العصا، العدد 265

متحف بيت لحم:

بذرة شقت الصخر

عزيز العصا[*]

 

لا شك في أن الحديث عن بيت لحم يعني الحديث عن نحو أربعة آلاف عام من الحراك الحضاري المتواصل؛ بلا انقطاع، رغم تبدل الأمم والحكام والقادة والجيوش التي مرت على أرضها. أما الشرف الأساسي الذي حظيت به هذه الجغرافيا، فهي أن أرضها تشرفت باحتضان السيد المسيح ووالدته مريم عليهما السلام؛ ففيها كانت بدايات الرسالة التي حملها رسول المحبة والسلام إلى البشرية جمعاء.

كما أن بيت لحم جزء لا يتجزأ من الجغرافيا الفلسطينية، وتشكل امتدادًا طبيعيًا للقدس التي هي أكثر مدينة على وجه الأرض شهدت صخبًا وصراعات، لدرجة أنه يصعب الحديث عن القدس دون التطرق لـ "بيت لحم" التي تشكل الممر، ومحطات التوقف لكل من غادر القدس أو اتجه إليها من جنوبها. وقد لوحظ ذلك، عندما قام الساعون إلى تهويد القدس، بالانقضاض على بيت لحم مركّزين على خاصرتيها: الشمالية؛ من خلال التهويد بالقوة للمنطقة الحدودية بين القدس وبيت لحم، والجنوبية؛ من خلال المحاولات الجادة والمستميتة من أجل تهويد جنوب بلدة أرطاس.

لذلك؛ فإن الصراع الهوياتي على بيت لحم هو جزء رئيس من الصراع القائم على أرض القدس، الأمر الذي يتطلب اليقظة والحيطة، ومواجهة ذلك بوسائل وأساليب مختلفة، منها التركيز على المشهد الثقافي للمدينة والمدن والقرى المرتبطة بها، باعتباره بطاقة هوية حقيقية لماضي المنطقة وحاضرها ومستقبلها. وللمشهد الثقافي مكونات عديدة، تختلف من بلد إلى آخر، ولعل المشترك بينها هو ما يتعلق بالمعالم الأثرية والعمرانية، والمكتبات والأرشيفات، والمتاحف والآثار والأسواق، والتراث الشعبي والحكايات الشعبية والعادات والتقاليد، والمسارح والسينما والفنون والموسيقى، والصحافة والإعلام، والتأليف والترجمة والنشر، والحرف التقليدية، المنتديات والاتحادات الثقافية والأندية، وإذا ما فهمنا أن المتحف هو المكان الذي يضم المنتجات الحضارية للبلد، عبر المراحل التاريخية المختلفة، فإننا نجد أن الغالبية العظمى لمكونات المشهد الثقافي يمكن الإشارة إليها، بشكل أو بآخر، لتكوّن المتحف بمعناه الإجرائي.

على هذه القاعدة، سوف نتطرق، فيما يلي، إلى واحد من المتاحف الذي يحمل اسم "متحف بيت لحم". وقبل البدء في الحديث عن هذا المتحف، لا بد من شكر السيدة "ريتا عكاوي حزبون"؛ التي سهلت مهمة إعداد هذه الورقة، منذ اللحظة الأولى التي بدأت بالتخطيط لإنجازها. فقد قامت بتعريفي بالسيد "أنطوني حبش"؛ مدير المتحف الذي فتح الباب على مصراعيه أمام الباحث، لكي ننهل من المعلومات ما يكفي للخروج بورقة تشكل إضاءة حقيقية حول "متحف بيت لحم" كمؤسسة ثقافية-معرفية، تفتح ذراعيها للباحث. فالمعلومات الواردة في هذه الورقة مستقاة من خلال المقابلات والتواصل مع السيد "أنطوني حبش"[1].

نبذة تاريخية

بدأت فكرة المتحف من سيدات الاتحاد النسائي في بيت لحم، اللواتي كن أول من انتبه إلى أهمية المحافظة على التراث الفلسطيني في بيت لحم. كما أشرن إلى حاجة المدينة إلى مشاريع توثق للتاريخ بخاصة غير المكتوب. وعليه، بدأ في العام 1977 إنشاء مركز ثقافي يخاطب السياح، ويعرض المنتجات التراثية اليدوية.

ولما كان الاتحاد النسائي يملك قطعة أرض على شارع القدس-الخليل، مقابل فندق الانتركونتيننتال، شرع في العام 1981 بالحفر، فاكتشفت قناة رومانية تنقل المياه للقدس من بئر العروب في الخليل، كانت قد بنيت في الفترة 26-36م في عهد الحاكم الروماني بيلاطس. فقررت الهيئة الإدارية للاتحاد إنشاء متحف فوق تلك القناة، بما يضمن الحفاظ على روح المكان، وأن يكون هذا المتحف من الشعب إلى الشعب.

من الفكرة إلى التنفيذ

يدار "متحف بيت لحم" بالشراكة بين كل من: مؤسسة الأراضي المقدسة المسيحية المسكونية،  والاتحاد النسائي العربي في بيت لحم. ويحمل المتحف الهوية التاريخية والتراثية من خلال عيون بيت لحم، ومن خلال معروضات المتحف ذات القيمة العالية تاريخياً، ومن خلال القصة الكامنة خلف كل قطعة من تلك المعروضات، مهما صغرت؛ فالأهمية ليست في القطعة التراثية بل في القصة التي خلفها.

يهدف القائمون على "متحف بيت لحم" إلى تحقيق هدف ثلاثي الأبعاد؛ يتمثل في توثيق حالة الترابط الكبير بين المكونات التالية:

أولًا: المسيحيون الفلسطينيون ومن انضم إليهم من المسلمين بعد 6 قرون.

ثانيًا: المؤسسات التي كان لها الدور البارز في تماسك المجتمع عبر التاريخ.

ثالثًا: الحجاج والنسّاك (الرهبان) الذين ساهموا في بناء المؤسسات، مثل: المعابد، والمدارس ورياض الأطفال... الخ، من الذين ارتبطوا بالأرض والإنسان.

لذا؛ فإننا أمام إرث مسيحي-إسلامي، تجب المحافظة عليه من خلال حفظ الموروثات والمقتنيات. وقد استغرق الأمر 2-3 سنوات قبل أن يبدأ أفراد المجتمع المحلي بائتمان المتحف على قطعهم التراثية. لكن تغير الوضع بعد أن صار الناس أكثر ثقة بالمتحف، وراحوا يودعون مقتنياتهم التراثية فيه، مع توضيح القصة الكامنة خلف كل قطعة يتم إيداعها، والتي هي، في العادة، قصة ذات صلة بالحالة الإنسانية التي عانى منها الشعب الفلسطيني، عبر الحقب الزمانية المختلفة.

هكذا نما متحف بيت لحم، نما بدعم المجتمع له. وجاءت القطع التراثية، لتوثق للتاريخ وتشير إلى عظمة مورّثيها عبر الألفي عام ، ولتعزز العلاقة ما بين المتحف والمجتمع المحلي. ونجم عن هذا كله، حالة من التقدير المتبادل بين إدارة المتحف ومحيطه. فلا عجب أن نرى المتحف يوثق للمؤسسات التي حافظت على هوية الأرض عبر التاريخ، رغم الأحداث الجسام والحروب، والأنظمة المختلفة والمتنوعة التي مرت على هذه الأرض.

ولا ينسى متحف بيت لحم الفلسطينيين المغتربين، فيؤسس لهم زاوية خاصة بهم، يتم فيها عرض شخصيات فلسطينية مغتربة، كان لها دور كبير في عكس صورة الإنسان الفلسطيني المحب للحياة والإبداع والسلام. وفي هذه الزاوية تعرض السيرة الذاتية للشخصية من خلال موقع إلكتروني صمم لهذا الغرض[2]. كما يوضع في هذه الزاوية التراثيات التي يرغب المغتربون بوضعها في المتحف. وتضم هذه الزاوية، أيضاً، مجموعة من المراسلات والصور التي تساعد على التواصل بين أبناء فلسطين في الوطن والمهجر. وتركز زاوية المغتربين بشكل خاص على ربط الشباب الفلسطيني في الغربة بجذوره الفلسطينية، ضمن مشروع: "اعرف تراثك" الذي تشرف عليه مؤسسة الأراضي المقدسة المسيحية المسكونية، وهي المؤسسة ذاتها التي تدير متحف بيت لحم.

وتكمن أهمية هذه الزاوية في أنها تروي قصة الاغتراب الفلسطيني في إطار مختلف، وتسلط الضوء علي المشاريع التي تهدف إلي التواصل مع أبناء فلسطين في المهجر. ويعتبر متحف بيت لحم متميزًا، في هذا الشأن، وصاحب الريادة في تعزيز أفق التواصل والتعريف لفلسطينيي الاغتراب.

ومن الجدير ذكره أن جميع مقتنيات زاوية "التراث الفلسطيني" مقدمة من قبل مؤسسة التراث الفلسطيني، والتي تم تأسيسها من قبل السيدة حنان منير وزوجها فرح منير، اللذين عملا على حفظ التراث الفلسطيني في دول الاغتراب، ويُعتبر هذا الثنائي من أهم جامعي التراث الفلسطيني في العالم، ولولا دعمهما وتقديمهما لمجموعة كبيرة من المقتنيات، لما تمكنّ المتحف من كسب ثقة آخرين للتبرع بالقطع أو إعارتها للمتحف. وهذا دلالة على دور المغتربين الفلسطينيين في دعم متحف بيت لحم.

وقد تم تسمية زاوية المغتربين باسم الراحل "سعيد خوري"؛ وهو مغترب ولاجئ فلسطيني من صفد، وكان له دور هام في دعم الوجود الفلسطيني على أكثر من مستوى.

ومن الجدير بالتقدير دعم بعض الحجاج الذين قدموا الى فلسطين، والذي حملوا معهم بعض التذكارات الفلسطينية إلى بلادهم، ما إن سمعوا بوجود متحف بيت لحم، حتى أرسلوا بعضاً من هذه التذكارات لتكون جزءاً من مقتنيات المتحف. ومن الأمثلة على ذلك: مجموعة أثواب فلسطينية أرسلتها حاجة ألمانية، كانت قد تلقتها على شكل هدايا من الفلسطينيين أثناء ترددها على بيت لحم، لكي تودع في المتحف. وربما يكون الارتباط بالمكان، وأهميته، والعلاقة التي نشأت مع سكان بيت لحم، هو الدافع الذي جعلهم يعيدون هذه المقتنيات لبيت لحم وأهلها، والتي اختفى أمثالها من بيت لحم.[3]

وبالرغم من ضيق المكان، الذي لا تتجاوز مساحته الـ(1,000)م2 من الأرض، هناك مشروعان يدران دخلاً للمتحف، نَجم عنهما توفر خدمات ذات خصائص سياحية، موجهة لخدمة المجتمع المحلي كالمطعم والخان التلحمي. وقد أطلق على المطعم اسم "الكرمة"، والذي لعب، ولا يزال، دوراً مكملاً للجانب الثقافي كونه يقدم الطعام الفلسطيني التراثي. وهو مكان يسمح بالتعرف عن قرب على تجربة المتحف، وعلى العادات الفلسطينية من خلال وجبة تقليدية تشعر الزائر بأنه في منزل فلسطيني[4].

أما الخان التلحمي، فهو يضم المنتوجات المحلية والتراثية والفنية التي يبدعها فنانون فلسطينيون. وقد خصص المتحف، لهذا الغرض، زوايا خاصة تستوعب الإبداعات الفردية أو الجماعية.

ومن الجدير بالذكر أن المتحف خصص مكاناً للمكتبة، وقاعة للاجتماعات، وأخرى للأنشطة ما ساهم في تحقيق حالة من التفاعل مع المجتمع المحلي. فقد فتح المتحف أبوابه للأفراد والأسر، مقابل مبلغ رمزي مقداره عشرة شواقل للفرد، وأما لطلبة المدارس، فإن رسم الدخول لا يتحاوز خمسة شواقل.

وتتلخص توجهات المتحف المستقبلية في تعزيز الشراكات مع الأفراد والمؤسسات، وتشكيل شبكة من المتطوعين والمتطوعات، يحملون رسالة المتحف وأهدافه، والدعوة لها، وترجمتها عملياً. ومن هنا تكون المعلومة هامة في نشر الرواية الفلسطينية. وأي خطأ في المعلومات سوف يعكس نفسه على المتحف ومسيرته، ويمكن أن يهز ثقة الزائرين، كما أنه قد يصب في صالح الرواية الإسرائيلية التي تسعى إلى "نفْيِنا" من التاريخ.

وهناك أيضاً سعي جاد لتطوير شراكات مع الآخرين، كشركات السياحة، والشخصيات الاعتبارية؛ كي يكونوا عرّابين للمتحف ومروجين له كما أن هناك توجهًا لدى القائمين على المتحف بالتوجه إلى المعلمين وطلبة المدارس، لقناعتهم بأن المعلم إذا ما حمل الرسالة، فإنه يستطيع أن يوصلها الى الطلبة والأهالي. كما أنه من الضروري تطوير أماكن في بيت لحم، إضافة إلى كنيسة المهد، ليقوم الحجاج بزيارتها، خاصة أن هناك امتعاضًا من الحجاج بحصر زيارتهم لبيت لحم في كنيسة المهد.

ومن جهة أخرى، هناك خطة لفتح فروع للمتحف في الدول التي فيها مغتربون فلسطينيون، والذين تحتم عليهم ظروفهم البقاء بعيداً عن الوطن من أجل تحقيق حالة من التواصل والارتباط بينهم وبين وطنهم فلسطين، ليشعروا كما لو أنهم فيها، كما هو الحال في السلفادور. ومن الجدير بالذكر، أنه تم اعداد تصميم لمتحف يقام في السلفادور، حيث تعيش جالية من أكبر الجاليات الفلسطينية. ويأمل المتحف، أن يتحول التصميم لواقع فعلي.

إضافة للوصول الى الجاليات الفلسطينية في أماكن تواجدها، فإن خطة عمل متحف بيت لحم تشمل التعريف لغير الفلسطينيين بتاريخ فلسطين وتراثها، خاصة في الدول التي تعج بالزوار، مثل مدينة (مديتوريا) في البوسنة التي يصلها حوالي مليوني زائر سنوياً. وللعلم، فقد أُرسل للمدينة المذكورة مجموعة قطع تراثية من متحف بيت لحم، وتم إنشاء زاوية للتراث الفلسطيني فيها من خلال متحف بيت لحم. أي أنه من خلال الانفتاح على المتاحف في العالم، يمكن لمتحف بيت لحم، الوصول إلى عدة مجتمعات عالمية. بمعنى آخر، من لا يصل الينا، من واجبنا أن نذهب إليه.

أما على الصعيد الداخلي، فإن المتحف سوف يفتح الآفاق المطلوبة للإبداع، ويدعم المبدعين غير المكتَشفين، ويوفر المجال لهم لتطوير أنفسهم، خاصة وأن كل جزء فيه يحكي قصة إنسانية توثق لارتباط الإنسان الفلسطيني بأرضه والتحامه بها، كما تروي تاريخًا يمكن أن يندثر إن لم يجد من يحفظه.

ونحن من جانبنا، نضم صوتنا إلى أصوات القائمين على المتحف، على أمل أن يسمعنا صانعو القرار، فيمدوا يد الدعم والإسناد والتسهيل، من أجل تطوير هذا المتحف لتحقيق رسالته الوطنية وأهدافه ذات المغزى الوطني والثقافي والتراثي. كما نطالب بدعم "متحف بيت لحم"، من أجل توفير أماكن في الدول المختلفة، أو في السفارات الفلسطينية في تلك الدول، ليتم فيها عرض القطع التراثية؛ بهدف إعادة ربط الفلسطينيين، في تلك الدول، بتاريخهم، وتراثهم وثقافتهم.

 

 

الهوامش:


[*]


[1] تم اللقاء الأول بتاريخ: 07/10/2015م.

[2] الموقع الإلكتروني هو www.palestiniansurprises.com.

[3] يبين الرابط فيديو خاصاً بالمتحف من الداخل:

https://www.youtube.com/watch?v=bFgd9DYtRMI

[4] انظر الرابط الإلكتروني لمطعم الكرمة الخاص بمتحف بيت لحم:

https://bethlehemmuseum.com/al-karmeh-restaurant/#

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2017
Track visitors of website