مخطوطات فلسطين...التاريخ المفقود، عبد الحميد أبو النصر، العدد 265

مخطوطات فلسطين...التاريخ المفقود

أ.عبد الحميد محمود أبو النصر[*]

 

إن التاريخ الفلسطيني منذ فجر كنعان وحتى الفتح الإسلامي وما تعاقب عليه من غزاة وفتوحات، ترك إرثاً إنسانياً وحضارياً كبيراً لا يمكن حصره، من آثار ومخطوطات[1]، وأوابد ووثائق، أرخت تلك الحقب، بل إن مخطوطات تل العمارنة[2] التي وجدت في معبد الكرنك (مصر) وثقت وجود 119 مدينة كنعانية[3] وكانت أكبر اكتشاف آنذاك. وهذه الدراسة ستركز على المخطوطات المفقودة من تاريخ فلسطين، والتي فقد أهمها في زمن الحكم العثماني ونقل جزء منها إلى تركيا، وفي أثناء الحملة الفرنسية 1799م نقل جزء منها إلى فرنسا، وخلال الانتداب البريطاني 1917م نقل جزء منها إلى بريطانيا، وما فقد بعد عام 1948م بعد الاحتلال الإسرائيلي.

*المخطوطات الكنعانية:

هناك ندرة لمخطوطات وآثار الحقبة الكنعانية (3000 ق.م)، ويعتقد أن الكنعانيين كانوا مقلين في توثيق تاريخهم، رغم المكتشفات الأثرية الكنعانية، إلا أنها لا تحصي الحقبة التاريخية التي مرت بها بلاد كنعان (فلسطين)، وأغلب مخطوطات تلك الحقبة هي كتابات حجرية ونقوش، وتماثيل، ولم يبق منها كتابات ورقية أو جلدية على غرار ما وجد في مصر التي زخرت بورق نبات البردي في عهد الفراعنة، وجلود الحيوانات في حضارات أخرى، حتى الألف الأول قبل الميلاد والذي بدأت تعرف فيه الكتابة على الورق. وحسب ما اكتشف فإن اللغة الكنعانية كانت أكثر حروفا من لغات الجزيرة العربية، وقد أثرت بصورة مبكرة في اللغة المصرية فدخل كثير من مفرداتها في عصر المملكة المصرية القديمة والوسطى. كما ظهرت اللغة الأوغاريتية في القرنين الرابع عشر والثالث عشر قبل الميلاد، على مئات لوحات الطين المشوي أو المجفف بالشمس، وظهرت أيضا الكتابات الفينيقية، والعربية، واللهجات العمونية والأدومية التي ظهرت آثارها في بعض الأختام والمنقوشات وعلى بعض أواني الفخار في القرن السابع قبل الميلاد.

على أن أكثر آثار الألف الأول قبل الميلاد الكنعانية في فلسطين حررت على مواد قابلة للتلف كالبردي والرق، وهذا ما يفسر ضياع جزء كبير منها واختفاء المخطوطات الكنعانية[4].

مخطوطات البحر الميت (أريحا):

يطلق اسم مخطوطات البحر الميت على مجموعات المخطوطات القديمة التي تم العثور عليها ما بين 1947م و1956م، داخل كهوف الجبال القديمة الواقعة غربي البحر الميت، وشماليه في كهوف قمران، ووادي المربعات وخربة ميرد، وعين جدي، ومسادا، شملت 11 كهفا كتبت باللغات الآرامية، والعبرية، واليونانية القديمة والهلينستية، واحتوت على الأسفار القديمة الأصلية ومخطوطات أدبية أخرى، وكتاب اشعيا، وتفسير الحقوق، والتعليق على كتاب النظام، وحرب أبناء النور مع أبناء الظلام، ومخطوط (لامك حفيد أخنوخ والد النبي نوح)، ومزامير التسبيح والشكران، وعددها 200 وقطع أخرى من الأسفار، والوثيقة الدمشقية[5]، وكان للعثور على هذه المخطوطات خاصة في منطقة قمران (على بعد كيلومترات جنوبي مدينة أريحا) منذ قرابة نصف قرن أثر عميق على تفكير الباحثين اليهود، والمسيحيين في العالم كله، وأدى بلا شك إلى تغير كبير في العديد من الاعتقادات التي كانت قائمة في فلسطين[6].

وقد عثر أول مرة على سبع لفائف مخطوطات اشترى (اثاناسيوس صموئيل)[7] رئيس دير سانت مارك (للكاثوليك) السوريين أربعاً منها، فيما اشترى (اليعازر سوكينوك) الثلاث الباقية لصالح الجامعة العبرية في القدس. وبعد حرب 1948م قام (صموئيل) ببيع نسخة الأربع (لسوكينوك) لحساب الجامعة العبرية وأصبحت النسخ السبع في حوزتها.

بدأ الأردنيون بتنظيم عمليات تنقيب بحثاً عن المخطوطات داخل كهوف قمران، فعثروا على مئات القصاصات الصغيرة داخل الكهف ساعدت في تحديد تاريخ المخطوطات، وفي عام 1952م استطاع بدو (التعامرة) العثور على العديد من المخطوطات في كهف آخر تحللت لقصاصات صغيرة باعوها للسلطات الأردنية. واكتشفت سلطات الآثار الأردنية عام 1956م مجموعة من أحد عشر كهفاً في قمران ومن أربعة كهوف عثر عليها (التعامرة).

وسمح بتصوير ونشر أربع مخطوطات من قبل المدرسة الأمريكية للدراسات الشرقية في القدس، وتحققت من القيمة الأثرية للمخطوطات، ثم نشرت الجامعة العبرية صور المخطوطات الثلاث التي حصلت عليها عام 1954م، كما عثر على مخطوطات قديمة في منطقة الميرد جنوب غرب قمران، ومربعات جنوب شرق و(ماسادا) وهي القلعة اليهودية القديمة في المنطقة التابعة لـ(أراضي عام 1948م) في النصف الجنوبي من البحر الميت.

وفي تشرين الأول (أكتوبر) 1951م عثر التعامرة على مخطوطات مكتوبة بالعبرية واليونانية في أحد كهوف وادي المربعات 15 كيلومترا عن كهف قمران الأول، واشتراها الأردنيون وعثروا أيضاً على كتابات مسيحية في منطقة (ميرد) وبينها كتابات سريانية، فيما قامت بعثة (إسرائيلية) بقيادة (ايجال يادين) بالبحث عن مخطوطات بين عامي 1963م و1965م، وفي بقايا (ماسادا) التي تقع تحت سيطرتهم في الجنوب الشرقي من مدينة الخليل.

بعد عام 1967م سقطت باقي أراضي الضفة الغربية في يد (إسرائيل) بما فيها متحف القدس الذي يحتوي على مخطوطات ولم يفلت من هذا المصير سوى مخطوطة واحدة تسمى المخطوطة النحاسية؛ كانت في العاصمة عمان، وتوقفت حركة النشر تماما بعد ذلك[8].

لقد أثار العثور على مخطوطات قمران التي كتبت ما بين القرن الثاني الميلادي ومنتصف القرن الميلادي الأول، الأمل في وجود معلومات من خلالها يمكن أن تحل الألغاز وتفسر الأحداث تاريخياً. وكانت الجرار الفخارية التي حفظت بها المخطوطات ذات شكل خاص وحجم محدد فهي أسطوانية الشكل يزيد ارتفاعها قليلاً عن نصف المتر، مسطحة في أعلاها وفي أسفلها، وكان هذا النوع من الجرار ينتج عادةً في مصر خلال القرنين السابقين عن العصر المسيحي مما يدل على أن شكل الجرار ونظام حفظ المخطوطات في داخلها كان مأخوذاً عن العادات المصرية، فلم يكن هذا النوع من الفخار ينتج في فلسطين.

وجدت معظم مخطوطات قمران مكتوبة على رقائق من الجلد، وإن كان بعضها مكتوباً على أوراق البردي وواحدة على رقائق نحاسية، وغالبيتها مكتوبة بالعبرية، إلا أن هناك بعض الكتابات الآرامية واليونانية، وتتفق طريقة الخط المستخدم في الكتابة مع نتيجة الحفر الأثري في خربة قمران، وأنها كتبت بين القرن الثاني قبل الميلاد ومنتصف القرن الأول الميلادي، وهناك عدد كبير من المخطوطات يتضمن كتباً قديمة ترجع إلى تاريخ سابق، وإن كان نسخها قد تم خلال هذه الفترة. وتحتوي مكتبة قمران على ثلاثة أنواع من الكتابات: كتابات توراتية من أسفار العهد القديم، وكتابات لأسفار لم تدخل في قانون العهد القديم، وكتابات جماعة قمران العيسوية[9].

بلغت الكتب التوراتية حوالي مائتي كتاب، فقد عثر على عدد كبير من أسفار كتب العهد القديم- باستثناء كتاب (استير) – وإن كان بعضها لم يتبق منه إلا قصاصات صغيرة، وأكثر نسخ وجدت لكتاب واحد كانت للمزامير التي بلغ عددها (27) نسخة وسفر (التثنية) الذي وجدت منه (25) نسخة، ثم سفر (اشعيا) الذي وجد منه (18) نسخة.

أما الكتابات التي تدخل في قانون العهد القديم فهي نوعان: يسمى أبو كريفا مثل سفر توبيت، وسفر حكمة بن سيرا، والجزء المكتوب باليونانية من رسالة أرميا، وهذا النوع وإن لم يدخل في قانون النص العبري المازوري إلا أنه موجود في النص اليوناني السبعيني، والنوع الآخر عبارة عن بعض الأسفار التي تمت كتابتها في الفترة ما بين القرن الثاني السابق للميلاد ونهاية القرن الميلادي الأول، وقد رفض الأحبار اعتبارها بين كتبهم المقدسة وأصبحت تعرف باسم (بسوديبجرافا) إلا أن الترجمة اليونانية لهذه الكتب حفظها المسيحيون أحياناً بالسريانية أو الأرمينية أو الحبشية في مخطوطات قمران مثل: عهود الأسباط الاثني عشر، وسفر (أينوخ) مما يبين أن جماعة العيسويين كانت تدخلها ضمن مكتبتها[10]. وربع ما وجد من مخطوطات يتضمن الأسفار التي اعتبرها يهود فلسطين مقدسة قانونية منذ القرن الأول بعد الميلاد[11].

كما وجدت كذلك كتابات تفسيرية، تقوم بشرح الكتب المقدسة بطريقة الجماعة أي عن طريق المجاز وليس على أساس من حرفية النص كما كان الكهنة يفعلون، ووجد عدد من الكتب تحتوي على تفسير لأسفار العهد القديم، تختلف أحياناً عن التفسيرات التي نجدها في كتب التلمود.

وإلى جانب الكتب الدينية فقد عثر في قمران على كتابات تختص بجامعة العيسويين نفسها، مثل: "كتاب التلاميذ"، "ومخطوط دمشق"، و"مزامير الشكر" و"مخطوطة الحرب"، وبالرغم من أن أسفار التوراة الخمسة الأولى تنسب إلى موسى الذي عاش في القرن الرابع عشر قبل الميلاد وبالرغم من أن أسفار العهد القديم قد تمت صياغتها في شكلها النهائي فيما بين القرنين السادس والرابع قبل الميلاد، فإن أغلب الترجمات الموجودة حالياً تعتمد كلها على النص العبري المازوري الذي يرجع إلى العام 1008م.

مخطوطات بيت لحم:

عثر الأثريون على عدد من نسخ التوراة وأسفارها التي كتبت في عصور مختلفة، وأحدث ما عثر عليه كان عام 1951 في بيت لحم، وقد تكون تتبع المجموعة التي اكتشفت في البحر الميت[12]. أما المخطوطات المسيحية في بيت لحم فتعود لعهد سيدنا عيسى، ونشأته في هذه المدينة المقدسة وقد احتوت كنسية المهد على مخطوطات هامة فيما لم يتم تقديرها ومصيرها، وتوزعت باقي المخطوطات على أديرة وكنائس المدينة. 

مخطوطات القدس:

رغم المكتشفات الأثرية الكبيرة في مدينة القدس والتي دلت على تعاقب الحضارات، إلا أن (اليبوسيين) المؤسسين للمدينة لم يتركوا مخطوطات مكتوبة سوى نقوش حجرية وأثرية نادرة للغاية، مثل أجدادهم الكنعانيين الذين لم يستعملوا الكتابة على الأوراق أو الجلود حتى الألف الأول قبل الميلاد، واقتصروا في ذلك على الآثار والنقوش الحجرية، حتى الحضارات المتعاقبة على مدينة القدس من يونان، ورومان، وفرس، وبابليين، وغيرهم من الحضارات، تركوا آثاراً ومخطوطات منقوشة منها ما سلب، ومنها ما دمر، ومنها ما اندثر وبقي النادر منها.

وظهر مخطوط التلمود المقدسي (الأورشليمي) في بيت المقدس وضعه حاخاميون عرفوا باسم (امواريم) أو المفسرين وفيه 39 مبحثاً، ويتكون من ستة أقسام ويقع في 524 فصلاً وأسلوب الكتابة رغم عبريته فصبغته كنعانية متأثرا بالأسلوب الآرامي في كتابته ويحتوي على كثير من المفردات الآرامية واللاتينية والفارسية والإغريقية.[13]

بعد الفتح الإسلامي 15ه كتبت أهم مخطوطة متمثلة في العهدة العمرية في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، ونظمت العهدة الحياة في القدس (ايلياء) آنذاك بين المسلمين وباقي الطوائف[14]. وتم نقلها خارج فلسطين فيما بعد.

مخطوطات غزة:

من أقدم مخطوطات غزة مجموعة من أوراق البردي للرسائل الرسمية والسجلات الديوانية، اكتشفتها بعثة أثرية بريطانية في عوجا الحفير جنوب فلسطين بينها خمس وثائق عربية- يونانية خاصة بالضرائب في منطقة غزة مؤرخة في 54 و55ه/673-674م.[15]

مخطوطات نابلس:

يعتقد أن أقدم مخطوطات نابلس موجودة في جبل جرزيم لدى الطائفة (السامرية) التي تعيش هناك منذ القدم، وتضم لفائف تعتبر هي الأقدم، تضم الأسفار التي يعتمد عليها حتى اليوم في إقامة الطقوس والشعائر الدينية، وهناك اعتقاد بأنها كانت تضم التوراة والأسفار الأصلية لاعتقاد تاريخي بأن جبل جرزيم عاصمة اليهود قديما فيما اندثر وفقد جزء منها.

*المخطوطات في الأراضي التي احتلت عام 1948م:

مخطوطات حيفا: أغلبها موجود في مكتبة دير الكرمل، وهو من أقدم أديرة الشرق، وأشهرها، وأغناها، وأرقاها ويرجع تأسيسه إلى القرن الثاني عشر الميلادي، وقد دمر في عهد الملك المنصور عام 1291م ولم يبق أي من مخطوطاته التي كتبت على رق الغزال. وأعاد رهبان الكرمل بنيان ديرهم ووجدوا الكثير من مخطوطاته في المكتبة وفيها سجلات، ووثائق، وعهود، وصكوك. وفي الحرب العالمية الأولى 1914م أمسى الدير حصناً للعسكر العثماني ففقد بعض كنوزه العلمية الفنية، ولعل المسلوب هو المخطوطات العربية، وبقيت أغلب الكتب الإفرنجية مرصوصة في عشر خزائن كبيرة.[16]

مخطوطات يافا: موجودة في مكتبة جامع يافا الكبير الذي أسسه الشيخ محمد بيبي سنة 1745م، وعمّره حاكم يافا مير محمد أغا سحور (أبو نبوت) سنة 1810م، وكانت تضم (263) مجلداً عام 1903م، ويرجح أن محتويات المكتبة ضمت إلى المكتبة الإسلامية التي تحتوي على أكثر من (1000) مجلد بين مخطوط ومطبوع، وتبدد أكثرها وحفظ الباقي في مسجد النزهة في يافا، وعدد المخطوطات الباقية الآن (339) مخطوطاً باللغة التركية[17]، و(4) باللغة الفارسية، ويرجع أقدم مخطوط إلى عام 653ه/1255م.

مخطوطات عكا:

1ـ مخطوطات عكا الإسلامية:

أهمها موجود الآن في المكتبة الأحمدية التي أنشأها أحمد باشا الجزار، والي عكا المشهور في مسجد فخم سنة 1781م، وهو من أجمل المساجد ومن مظاهر الفن الإسلامي في العصر العثماني، وضمت المكتبة كثيراً من المخطوطات والكتب النفيسة التي انتزعها الجزار في أثناء ولايته من خزانة خير الدين الرملي مفتي الرملة، وخزائن دير المخلص قرب صيدا، ومكتبات جبل عامل في لبنان، وأهم مخطوطاتها (فضائل بيت المقدس) تأليف أبي بكر محمد بن أحمد الواسطي خطيب المسجد الأقصى المبارك، من رجال القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي)، كانت هذه النسخة اليتيمة من مخطوط (فضائل بيت المقدس) لأبي بكر الواسطي محفوظةً في مكتبة جامع أحمد باشا الجزار، ويبلغ عدد أوراقها (26 ورقة) تشتمل كل منها على (21 سطراً).[18] وبقي 78 مخطوطاً في خزانة الجامع.[19]

2ـ مخطوطات عكا المسيحية:

أغلبها موجود في مكتبة مطرانية الروم الكاثوليك التي أنشأها مطارنة الروم (الكاثوليك) الذين تسلسلوا في كرسي عكا منذ مطلع القرن التاسع عشر، وكانت في أول عهدها ضئيلة لا تحتوي إلا على مخطوطات دينية، وطقوسية، وبعض مطبوعات ذلك العهد، ثم أخذت تلك المكتبة تتبعثر شيئاً فشيئاً، وقد أدرك المكتبة حالة من التقهقر بعد سقوط المدينة عام 1831م بيد إبراهيم باشا المصري وانضمامها إلى إيالة صيدا، وبعد تولي (غريغوريوس) حجار كرسي مطرانية عكا جعل مركزه في حيفا بدلاً من عكا، وأنشأ فيها خزانة كتب غنية بمؤلفات مهمة علاوة على مكتبة أسلافه المطارنة في عكا، ومن مخطوطات هذه الخزانة إنجيل قديم مزين بالصور وجد في تركة بشارة خوري 1898م في بيروت.[20]

 

*المخطوطات التي فقدت خلال الحروب على فلسطين:

فقدت الكثير من مخطوطات فلسطين في العهد العثماني، جزء منها رحل إلى تركيا، وقد تعرضت مكتبات المساجد والأديرة إلى عدوان كبير خلال الحروب التي شنت على فلسطين أولها خلال الحملة الفرنسية 1799م ورحل جزء منها إلى فرنسا، ويذكر أن أهم المستشرقين الذين جاؤوا مع (نابليون) وبعده رسموا أهم اللوحات عن مدن فلسطين واعتبرت أهم المخطوطات التي وضعها مستشرقون عن فلسطين وأرخت تلك الحقبة وأغلبها موجود في المتاحف العالمية، واستمر العدوان خلال الحرب العالمية الأولى 1914م، وشمل العدوان جامع السيدة رقية الذي دمرت مكتبته وزاويته، وجامع الجوالي، والجامع العمري، ويضم كثيراً من المخطوطات، ومسجد النصر الأثري في بيت حانون، ومسجد السيد هاشم في غزة الذي دمرت مكتبته بالكامل خلال الحرب العالمية الأولى، وخلال الانتداب البريطاني تعرضت كثير من المخطوطات إلى التلف والإحراق بعد الحرب العالمية الأولى والثانية والتي شملت تدمير عدد من المساجد والمكتبات في فلسطين، وبعد العدوان (الإسرائيلي) عام 1948م، تعرضت المكتبات ومناطق تحتوي على مخطوطات نادرة لكثير من عمليات السطو والإتلاف من قبل العصابات الصهيونية خاصة في مناطق أريحا، ويافا، والقدس، وحيفا، وعكا، والتي نقلت فيما بعد لتوضع في متاحف ومكتبات عبرية فيما بقى جزء كبير منها مفقوداً، وأهمها مخطوطات البحر الميت التي رحل جزء كبير منها قدر بـ(850) لفافة تعود للقرن الأول والثاني ق.م إلى الولايات المتحدة الأميركية، و(إسرائيل) التي استولت على الجزء الكبير منها، وقد عرض بعضها في معارض أميركية عام 2009.[21]

وقد اندثرت كثير من المخطوطات باندثار مكتباتها منها: مكتبة الموقت نسبة للشيخ محمد بن أحمد المغربي في القدس، ومكتبة إسحاق موسى الحسيني التي احترقت بالكامل في حرب 1948م[22]، ومكتبة الشيخ حسام جار الله وكانت تضم (2000) كتاب ومخطوط في العلوم الإسلامية، والعربية، والأدب من بينها مخطوطة (قران نادرة) مجلدة بجلد غزال محفوظة في الخزائن، وقد سرقت بالكامل عام 1948م.[23] ومكتبة عبد الله مخلص في عكا وضمت عدداً من المخطوطات والكتب النادرة؛ فنقلها إلى دير القربان بالقدس، وقبل انتهاء الانتداب البريطاني تم نسف الدير بالكامل بما فيه من (110) مخطوطات و(3000) كتاب، ومكتبة آل قطينة (المكتبة الحنبلية) في باب العامود في القدس ضمت مخطوطات تاريخية، وعلوم الرياضيات بعثرت جميع كتبها.

وبعد عام 1967م استكمل العدوان على الأراضي الفلسطينية وتعرضت مكتبات ومساجد في مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة إلى عمليات النهب، والتدمير، وقد أدى هذا العدوان إلى فقدان حتى المخطوطات الحجرية التي كانت منقوشة على أغلب مساجد فلسطين توثق تاريخ بنائها وترميمها وأهم ملوكها وأمرائها، تدل على حقبة كل مسجد ومقام.

وقد تم سرقة أكثر من (700) مخطوط من الجامع العمري بغزة، شملت مختلف المواضيع التاريخية، والدينية، والعلمية، وما زال مكانها مجهولاً حتى الآن. وتبقّى أقل من (200) مخطوط من أصل (900). فيما آلاف المخطوطات في الضفة الغربية تبقى منها مخطوطات القدس الإسلامية الموزعة بين المسجد الأقصى ومكتبات القدس، وعدد قليل في مناطق أخرى. وفقد كثير من المخطوطات ذات الملكيات الخاصة التي تعود لعائلات فلسطينية عريقة. 

وخالفت إسرائيل اتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية بعد 1967م حيث نقلت كميات كبيرة من موجودات المتحف الفلسطيني إلى أراضي عام 1948م ولم تعدها إلى مكانها الأصلي.[24]

*جهود الحفاظ على المخطوطات:

توثيق المخطوطات: عمل عدد من المؤسسات الفلسطينية على توثيق المخطوطات من خلال تصويرها وتحويلها إلى النظام الرقمي الإلكتروني للحفاظ على نسخة منها، وقد عملت مؤسسة إحياء التراث والبحوث الإسلامية في القدس منذ بداية الثمانينات على توثيق المخطوطات بسبب تشتتها وتوزعها في عدة مكتبات، وقررت المؤسسة تأسيس مكتبة مصورة للمخطوطات الموجودة في فلسطين سواء على (الميكروفيلم) أو (الفوتوكوبي)، وتضم المكتبة الآن (3700) مخطوط مصور من مختلف المدن الفلسطينية بحيث تعتبر المكتبة الأكبر حجماً في فلسطين من حيث عدد المصورات، ومواضيعها، وتوزيعها الجغرافي.

وفي رام الله قامت مكتبة البيرة بتوثيق وتصوير (98) مخطوطاً تضمها المكتبة، أما في غزة فقد قامت دائرة المخطوطات والآثار في وزارة الاوقاف بتوثيق مخطوطات الجامع العمري، كما حرصت بيت القدس للدراسات والبحوث الفلسطينية منذ تأسيسها عام 2001م، على توثيق المخطوطات من خلال التصوير الرقمي الحديث واستطاعت تصوير (130) مخطوطة تابعة للجامع العمري الكبير، وعدد من وقفيات الكتب الحجرية، وتم توثيق (10) مخطوطات ذات الملكية الخاصة للعائلات وحوسبتها، فيما تمتلك عدداً من الوثائق الفلسطينية تعود للعهد العثماني والانتداب البريطاني شملت صكوكاً، ومجلات الوقائع الفلسطينية في زمن البريطانيين والحكم المصري، ووثائق حكومة عموم فلسطين، وعقود عثمانية فيما ضمت مخطوطة واحدة أصلية وبعض الأوراق المخطوطات.

ترميم المخطوطات: إن أغلب المخطوطات الفلسطينية التي بقيت محفوظة تعاني كثيراً من التلف والأضرار، إما بسبب عوامل بيئية تمثلت في تكسر أوراقها أو هجوم الدودة الورقية أو رطوبة أدت إلى ضعفها وتلفها وغيرها من مسببات التلف، أو عوامل بشرية وذلك تمثل في قلة الحفاظ عليها، وتداولها، واستعمالها بشكل غير صحيح، إضافة إلى العدوان المستمر من قبل الاحتلال الإسرائيلي، وكل ما سبق يؤكد ضرورة ترميم هذه المخطوطات وإلا سيؤدي إلى تلف أكبر مع عامل الزمن. ومن أهم طرق الترميم:

1ـ الترميم اليدوي: ويستغرق وقتاً طويلاً تستعمل فيه كل المواد الطبيعية التي لا تؤثر على الورق والمخطوط، ويمر بعدد من المراحل أهمها التعقيم، والتدعيم، والترميم ثم التجليد.

2ـ الترميم الآلي: من خلال جهاز الترميم الآلي والذي يوفر الوقت، والجهد، والدقة في عملية الترميم.

ويذكر أن الاحتلال أعاق وصول جهاز الترميم للأقصى لفترة طويلة من خلال ميناء (أسدود)، ولكن تم إدخاله بعدها واستعمل في عملية الترميم من خلال مؤسسة إحياء التراث.

أما في غزة فلم يسمح بدخول الجهاز عبر المعابر، وبذلك بقيت مخطوطاتها دون ترميم، إلا أنه تم خياطة وتنظيم عدد منها من خلال مؤسسة بيت القدس للدراسات والبحوث الفلسطينية، والتي أشرفت على تخريج أول دورة في ترميم المخطوطات في غزة.

تحقيق المخطوطات:

التحقيق في اللغة هو إحكام الشيء والتحقق هو اليقين وحققه تحقيقا صدقه والمحقق من الكلام الرصين، والتحقيق في استخدامنا العادي هو البحث بهدف الوصول للحقيقة.[25]

والتحقيق في عمومه وإطلاقه، الإثبات والاحكام والتصحيح في تحقيق التراث وبذل جهد وعناية في إخراج المخطوط بصورة صحيحة كما وضعه المؤلف. وهو علم يقوم على قواعد وقوانين أصيلة تعود جذورها العلمية إلى عهد الرسول (ص)، وهو فن لأن المحقق الماهر يبدع في كشف كثير من اللفائف العلمية والشرعية والأدبية والتاريخية وغيرها مما لا يتاح لغيره كشفها وبحثه يقدمها من خلال تعليقاته، أما المهارة العلمية قائمة على خبرة طويلة وممارسة لقراءة كتب التراث ومعرفة أنواع المخطوط وتاريخها، وأنواع الحبر والورق وما يلحق به مما له الأثر في تحديد النسخة الأصلية الأم من بين النسخ الأخرى لأي مخطوط وزمن كتابتها وتوثيق نسبها لمؤلفها.[26] ويذكر أن هناك جهوداً بذلت من قبل باحثين فلسطينيين في مجال تحقيق المخطوطات خاصة الإسلامية منها، من خلال مقارنتها بنسخ أخرى في أماكن ودول متفرقة، وغالبا فقد وُجد في الجامعات الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة أقسام وأشخاص أشرفوا على عمليات التحقيق وحضرت كرسائل في الماجستير والدكتوراه.

 

 

 

 

 

الهوامش:


[*] كاتب ومؤرخ فلسطيني، رئيس مجلس بيت القدس للدراسات والبحوث الفلسطينية.


[1]المخطوط: مشتقة لغة من الفعل خط يخط أي كتب أو صور اللفظ بحروف هجائية. أما اصطلاحاً: فهو النسخة الأصلية التي كتبها المؤلف بخط يده باللغة العربية أو بغيرها أو سمح بكتابتها أو أقرها أو ما نسخه الوراقون بعد ذلك، في نسخ أخرى منقولة عن الأصل أو عن نسخ أخرى غير الأصل. وهكذا نقول عن كل نسخة منقولة بخط اليد عن أي مخطوطة بأنها مخطوطة مثلها حتى لو تم النقل أو النسخ بعد عصر النسخة الأصلية.

[2]مخطوطات تل العمارنة: مجموعة من حوالي ثلاثمائة وخمسين لوحاً طينياً اكتشفت عام 1887م في تل العمارنة، هو الاسم الحديث لأطلال مدينة قديمة، تقع في منتصف المسافة تقريباً بين ممفيس وطيبة (الأقصر) في صعيد مصر منقوشاً عليها بالكتابة المسمارية، وكانت تشكل جزءا من خزانة المحفوظات الملكية لامينوفيس الثالث وامينوفيس الرابع من ملوك الأسرة الثامنة عشرة الفرعونية (1480ــ1460 ق.م.). والبعض من هذه الألواح مكسور. وهناك بعض الشك فيما كان عليه العدد الحقيقي لهذه الرسائل المتفرقة، فهناك واحد وثمانون خطابا في المتحف البريطاني، ومائة وستون في المتحف البابلي والآشوري في برلين، وستون في متحف القاهرة، وعشرون في اكسفورد، وحوالي عشرين أو أكثر في متاحف أخرى أو في مجموعات خاصة. 

[3] بيت القدس تختتم ورشة العلاقات الفلسطينية المصرية، وكالة معا، 10/9/2012. 

[4]أحمد المرعشلي وآخرون، الموسوعة الفلسطينية، هيئة الموسوعة الفلسطينية، ج4، القسم العام، ط1، دمشق، 1984م، ص49.

[5] المصدر نفسه، ج1، ص589.

[6] أحمد عثمان، مخطوطات البحر الميت، مكتبة الشروق، القاهرة، ص 10.

[7] أسد رستم، مخطوطات البحر الميت وجماعة قمران، المكتبة البولسية، ط2، بيروت، 1990م، ص 2.

[8] عثمان، مصدر سبق ذكره، ص 16.

[9] المصدر نفسه، ص 29.

[10] المصدر نفسه، ص 30.

[11] رستم، مصدر سبق ذكره، ص 48.

[12] المرعشلي، مصدر سبق ذكره، ج1، ص589.

[13] المصدر نفسه، ص 573.

[14] عبد الحميد أبو النصر، الأقباط في بيت القدس، جامعة النجاح الوطنية، نابلس، 2014م، ص77. 

[15] The colt Expedition of the British School of Archaeology in Jerusalem Palestine Exploration fund Quarterly Statement (1936).pp.216-220.

[16] فؤاد عبيد، مخطوطات فلسطين واقع وطموح، مركز الأرشيف الوطني الفلسطيني، القدس، 2000م، ص55.

[17] وليد الخالدي، حوليات القدس، مؤسسة الدراسات المقدسية، القدس، العدد3، ص75.

[18] عبيد، مصدر سبق ذكره، ص19.

[19] الخالدي، مصدر سبق ذكره، ص75.

[20] عبيد، مصدر سبق ذكره، ص19.

[21]عبد الحميد أبو النصر وآخرون، الاعتداء على المقدسات والآثار الفلسطينية، نشرة بيت القدس، بيت القدس للدراسات والبحوث الفلسطينية، العدد 8، غزة، 2009م، ص6.

[22] عبيد، مصدر سبق ذكره، ص 60.

[23] Jarallah.Libraries in Palestine p.39

[24] المرعشلي، مصدر سبق ذكره، ج2، ص358.

[25]عبد الستار الحلوجي، أسس تحقيق المخطوطات، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، القاهرة، 2012م، ص1.

[26]عز الدين بن زغيبة، صناعة المخطوط العربي الإسلامي، مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث، دبي، 1997م، ص 350.

 

الملفات المرفقة

أبو النصر.doc
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2017
Track visitors of website