توظيف الأغنية الشعبية في نماذج من الشعر الفلسطيني المعاص، بنان صلاح الدين، العدد 265

توظيف الأغنية الشعبية في نماذج من الشعر الفلسطيني المعاصر

د. بنان صلاح الدين[*]

 

وجد الشاعر الفلسطيني في الأغنية الشعبية مادة غنية للاستفادة منها، إذ إنها تعالج كافة الموضوعات التي تهم الشعب الفلسطيني وتقع تحت إحساسه، ففيها الوصف والمدح والفخر والرثاء وغير ذلك، ونظراً للظروف التي مر وما يزال يمر بها الشعب الفلسطيني فقد حظي الوطن بنصيب الأسد في الأغنية الشعبية[1]، في محاولة للوقوف أمام محاولات الاحتلال من اجتثاث وقمع وتشريد وقتل لإفناء الوطنية الفلسطينية وطمسها. وهذا ما ألبس الأغنية الشعبية الفلسطينية لباس الحزن والمأساة بشكل عام، إذ تحولت كثيرٌ من الأغاني الشعبية الفلسطينية المقترنة بالأعراس والأفراح إلى التعبير عن الحزن والمأساة مثل أغنية "سبل عيونه ومد ايدو يحنّونه لو"، وهي في الأصل ترويده شعرية تقال في وداع العروس ليلة الحناء، فتحولت بعد ذلك إلى زفة الشهيد، كما أن بعض الأغاني الشعبية تصلح للغناء الحزين والمبهج في آن واحد مثل "بالهنا يا أم الهنا يا هنية"، إضافة إلى الكثير من الأغاني الوطنية التي تشكل جزءاً كبيراً من الأغاني الشعبية الفلسطينية[2].

ويلاحظ أن استخدام الأغنية الشعبية في الشعر الفلسطيني، وأساليب التواصل به، قد أخذت أربعة أشكال: الأول، وهو أن يُضمّن الشاعر كلمات الأغنية بكاملها وتكون علاقتها بالقصيدة فقط في مناخها العام، ودلالتها على الصورة أو الفكرة؛ والثاني، هو أن يستعير الشاعر اللحن المألوف للأغنية الشعبية ويصوغ على غراره كلاماً جديداً شريطة أن توجد كلمة أو مؤشر للحن الأساسي؛ وفي الشكل الثالث، يقوم الشاعر بعملية مزج بين الكلام الأصلي للأغنية وكلام الشاعر؛ أما الرابع فيتمثل بلجوء الشاعر في بعض الأحيان إلى تضمين اسم الأغنية أو نوعية اللحن ليوحي بالجو الذي يريد تصويره.[3]

ويشكل الحزن والندب رافداً مهماً من روافد الغناء الشعبي الفلسطيني، حيث عكست المأساة الجماعية للشعب الفلسطيني طوال العقود المنصرمة حزناً جماعياً له كل مسوغات وجوده ونموه واستمراره من خلال الكوارث المتتالية التي حلت بالشعب الفلسطيني.[4]

وقد ظهرت أبعاد هذا الحزن في العديد من قصائد الشعراء التي حملت همهم وعبّرت عن حزنهم العميق لما آل إليه الحال الفلسطيني، ولعل من أكثر المآسي الفلسطينية التي غذت هذا الحزن ورفدته، حالة التشرد والنفي عن الديار، والغربة عن الوطن والأهل والأحباب.

 يقول الشاعر محمد القيسي:

ولو أنّ الطريق إليك ميسورٌ

لما وهنت خطاي، وسُمّرت نظراتي اللهفى وراء الباب

ولا سَهُدت عيونك في انتظار زيارة الأحباب

ولا ما بيننا حال العدى والموت والسور

ولكنّ الثعالب في ربوعك تزرع الأهوال

وتغتال ابتسام الصبح فوق مياسم الأطفال

" يا دار، يا دار، لو عدنا كما كنّا

لأطليك يا دار، بعد الشيد، بالحنّا"[5]

لقد ولّد المنفى عند الشاعر الفلسطيني الإحساس بالفقدان، فقدان تاريخي مكاني للأرض الفلسطينية التي تنتج نفساً مغتربة في عالم مفارق، لذا فإن الشاعر الفلسطيني يجسد في قصائده هذا الشعور الحارق بالنفي، شعوراً يتمرحل ضمن حركة التاريخ التي تمر بها القضية الفلسطينية، مختلطاً بواقعه المعيش، إن هذا الإحساس بالفقدان، (فقدان الأرض) ولّد وعي الاغتراب عند الشعراء الفلسطينيين، فيصبح التأكيد على الهوية الفلسطينية هاجس الشاعر وملاذه الوحيد من خلال توظيفه للموروث الشعبي الفلسطيني للتغلب على شعوره الاغترابي والتأكيد على هويته الفلسطينية المهددة بالاجتثاث.[6]

لذا كانت الأغنية الشعبية هي الأمل المتسلل إلى قلب الفلسطيني بالعودة إلى الوطن فكلما ترنم بألحانها أحس بأنه أشد قرباً من وطنه المسلوب، حيث احتفظ كثير من الفلسطينيين بمفاتيح بيوتهم بعد التهجير على أمل العودة إلى الوطن، وما زالوا إلى الآن يحتفظون بها، علماً بأن معظم هذه البيوت قد أزيلت ولم يبق لها وجود، فغدا المفتاح رمزاً معنوياً للارتباط بالوطن، يقول أحمد دحبور:

يا دار يا دار أي غراب فرقنا

"ومفتاح بابك ع وسطي شايلاه يا دار

"لا بد ما امسح أعتابك وازرع النوار

"يا دار يا دار لو عدنا كما كنا

لطليك يا دار بعد الشيد بالحنا"[7]

وقد كان للواقع السياسي الذي فرض على الفلسطينيين من نفي وتشريد عظيم الأثر في نفسية الفلسطيني، وقد عبّر الشعراء عن هذا الأثر عبر الالتحام بالأغنية الشعبية التي تجسد مأساة شعب قد هجر من أرضه وعانى التشرد والضياع والذل والحرمان، إضافة إلى أنها تصور حلم العاشق بالعودة إلى وطنه، إلا أن هذا الحلم ما يلبث أن يصطدم بالواقع المرير، فالوطن لا يبعد أكثر من بضع خطوات لكن الفلسطيني لا يستطيع الاقتراب.

فالمنفى الفلسطيني لا يتعدى كونه أماكن زلقة مؤقتة، تظهر لرفض الذوبان في المكان الجديد، ولكي يجعل الشاعر هذا الاغتراب شيئاً محتملاً، فإنه يتمسك بذاكرته ويرتد إلى شعوره بتوحده مع الأرض التي تكسبه وعيه بذاته وشعوره بالتميّز، فإحساس الشاعر باغترابه في زمن الهزيمة هو الذي يدفع به نحو الذاكرة كتاريخ يجسد انفعالاته فيه[8]، ويلاحظ أن المناصرة قد أسند الكلام لضمير الجماعة (شمّلوا ، قبّلوا ) ليعبر عن وعي جماعي وهو ما يؤكد العلاقة الوثيقة بين الشاعر والإنسان الفلسطيني في إشارة إلى التلاحم والترابط فالهمّ واحد والهدف واحد، يقول أحمد دحبور في قصيدته "إلى امرأة مجهولة جداً أدعوها أمي":

طرزت لأمي مكتوباً من غير كلام

من يعرف منكم أمي!

ضحكت يوماً، فتسابق في خلدي حجلٌ وحمام

وأكلت كفاف اليوم

وبكت فقرأت كتاباً أوصلني، بالقَسْر إلى هذي الأيام

"خيل طردت خيل في وداي الصرار

علمونا الحزن واحنا زغار"[9]

يروي الشاعر قضيته مع أمه التي ما انفكت تتحدث لأولادها عن ذكرياتها في حيفا، وكيف كان الرحيل القسري عن الوطن عام 1948، فتحول الفرح إلى حزن دائم يلف حياتهم، لتصبح الذكريات هي الأمل الباقي للفلسطيني التي تشده إلى ماضيه وتظهر رغبته في لقاء صادق ولو بعد حين.

ولا يخفى ما تشكله الأمكنة من حساسية شعرية طاغية لدى الشاعر، فالأرض الفلسطينية محمولة على الذاكرة وخارجة من وعي الشاعر، وهي التي تصبح بديله الذي يتخيره في انفصاله، فتصبح الأرض رافد الإنسان وهمه وحريته التي يمارسها في جو الكبت والقمع والمطاردة، إنه يفتح نافذة داخله لينعم بالحرية، وهكذا فإن الأرض تصبح سبيلاً لإدراك الذات ووعيها محررة له من وعي اغترابه[10]، يقول المناصرة في قصيدة بدأها بصيحة فلكلورية للأغنية الشعبية الفلسطينية:

آ... وي ... ها

يا مدنا لا تعرفني إلا مقتولاً أو مطروداً في أرض الله

آ... وي ... ها

يا زنبقة باضت في صحن الدار

آ... وي ... ها

يا تينة وادينا يا شوكة الصبار

آ... وي ... ها

يا رمزاً منقوشاً في صدر حبيبي[11]

لقد حاول المناصرة الإفادة من هذه الصيحة الفلكلورية في الزغاريد الشعبية ليحملها بعضاً من همومه، وليجعلها تعكس معاناة الفلسطينيين الدائمة كلما تذكر الوطن والديار.[12] ومن الملاحظ أن الصيحة قد وظفت توظيفاً فنياً رائعاً، منسجمة مع روح النص الشعري ورؤية الشاعر، بل أسهمت في تكامل البيئة الفنية للنص فسمت به وأثرته.

وقد اتخذت بعض صور الشهيد في الخطاب الشعري الفلسطيني صورة عروس* ليلة زفافه عندما يستشهد، ولعل هذا المعنى للشهادة ضارب في جذور التراث الشعبي الفلسطيني، فالمقاتل الذي يرفض الزواج يقال عنه إنه تزوج الثورة، وإذا استشهد فإنه يزف إلى عروسه فلسطين وتحنى بدمائه.[13] يقول محمد القيسي في وصف الشهيد:

الزينة لحبيبي

والأقواس المعقودة بالحنون الأحمر والأصفر لاستقبال حبيبي

والريح تصفّرُ في قصب الوديان، تهلل لقدوم حبيبي

وحبيبي يأتي من ناحية البحر بمَهري

خمس زنابق في الكفّين، وست زنابق في الصدر

في منعطف الشارع كَمنوا لحبيبي

لكنَّ حبيبي واصلَ سيري

ها هي مركبة حبيبي

جللها الشفق النابع من وجنته المرفوعة،

جمّلها الأخضر والأحمر، جَمّلها الأبيض والأسود[14]

هكذا يصور القيسي معاناة الفلسطينيين في المخيمات، من خلال رسم صورة الشهيد الفلسطيني الذي اغتالته اليد الصهيونية وأيدي الإخوة "الأعداء" في أكثر من مخيم في لبنان. لقد حلق القيسي في خيال واسع ليرسم لنا في صور متتابعة حال العروس** في حياته، يزرع النرجس فوق خوذته، ويغني لنعناعة الدار في يقظة بأجل قريب، وفي استشهاده هلل المخيم واحتشد سكانه في طقوس احتفالية ليزفوه إلى عروسه سارا (فلسطين) وهو ملتفٌ بعلم فلسطين، عروسه سارا التي قابلت محبوبها بتهليلة، موظفاً الأغنية الشعبية الفلسطينية التي تغنى للعروس يوم زفافه:

بالزينة بالزينة يا شباب

أرعبتوا المدينة يا شباب

بالرايق بالرايق يا شباب

أرعبتوا الخلايق يا شباب[15]

 

وهنا حاول القيسي رسم صورة الشهيد محمد أمام الجميع، ليدلل على معاناة الفلسطيني في مخيمات النفي والضياع.

كما وظف توفيق زياد الأغنية الشعبية لرثاء المناضل سرحان العلي الذي نسف ماسورة البترول في ثورة عام 1936م الفلسطينية ضد الاستعمار البريطاني والصهيونية، لقطع الإمدادات عن العدو والدول الأجنبية، يقول توفيق زياد:


يا صبايا الحيّ هيئن الذبائح، والمواقد والقدور
والثياب انقعنها بالعطر نقعا، والمناديل الحرير
إن سرحان الأمير ... ابن الأمير ... ابن الأمير
عاد من غاراته يرتاح في حضني الأثير

يا صبايا حيِّنا ....... يا حرايــر
جاءنا الكيف فخذن ... المزاهـر

شيعوا لبني عمومته يجيئوا بالطبول وبالزمور
خبروهم أنه إن جاء ثانية ... أبع ثوبي الأخير

 

أما عندما تعود فرس الشهيد بسلاحه دونه، أو عندما تعود الفرس دون خيّالها، فأفضل ما يصور ذلك قول عز الدين المناصرة في قصيدته "ألا يا هلا بحبيبي"، يقول:

ألا يا هلا يا هلا بحبيبي
حبيبي، حبيبي، حبيبي
وضمّته، ضمّته
لكنه صخرة راكدة.
دزيتلو مكتوب
طوّل وما جاني يُومّا
طوّل وما جاني
وضمته، ضمته
لكنه جثة هامدة[16]

وفي المعنى نفسه نجد محمد القيسي يصور عودة الفرس دون خيّالها، فيقول في قصيدة العاشق والأرض، التي يرثي فيها المناضل الفلسطيني فايز حمدان، الذي استشهد عام 1968م:

"طلّت البارودة والسبع ما طلّ

يا بوز البارودة من الندا مبتل

 

وفي مكان آخر من القصيدة، يقول:

لم يمت فايز، من قال يموت

ذلك الحبّ الصموت

فهو كالنبع، ولّما هزّه التحنان للنور انفجر.

ولعل المناصرة من أكثر الشعراء الفلسطينيين الذين تواصلوا بالموروث بشكل عام والموروث الشعبي بشكل خاص، حيث تواصل بالتراث بكافة أنواعه فأغنى به شعره وارتقى به ليحمل دلالات أرحب وأغنى فحلق في فضاءات جديدة، حملنا معه فيها إلى أجمل المعاني وأرقاها.

وعليه، ليس غريباً أن نجد الشاعر قد أفرد ديواناً كاملاً أسماه جفرا؛ والجفرا نوعٌ من الغناء الشعبي الفلسطيني، فاسم جفرا ليس غريباً على الفلسطينيين فهو جزء من التراث الشعبي، لكن توظيف المناصرة له أعاد إغناءه، فجفرا هي التاريخ الفلسطيني، هي الأرض، هي الهوية الشعبية للفلسطينيين، ذاكرة متحركة في الماضي وباتجاه المستقبل.{C}[17]{C}

لقد أغنى توظيف المناصرة لجفرا حنين الفلسطينيين للوطن، بل زادهم تعلقاً بالأرض والحبيبة رغم أنهم على علم بهذا التراث، إلا أن توظيفه في قصائد المناصرة أعاد اكتشافه في وعيهم، ليذكرهم بألمهم الدائم على فقدان الأرض والوطن.

أما بالنسبة للعربي فقد كانت قصيدة جفرا هي الناقل للمعاناة الفلسطينية فلم تكن جفرا سوى نمط غنائي شعبي تقليدي محدود الانتشار خارج فلسطين، وجعل المناصرة من جفرا أسطورة عالمية بالفعل بعد أن ترجمت إلى لغات أجنبية عديدة{C}[18]{C}.

جَفْره ويا هالرَّبع يا حَسْرة بلادي

أرض الشّباب السُّمر ومقبرة أجدادي

لازم ما نقعد نتفه وِنطِحي ها لأعادي

ونحرر أرض الوطن إليّ اشتاقت ليّا{C}[19]{C}

 

ويعود الفضل للمناصرة في الانتشار الواسع لأغنية (جفرا وياها الربع)، حيث عمّت الوطن العربي كله، مؤثرة في مسامعها، فهناك فتيات سمين جفرا، وفرق شعبية وغير ذلك. وهذا التأثر ليس بفضل الموروث بل بفضل قصيدة المناصرة التي أسهمت في انتشار الموروث فأذكته بدلالات جديدة، أرحب وأوسع من رمزها في الموروث الشعبي{C}[20]{C}، لذا يرى المناصرة أن من لا يعرف جفرا عليه أن يدفن رأسه، يقول:

من لم يعرف جفرا ... فليدفن رأسه

من لم يعشق جفرا ... فليشنق نفسه

فليشرب كأس السم الهاري، يذوي، يهوي، ...، ويموت{C}[21]{C}

ومع الوقت أصبحت جفرا جزءاً لا يتجزأ من الذاكرة الفلسطينية عند الفلسطينيين. يقول المناصرة:

ترسلني جفرا للموت ومن أجلك يا جفرا

تتصاعد أغنيتي الكحلية

منديلك في جيبي تذكار

لم أرفع صاريه إلا قلت: فدى جفرا{C}[22]{C}

إن جفرا أهم الرموز العاطفية في الشعر العربي المعاصر، فهي الأرض والأم والأخت والحبيبة، هي الأم المخطوفة عند الحاجز، وهي المرأة التي تقتل وترمي في التابوت إلاّ أنها تعاود الانبعاث مرة أخرى، فجفرا المناصرة هي أسطورته الحية التي تبعث لتكون رمزاً حياً لكل فلسطيني، يقول:

هل قتلوا جفرا عند الحاجز، هل صلبوها في تابوت؟!

جفرا أخبرني البلبلُ لّما نَقَّر حبَّاتِ الرمِّانْ
لّما وَتْوَتَ في أذني القمرُ الحاني في تشرينْ
جفرا عنبُ قلادتها ياقوتْ
هل قتلوا جفرا قرب الحاجز.. هل صلبوها في التابوت؟؟{C}[23]{C}

وحيناً آخر نجد المناصرة يمازج في علاقة عضوية بين جفرا الوطن، وجفرا المرأة، ففي قصائده الجفراوية تختلط صور الأرض والوطن والثورة والمرأة ببعضها، وتمتزج مع بعضها كعمل فني متميز، ففي تلك القصائد تشتم رائحة المرأة الزكية، لكنك سرعان ما تدرك أن هذه الرائحة ما هي إلا رائحة نرجس فلسطين وأقحوانها، ومرة أخرى تشتم فيها رائحة البارود، فتعلم أنها كانت تقاتل الأعداء، وهي بذلك تصبح رمزاً للثورة الفلسطينية{C}[24]{C}، "لذا فقد كانت المرأة لا تؤخذ ككيان مستقل، بقدر ما تؤخذ كجزء من قضية كبرى، وهي جزء من تجربة إنسانية أعم وأشمل، فقد ذابت الملامح الذاتية للعاطفة الخاصة في العاطفة الكبيرة عاطفة الحب للأرض المغتصبة والوطن المجروح"{C}[25]{C}، يقول المناصرة:

جفرا ... كانت خلف الشُبَّاك تنوحْ
جفرا... كانت تنشد أشعاراً... وتبوحْ
بالسرّ المدفونْ
في شاطئ عكّا.. تغنّي
وأنا لعيونكِ يا جفرا سأغنّي ..سأغنّي{C}[26]{C}

إن انعطاف الشاعر بالأغنية الشعبية جفرا ويا ها الربع، جعل عناصر البيئة الفنية تتشكل وفق رؤيا معاصرة، يتسم فيها هذا الرمز الفلكلوري بحركية متجددة قابلة للدخول في علاقات جديدة، تجعل منها شفرة حرة وليست مجرد محاكاة للواقع في إطاره الشعبي{C}[27]{C}.

أما في قصيدته "أم علي النصراوية" فقد سعى المناصرة إلى رسم النموذج الثوري لأمهات المناضلين، التي تحرض على استمرار أبنائها في مقاومة الاحتلال، فإذا ما استشهد أحدهم، تطلق الزغاريد وتعيش حلماً لا يموت.

وقد أوضح المناصرة في حوارٍ معه بأن "أم علي النصراوية" هي سيدة حقيقية في بيروت كانت في الثورة، وهي إحدى أمهات الثورة (أخت الرجال). وكانت تمتلك شخصية قوية جداً. وكان لها تأثير شخصي حتى على ياسر عرفات وعلى القيادات السياسية. وقد قدمت أَبناءها الثلاثة شهداء في الرحلة الطويلة "[28]. يقول:

ثم ناديت: هيه يام علي

ليش ما تغنينا

كنعان العريس حنّوه بالدما

ليش يم علي ما تحنينا

وفي مكان آخر، يقول:

حبيبي مسجى أمامي

صوته فضة وله طلعة مثل بدر التمام

***

وشاح حبيبي أحمر

آه آه ... آه آه

وحبيبي يحمل في خرج مهيرته خنجر

فرسك بيضاء حبيبي، كنت جميلاً تتمختر في

بستان الليمون

قالت جفرا: القلب يرّفُّ، العين ترّفُّ. الموت أراه

النبع أراه شديد الحمرة

قال الشبح الطاعن: هذا جسدي فخذوه

آه آه ... آه آه[29]

فأم علي النصراوية هي النموذج الواقعي للأم الفلسطينية التي تربي أبناءها على مقاومة الاحتلال، وحب الوطن وافتدائه بالغالي والنفيس، ويتضح للقارئ أن المقاومة الفلسطينية صرخة نضالية تمزق وشائج الحزن والاغتراب في صدور الفلسطينيين، وتحول الأشجان السارية في عروقهم إلى دفق ناري يحرق المسافة التقليدية القائمة بين الأرض والإنسان، بحيث يتم التلاحم بين الذات والموضوع فينصهر الإنسان الفلسطيني في قضيته ليعيش تجربة الثورة الفذة بأعمق أصولها[30].

ما سبق يوضح كيف استطاعت الأغنية الشعبية أن تفجر طاقات إبداع الشاعر وأن تكون محوراً فكرياً وشعورياً لقصيدته، مستفيداً من دلالتها ومضمناً معانيَ ودلالات سياسية ووطنية وقومية جديدة، لذا لا غرابة في أن يقوم الشاعر الفلسطيني باغتراف الأغاني الشعبية الفلسطينية. وقد عبر عن ذلك الشاعر سميح القاسم بقوله "إنني لا أتعامل مع التراث باعتباره مكتسباً ثقافياً، بل أتعامل معه باعتباره مكوناً من مكونات شخصيتي التاريخية... أعتقدُ أنني أكتب مسكوناً بالتراث، وأمشي في الشارع مسكوناً بالتراث، وأقرأ قصائدي وأتخذ مواقفي السياسية وأتحرك مسكوناً بهذا التراث، ولا أستطيع أن أرى حدوداً ولو وهمية بين كياني الروحي وبين هذا التراث الذي تشربته من طفولتي المبكرة ولا أزال...، فالتراث بالنسبة لي هو عملية مقاومة وعملية صمود في آن، إلى جانب الإمكانيات الفنية الجمالية الكامنة في هذا التراث[31].

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                                                                                        

المصادر والمراجع

1-             البرغوثي، مريد، الأعمال الشعرية، بيروت: المؤسسة العربية للنشر والتوزيع، ط:1، 1997.

2-             بودويك، محمد، شعر عز الدين المناصرة، بنيانه إبدالاته وبعده الرعوي، عمان: دار مجدلاوي للنشر، ط:1، 2006.

3-             التميمي، حسام جلال، تجليات جفرا في شعر عز الدين المناصرة، نابلس: مجلة جامعة النجاح للأبحاث، حزيران (يونيو)، 2001.

4-             جرادات، محمد أدريس صقر، في البال أغنية (الأغنية الشعبية النسائية)، الخليل: مركز السنابل والتراث الشعبي، 2000.

5-             حجازي، أحمد توفيق، موسوعة الأمثال الفلسطينية، عمان: دار أسامة للنشر والتوزيع، ط:1، 2002.

6-             الحسين، قصي، الموت والحياة في شعر المقاومة، بيروت: دار الرائد، د.ت.

7-             دحبور، أحمد، الديوان، بيروت: دار العودة، 1973.

8-             دحبور، أحمد، ديوان هنا هناك، عمان: دار الشروق، 1997.

9-             درويش، محمود، ديوان محمود درويش، بيروت: دار العودة، ط:1.

10- رضوان، عبد الله، امرؤ القيس الكنعاني، قراءات في شعر عز الدين المناصرة، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط:1، 1999.

11- زياد، توفيق، الديوان، بيروت: دار العودة، د.ت.

12- أبو زيد، شوقي، المصادر التراثية في الشعر الفلسطيني في النصف الثاني من القرن العشرين، رسالة دكتوراه غير منشورة، عمان: الجامعة الأردنية، 1995.

13- العامري، محمد، المغني الجوال، دراسات في تجربة محمد القيسي الشعرية، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط:1، 2001.

14- عبيد الله، محمد، حوار مع الشاعر عز الدين المناصرة، المجلة الثقافية، عمان، العدد السادس والأربعون، رمضان- ذو الحجة 1419، كانون الأول (ديسمبر) 1998.

15- عراق، عبد البديع، صورة الشهيد في الشعر الفلسطيني المعاصر، عكا: مؤسسة الأسوار، ط:1، 2002.

16- علقم، نبيل، مدخل لدراسة الفلكلور، البيرة: إنعاش الأسرة، 1977.

17- أبو عليوي، حسن محمود، الموسوعة الفلسطينية، الدراسات الخاصة، 6 مجلدات، بيروت: ط:1، 1990.

18- القاسم، سميح، الأعمال الشعرية الكاملة، دار الجيل، ط:1، 1992.

19- القيسي، محمد، الأعمال الشعرية الكاملة، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط:2، 1999.

20- أبو لبن، زياد، عز الدين المناصرة، غابة الألوان والأصوات، عمان: دار اليازوري للنشر، 2006.

21- محسن، عيسى خليل، دراسات في الفلكلور الشعبي الفلسطيني (التراث الغنائي)، عمان: دار جرير للنشر والتوزيع، 2005.

22- أبو مراد، فتحي محمد، الرمز الغني في شعر محمود درويش، عمان: وزارة الثقافة الأردنية، 2004.

23- مراشدة، عبد الباسط، التناص في الشعر العربي الحديث، السياب ودنقل ودرويش أنموذجاً، دمشق: دار ورد للنشر، ط:1، 2006.

24- المناصرة، عز الدين، الأعمال الشعرية الكاملة، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط:5، 2001.

25- موسى، إبراهيم نمر، صوت التراث والهوية، دراسة في أشكال الموروث الشعبي في الشعر الفلسطيني المعاصر، كفر قرع: دار الهدى للطباعة والنشر، 2008.

26- النابلسي، شاكر، مجنون التراب، دراسة في شعر وفكر محمود درويش، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط:1، 1987.

27- أبو نضال، نزيه، جدل الشعر والثورة، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1979.

28- أبو هدبا، عبد العزيز، التراث الفلسطيني- جذور وتحديات، الطيبة: مركز إحياء التراث العربي، 1991.

29- يونس، فدوى، من الأغاني النسائية الشعبية وقول الست بدرية، رام الله: وزارة العلوم والثقافة والرياضة، 2001.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الهوامش:


[*]محاضرة في دائرة اللغة العربية وآدابها، كلية الآداب- جامعة القدس.

 

** العروس: نعت، يستوي فيه الرجل والمرأة، فيقال رجل عروس وامرأة عروس، ابن منظور، 2003، لسان العرب، ج6، دار القاهرة، ص 172.


[1] أبو هدبا، عبد العزيز، التراث الفلسطيني، ص 48.

[2] موسى، إبراهيم نمر، صوت التراث والهوية، ص 63.

[3] أبو نضال- نزيه، جدل الشعر والثورة، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،  1979، ص 144.

[4] العامري، محمد، المغني الجوال، دراسات في تجربة محمد القيسي الشعرية، بيروت: المؤسسة  العربيّة للدراسات والنشر، ط:1، 2001، ص183.

[5] القيسي، محمد، الأعمال الشعرية الكاملة، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط:2، 1999، م1، ص64.

[6] العامري، محمد، المغني الجوال، مرجع سابق ، ص 74.

[7] دحبور، أحمد، الديوان، بيروت: دار العودة، 1983، ص350

[8] العامري، محمد، المغني الجوال، مرجع سابق، ص 75.

[9] دحبور، أحمد، الديوان، مرجع سابق،  ص 274 – 275.

[10] العامري، محمد، المغني الجوال، مرجع سابق، ص 76.

[11] المناصرة، عز الدين، الأعمال الكاملة، ص388.

[12]بودويك، محمد، شعر عز الدين المناصرة، بنيانه إبدالاته وبعده الرعوي، عمان: دار مجدلاوي للنشر، ط:1، 2006، ص39.

 

[13] عراق، عبد البديع، صورة الشهيد في الشعر الفلسطيني المعاصر، عكا: مؤسسة الأسوار،  ط:1، 2002، ص332.

[14] القيسي، محمد، الأعمال الكاملة، مصدر سابق، ص332.

[15] جرادات، محمد أدريس صقر، في البال أغنية (الأغنية الشعبية النسائية) الخليل: مركز السنابل والتراث الشعبي، 2000، ص87.

[16] المناصرة، عز الدين، الأعمال الشعرية، مصدر سابق، ص 370.

[17]رضوان، عبد الله، امرؤ القيس الكنعاني، قراءات في شعر عز الدين المناصرة، بيروت: المؤسسة العربيّة للدراسات والنشر، ط:1، بيروت، 1999، ص237.

[18] المصدر نفسه، ص 238.

[19] أبو عليوي، حسن محمود، الموسوعة الفلسطينية، القسم الثاني، الدراسات الخاصة، المجلد الرابع، ص75.

[20] أبو لبن، زياد، غابة الألوان، ص 156.

[21] المناصرة، عز الدين، الأعمال الشعرية، مصدر سابق، ص 373.

[22] المصدر نفسه، ص374.

[23] المصدر نفسه، ص373.

[24] التميمي، حسام جلال، تجليات جفرا في شعر عز الدين المناصرة، جامعة النجاح للأبحاث (312 – 360)، نابلس، حزيران، 2001، مجلد 15.

[25] النابلسي، شاكر، مجنون التراب، ص 264.

[26]المناصرة، عز الدين، الأعمال الكاملة، مصدر سابق، ص 379.

[27] موسى، إبراهيم نمر، صوت الهوية والتراث، مرجع سابق، ص 76.

[28] عبيد الله، محمد، حوار مع الشاعر عز الدين المناصرة، المجلة الثقافية، ص64.

[29] المناصرة، عز الدين، الأعمال الكاملة، مصدر سابق، ص398.

[30] الحسين، قصي، الموت والحياة في شعر المقاومة، بيروت: دار الرائد، د.ت، ص284.

[31] أبو زيد، شوقي، المصادر التراثية في الشعر الفلسطيني في النصف الثاني من القرن العشرين، رسالة دكتوراة غير منشورة، عمان: الجامعة الأردنية، 1995، ص75.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الملفات المرفقة

د. بنان -تعديل أولي.doc
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website