الإذاعات الفلسطينية ودورها الكفاحي - نبيل عمرو - عدد 248

الإذاعات الفلسطينية ودورها الكفاحي

نبيل عمرو·

هذه الشهادة مستقاة من كتاب أصدره الكاتب بعنوان "أيام الحب والحصار" نيقوسيا، 1982، سجل فيه وقائع عمله في الإذاعة، أثناء العدوان الإسرائيلي على لبنان، صيف 1982.

"إنّ الثوري الحقيقي مقود بمشاعر حب عظيمة"، هذه كلمات للقائد الثوري العظيم الشهيد ارنستو تشي جيفارا.. ولقد أدركت صدق المعاني التي تنطوي عليها هذه الكلمات أثناء التجربة الكبرى في بيروت، حيث لم أكن أجد أي تفسير للعديد من الظواهر الفذة النادرة، سوى الحب.. الذي تمتلئ به نفوس الثوار. فيقاتلون بدافع منه حتى الاستشهاد.

ولقد أدركت كم هم ثوريون أولئك الذين شاءت الأقدار أن أعمل معهم في إذاعة "صوت فلسطين صوت الثورة الفلسطينية". لنجتاز معاً أياماً عاصفة خطرة، ولنضع معاً تحت جحيم هذه الأيام تجربة بالغة الأهمية، فيها تجليات إنسانية وإبداعية متميزة، رأيت أن أحاول تسجيل ومضات منها على صفحات هذا الكتاب.

لقد كانت تجربة غنية.. لا أستطيع الزعم بقدرتي على تسجيلها من كافة جوانبها ووجوهها، وكل ما هو مطبوع على صفحات هذا الكتاب.. هو استرجاع من الذاكرة لصور حية ما أظن أنها يمكن أن تمحى يوماً... وإنني الآن –في هذه اللحظات التي أكتب فيها مقدمة كتابي هذا- أتذكر أنني في كثير من المواقف الصعبة أو المثيرة رجوت الله أن أعيش.. ليس رغبة زائدة في الحياة.. مع أن مثل هذه الرغبة غريزية ومشروعة- ولكن من أجل أن تتاح لي إمكانية تسجيل هذه المواقف.. أو إمكانية أن أكون واحداً من شهود التاريخ. وحين بدأت الكتابة.. تركت نفسي على سجيتها.. وسكبت من ذاكرتي بعض ما هو محفور فيها بعمق فلم أتوقف عند تحديدات زمنية أو مكانية فلست مؤرخاً يسعى إلى توثيق مرحلة زمنية حفلت بأحداث كبيرة.. فما أنا إلا إنسان يحاول أن يرصد نبض تجربة إنسانية يتداخل فيها الحب مع الخطر.. والأمل مع اليأس.. والنجاح مع الإحباط.

"نِعَمْ فارس" .. تملأ صباحنا بالبهجة والأمل والثقة.. توزع ابتسامتها الجميلة على كل الزملاء وتطير مثل الفراشة إلى مواقع المقاتلين.. وبعد أن تغادرنا بساعات قليلة.. يأتي من يقول لنا.. لقد تمزق جسد نِعم بفعل قذيفة مباشرة.

تتوقف أقلامنا عن الكتابة.. ننفجر بالبكاء.. نمسح دموعنا ونعود لنكتب من جديد.. وفي داخلنا حارس لا يكف عن تذكيرنا.. بأنه ليس من حقنا أن نتمادى في الحزن.. لأننا نكتب للناس.. ونتحدث للناس.. ومهمتنا أن نبقي على نافذة الأمل مشرعة حتى النهاية.

أجل..

ليس من حقنا أن نتمادى في الحزن، فلسنا نكتب مذكرات شخصية، ولكن من واجبنا أن نتمادى في الحب والألم، هذه معادلتنا في العمل والحياة داخل ذلك البيت الصغير الذي اسمه الإذاعة.. وكلمة الأمل هنا تبدو كما لو أنها مجرد إنشاء.. فمن أين تأتي بمسوغات الأمل.. حين يكتمل الحصار حول بيروت.. وننظر للبحر، فلا نرى غير البوارج الإسرائيلية وننظر للسماء فلا نرى غير الطائرات الإسرائيلية.. وننظر للجبل فلا نرى غير مئات فوهات المدافع وراجمات الصواريخ مصوبة نحونا..

كنا نفتش بصعوبة عن أي مصدر للأمل.. فمنذ الأيام الأولى قررنا في الإذاعة أن نبتعد بمستمعينا عن منزلق الحسابات العادية التي تقود إلى اليأس.. وشرعنا في تعبئة الجمهور والمقاتلين نحو أهداف واقعية.." إطالة أمد المعركة.. وإيقاع أكبر قدر من الخسائر في صفوف الأعداء.. وهذه أهداف واقعية ممكنة.. ولقد تم تحقيقها.. وحين زارنا ياسر عرفات للمرة الأولى واجتمع بمعظم كادر الإذاعة لمدة ثلاث ساعات.. دار حوار غني على ضوء الشموع حول فكرة واحدة وهي.. ما هو أفق معركتنا.. وكانت وجهة نظر عرفات في هذه المسألة بالغة البساطة والعمق..

"لقد قررنا الصمود والمواجهة.. ورفضنا عروضاً للخروج سالمين تحت راية الصليب الأحمر.. لسببين رئيسيين.. الأول: سياسي.. من واقع إدراكنا أن حرب لبنان يجب أن لا تكون آخر المطاف في مسيرة الثورة.. وإنما يجب أن تتحول إلى محطة على الطريق.. لذا يجب أن تطول هذه الحرب.. حتى يدفع العدو ثمناً باهظاً.. وتتفاقم تفاعلات هذه الحرب على نحو خطير داخل المجتمع الإسرائيلي.. وذلك سيشكل مناخاً جيداً لاستئناف الصراع والاستمرار فيه..

أما السبب الثاني .. وهو معنوي.. من واجب هذه الثورة أن تقدم لشعبها الذي ينوء تحت أثقال التآمر والتواطؤ والخذلان زاداً معنوياً من البطولة المتفردة تتغذى عليه الأجيال وتستمد منه حوافز للمواصلة، فمهما يحل بنا نتيجة هذه الحرب القاسية، (وهي على كل حال مفروضة علينا) فإن ما سنجنيه من الصمود سيكون كبيراً.

كانت المعادلة واضحة بالنسبة لنا.. وبالتالي لم نخطئ (حسب اعتقادي) في مخاطبة الناس ضمن حدود واقعية.. وكان جهدنا ينصب حول هدف مركزي.. وهو إقناع الناس بأن صمودهم له معناه السياسي والأخلاقي الكبير.. وأنه الخيار الوحيد الذي يجنب الوطن والشعب أخطاراً مصيرية.. ولقد نجحنا في ذلك إلى حد بعيد.. وظلت نوافذ الأمل مفتوحة في جدار الحصار، وأدركنا بوعي أن الأمل لم يكن مصطنعاً حتى لو بدا لنا في لحظة ما أنه كذلك.

* * * *

مرة واحدة اتصل بي جنرال الثورة سعد صايل (أبو الوليد) حيث أصدر لي تعليمات بإذاعة خبر هام يتعلق بلقائه مع أحد الأخوة الإيرانيين لا أذكر اسمه.. ولكن صفته ملفتة للنظر فهو قائد لواء محمد رسول الله. وأبلغني أبو الوليد أن أضع في الخبر عبارة بالغة الأهمية وهي أنه دارَ في اللقاء تدارس السبل التي تتيح للمتطوعين الإيرانيين المشاركة في معركة الدفاع عن لبنان وفلسطين والأمة الإسلامية.. وأضفت على الخبر تصريحاً لأحد قادة الثورة الإسلامية في إيران أعلن فيه أنه بصدد جمع مائة ألف متطوع للزحف بهم نحو لبنان لنصرة المظلومين ضحايا العدوان من اللبنانيين والفلسطينيين.. ثم أتبعنا هذا الخبر بتعليق أذكر أنه بدأ بعبارة أهلاً بالأشقاء الأوفياء.. أهلاً بفرسان الثورة الإسلامية.. أهلاً بأبناء الخميني.. أهلاً بأحفاد علي والحسين.. أهلاً بمن يجسدون الثورة الحقيقية.. الخ. لقد كان هذا الخبر هو خبر بيروت كلها في ذلك اليوم حتى أن كثيرين بدأوا يتحدثون عن ذلك الخلل الكبير الذي سيصيب ميزان القوى وسيكون في غير صالح الأعداء.. امتلأت نفوسنا بالأمل، غير أننا نسينا الموضوع برمته خلال أيام قليلة.. وحين كنا نشهد انتحار أمل ما.. كنا نحس بالأسى غير أننا كنا نتذكر كلمات قالها لنا ياسر عرفات بأسلوب شاعري مؤثر.. "إننا نراهن على أنفسنا بدمنا.. فهو أساس رصيدنا"!.

كانت الإذاعة بمثابة إعلان يومي عن أن الثورة بكل ما تعني مستمرة.. ولقد حاول الإسرائيليون باستماتة ظاهرة تدمير الإذاعة.. نجحوا في المرة الأولى حين كانت إذاعتنا الرئيسية توجه إرسالها من مرتفع سيروب قرب صيدا. غير أنهم لم يتمكنوا منا طيلة فترة البث على الإذاعة الاحتياطية المتنقلة، وبعد الخروج من بيروت قرأت في إحدى الصحف العربية تصريحات لقادة عسكريين إسرائيليين تفيد بأن إذاعة صوت فلسطين، كانت على رأس أولويات الأهداف المسجلة على لوحة مهمات الطائرات الإسرائيلية.. وحين قرأت الخبر استرجعت من الذاكرة وقائع ذلك اليوم الذي سقط فيه حول الإذاعة وعلى أبوابها عشرات القذائف المدمرة.. لقد كنا آنذاك في قبو يقع خلف السفارة الأردنية.. كان التركيز واضحاً على تلك النقطة رغم عدم وجود أي هدف عسكري هناك.. ولقد نجونا من الموت بمحض المصادفة، وأغلب الظن أن الإسرائيليين تأكدوا من وجودنا في ذلك المكان.. لأنهم استمعوا مثلنا إلى أصوات الانفجارات تصاحب صوت المذيع، وفي تلك اللحظات.. قررنا أنا وزميلي طاهر أن ننقل الإذاعة على الفور إلى مكان آخر مستغلين فترة التوقف عند الظهيرة.. غير أن المهندسين عارضوا فكرتنا واقترحوا أن يتم النقل في الليل.. حدث ذلك، وقد فوجئ معظم العاملين في الإذاعة بالانتقال إلى المقر الجديد.. وصار بوسعنا أن نسخر من الإسرائيليين الذين واصلوا قصف الموقع القديم دون أن يسمعوا هذه المرة صوت قذائفهم.

لقد انتقلت إذاعتنا خمس مرات طيلة ثلاثة أشهر، وكم كانوا رائعين أولئك المهندسين الشبان جهاد، ثائر، رياض، أحمد حسن، أبو حسين، الذين ما كانوا يفرغون من تركيب معدات البث في موقع جديد.. حتى ينتشروا جميعاً في أرجاء بيروت بحثاً عن الموقع القادم.. وحين كان مطر القذائف ينهمر على بيروت لم تكن تشاهد سواهم فوق أسطح العمارات يمدون هوائياً احتياطياً.. أو يستكشفون ارتفاعاً مناسباً لنصب معداتهم..

* * * *

الإذاعة محببة حين يلتقطها المواطن من جهاز الراديو.. ويستمع فيها إلى أغنية جميلة.. أو خبر جديد أو تحليل ذكي وصادق للموقف السياسي.. ولكن حين يعرف المواطن أن الإذاعة تنطلق من شقة مجاورة أو من قبو العمارة التي يسكنها.. ففي تلك الحالة لا بد من شيء من الخوف والقلق.. فالإذاعة تدعو الطائرات للقصف؛ لذا.. وبينما كنا ننتقل من مكان لآخر.. كنا نواجه مواقف صعبة من الجيران الجدد.. حتى أن بعضهم كان يحمل أولاده ويقدمهم لنا قائلاً بقدر من الحرقة والمرارة والاستعطاف.. انظروا.. ما ذنب هؤلاء حتى يسحقوا تحت القذائف.. كنا نعرف بأن هؤلاء الناس محقون في موقفهم.. وأن مخاوفهم مبررة.. غير أننا لا نستطيع وقف الإذاعة لمجرد هذا السبب –رغم وجاهته- ومع ذلك كنا نحاور الجيران.. ونحاول تطمينهم إلى أن الإذاعة المستهدفة موجودة في مكان آخر وأن كل ما يجري في هذا المكان هو مجرد إعداد للبرامج والأخبار، وعلى مضض كان الجيران يستسلمون لوجهة نظرنا.. وإنني أرى من واجبي وإنصافاً للحقيقة أن أسجل لأهلنا من اللبنانيين.. خصائص يتميزون بها.. وهي الحميّة والكرم والتمسّك بالتقاليد الأخلاقية الأصيلة، فحين كان المواطنون يبدون مخاوفهم المشروعة من وجود الإذاعة قرب منازلهم.. لم ينسوا لحظة واحدة واجباتهم كجيران يقدمون القهوة للضيوف الجدد.. ليبدأوا بعد ذلك التفاعل الإنساني العميق وتنشأ الصداقات الحميمة التي ما زالت كلها في حياتنا وليس فقط في ذكرياتنا..

من هم هؤلاء البشر الذين يحتشدون في غرفة ضيقة ويصنعون معزوفة يومية مدتها ستة عشر ساعة، وكل واحد منهم يدرك بوعي عميق أنه في ظرفٍ، الموت فيه هو القاعدة والحياة هي الاستثناء، والنجاة بمحض الصدفة. إنهم مجموعة من الأشخاص؛ رجال ونساء.. منهم من جاء من صلب حركة فتح، ومنهم من ينتمي إلى حزب سياسي يساري، ومنهم من يعتنق الفكرة القومية، ولكنهم جميعاً في حصار بيروت.. وجدوا أنفسهم ينتمون إلى حزب جديد هو حزب المصير المشترك.. لقد ذابت الحواجز التي كانت في الظروف العادية أشبه بقلاع من الفولاذ.. وتلاشت المسافات التي كانت تفصل بين الجذريين والبراغماتيّين، وصار بوسعنا جميعاً أن نتحاور بهدوء.. بعيداً عن التشنج والتعصب الذي كان سيّد حواراتنا ونحن نعيش في جزر الاسترخاء التي كنا نجدها بين وقت وآخر.

* * * *

كان يوسف القزاز وصالح هواش.. هما المذيعان المناوبان للفترة الصباحية التي كنا نبدأها عند السابعة وتستمر حتى الحادية عشرة.. ومع أن يوسف كان متسلحاً بتجربة ثماني سنوات من العمل الإذاعي المتواصل ومعظم تجربته كانت في زمن الحرب، إلا أنه كان بحاجة لمن يذكره بأهمية القراءة الهادئة حتى في ظل القصف الشديد.. فوجدانيات السربيوني وأمجد وقصائدهما، لا يمكن قراءتها بنفس الطريقة التي تقرأ بها تعليقات طاهر وميشيل.. فكان سريع الاستجابة، وقد أدى دوره بكفاءة عالية.. ولا بد لي هنا أن أذكر ما رواه أحد الزملاء حينما كان يتحدث يوسف عن انطباعه فيما لو أن الدبابات الصهيونية وصلت باب الإذاعة.. وقد رد على الفور بأننا سنخرج "بكلاشناتنا" ونقاتل حتى آخر قطرة دم.. أما صالح الذي لم يكن قد أنهى بعد "تدريبه الإذاعي" فقد كان كثير الأخطاء.. ولكنه كان يتمتع بصوت هادئ وواثق.. يعتمد عليه وعلى زميله الأكثر تجربة في النهوض بالفترة الصباحية وانتقاء المواد الملائمة التي غالباً ما كانت تتجمع في المساء.

وحينما تعمل إذاعة كإذاعتنا لفترة أطول مما كان معتاداً فإن مشاكل يومية مستجدة لا بد أن تنشأ.. وهنا تبرز القدرات المتميزة في التعامل مع المشاكل والمفاجآت، ولقد حدث في أحد الأيام أن حضر يوسف وصالح لتنفيذ الفترة الصباحية، ولم يحضر المهندس المناوب بسبب انشغاله في نقل أسرته من منزله المصاب إلى مكان أكثر أمناً، وقد تصرف يوسف إزاء هذا الوضع على نحو جيد.. حيث كلف مهندس الإرسال بتشغيل الاستوديو والتنقل بينه وبين جهاز البث.. ووجه نداء عبر الإذاعة دعا فيه كافة المهندسين إلى الحضور للموقع، وقد استمع طاهر العدوان إلى هذا النداء.. فانتابه قلق شديد.. فتوجه على الفور إلى الموقع ليجد معظم المهندسين، فعقد اجتماعاً سريعاً وزّع فيه المهام بشكل أكثر دقة من السابق، وكلف المذيعين على سبيل الاحتياط بالتدرب على التشغيل، ومنذ ذلك الاجتماع لم تصادفنا سوى مشكلة كبيرة سآتي على ذكرها.. هل هذا الملجأ يكفي لاتقاء غارات الطيران؟؟ كان هذا السؤال يطرح على نحو يومي بل في كل ساعة.. ولم تكن الإجابة ممكنة عبر اللجوء إلى خبير عسكري أو خبير في الإنشاءات.. ذلك أن مفاجآت الطيران الإسرائيلي لم تدع مكاناً آمناً في لبنان كله.. ورغم ذلك لا بد من إيجاد جواب يبعد شبح الخوف والارتباك ويؤمن استمرار عمل الإذاعة.

كان تركيزنا على الإذاعة البديلة وليد إحساس مسؤول بحتمية ألا نجد أنفسنا في أية لحظة بلا إذاعة.. ولقد وفّقنا في تجهيز بديل آمن نسبياً.. وأعتقد أنه لا يجوز لي في هذه المرحلة على الأقل أن أسرد المزيد من التفاصيل، ولكن في الإطار العام يمكن القول أنّ أهم محطاتنا – 20- كيلوات وضعت في مكان يصعب اكتشافه وتوصلنا إلى نظام عمل يضمن استمرار الإذاعة حتى لو قصف الموقع (95) الذي ظل آمناً بالصدفة حتى منتصف الحرب.

وموقع (95) الذي هو عبارة عن ملجأ ضيق يستخدم كمخزن للحطب يكمن تحت عمارة مؤلفة من ستة طوابق كانت خالية تماماً من السكان.. شهد صوراً إنسانية عميقة الأبعاد، ولقد ضمت غرفته الرطبة والضيقة الأشبه بالممرات مجتمعاً صغيراً.. نشأت بين أعضائه علاقات استثنائية، فيها حب عميق وألم مشترك، وانتظار جماعي لمصير مجهول منه أن تنهار البناية على الجميع.. نعم الجميع بدون استثناء، ولقد احتدم جدل سياسي بين أمجد ناصر الشاعر الأردني المقاتل ويعقوب شاهين الذي تواجد معنا، لأن الحرب بدأت قبل أن يغادر إلى مقر عمله في إذاعتنا بالجزائر.. وقد احتدم النقاش ليصل حافة الاشتباك العنيف، وقد تبادلا "عبارات انتقادية قاسية" كنت أراقب المشاجرة السياسية العنيفة.. وأنا أسمع.. رغم وجودنا في الملجأ أصوات الانفجارات الضخمة حولنا.. غير أن الأخ ميشيل النمري –الصحافي المعروف- استغرب برود أعصابي.. وبادرني بلهجة قاسية صارخاً في وجهي يا رجل هل أنت مسؤول الإذاعة أم مجرد متفرج على ما يحدث؟

أجبته ببرود استفزازي.. الآن إنني متفرج.. وساد الصمت قرابة دقيقة.. ثم دعوت أمجد ويعقوب للجلوس.. ولاحظت أن الجميع يراقب عملية حل المشكلة باهتمام بالغ.. لا أذكر ما الذي قلته في تلك اللحظات، ولكني أجزم أنّ الاثنين أحسّا بفداحة الخطأ.. ولقد عرفت ذلك حين التصق يعقوب وأمجد في عناق طويل، وانصرف كل منهما إلى عمله بهدوء وضمير مرتاح.

كانت "نِعم". هي الفتاة الوحيدة بيننا.. في تلك الفترة .. ولا زلت أذكر تلك التحية النابعة من القلب التي وجهها لها أحد الإخوة عبر صوت فلسطين.. والتي هنأته عليها، وأذكر أنه كان يشير دون أن يسميها، للدفء الإنساني الذي يشيعه وجودها.. والتي ختمها بهذه العبارة "ما أروع حضورك بيننا"، كانت الوحيدة قبل أن تنضم سلوى العمد إلى أسرة الإذاعة.. ونِعم فارس فتاة لبنانية جنوبية من قرية شحور.. تفيض جمالاً وعذوبة.. كالفراشة كانت تنتقل بين الاستوديو وغرفة التحرير والهندسة.. كانت مذيعة متمرنة.. تعيد قراءة مادتها مرات عدة وبلهفة قبل أن تسجلها.. أما الآن، وبدافع من التحدي، فهي تواجه جمهورها على الهواء مباشرة، وقد كان أداؤها رائعاً.

لم تكن في وضع يسمح لنا أن نناقش أفكارها المتدفقة حول ضرورة التطوير حتى في ظل الحصار.. فلقد كنا جميعاً نعرف أنها حديثة العهد، وكل حديثي العهد يملكون طموحات كبيرة قد تصل حد الخيال.. وحدث أن واجهتني "نِعم" في أحد الممرات الضيقة في الموقع (95) لتقول لي بكل ما لديها من رقة وعذوبة وتهذيب: "هل تسمح لي يا أخ نبيل باجتماع عمل لمدة خمس دقائق؟؟".

قلت لها حسناً لنعتبر أنفسنا من اللحظة في اجتماع عمل.. لاحظت سعادة غامرة تملأ وجه "نِعم" المذيعة المتدربة التي أتيحت لها فرصة مناقشة وضع الإذاعة كلها.. وشرعت "نعم" في سرد أفكارها على مدى ربع ساعة.. لقد كنت مخطئاً في تقدير قدراتها الإبداعية.. وما زالت كلماتها عالقة في ذهني حتى الآن، "أعرف أننا نمر الآن في ظروف صعبة.. وأن الموت يحيط بنا من كل جانب.. ولكن مقياس الالتزام لا يتحدد على نحو دقيق، إلا في مثل هذه الظروف، لذا فإنني اقترح –أخ نبيل- أن ندخل أنماطاً جديدة في عملنا الإذاعي.. فلماذا لا يكون عندنا مسلسل يومي من واقع الحرب؟ لماذا لا يكون نصف عملنا خارج الاستوديو.. ولماذا لا ننتج أغنيات جديدة.. أعرف أنك ستلوذ بذريعة عدم توفر الإمكانات الكافية –واسمح لي في هذه النقطة- أن أتحداك.. وأتعهد بإنجاز كل هذه الأفكار ضمن الإمكانات المتوفرة"

– همست في داخلي وكأنني أقول.. أنّى لي أن أكبح جماح هذا الطموح النبيل.. أخرَجَت "نعم" بضع أوراق مكتوبة وقالت هذه خطة عملي.. وسأبدأ بتنفيذها من اليوم.

المسلسل اليومي "سلّي صيامك"..وهذه ثلاث حلقات جاهزة من تأليف الروائي غالب هلسة.. وهذه خطة لتنفيذ التسجيلات الخارجية في المواقع المتقدمة. وهذه خطة لأعداد الأغنيات الجديدة.

واعترفت بهزيمتي أمام الفراشة.. حين سمعت ومعي بيروت ثلاثين حلقة من برنامج "سلّي صيامك"، واستمعت إلى أكثر من مئة تسجيل في المواقع المتقدمة.. كانت الموسيقى التصويرية فيها انفجارات القنابل.. وانقضاض الطائرات المغيرة.. ورشقات جميع أنواع الأسلحة وضحكتها الأليفة، التي لم تغب في زحمة القذائف والموت.. أما الأغنيات الجديدة –وهي قمة نجاح نعم- فقد سجلتها من مواقع المقاتلين أثناء زيارتها لهم بصحبة الفنانين المصريين عدلي فخري وزين العابدين فؤاد وأبرز هذه الأغاني "من صبرا للمنارة".. "على بوابات بيروت"، و"لسّا السلاح يمّا معي".. و"ليش أخاف من الحصار"، التي جرت كالتعويذة على جميع الألسنة ومنها:

لسّا السلاح يمّا معي         وليش أخاف من الحصار

هي قلبي طلقة بمدفعي      وعظمي حربة ودمّي نار        

رفقاتي سبعة بالكمين        صرختهم تزلزل جبل

ولو صحت يمّا العزوه       يلبي صوتك مية بطل

لم تطوِ الأيام حكاية "نِعم"، ولم يكن حديثها عن مقياس الالتزام في الظروف الصعبة مجرّد كلام تعلمته من الكتب، أو علق على أطراف ذاكرتها من خلال جلسات التنظير التي تضج بها ساحتنا في السلم، وإنما كانت تعبيراً نابضاً، عن أرقى درجات الوعي في عقل وقلب الكادر الملتزم. لم تكن "نعم" مراهقة سياسية، ولا حالمة مترفة تتوارد الأفكار في عقلها كتوارد الأفكار في مخيلة فتاة جميلة لا علاقة لها بالدنيا سوى التلذذ بخيالاتها وأوهامها. لقد كانت "نعم" عضواً في حركة فتح.. كانت تحلم بالمسرح وأنجزت على خشبته عملاً ثورياً يمكن اعتباره محاولة طموحة وجادة، وكانت تحلم بدور شعبي مؤثر.. فتدربت على السلاح وعاشت نبض الجماهير في حيها الوطني العريق "الشيّاح".. كانت تحلم بفلسطين لتدفع الأذى عن لبنان.. وقبل أن تسقط شهيدة.. تصادف أن التقت بالقائد أبو عمار على باب الإذاعة لتُودِع وصيّتها الأخيرة "أخ أبو عمار.. إنني أحمل إليك هدية من حيّ السلم.. هل تسمح بأن أقدّمها لك لقائد المعركة.. لم تكن الهدية وردة.. لقد قدمت له قبلة على كتفه المثقل بالهموم.. وأجهش الاثنان – القائد والشهيدة- في بكاء حار.

نعم.. لقد استشهدت "نِعم"، لقد ودّعت أبا عمّار كما تودّع النحلة شجرة الورد.. فرشفت من رحيقها بعض قطرات حلوة.. لتغط في نوم عميق وأبدي..

لقد دفنت "نِعم" أو ما تبقى من جسدها النضر الشهيد، تحت كومة من تراب وشظايا ودموع. وحين ذهبنا لزيارة ضريحها في الشيّاح قال لنا أحد الشباب: "برغم كثافة الموت وسعار القذائف من كل نوع.. لقد تمت عملية الدفن بما يليق بشهيدة غالية، وزرعت على هذا الضريح شجرة، وكتبت على شاهد القبر "هنا ترقد المناضلة "نِعم فارس".


· عضو المجلس المركزي لـ م.ت.ف، مدير إذاعة صوت فلسطين 1974-1986.

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2017
Track visitors of website