البيئة الاجتماعية في القدس، نادية حرحش، العدد 265

البيئة الاجتماعية في القدس

نادية حرحش[*]

 

1-النسيج الاجتماعي

هو مفهوم استدلالي يعكس شبكة العلاقات الاجتماعية في المجتمع من العادات والتقاليد والأعراف والسلوكيات العامة والأخلاقية التي تسود مجتمعاً معيناً وتنتقل من جيل إلى آخر. وبشكل عام فإن مكونات النسيج الاجتماعي تتأثر عادة بمجموعة عناصر وظروف، لعل أهمها: الدين والمعتقدات والبيئة أو الحاضنة الاجتماعية (البوتقة)، التي تعمل في وسطها هذه المنظومة، والتطور المجتمعي الذي يحدث أو يتم بين فترة وأخرى بفعل التقدم التكنولوجي والصناعي في المجتمع والعالم، بالإضافة إلى تبادل العلاقات مع الشعوب الأخرى، مما ينتج عنه إحلال أو استبدال وأحيانا إلغاء لبعض العادات والعلاقات والمفاهيم والسلوكيات بحكم الثقافات المختلفة السائدة بين الحضارات والأمم والشعوب.

فالنسيج الاجتماعي لمجتمع زراعي بدائي يختلف عنه في مجتمع صناعي متقدم، وكلاهما يختلفان عن مجتمع يغلب عليه التوجه الديني. فالمناسبات الاجتماعية المختلفة، كإجراءات الزواج والطلاق، والأعياد والطقوس، والأفراح والأحزان، ونظام العمل والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، والسلوكيات اليومية لأفراد المجتمع وتأثير العشيرة على البنيان الاجتماعي، وحتى نظام وعادات إعداد الولائم والضيافة وأساليب البيع والشراء، والتكاتف والتعاضد في أوقات الشدائد بما فيها محتوى منظومة التعليم، كلها تشكل ما يعرف بالبيئة الاجتماعية. وبطبيعة الحال فإن المجتمعات تتكون من جماعات صغيرة متجانسة من حيث اللغة والدين والقومية وتقارب العادات والسلوكيات. وفي العادة فإن المجتمعات تتميز بتركيبتها بالتناسب مع حجمها وطبيعتها فيما إذا كانت مدنية أو ريفية أو بدوية، أو بصفتها التجارية والصناعية والخدماتية، وعليه فإنها تخضع، كما يصفها ابن خلدون، إلى ما يمكن وصفه بالظواهر الكونية التي تسير وفق قوانين معينة، مما يترتب عليه خضوع هذه الظواهر إلى قواعد تحكمها وتسير بمقتضاها. فأصبح علم الاجتماع مع مرور الزمن حقلا من حقول العلوم الوضعية وخضع لشروطها.

المجتمع الفلسطيني بتركيبته يتسم بالبساطة وعدم التعقيد بسبب وسائل وعوامل الإنتاج المستخدمة؛ كونه مجتمعاً صغيراً بالمقارنة بغيره حيث تغلب عليه خصائص وصفات ما دون المدنية (الريف) بفضل خصوبة الأراضي واعتماد السكان على الزراعة سابقا، مما أدى إلى تميز المجتمع بالضبط والتماسك الاجتماعي وأهمية الروابط والعلاقات الاجتماعية وسيطرة الجد أو الأب أو الأخ الأكبر على الأسرة بشكل عام. إلا أن التطورات والتحولات السياسية والاقتصادية والتطور العلمي والاحتكاك مع الشعوب والتعليم وتراجع الأمية، وفوق هذا كله وجود الاحتلال الإسرائيلي، أدت كلها إلى تداخل هذه المظاهر وضعف بعضها وتآكلها واستبدالها بأخرى. وقد جاء ذلك استجابة طبيعية وضرورية لمجمل التغيرات ذات الدلالة التي حدثت على بنية المجتمع المقدسي وخاصة الهجرة من المدن والقرى والمخيمات. وكان من الطبيعي أن يؤدي ذلك لتغيير محاور أو مراكز صنع القرار والقوة معا في المجتمع القائم أصلا على العصبية والعشيرة التي تمتد بصلة الدم والمصاهرة والجوار والولاء الخ. مما غيَر، تدريجيا في شأن النسيج الاجتماعي في مدينة القدس وطبيعة الحياة فيها وتغيرت مطالب السكان وتصرفاتهم الأخلاقية مما أثر بدوره على التركيبة الاجتماعية. فالبيئة الاجتماعية أثرت على منظومة العلاقات التي تحكم المجتمع الفلسطيني وخاصة لجهة العادات والتقاليد والقيم التي تم توارثها عبر المحطات والمفاصل التاريخية التي تأثرت وأثرت في الجاليات المختلفة التي صاحبت التطور التاريخي للمدينة. مما أدى إلى تطور التقسيمات الطبقية في المجتمع الفلسطيني التي بدأت بالظهور مع الدولة العثمانية بتقسيم المجتمع إلى شرفاء وإقطاعيين وعمال وفلاحين. نالت هذه الطبقات نصيبها في التغير والتحول عبر التاريخ السياسي والاجتماعي الفلسطيني بشكل عام والمقدسي على وجه الخصوص.

- تطور النسيج الاجتماعي في القدس حتى نهاية فترة الانتداب البريطاني

اكتسبت القدس مكانة دينية واقتصادية واجتماعية عبر العصور المختلفة، مع الإبقاء على الطابع المحافظ للموروث الديني والمقدس للديانات المختلفة، على الرغم من الصراعات السياسية المريرة الذي شهدتها المدينة على مر العصور.

فالقدس كانت ملهمة الدولة البيزنطية بعهد قسطنطين في القرن الثالث للميلاد، عندما حقق رؤية والدته هيلانا للجلجلة وقيام المسيح، فأصبحت كنيسة القيامة منذ تلك اللحظة مهد الدين المسيحي كما نعرفه اليوم. حيث شهدت الحقبة البيزنطية تحولا دينيا إلى العقيدة المسيحية في الفترة الرومانية، التي كانت تعتنق الوثنية.

كان الصدام قد وصل ذروته بين الوثنيين والمسيحيين في عهد الإمبراطور مكسيمينوس، وبعد وفاته وتولي قسطنطين الأمر سنة (325م) أوقف الاضطهاد ضد المسيحيين، فقد وحد قسطنطين الإمبراطورية الرومانية المنشقة، وكانت فلسطين آنذاك تحت حكم المملكة الرومانية الشرقية التي كانت تسمى بالدولة البيزنطية.

أما المسلمون، فقد ارتبطت علاقتهم بالقدس منذ العقود الأولى للإسلام عندما فتحها خليفة المسلمين الثاني عمر بن الخطاب. وبدأت معه أولى حملات الهجرة الإسلامية المتمثلة بعائلات أصبحت مقدسية ارتبط اسمها بالمدينة منذ ذلك الزمن.

لعله من الملاحظ للباحث، أن القدس كانت محطة أو مركزا مهما لاستقطاب التحولات في الفكر الديني، فعندما احتاج إمبراطور بيزنطة تغيير توجه عقيدة الشعوب من الوثنية إلى الدين المسيحي، جعل من القدس وجهته. وعندما أرادت الخلافة الأموية بسط نفوذها وسيطرتها على المنطقة اتجهت نحو القدس. حيث أمر كل خليفة بما لديه من نفوذ ومال للبناء فيها في مجال العمارة وخاصة الدينية منها بالإضافة إلى إعطائها أهميتها التجارية ومركزها الإستراتيجي بين المدن. فالحراك نحو القدس في الزمنين على الرغم من اتسامه بالطابع الديني المباشر إلا أنه كان حراكا سياسيا من الطراز الأول. والملاحظ أنه في الحالتين جاء ليحرك نصاب العيون من مكان إلى آخر.

والطابع الاجتماعي بلا أدنى شك يتأثر بالتحولات المصاحبة والمرافقة لما سبق. لقد استقطبت المدينة المؤمنين الوافدين إليها من كافة الأقطار. فكان استقطابا واستيعابا واستقرارا للجاليات المختلفة التي جاءت مع الفتوحات والحروب المختلفة وخاصة بعد أن حررها صلاح الدين الأيوبي عام 1187 ميلادية. وقد وفد القدس عدة جاليات إفريقية وآسيوية ولعل أبرزها المغربية والأفغانية والهندية والحبشية والأرمينية والأقباط والسريان والدوم ويطلق عليهم (الغجر أو النور باللغة العامية) وكل جالية تحمل معها قصة أصولها واستقرارها في القدس. فالجالية الإفريقية على سبيل المثال، والتي اشتهرت المنطقة التي يسكنون فيها باسم "حبس العبيد". جاءت مع محمد علي باشا والي مصر، من دول إفريقية عدة كنيجيريا والسودان والتشاد. وكغيرها من الجاليات كانت جزءا من الهجرات التي قدمت مع الفتوحات الإسلامية الأولى.

ويبقى في الذاكرة الفلسطينية الجالية المغربية التي كان لها حي كامل لا يزال يحمل اسمها على الرغم من إبادة الاحتلال الإسرائيلي له مساء احتلال القدس في أوائل حزيران (يونيو) 1967. فكان هذا الحي الواقع غرب المسجد الأقصى والشامل للعديد من المباني الأثرية العائدة للفترة الأيوبية والمملوكية والعثمانية. قامت قوات الاحتلال الإسرائيلية بتدميره بالكامل ومسحه تماما، وأضافته إلى ساحة البراق والتي تطلق عليها إسرائيل (المبكى). والجالية المغربية كانت إحدى الجاليات التي أتت القدس مع فتوحات صلاح الدين الأيوبي وحاربت معه. أما الجاليات المسيحية فهي من جماعات عرقية ورهبانيات مختلفة لها أهمية وتواجد واضح. يؤكد الدكتور برنارد سابيلا على هذا الامتداد فيقول: "السريان يرتبطون بالقدس منذ نشوء المسيحية وللأرمن حي خاص بهم وقد وفد الحجاج الأرمن للأرض المقدسة منذ القرن الرابع للميلاد حيث تنصرت أرمينيا آنذاك وكانت من أوائل البلدان التي تنصرت. كما وللأقباط والأحباش تاريخ طويل من التواجد في القدس وكان آلاف الحجاج منهم يأتون إليها متبركين وبخاصة في أعياد الفصح المجيد. وأما الكنيسة الرومانية الأرثوذكسية فإنها الكنيسة الأم لكنائس القدس وإليها ينسب البطريرك صفرونيوس والذي سلم مفاتيح المدينة للخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وهناك الكنيسة اللاتينية وحراسة الأراضي المقدسة للرهبنة الفرنسيسكانية والتي تقوم بالعناية بالأماكن المقدسة المسيحية على أتم وجه. كما توجد الكنيسة الإنجيلية الأنجليكانية والإنجيلية اللوثرية واللتان تعودان للقرن التاسع عشر بالإضافة لكنيسة الروم الكاثوليك والتي تعود للقرن الثامن عشر. ويجب التأكيد على أن المسيحيين الذين ينتمون لهذه الكنائس والجماعات هم بأغلبيتهم العظمى من الفلسطينيين الذين ارتبطوا بالقدس ولغتهم وقوميتهم العربية. وانتماؤهم أسوة بإخوتهم من المسلمين لفلسطين وقضيتها"[1].

الجاليات والجماعات الدينية والقومية والتي تتواجد في القدس كثيرة ومتعددة أضافت لنسيج القدس الاجتماعي والسكاني تفاعلا ومزيجا حضاريا ودينيا حيث "تمتزج دعوة المؤذن للصلاة بأجراس الكنائس ويلتقي علماء الدين الإسلامي بإخوانهم المسيحيين في مشروع حياة مشتركة وإرادة لتأكيد البقاء والاستمرار رغم الاحتلال والمعوقات والإجراءات التي تهدف لتهميش المقدسيين وللسيطرة عليهم وإخضاعهم."[2] فلكل جالية طابع ثقافي وإثني عرقي يميزه في الكثير من العادات والتقاليد وأحيانا الحرف والأشغال. فاشتهر الأرمن بالتصوير والخزف، واشتهر الدوم بالعرافة، وهكذا. لم يكن الدين هو الشاغل الوحيد للمقدسيين على اختلاف دياناتهم، كما لم يكن هو

الملفات المرفقة

نادية حرحش.doc
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website