مساءلة بريطانيا عن تصريح بلفور والنكبة الفلسطينية، كمال قبعة، العدد 265

عزوف الشباب الفلسطيني عن المشاركة في الحياة التنظيمية (الحزبية)

مقدمات وحيثيات ونتائج

محمد قرّش[*]

 

أثارت نتائج استطلاعات الرأي العام الذي نشره مركز العالم العربي للبحوث والتنمية (أوراد)، في شهر نيسان (أبريل) الماضي، عن تدني مشاركة الشباب في الحياة السياسية والتنظيمية (الحزبية)، موجة واسعة من الاستغراب والاندهاش، بسبب كونها وضعت علامات استفهام كبيرة حول أسباب عزوف الشباب الفلسطيني (15–29) سنة عن المشاركة في الحياة الحزبية والتنظيمية بشكل خاص، والسياسية والعمل المجتمعي بشكل عام. وعلى الرغم من أن هذه النتائج والتوصيفات ليست بجديدة أو غير معروفة لدى قيادات الأحزاب، لكن ربما جاء توقيتها ليعطي لها أبعادا وتفسيرات مختلفة وخاصة في ظل التساؤلات والآراء حول مصير الهبة الجماهيرية التي انطلقت في تشرين الأول (أكتوبر) 2015. ومن المتفق عليه بأن هذه الخاصية أو السمة-عزوف الشباب عن المشاركة في الجسم التنظيمي للأحزاب كأعضاء وكوادر– تكاد تنتشر في كل الوطن العربي. فالفئة العمرية المذكورة تشكل أكثر من 30% من المجتمع الفلسطيني، ولا يفوقها إلا الفئة العمرية من (صفر-14) سنة والتي تبلغ نسبتها وفقا للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني (39.4%) كما هي في منتصف عام 2015.[1]

وهذا يعني أن نحو 70% من المجتمع الفلسطيني يتراوح عمره بين صفر و29 سنة، أما الذين يزيدون عن 60 عاما فلا تتجاوز نسبتهم الـ5%. والنسبة الباقية (25%) تخص الفئة العمرية من 30-59 سنة. وبنظرة سريعة على متوسط أعمار قادة منظمة التحرير والفصائل والأحزاب سنجد أن أغلبيتهم الساحقة تزيد على الـ60 عاما بل وفي النصف الثاني من العقد السابع ما يعني أن الأقلية العمرية (5%) في فلسطين تقود وتتحكم وتستأثر وتسيطر على الـ95% من المجتمع الفلسطيني بل وتقرر مصيرهم.

ولعلها تعتبر من أولى المعضلات التي تواجه النضال الوطني الفلسطيني حاليا وتحول دون الانفتاح على جيل الشباب الذين شكلوا على الدوام وقود الثورة وأبقوا على جذوتها وهّاجة ومضيئة عبر العقود الطويلة للنضال التحرري الفلسطيني.

ويمكن القول دون تحفظ أن الجيل الذي قاد مهام النضال الوطني والتحرري وتحمل المسؤولية على إثر نكبة 1948 وما تبعها من مرحلة التحرر والتخلص من الهيمنة الاستعمارية التي كانت تعم الوطن العربي، وكان عمره آنذاك لا يتجاوز الثلاثين عاما قد فشل كليا في تسليم راية ومهمات النضال والكفاح الوطني للجيلين التاليين له بطريقة ديمقراطية، انطلاقا من مبدأ وأهمية زج عموم الشعب بالمشاركة في تحمل المسؤوليات الكفاحية وعدم حصرها في جيل تجاوز معظمه الآن العقد السابع ومنهم من دق أبواب العقد التاسع وولج عتباته مفتخرا ومستبدلا فكرة الاكتفاء أو الاستقالة أو التقاعد بعبارة "مت وأنت قاعد"[2]. لذا فقد بات من الضروري الوقوف مليا وطويلا أمام الحيثيات و/أو الأسباب و/أو المبررات التي أدت جميعها وتدريجيا إلى عزوف الشباب عن المشاركات الحزبية والتنظيمية الفعالة والملموسة بما في ذلك عدم المشاركة في الحياة السياسية والمجتمعية العامة في فلسطين. وهناك نقطة على جانب كبير من الأهمية أهملتها قيادات الأحزاب والأنظمة العربية دون استثناء، وهي أن فشل المشروع النهضوي القومي والتنموي وانتشار الفقر والبطالة والقمع وبيروقراطية الأحزاب نفسها، دفع الشباب إلى تحبيذ فكرة الهجرة نحو الدول الغربية الاستعمارية، والتي كانت السبب الرئيس وراء تخلف وتشتت وتقسيم وضياع فلسطين والعديد من الأقاليم والمناطق الجغرافية، والتي تحولت فيما بعد لمرتع خصب لتوليد وتكاثر قوى التخلف والرجعية والجهل والأمية، ومراكز لتفريخ الإرهاب وحتى للتآمر على القومية العربية والمكتسبات التي حققتها في نضالها الطويل ضد الاستعمار. فطبقا للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني فإن 23.6% من الشباب من الفئة العمرية (15-29) سنة لديهم الرغبة للهجرة للخارج. (37% في القطاع مقابل 15.2% في الضفة الغربية) وتأتي السويد والولايات المتحدة الأميركية في مقدمة البلدان التي تشكل مقاصد للهجرة النهائية. وهذا بحد ذاته يعتبر في غاية الخطورة حيث لم تقف أمامه لا السلطة الوطنية ولا الأحزاب والحركات والفصائل لوضع الحلول له/أو معالجته بالتدريج.

2- الحيثيات والمبررات:

إن التبحر في كشف ومعرفة الأسباب والحيثيات التي كانت وراء عزوف الشباب عن المشاركة الواسعة في معارك النضال الوطني والتنموي فيما بعد، سيساعد بلا شك في سبر غور الأزمة أو العقبة التي حالت دون اقتناع النسبة الكبرى من الشباب للولوج في معمعة النضال والكفاح للمشاركة في التغيير، ورفد النضال الوطني والقومي بدماء جديدة أكثر إيمانا وحماسة وإصرارا وصلابة على التمسك بالثوابت الوطنية. لقد نُشرت أبحاث ودراسات كثيرة[3] حول أسباب إحجام قطاعات واسعة من الشباب عن المشاركة الفعالة بكل محطات ومفاصل النضال، والخروج الطوعي من دائرة التأثير والمواجهات، والوقوف على هوامش الحياة السياسية والكفاحية. وقد تحولت مشاركة الشباب، للأسباب التي سنأتي عليها، إلى ما يشبه فورات الغضب أو الانتفاضات الشعبية الموسمية المؤقتة وغير الممتدة و/أو الدائمة مع أن بعضها كان كبيرا ومؤثرا[4]، سواء نجم كرد فعل على العدوان والوحشية الإسرائيلية أو كنتيجة لقمع أجهزة الأمن العربية. ومن المتفق عليه بين المحللين والباحثين والسياسيين أن هناك سمات وعوامل مشتركة كبيرة تجمع أسباب عزوف الشباب عن المشاركة الفعالة في الحياة السياسية والتنظيمية للأحزاب العربية وبين مثيلاتها الفلسطينية. وبدون الدخول في التفاصيل المعروفة لنا جميعا؛ فإن نسبة مشاركة الشباب من الفئات العمرية المذكورة في عموم الدول العربية ما زالت دون الـ8%، وفي بعضها كفلسطين والأردن دون الـ5%. لقد كان هناك تشابه كبير بين أسباب الانتفاضات الشعبية الشبابية التي كانت تجري في بعض الدول العربية، فعلى سبيل المثال انتفاضة رفع الأسعار في مصر في شهر كانون الثاني (يناير) 1977 وانتفاضة الخبز والجوع في تونس عام 1979، كما يمكن مقارنتهما بما جرى في جنوب الأردن (معان) عام 1989 على إثر تخفيض قيمة الدينار وحدوث ارتفاعات كبيرة وملموسة في الأسعار.

ومن المفيد في هذا السياق أن نركز على الأسباب والحيثيات التي كانت وراء عزوف الشباب عن الانتماء الحزبي والعمل التنظيمي، والتي يمكن تقسيمها إلى ثلاث مجموعات رئيسة: الأولى، تعود للبيئة الاجتماعية والثقافة الدينية والتنشئة (التربية) التي تعمل في ظلها وتحت سقفها الأحزاب والفصائل والحركات، ويمكن إطلاق تعبير الظروف الموضوعية على هذه المجموعة، والثانية، تخص الأحزاب نفسها وبنيتها التنظيمية، بما فيها العلاقات الداخلية الناظمة للحياة الحزبية وأسلوب انتخاب الهيئات القيادية وتأثيرها على مجمل الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية وضعف قدرتها التأثيرية على التغيير، والثالثة، تخص الطفرات والتحولات الهائلة التي حدثت في عالم الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والمعرفة، وخاصة أمام انتشار شبكات التواصل الاجتماعي أو ما أطلق عليه اسم العالم الافتراضي، وفي مقدمتها وسائل الإعلام ومحطات البث المباشر من المحطات الفضائية التي تعمل على غسل أدمغة الشباب وإعادة ترتيب الأولويات والاهتمامات لديهم على مدار الساعة، بالإضافة إلى الحوارات عبر شبكات التواصل الاجتماعي والتي أدت إلى خلط وتزوير وفبركة المعلومات والحقائق، كل هذا يتم أمام سمع وبصر قيادات الأحزاب كلها دون استثناء. ومن المؤكد أن هذا يعكس ثقافة الطبقة الحاكمة حيث تشكل بعض الأحزاب الفلسطينية الكبيرة عمودها الفقري، فهي كغيرها تحرص على إلهاء الشباب وإبعادهم عن المشاركة الفعالة في النضالات المطلبية والمهنية السياسية بغرض تسهيل سيطرتها على إدارة السلطة بما يعني رغبة الأحزاب بإبقاء تأثيرها محدوداً جدا في المجتمع (الدولة)، خشية من قيام الشباب بانتفاضة تغييرية ضدها. هذا إلى جانب تأثير القوى المضادة الخارجية. وسنناقش الحيثيات والأسباب التي كانت وراء عزوف الشباب على التوالي.

المجموعة الأولى: المناخ والبيئة الاجتماعية والثقافة الدينية والتربية (الظروف الموضوعية)

1- تتأثر البيئة الاجتماعية الفلسطينية والعربية بشكل كبير بالموروث الثقافي والتاريخي والتربية الدينية والتنشئة التي يتم تلقينها للشباب منذ الصغر، والتي تعتبر من ضمن الثوابت والمنظومات الاجتماعية التي تؤثر على تكوين الشخصية العربية وفكرها وسلوكها. وهي على الأغلب لا تتعارض مع ما هو سائد من مجموعة التقاليد والعادات والسلوكيات الناظمة بل والمؤثرة على مجريات ووقائع وأنماط الحياة اليومية لأفراد المجتمع وفي المقدمة منهم الشباب. وعليه فقد صُبغت بشواخص وخصائص وقواعد إرشادية من الصعب جدا تجنبها أو الابتعاد عنها والتقليل من تأثيرها السلبي، لكونها مستمدة أو منسوخة من المخزون الثقافي والديني والتاريخي الذي نفتخر به وتمت مراكمته عبر مئات السنين وخاصة لجهة الفتوحات الكبيرة التي تمت في آسيا وأفريقيا وجنوب أوروبا (الأندلس على وجه الخصوص). فليس غريبا والحالة هذه أن يتم تلقين الشباب وحقنهم (وهم دون العاشرة من عمرهم) وتزويدهم بمجموعة مفاهيم متوارثة خاطئة ناتجة عن الخوف والخشية من مصير غير صالح أو غير مستقر أو غير آمن بل ومحفوف بالمخاطر، مستندين إلى تجارب وأمثلة واقعية ملموسة من المجتمع.

2- الموروث الثقافي الديني والتاريخي الذي تطفح وتفيض به كتب التدريس والتلقين في كافة مراحل التعليم لا يجد أي مبرر لإدانة نظام توريث الحكم وتغييب الديمقراطية، بل إنها لا تتردد في تمجيد نظام الخلافة بمعنى التوريث دون حاجة لمراجعة المبدأ أو الوقوف عنده وخاصة أمام التطورات الهائلة التي حدثت في أنظمة وطريقة الحكم في العالم أجمع في القرن الماضي على وجه الخصوص، سواء لتبيان إيجابياتها وسلبياتها أو لمجرد إعطاء فرصة للشباب لاختيار ما هو مناسب لهم، وليكونوا على علم ودراية بما هم مقبلون عليه في المستقبل ليتحملوا مسؤولياته ويطوروه ويجددوه بما يتناسب والمفاهيم الجديدة التي تمت صياغتها وخاصة المشاركة في الحياة السياسية والتنظيمية والحزبية وحقهم في تبوّء المراكز الهامة لقيادة المجتمع في كافة المجالات.

3- الموروث الثقافي غير السوي والممتلئ بالروايات والمنقول إلى الشباب، وقد أدى ذلك للحرمان المبكر للشباب من حق الاختيار ما نجم عنه عدم اهتمامهم بالمشاركة في العملية السياسية منذ قرون ليست قليلة. 

4- أكثر من هذا فإن المدافعين عن توريث الحكم وإقصاء الشباب عن المشاركة وتجنب إجراء انتخابات ديمقراطية يجدون ضالتهم بل وتبريرهم الخاطئ من بعض الموروث.

5- تعتبر العشائرية والقبلية من ركائز وأسس النظام العربي والإسلامي، حيث يخضع الأفراد وفي مقدمتهم الشباب للالتزام بما يقوله شيخ العشيرة/ القبيلة. لذا فمن الصعب خروج أو تمرد الشباب على زعيم القبيلة لكونهم يحصلون على الحماية والتأييد والدعم والوظائف من خلال انتمائهم للقبيلة /العشيرة أولا وليس للوطن. فخروجهم أو تمردهم سيرتد عليهم سلبيا ولن يجنوا منه شيئا، مما يقلص الخيارات أمامهم ويحصرها في الالتزام بالنظام والمعايير القبلية السائدة والتي تؤدي إلى عزوفهم عن الانتماء للأحزاب والحركات التي تتعارض أفكارها وأيديولوجيتها مع توجهات ومصالح العشيرة /القبيلة. فالولاء للقبيلة والعشيرة يأتي أولا.

ومع استمرار الحالة على هذا النحو وبالتدريج يصبح لدى الشباب حوافز للدفاع عن النظام السائد والتخلي عن مضمون ومحتويات ومدخلات مناهج التعليم التي درسوها في الجامعات، مما يولد أو يخلق لديهم لاحقا فجوة كبيرة في الثقافات والازدواجية والظهور بمظهرين متناقضين من الصعب جدا أن يلتقيا، فالمخرجات باتت تتعارض ولا تتوافق مع منظومة المدخلات التربوية والثقافية التي تلقوها في مراحل التعليم المختلفة.

6- هناك تحالفات ومصالح غير دائمة وغير مستقرة بين القوى الاجتماعية، وخاصة الاقتصادية والدينية والعشائرية، يتولد عنها بالضرورة أحزاب وتجمعات سياسية والتي بدورها ترتبط بنظام الحكم لقيادته بشكل مستقل، أو بالاشتراك مع الغير في إدارة النظام والدولة. ومع وجود الاختلاف تدخل لدائرة التحالفات أحزاب وتخرج منها أخرى، وقد يصل الحال كما هو واقعنا إلى الاحتراب الداخلي العنيف لإقصاء طرف معين عن المشاركة في الحكم. فتصبح الدولة تدار من حزب/أحزاب مؤيدة وتقمع المعارضة بالقوة، وفي هذه الحالة ووفقا للتجارب فإن انتماء الشباب لأحزاب المعارضة المقموعة وغير المشتركة في الحكم يتراجع كثيرا خشية من النتائج السلبية التي ستترتب على التحاقهم، ومن ضمنها الصعوبة البالغة في إيجاد عمل أو وظيفة وحتى حصوله على الترقية المستحقة. فالثقافة السائدة في المجتمع العربي تقول بعدم إمكانية الانتماء للحزب/ الأحزاب غير المشاركة في الحكومة وإدارة الدولة. وبالجهة المقابلة فإن الانتماء للحزب الحاكم وخاصة إذا كان متبوعا بصفة الحزب القائد (كحزبي البعث في سوريا والعراق، والاتحاد الاشتراكي العربي في مصر سابقا، والحزب الوطني الديمقراطي لاحقا، وحزب جبهة التحرير الجزائرية وحزب القذافي!! - الكتاب الأخضر- وحركتي فتح وحماس في الضفة الغربية وقطاع غزة على سبيل المثال) ينجم عنه إغداق المناصب والمكاسب والامتيازات المباشرة وغير المباشرة للمنتمين لهذه الأحزاب، بغض النظر عن ثقافتهم ومؤهلاتهم وخبراتهم وقدراتهم وإمكانياتهم وكفاءاتهم وحتى وطنيتهم أحيانا.

7- المناخ السياسي العام وطبيعة نظام الحكم، وغلبة الأجهزة الأمنية وسيطرتها على آلية اتخاذ القرارات، وممارسة القمع وسياسة الاعتقالات والحرمان من الحقوق، بما فيها حق المواطن بالحصول على جواز سفر بدون قيود أو حدود أو شروط أو التنقل والسفر الحر، تلعب دورا كبيرا في عدم تحفيز وتشجيع الشباب ودفعهم إلى الانتماء للأحزاب وخاصة تلك غير المؤيدة للنظام أو المغضوب عليها أو التي تطالب بالإصلاحات ومحاربة الفساد والشللية وتطبيق قواعد الدستور ومواد القوانين بالرغم من كل علاتها.

8- انتشار البطالة والأمية والفقر والفساد وعدم توفر متطلبات الحد الأدنى للحياة الكريمة تغير من أولويات الشباب، وتجعل من الانتماء الحزبي والتنظيمي في آخر سلم الاهتمامات، بل لعله غير مطروح على جدول نشاطاتهم في المدى المنظور.

9- تراجع الإحساس بالانتماء للوطن بسبب سيادة الدكتاتورية المطلقة في الحكم ومبدأ التوريث وتفشي ظاهرة المحسوبيات والواسطات، والتي تولد فقدان الثقة لدى الشباب من مجرد التفكير بالانتماء لحزب ما، أو العمل ضمن الأطر والمنظمات الصديقة له أو المحسوبة عليه؛ لأن من شان ذلك أن يزيد ويفاقم الأعباء والهموم والمشاكل التي يواجهها الشباب.

10-الإخفاقات والهزائم المتتالية التي لحقت بالمشروع القومي العربي السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والتحرري في العقود القليلة الماضية تحديدا، حدَت وفي أحيان كثيرة منعت وصدت الشباب من الانتماء للأحزاب أو حتى التفكير فيه.

11- المشاركة السياسية والانتماء للأحزاب، مرتبط بشكل كبير بتطور النظام الاجتماعي وتقدمه، وانتشار الوعي بأهميته في رسم معالم المستقبل، وهو ما زال بعيدا عن فكر واهتمامات الشباب، لأن منظومة التعليم والتربية لم تبدأ بعد ببلورة المساقات التعليمية التي سيتم تدريسها للشباب، والأهم من ذلك عدم وجود نية حقيقية لدى مؤسسات النظام/قيادات الأحزاب الحاكمة بطرحها على نطاق واسع وتثقيف وتدريب الناشئة الجديدة عليها.

12-ولأن انتظام المشاركة السياسية والحزبية والتنظيمية لا تتولد فجأة أو بمجرد اتخاذ قرار بالانتماء، وإنما يجب أن يسبقها عمليات ونشاطات تراكمية كمية ونوعية محمية بالقانون، وأن تبدأ منذ الصغر في العائلة ضمن ثقافة احترام الرأي الآخر والتكيف أو التعود بالعيش معه بدون تناحر واقتتال دموي، بل وضرورة التعاون معا لخدمة الوطن، لذا فمن المبكر القول بأن المنظومة الاجتماعية والثقافية والتعليمية باتت مهيأة وجاهزة ومستعدة للتعامل مع طموحات الشباب ورغباتهم، ما يعني أن تحفيز الشباب على المشاركة يتطلب أولا وجود الأرضية والبيئة القانونية المناسبة للعمل بحرية وبدون خوف أو خشية من النتائج وهذا لم يتحقق حتى الآن، بل ولم يبدأ التفكير به بعد.

13- خلو التراث والفكر العربي من مبدأ التخلي الطوعي عن السلطة والحكم، حيث لم يسجل التاريخ العربي المليء بالتناحرات والاقتتال، والذي عبر عنه ونقله بأمانة ابن خلدون والكواكبي وغيرهما كثير، أي تنازل طوعي ذي مغزى تم عن إدارة الحكم بكل فترات التاريخ العربي سواء السابق للإسلام أو التالي له، من هنا فإن أكثر الأشياء التي يكرهها الحكام ولا يحبون سماعها بل ولا يستسيغها المستأثرون والمتحكمون والدكتاتوريون والحزب القائد والأميون والجهلة، هي فكرة التخلي الطوعي عن السلطة أو عبر الانتخابات لإعطاء فرص للشباب لتبوّء مراكز هامة في إدارة شؤون الدولة /الحزب /المؤسسة. فالانتخابات الديمقراطية عبر صناديق الاقتراع تتعارض مع الشريعة والدين والعادات والتقاليد والتي تقوم بالأساس على الغلبة والبيعة الإلزامية ومفهوم الخلافة المبتورة غير المسندة والمثبتة في كتاب الله وسنة رسوله.

14- من الصفات الأخرى الملازمة والمرافقة للنظام العربي، هو وجود الأجهزة الأمنية القمعية والشرطية لكبت الأنفاس، وملاحقة كل من لا يقدم الولاء والطاعة والانصياع لأوامر النظام، بما في ذلك معاقبة كل من ينتمي أو يلتحق بحزب غير مرضيٍّ عنه أو معارض لنظام الدولة. والعقوبات في بعض الدول [الخليج وشبه الجزيرة العربية، وليبيا سابقا، تكون قاسية جدا وقد تصل إلى الإعدام على قاعدة (من تحزب خان) وفي بعضها تصل إلى السجون والمعتقلات والتعذيب والحرمان من أبسط الحقوق المدنية، ومنعه من العمل وفي بعضها الآخر توجيه ضربات موسمية بين فترة وأخرى بما في ذلك الضغط لتقسيم الأحزاب وتجزئتها بغرض إضعافها. وعليه فالأجهزة الأمنية والقمعية شكلت على الدوام (وما زالت) موانع وحواجز حالت دون انضمام وانتماء الشباب إلى الأحزاب بحرية. ففي دراسة حديثة نشرتها جريدة الغد الأردنية أن العاملين الرئيسيين لعزوف الشباب الأردني (والفلسطيني والعربي) هما: الخشية من العواقب الأمنية، والخوف من الانتماء للأحزاب، والقلق على المستقبل الوظيفي لهم. لذلك فإن أحد أبرز القيود الكبيرة التي تقف بقوة أو تحول دون انتماء الشباب للأحزاب هو الخوف من قمع وملاحقات الأجهزة الأمنية العربية لهم.

المجموعة الثانية: تخص الأحزاب نفسها وبنيتها التنظيمية.

في البداية لا بد من الإشارة إلى بعض البديهيات الهامة والرئيسة التالية:

أ- كافة الأحزاب والحركات وخاصة اليسارية منها تأسست وعملت ونشطت في ظل ظروف ومناخ وبيئة غير صديقة وغير مؤيدة وفي أحيان كثيرة عدائية، حيث تلقت ضربات مؤلمة بين الفترة والأخرى من قبل الأجهزة الأمنية أثرت بشكل كبير على قدرتها وشلت حركتها وأضعفت كوادرها وأفشلت العديد من البرامج والنشاطات التي وضعتها.

ب- وكنتيجة لتكرار استهدافها، اتجهت الأحزاب نحو العمل السري في فترات مختلفة وانتهجت مبدأ "المركزية التشاورية"[5] بين بعض القيادات المؤثرة والمتربعة على قمة الهرم الحزبي والتنظيمي، مما أضعف من جماهيريتها مع طيلة الفترة الزمنية التي انقضت لاتباعها هذا الأسلوب في قيادة العمل الحزبي، والذي حال دون رفدها بدماء جديدة مؤهلة، وحرم كوادرها من الترشح المباشر للهيئات القيادية الأولى، واقتصار أو حصر آلية الترشح بتزكية من قبل المكاتب السياسية وعما هو مقبول ومرضي عنه أيضا، ما أدى عمليا إلى تغييب الديمقراطية الحقيقية في صفوفها مع إبقاء نصوصها نظريا في اللوائح والأنظمة الداخلية وفي التقارير والنشرات ووسائل الإعلام، وكان من الطبيعي أن يؤدي ذلك إلى إضعاف تأثيرها في صفوف الشباب. 

ت- لقد تعرضت الأحزاب وخاصة اليسارية منها، لموجات ليست قليلة من نزيف خروج الكوادر المجربة، والذين غادروا صفوفها عند كل مفصل أو محطة نضالية معينة، بفعل البيروقراطية والذاتية المؤذية، وعدم المحاسبة على الأخطاء، التي سادت فيها لعقود طويلة خلت، وما زالت مستمرة رغم التحسن النسبي بالظروف الموضوعية المحيطة بها، (فلسطين ومصر وتونس والأردن والمغرب والجزائر أمثلة).

ث- تشمل عبارة الأحزاب في هذه الورقة "كل الحركات والأحزاب والفصائل الفلسطينية اليسارية منها والديمقراطية والوطنية والدينية على حد سواء".

ومن الأهمية بمكان بعد هذه البدهيات الرئيسة أن نركز أو نمعن النظر في تتبع الاختلالات الجوهرية التي بدأت تظهر وتتفشى بشكل ملموس في الحياة التنظيمية والحزبية وتراجع دورها وتأثيرها وخبو وهيجها، ما أدى إلى عزوف الشباب عن الانضمام أو الانتماء إليها، مع ثبات مكونات وعناصر المجموعة الأولى. وبتعبير آخر وبالاستعانة بعلم الاقتصاد، فإنه مع ثبات العوامل الموضوعية المشار إليها [المناخ والبيئة الاجتماعية والثقافة الدينية والتربية] فإن دور وتأثير الأحزاب على الشباب في الوقت الحاضر بات ضعيفا ومحدودا جدا، بعكس ما كان عليه الحال في فترة الخمسينات والستينات وحتى السبعينات. وسنحاول الإشارة إليها بنقاط وباختصار قدر الإمكان كما فعلنا في المجموعة الأولى:

1- لم تقدم الأحزاب والحركات كلها نماذج يحتذى بها للشعب وخاصة فيما يتعلق بممارساتها الميدانية بالدرجة الأولى، تميزها عن السلطات الحاكمة، أو الأحزاب الوطنية والقومية، والمجموعات والشخصيات التي تصنف نفسها ضمن التيار اليساري أو المحسوبة عليه، والتي أتيح لها الوصول للحكم في العراق وسوريا والجزائر واليمن الجنوبي والسودان ومصر وليبيا وفلسطين. فلم يشعر الشباب أن أمامهم أحزابا تشكل نقلة نوعية مختلفة عما هو سائد وجدير بالانتماء إليها أو الالتحاق بها والنضال تحت راياتها والدفاع عنها.

2- ومع فشل وإخفاق المشروع الوطني في أكثر من دولة عربية بما فيها فلسطين، والهزائم المتتالية التي لحقت بكل القوى الوطنية والقومية واليسارية وفي مقدمتها منظمة التحرير الفلسطينية بسبب الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة والهجمة الأميركية الغربية على المنطقة وقمع الأنظمة، دفعت بجموع إضافية من الشباب للعزوف عن المشاركة والانتماء للأحزاب وخاصة اليسارية والقومية. فقد وجدت مجموعات كبيرة من الشباب ضالتها في الأحزاب والحركات والتجمعات الإسلامية التي بدأت تنمو وتتسع قواعدها وخاصة بعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 ومقتل السادات في تشرين الأول (أكتوبر) 1981 ومن ثم نشوء حركة حماس عام 1987، وقبلها تأسيس حركة طالبان بدعم وتسليح أميركي كامل لمواجهة التدخل السوفييتي في أفغانستان، وزيادة نفوذها الإقليمي وتحقيقها لانتصارات ملموسة وبروز تيارات سلفية مسترشدة بالفكر الوهابي المتطرف، مثل القاعدة وداعش والنصرة وغيرهما، ما حفز قطاعات واسعة من الشباب العربي والإسلامي للانخراط في صفوفها بدلا من الانتماء إلى الأحزاب الوطنية والقومية واليسارية.

3- سعت كل الأحزاب لتحقيق مصالحها وتفضيلها عن مصلحة المجتمع والوطن. فزرعت ثقافة حزبي دائما على حق والخطأ على الآخرين.

4- الانتماء أو الالتحاق بالأحزاب وخاصة خلال العقود الثلاثة الأخيرة ارتبط بالإغراءات والمصالح المادية وخاصة عندما يكون الحزب الحاكم في السلطة مشاركا أو مستأثرا بمفرده بمقاليد الحكم[6].

5- الإخفاقات المتتالية في معظم مشاريع التنمية، وانعدام المحاسبة وانتشار الفساد والبطالة والفقر، واستعار الاقتتال والاحتراب الداخلي الدموي المدمر في الأنظمة الوطنية التي قادتها الأحزاب المحسوبة على اليسار.

6- استئثار واحتكار أشخاص بعينهم لقمة الهرم السياسي والسلطوي لعقود طويلة دون تغيير، أوجد مبررا لعزوف الشباب وأحبط طموحاتهم وأغلق أمامهم نوافذ الأمل للتغيير وحتى لمجرد التفكير أو الحلم بحقهم في الوصول إلى أعلى قمة الهرم الحزبي والسلطوي، وخاصة أن الشخوص أنفسهم هم من يقودون الحزب/ الحركة/ والدولة في آن معا. لقد سُدت أمامهم كل الفرص للوصول بحرية إلى المواقع المتقدمة، فلم يعد لديهم خيارات كثيرة، فإما مغادرة صفوف الحزب وبالتالي العزوف عن المشاركة، أو التحول إلى الأحزاب الدينية كما أشرنا في البند "2"، أو الابتعاد كليا عن المشاركة كما هو حاصل مع الغالبية الساحقة حاليا.

7- وقد ساهم في عزوف الشباب نشوء فكرة الحزب القائد المعصوم عن الأخطاء، أو القائد التاريخي الملهم الذي "لا يشق له غبار"، وتبرير كل أفعاله وأخطائه وسلوكاته مهما كانت.[7]

8- ومما زاد من المأساة وعزوف الشباب وعزمهم عن المشاركة في الحياة الحزبية بروز ظاهرة توريث الحزب والدولة لدى العديد من الدول العربية والأحزاب معا: [حزب البعث في كل من العراق وسوريا، والحزب التقدمي الاشتراكي في لبنان، والكتائب والمستقبل.

9- تأسيس أحزاب طائفية ومذهبية وعرقية ودينية في أكثر من دولة عربية: (لبنان والعراق والجزائر وسوريا وفلسطين ومصر)، دفعت بالغالبية العظمى من الشباب إلى الابتعاد عن المشاركة في هذه الأحزاب، لكونها تؤسس للتفرقة وتشق الصفوف وتثير النعرات بكل أشكالها، وكانت الأحزاب اليسارية من أكثر المتأثرين سلبيا والخاسرين من تأسيس هذه الأحزاب.

10- حينما تولت كوادر الأحزاب (حركة القوميين العرب والبعث والشيوعيين) في العقود التي تلت نكبة فلسطين الاتصال بالشباب وتنظيمهم وخاصة الطلبة، كانت تطرح عليهم برامج تحرير فلسطين، ومواجهة الاستعمار والإقطاع، وضرورة قيام الوحدة العربية، واستعادة الشعب لثرواته وحقوقه، والقضاء على الرجعية وإقامة الاشتراكية، والحرب الشعبية الطويلة الأمد، تيمنا بالحرب الفيتنامية والجزائرية واليمنية الجنوبية..الخ وكانت هذه العناوين تلقى تجاوبا واستعدادا للانتماء والتضحية من قبل الشباب. والسؤال الآن ما هي البرامج والتوجهات والأفكار والعناوين النضالية التي بوسع كوادر الأحزاب الحالية طرحها على الشباب لتجنيدهم للانتماء أو الالتحاق بالعمل الحزبي؟؟ ماذا ستقول لهم!! الاعتراف بإسرائيل عبر حل الدولتين بما في ذلك التنازل عن أكثر من 80% من أرض فلسطين التاريخية، وما هي البرامج والمبادئ التي تميز هذا الحزب أو ذاك. فالتجارب العملية والميدانية وخاصة في العقود الأربعة الأخيرة أكدت عدم وجود فروقات فكرية وممارسات متميزة بين الأحزاب. فالنشاطات والفعاليات وكذلك الكسل والبيروقراطية تكاد تكون السمة الغالبة والمتجانسة، على الرغم من الاختلاف الفكري والنظري والإيديولوجي والذي تراجع بشكل ملموس على جميع الأحوال، ولم يعد يتصدر اهتمامات الأحزاب ولا برامجها وأطروحاتها!!! فعملية تنظيم الشباب بالأحزاب في الوقت الحالي باتت صعبة جدا وغير عملية، لأنها تتعارض مع ما يفكر به الشباب ويصبو إليه.

11- كانت المخيمات والقرى الفلسطينية في فلسطين ومناطق اللجوء والشتات، تشكل مقاصد لمعظم قيادات الأحزاب القومية واليسارية والوطنية على وجه التحديد، وقد شكلوا نماذج يقتدى بها للشباب في حينه، لكونهم قريبين منهم حيث كانوا يعقدون اجتماعاتهم بها بل ويسكنون بداخلها أو بجوارها. وقد تغير الوضع في الوقت الحاضر بشكل كبير حيث لم تعد القيادات الحزبية تملك النفس النضالي والهمة (بحكم كبر السن وعوامل أخرى) للمكوث في المخيمات لأكثر من ساعات محدودة ولغرض حضور مهرجان، أو تقديم العزاء بشهيد، أو مناسبة انتخابية معينة، تغادر بعدها المخيم أو القرية، وخاصة أن أغلبيتهم الساحقة تحضر بسيارات فارهة حديثة من الدفع الرباعي ومن نوع مرسيدس وأودي وBMW، مع سائقين وحراس، وقد خلقت هذه السلوكات نفورا من قبل شباب المخيمات والقرى والتجمعات لكل قيادات الأحزاب، كما أوجدت فجوة آخذة بالاتساع التدريجي. وقد بدأت تلمس حالات من التذمر وعدم الرضا على هذه السلوكات والتصرفات غير النضالية وغير الثورية التي يتبعها ويسلكها قادة الأحزاب.

12- كما ساهمت الانشقاقات والانقسامات المتتالية وغير المبررة للأحزاب في العقود الأربعة الأخيرة، في عزوف الشباب عن الانتماء أو الالتحاق بها والكثير منهم غادر بسببها، كما أدى فشل كل محاولات الاندماج والتوحيد والتحالفات وحتى على مستوى التنسيق الانتخابي لنفور الشباب وابتعادهم عن الأحزاب.[8]

 13- لقد أدت سيادة وسريان مبدأ رئيس للأبد، وأمين عام للأبد، وعضو مكتب سياسي للأبد، وعضو لجنة تنفيذية للأبد، إلى نفور الكثير من الشباب من الأحزاب والحركات. وخاصة حينما يقارنونها بين الأنظمة الوطنية والديكتاتورية فلا يجدون فروقات كبيرة في أسلوب وسلوكيات إدارة العمل الوطني والحكم. فبالنسبة إلى مجموعات لا بأس بها من الشباب غير الراغبين وغير المحبذين للالتحاق بالحركات والأحزاب الدينية لا تمثل أو تشكل الأحزاب الحالية الطموح الذي يتطلعون إليه أو ينشدونه. فهم يقولون بأن الأحزاب الدينية (الإخوان المسلمين وحزب التحرير ومن في صفهم) تنتخب قياداتها ومرشديها على مبدأ البيعة والولاء حتى الوفاة أو حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا، لذا فمن المفترض أن تميز الأحزاب اليسارية والوطنية نفسها عما هو قائم بحيث تشكل النموذج الجاذب والمستقطب للكفاءات. وهناك مقولة يتم تداولها على نطاق واسع في أوساط الشباب وتُذكر في الندوات واللقاءات والورش المختلفة مفادها "بأن الأحزاب اليسارية والوطنية والقومية باتت تعتبر قوى طاردة للكوادر الشبابية التي لديها كفاءات وخبرات نضالية".

14- يحمل معظم قادة الأحزاب، والعديد من الأمناء العامين، والأغلبية الساحقة من أعضاء اللجنتين التنفيذية لمنظمة التحرير، والمركزية لحركة فتح، وبعض أعضاء المكاتب السياسية للأحزاب والفصائل، بطاقات شخصيات مهمة VIP، تخولهم عدم الانتظار على الحواجز العسكرية للاحتلال والمرور السهل في التنقلات وخاصة أثناء السفر من فلسطين وإليها عبر الجسور، وأحيانا عبر مطار اللد، أو عمل التنسيق الأمني المسبق من خلال دائرة الشؤون المدنية التي تتولى إبلاغ سلطات الاحتلال في بيت إيل بسفر هذا الشخص أو ذاك، ما ضاعف الفجوات وعدم الثقة بين الأحزاب والشباب الذي يعاني الأمرين والتفتيش البدني والاليكتروني المذل، خلال تنقله بين المدن أو عبر الجسور حيث ينتظر ساعات طويلة للوصول إلى وجهته، فالشباب يراقبون ويتابعون الامتيازات التي تتمتع بها قيادات الأحزاب من المرور الآمن والسهل الخالي من ساعات الانتظار الطويلة والمعاناة والتفتيش المذل والمهين، ومقارنته بما يواجهونه هم في تحركاتهم فتزداد الفجوة وعدم الثقة بالأحزاب، ما يؤدي إلى عزوفهم عن الانتماء إليها أو الالتحاق بها بسبب السلوكات والتصرفات غير النضالية المشار إليها.

15- هناك فارق عُمري كبير بين قيادات الأحزاب وبين الشباب، يحول دون إيجاد قواسم وتجانس ومفاهيم مشتركة. فأعمار القيادات الحالية للأحزاب بالمتوسط تصل إلى 65 عاما، ونسبة لا بأس بها منهم لم تعد مناسبة ولا مؤهلة ولا تصلح للاستمرار في مواقعها القيادية بالأحزاب، والنضال بنفس الهمة والنشاط والحيوية المطلوبة، ما ولدَ حالة من الكسل والخمول لديها وتكلس فكرها، حيث لم تعد قادرة على تقديم أي جديد في ساحات الكفاح كما لم تعد تتميز بممارساتها النضالية اليومية. ومن الجهة الأخرى فإن عمر الشباب دون الـ25 عاما، وعليه فليس من السهولة بمكان ردم أو سد الفجوة أو الهوة الآخذة بالاتساع بين الشباب وقيادات الأحزاب. ولهذا السبب لم تعد تُنظم لقاءات واجتماعات دورية منتظمة بين الشباب وقيادات هذه الأحزاب فلديهم ما يكفي من الغرور والاستعلاء، وأحيانا النزق في التعامل مع الشباب، بما في ذلك الاستماع والانتباه والعناية لما يقولونه. وللأسف الشديد فإن هذه القيادات ما زالت تعتبر نفسها هي الأجدر في قيادة المرحلة الحالية، على الرغم من عدم إلمامها ومعرفتها بقواعد التعامل مع الوسائل والأدوات والآليات الحديثة التي يتفوق فيها الشباب بشكل ملموس. ولا أعلم حقيقة متى ستقتنع قيادات الأحزاب الحالية أنها لم تعد قادرة على قيادة النضال بطريقة فعالة ومجدية؟.

16- الشباب على قناعة تامة بأن القيادات الحزبية والفصائلية لم تستفد أو تستثمر جيدا التضحيات الكبيرة والهائلة التي يقدمونها في ساحات المواجهات شبه اليومية مع الاحتلال، بل إن هذه القيادات لم تعمل بما يتوجب عليها فعله لتطوير نضالاتهم ودعمها وتوفير كل مقومات الصمود والاستمرار لها[9]. فهي دائما متسرعة في جني نتائج النضالات والتضحيات التي يقدمها الشباب وعموم الشعب (التسرع في جني ثمار الانتفاضة الأولى من خلال اتفاقية أوسلو وعدم رغبتها أو نيتها في تطوير هبة تشرين الأول (أكتوبر) المجيدة).

17- موقف القيادات الحزبية شبه المحايد من هدم بيوت الشهداء، ودعم أسر الشهداء بما يليق بحجم التضحيات الكبيرة التي تقدمها قوافل الشهداء من الشباب. فنسبة التعويضات التي تحصل عليها الأسر التي تهدم بيوتها تكاد لا تذكر، والمخصصات الشهرية التي تدفع لأسر الشهداء وذويهم قليلة جدا، ولا تسمح لهم بالعيش الكريم حتى ضمن حدود الحد الأدنى.

18- وهناك نقطة هامة أخرى عن سبب عزوف الشباب عن الانتماء للأحزاب تتمثل في الانقسامات والانشقاقات غير المبررة، وغير الموضوعية، وغير المفهومة، ومعظمها ذاتي وشخصي، مما يجعل الشباب في حيرة من أمرهم إزاء هذه الانقسامات المتكررة. لذا فمن الصعب إيجاد حزب أو جبهة أو حركة لم تنقسم أو تنشق مرتين أو ثلاثاً وأحيانا أربعاً.[10]

19- هناك قيادات حزبية كانت تشغل مواقع حزبية متقدمة جدا (نائب أمين عام، وأعضاء مكاتب سياسية، ولجاناً مركزية، ومجالس ثورية) وحينما غادرت صفوف الحزب سواء نتيجة الانشقاق أو المغادرة الطوعية أو الفصل، أو تجريدهم من مواقعهم بسبب الفساد، احتفظوا و/أو أبقوا لديهم أموالا طائلة وبعضهم، ما زال تحيل مواقع وتأثيرات وجميعها باتت معروفة ومتداولة بين الشباب، وعلى شبكات التواصل الاجتماعي. وقد أوجد كل ذلك نفورا من الانتماء للأحزاب[11]وخاصة حينما يشاهدون التقطير والشح والتقصير في التعامل مع احتياجاتهم ومتطلباتهم ومستلزماتهم النضالية، وبين ما هو متوفر ومتاح مع هذه الشخصيات والرموز. بل إن بعضهم يذهب ليحتمي ببعض الأنظمة العربية ويحصل على أموال لزيادة الفساد والإفساد والنفاق في الساحة السياسية الفلسطينية، وبعضهم يشكل منظمات غير حكومية أو مؤسسات غير ربحية بتمويل عربي وأجنبي، كل ذلك بغرض تمزيق إضافي للساحة السياسية وتعقيد الشباب أمام الخارطة السريالية التي ترسم مع سبق الإصرار والترصد لإضعاف الوحدة الوطنية الفلسطينية وإخراج الشباب من ساحة الصراع.

20 – الشباب الفلسطيني (العربي) محاط ومطوق ببيئة محبطة وقيود اجتماعية واقتصادية ثقيلة، وأجهزة أمنية قمعية تسفك الدماء وتهدر كرامات وإنسانيتهم الشباب بلا رحمة أو هوادة، في حال مارسوا حقهم في النقد بصوت عالٍ. ولا يقتصر القمع على الأجهزة الأمنية فحسب بل يتعرض الشباب لقمع فكري من قبل قيادات الأحزاب نفسها. فلم يعد شعار "دع ألف زهرة تتفتح" معمولا به أو ساري المفعول في هذه الأحزاب، بل باتت تعتبر أصواتاً متمردة يتم إسقاطها في الانتخابات الحزبية بشكل شبه علني وبدون مبررات، على قاعدة الخشية من تكرار الانشقاقات.

21 - وأخيرا وليس آخرا، فرغم وجود الفساد لدى قيادات كثيرة في الأحزاب والفصائل والحركات سواء السياسية منها أو الدينية وهي متداولة على نطاق واسع، فإن الشباب حتى تاريخه لم يسمع أو يشاهد أو يرَ إحالة أحد الفاسدين إلى المحاكم سواء الحزبية منها أو المدنية، بل إنه في حالات معينة تتم تصفية بعض الكوادر وقتلها دون أن تقدم المبررات والشروحات للشعب كما حصل أخيرا في قطاع غزة. وقد خلق ذلك شعورا قويا لدى الشباب بعدم الفائدة من الانتماء للأحزاب القائمة حاليا، لأنهم يخشون على حياتهم فيما لو حصلت أية أخطاء غير مقصودة. فعدم إجراء المحاكم وتبيان حقيقة الأوضاع للرأي العام ينفر الشباب ويبعدهم عن الالتحاق بالأحزاب. وبالمناسبة فإنه من النادر جدا أن يعلن حزب ما أنه قام بمحاكمة عضو فيه بسبب فساده أو حيثيات فصله. فالتزام الحزب الصمت يؤدي إلى انتشار الشائعات حول الأسباب الحقيقية للفصل وبالتالي إلى تشويه صورته وخاصة في حال تكرارها، ما يبعد الشباب عن مجرد التفكير بالانتماء إليه وحتى من الاقتراب من ميدان العمل السياسي المنظم.

المجموعة الثالثة، تخص التحولات الهائلة التي حدثت في وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام المباشر.

لقد كان للتحولات الهائلة التي حدثت في العقود الثلاثة الأخيرة، على وسائل الإعلام وسرعة بث الأخبار السياسية والأحداث، عبر القنوات الفضائية، ووسائل التواصل الاجتماعي، والمواقع الإليكترونية، آثار ملموسة على الشباب بشكل خاص. فبات الشباب على معرفة ودراية بكل ما يجري حوله وأصبح العالم كله كقرية صغيرة في متناوله. لذا فلم يعد بمقدور قيادات الأحزاب أن تخفي عن كوادرها بعض الأخبار والتطورات أو تنقلها إليهم بطريقة غير صحيحة. فالشباب وبحكم إجادتهم وقدرتهم على التعامل مع الأدوات الحديثة للوصول إلى "العالم الافتراضي" باتوا يحصلون على المعلومة من مصادر مختلفة أسرع بكثير مما تحصل عليه قيادات الأحزاب نفسها. لقد وجد الشباب ضالتهم في هذه الوسائل المتنوعة رغم المخاطر العديدة التي تصاحب استخدامها. ومن الجهة الأخرى فإن محطات البث المباشرة المنتشرة والتي يتم التقاط بثها عبر الأقمار الاصطناعية وخاصة برامج المسابقات مثل سوبر ستار، وأرب أيدل، ومسابقة الـ100 مفتاح، والأخ الأكبر، التي تقدمها محطات: م بي سي (MBC)، والمستقبل اللبنانية، وعشرات المحطات الفضائية الأخرى، والمنقولة بالأساس عن برامج أجنبية، أميركية تحديدا، تهدف جميعها إلى حرف وإلهاء الشباب عن القضايا الوطنية، وتخلق أجيالا من الشباب القابل للانحراف والمأخوذ بالهالة الإعلامية الكبيرة التي تتيحها هذه المحطات للشباب، بغرض إبعادهم عن العمل المنتج والمجدي، وعن القضايا الوطنية التي تتطلب وتحتاج إلى بذل جهود مضنية لتحقيق الأهداف سواء الخاصة بالشباب أنفسهم أو لخدمة الوطن، فهذه البرامج تأخذهم نحو العمل السهل غير المكلف حيث تفتح أمامهم طريق الشهرة والثراء السريع من خلال ما يطلق عليه اكتشاف المواهب الغنائية أو الفنية!!. فمحطات البث المباشر تضخ معلومات وأخباراً وتحاليل ومقابلات غرضها الأساسي إبعاد الشباب عن المشاركة في العمل النضالي وتغيير أو حرف أولوياتهم والتأثير على اختياراتهم، وإلهاؤهم عن القيام بدورهم الطليعي المفروض لخدمة الوطن، واللافت للنظر في كل هذه المحطات سالفة الذكر أنها لا تعرض أي برامج منتظمة ودورية تحض على مناهضة الاحتلال ومواجهة أساليبه التعسفية، وترفع من وتيرة التصدي لمخططاته الاستيطانية، وتهويده القدس، ومصادرته الأراضي. ولم تكتف هذه المحطات بما سبق ذكره، بل إنها تتجاهل عن عمد القيام بتقديم برامج نهضوية معنية بالثقافة الوطنية والقومية العربية ومعاداة الاستعمار الغربي وتحالفه مع الكيان الإسرائيلي والتسويق لفكرة التطبيع وعدم مقاطعة المنتجات الإسرائيلية، وبالتالي صرفه عن المشاركة في كل الفعاليات والأنشطة الوطنية. فإلهاء الشباب بشبكات التواصل الاجتماعي على مدار الساعة والتي تزخر بمعلومات غير دقيقة وبعضها مزور أو محرف، لجعله يقضي أطول وقت أو فترة زمنية ممكنة أمام الشبكات أو المحطات الفضائية لإبعاده عن المشاركة في النشاطات والفعاليات الحزبية والسياسية وبالتالي عن القضايا الوطنية. فالمعلومات والأخبار التي يتم ضخها يوميا عبر الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي وأدوات البحث الجوجل، كفيلة بتحويل أولويات الشباب واهتماماتهم وتغييرها. لذا فلم تعد تعميمات ونشرات وتقارير ومؤتمرات الأحزاب ووسائل الإعلام الحزبية والوطنية المرئية والمسموعة والمقروءة مصدرا ذا أهمية بالنسبة للشباب. ورغم خطورة ما أشرنا إليه، إلا أن قيادات الأحزاب لم تحاول مرة واحدة الوقوف أمام هذه المخاطر وتقييم النتائج المترتبة على استمرارها. فإبقاء الشباب الفلسطيني (العربي) أسيراً لشبكات التواصل الاجتماعي، التي يتحكم ويضخ كل المعلومات التي تتدفق عبرها جهات معادية سيدفع ثمنه النضال الوطني الفلسطيني والعربي غاليا، في حال استمرار سلبية الأحزاب وحياديتها إزاء ما يتم من غسل منتظم لعقول الشباب والتخطيط الطويل المدى الذي تنتهجه المؤسسات الغربية لإخراج الشباب من معادلة الصراع خدمة لدولة الاحتلال من جهة، وإدخال الثقافة والسلوكات الغربية في الحياة اليومية للشباب وجعل نمط الحياة الغربية مثلهم الأعلى ومبتغاهم ومقصدهم من الجهة الأخرى. فحينما يتبين أن نحو 24% من الشباب الفلسطيني يرغبون بالهجرة إلى الخارج وبالأخص الولايات المتحدة الأميركية، فإن هذا كفيل بمعرفة التأثيرات السلبية والضارة لبرامج محطات البث المباشر وشبكات التواصل الاجتماعي على عقول الشباب وسلوكاتهم. تلك هي أبرز العناصر والعوامل والظروف الموضوعية والذاتية التي تدفع الشباب للعزوف عن الانتماء للأحزاب الفلسطينية (العربية).

 

المراجع:

1- د. محمود محمد صالح الشامي، دراسة ميدانية على عينة من طلبة جامعة الأقصى/خان يونس، مجلة الجامعة، 2012.

2- د. خالد شعبان، تعزيز المشاركة السياسية للشباب في الحياة السياسية الفلسطينية، دراسة مقدمة إلى مؤتمر الشباب والتنمية في فلسطين مركز التخطيط الفلسطيني، الجامعة الإسلامية، غزة.

3-عزوف الشباب عن الأحزاب ليس أحجية، جريدة الغد الأردنية، http://alghad.com/articles/534877-%D8%B9%D8%B2%D9%88%D9%81!

4- لماذا يبتعد الشباب عن الأحزاب؟    ttp://www.jordanzad.com/print.php?id=12232

5- لماذا يعزف الشباب عن العمل السياسي الجمعياتي؟ موقع – تونس؟  http://www.turess.com/assabah/8778

6- حوارات شبابية، الانتخابات البرلمانية 2015 موقع:   http://www.gomhuriaonline.com/main.asp?v_article_id=308460

7- ثقافة الخوف لا تزال تعيق المشاركة الشبابية في الزرقاء /الأردن        http://honazarqa.com/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AE%D8%A8%D8%A

8- http://www.awrad.org/arabic.php

 

 

 

 

الهوامش:


[*]


 مسح الشباب الفلسطيني 2015، النتائج الرئيسة شباط (فبراير) 2016. - [1]

2- هناك اثنان من أعضاء اللجنة التنفيذية البالغ عددهم 18 عضواً ولجا عتبة عقد التسعينات، والباقي في النصف الثاني من السبعينات، وبداية الثمانيات، وهناك عضو واحد فقط بلغ لتوه 61 عاما. وقس على ذلك قيادات الأحزاب والحركات.

- سنشير إلى بعضها في نهاية الدراسة.[3]

4- بعضها كان قبل عدوان 5 حزيران (يونيو) 1967 في الضفتين الشرقية والغربية، ومن ثم انتفاضة

الملفات المرفقة

كمال قبعة معدل.docx
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website