رؤية نقدية للحالة الوطنية الفلسطينية، ماجد كيالي، العدد 265

مساءلة بريطانيا عن وعد بلفور والنكبة الفلسطينية

د. كمال قبعة[*]

 

قلما وقع عبر التاريخ أن تمت سرقة وطن بكامله، وتفكيك وتشريد شعب بأكمله، واقتلاع وتهجير نصف سكانه وتحويلهم إلى لاجئين ونازحين في العديد من دور الجوار والعديد من دول المنافي والشتات، وحتى في أرض وطنه باعتباره غائباً حاضراً ومقيماً مؤقتاً، كما حصل مع الشعب العربي الفلسطيني. فمنذ ما يزيد على مائة عام ونكبة هذا الشعب مستمرة بمراحل متعددة، بفعل مؤامرة ابتدعتها بريطانيا عبر تنفيذ استعمار استيطاني إجلائي إحلالي صهيوني في فلسطين. وقد اعتقدت بريطانيا والدول المتآمرة الأخرى أنها فعلت ذلك، دون أي مساءلة من أحد، واعتقدت مخطئة أن السنين قد تمحو ذاكرة الضحايا والشعب الفلسطيني.

تتناول هذه الدراسة، أبعاد وجوانب وأسانيد طلب الرئيس الفلسطيني محمود عباس، "فتح ملف الجرائم الدولية التي ارتكبت بحق شعبنا من الانتداب مرورا بالمجازر عام 1948 وما بعدها. ومع حلول 100 عام على هذه المجزرة التاريخية، ومع استمرار هذه الكارثة". وتستهدف الدراسة المساهمة في تبيان المواضيع الرئيسة في ملف الجرائم التي ارتكبتها بريطانيا المنتدبة آنذاك على فلسطين، والمرور سريعاً على السوابق الدولية بهذا الشأن، وتناول الجوانب والمبادئ والقواعد والأحكام القانونية، لمساءلة الدول عن الجرائم والانتهاكات التي تقترفها تجاه الدول والشعوب الأخرى، وتقديم بعض التوصيات بها الخصوص.

خطوة شجاعة وتاريخية

طالب الرئيس محمود عباس في كلمته بالقمة العربية التي انعقدت في نواكشوط، بتاريخ 25 تموز 2016، الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، بمساعدتنا لرفع قضية ضد الحكومة البريطانية لإصدارها وعد بلفور المشؤوم ما تسبب في نكبة الشعب الفلسطيني. وأردف يقول: "لقد انقضى قرابة قرن من الزمان على صدور الوعد المشؤوم بلفور، وتم نقل مئات الآلاف من يهود أوروبا إلى فلسطين على حساب ملايين الفلسطينيين، ولاحقاً لذلك فقد سمحت سلطة الانتداب البريطاني والقوى العظمى باقتلاع وتهجير نصف سكان فلسطين إلى دول الجوار، وفي أعقاب النكبة قامت القوات الإسرائيلية بتمدير أكثر من 531 قرية وبلدة عربية فلسطينية. وأضاف "هذا ونعمل من أجل فتح ملف الجرائم الدولية التي ارتكبت بحق شعبنا من الانتداب مرورا بالمجازر عام 1948 وما بعدها. ومع حلول 100 عام على هذه المجزرة التاريخية، ومع استمرار هذه الكارثة، فإننا نطلب من الأمانة العامة لجامعة الدول العربية مساعدتنا لرفع قضية ضد الحكومة البريطانية لإصدارها وعد بلفور ما تسبب في نكبة الشعب الفلسطيني"{C}[1]{C}.

وأعلنت جامعة الدول العربية، دعمها للقيادة الفلسطينية، إزاء عزمها مقاضاة بريطانيا على إصدارها وعد بلفور عام 1917. وقال سعيد أبو علي، الأمين العام المساعد لشؤون فلسطين والأراضي العربية المحتلة بالجامعة، "إن مسؤولية الحكومة البريطانية قائمة ومؤكدة ومستمرة وهي مسؤولية مضاعفة؛ كونها أولاً لا تملك مثل هذا الحق، فكيف تطلق بريطانيا هذا الوعد وتعمل على تحقيقه بنفس الوقت على أرض لا تملكها بل هي ملك شعبها الأصلي وهو الشعب الفلسطيني؟ وكونها ثانياً تتحمل المسؤولية؛ بحكم التفويض الممنوح لها من عصبة الأمم بوصفها الدولة المنتدبة على فلسطين، وهي الإقليم المصنف وفق معايير عصبة الأمم ونظام الانتداب، في ذلك الوقت، ضمن الفئة القابلة للاستقلال كدولة. ودور الحكومة الانتدابية هو مساعدة هذا الإقليم على بناء مؤسسات دولته وتحقيق استقلاله وممارسته سيادته"{C}[2]{C}. وأضاف أن "جريمة وعد بلفور لا تسقط بالتقادم، ولن تسقط من ذاكرة وتاريخ الشعب والمنطقة، أو من وعيه ووجدانه". الأمر الذي يتطلب في الذكرى المئوية الأولى لهذا الوعد "وقفة للمراجعة على طريق المساءلة والملاحقة الأخلاقية والقانونية"، وقال "إن إعلان بريطانيا عن الاحتفال بالذكرى المئوية لـ وعد بلفور يشكل تحدياً سافراً لأبسط حقوق ومشاعر الشعب الفلسطيني، وللقيم والمبادئ والمواثيق الدولية التي تتطلب وقفة للمراجعة على طريق المساءلة والملاحقة الأخلاقية والقانونية". وقال إن "وعد بلفور المشؤوم يعد جريمة كبرى بحق الشعب الفلسطيني وهي جريمة لا ينبغي أن تسقط بالتقادم ولو بعد مرور مائة عام".

البداية كان وعد بلفور

منذ نحو مائة عام وفي 2 تشرين الثاني (نوفمبر) 1917 أصدر وزير الخارجية البريطاني بلفور تصريحاً على شكل رسالة وجهها إلى اللورد روتشيلد، عرف هذا التصريح فيما بعد بوعد بلفور، وجاء فيه "أن حكومة جلالته تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين، على أن يفهم بجلاء بأنه لا يؤتى أمر من شأنه أن يجحف بالحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية الموجودة في فلسطين، أو بالحقوق والأوضاع التي يتمتع بها اليهود في أية بلاد أخرى"{C}[3]{C}.

واعتبرت الحركة الصهيونية العالمية وقادتها هذا الوعد مستندا قانونيا لتدعم به مطالبها المتمثلة، في إقامة الدولة اليهودية في فلسطين، علماً أنه حين صدر الوعد كان تعداد اليهود في فلسطين لا يزيد عن 5% من مجموع عدد السكان. وقد أرسلت الرسالة قبل احتلال الجيش البريطاني لفلسطين عام 1917، وأصدرت الحكومة البريطانية أوامرها إلى الإدارة العسكرية البريطانية الحاكمة في فلسطين، أن تطيع أوامر اللجنة اليهودية التي وصلت إلى فلسطين في ذلك الوقت برئاسة حاييم وايزمن، وعملت على تحويل قوافل المهاجرين اليهود القادمين من روسيا وأوروبا الشرقية إلى فلسطين، ووفرت الحماية والمساعدة اللازمتين لهم.

ولا شك أنّ بريطانيا تتحمل المسؤولية الكبر عن نكبة الشعب الفلسطيني من كافة النواحي السياسية والأخلاقية والقانونية. فبريطانيا هي التي أصدرت وعد بلفور، وهي التي مكّنت للصهاينة في فلسطين من خلال استقدام مئات الآلاف من المهاجرين اليهود إليها، ومن خلال دعم العصابات الصهيونية المتمثلة في "هاغاناه" و"اشتيرن" و"آرغون" وغيرها بالمال والسلاح، ومن خلال طلبها من عصبة الأمم الموافقة على صكّ الانتداب لتنفيذ وعد بلفور، وكذلك من خلال ملاحقتها وقمعها للشعب الفلسطيني ومنعه من امتلاك السلاح لمقاومة العصابات الصهيونية والقوات البريطانية الداعمة لهذه العصابات. وأخيراً كان الانسحاب البريطاني من فلسطين مفاجئاً بالنسبة للعرب، حيث أنهت بريطانيا انتدابها في 14 أيار (مايو) 1948، وانسحبت ولم تعط للفلسطينيين أية فرصة حت آخر لحظة لأن يتملكوا أية مقومات للدفاع عن أنفسهم، بينما كانت قد انسحبت من المناطق اليهودية قبل ستة شهور تاركة للصهاينة الكثير من السلاح والعتاد ومعسكرات الجيش البريطاني المجهزة، وأهمها خط تحصينات "أيدن" في شمال شرق البلاد الذي كان مجهزا لصد أي هجوم ألماني أثناء الحرب العالمية الثانية. وبالتالي بريطانيا تتحمّل المسؤولية الكاملة سياسياً وتاريخياً وأخلاقياً وقانونياً، عن المحرقة الحقيقية والنكبة الشاملة التي حلت بالشعب الفلسطيني وما زلنا نعيشها حت اليوم.

بانوراما سرقة وطن

كل الحقائق والوقائع التاريخية التي أثبتتها المصادر الصهيونية والبريطانية نفسها التي نشرت، تشير إلى أنّ اليهود قبل عام 1917 لم يكونوا يملكون من فلسطين سوى واحد في المائة من أراضيها. ومن عام 1917 حت عام 1948 (فترة الانتداب البريطاني) ارتفعت هذه النسبة لتصل إلى 6.6 في المائة من مجموع مساحة فلسطين حصل اليهود على معظمها من خلال دعم الاحتلال البريطاني لهم، في حين حافظ الشعب الفلسطيني حت قيام الكيان الصهيوني في 15 أيار (مايو) 1948 على 93,4 في المائة من مساحة فلسطين. ومن ثم بدأت النكبة تتسع من خلال المجازر والدمار الذي حلّ بالشعب الفلسطيني أثناء حرب 1948 وبعدها، حيث دمّرت العصابات الصهيونية مئات القر والمدن الفلسطينية، وشرّدت أهلها منها واغتصبت أراضيهم بالقوة المسلّحة، ليسيطر الكيان الصهيوني في حرب 1948 على 78 في المائة من مساحة فلسطين التاريخية، ثم سيطر الكيان الصهيوني على مساحة 22 في المائة الباقية في حرب عام 1967 والمتمثلة في الضفة الغربية والقدس، التي كانت جزءاً من المملكة الأردنية، وقطاع غزة الذي كان يتبع للإدارة المصرية.

وبشكل عام فإن حكومة الانتداب البريطاني ساهمت إلى حد كبير في تحول اليهود من أقلية دينية إلى جماعة لها ثقلها العددي في فلسطين، فزاد عدد اليهود من حوالي 84 ألفاً عام 1922، إلى حوالي 650 ألفاً في 15 أيار عام 1948، وأدت تلك الزيادة إلى رفع نسبتهم إلى جملة سكان فلسطين من 11 في المائة إلى 31 في المائة خلال الفترة 1922-1948، وقد ساهمت الهجرة خلال الفترة المذكورة بنحو 400 ألف يهودي، من مجموع الزيادة الكلية لهم والبالغة 566 ألفاً. وتشير الإحصاءات البريطانية إلى ارتفاع مجموع سكان فلسطين من 757 ألفاً في عام 1922 إلى 2.1 مليون نسمة عام 1948، من بينهم 1450000 عربي فلسطيني. ويمكن الإشارة إلى أن الحركة الصهيونية استطاعت خلال الفترة من 1897-1948 تحقيق هدف ديموغرافي هام تمثل بتجميع 650 ألفاً من يهود العالم في فلسطين، هذا فضلاً عن امتلاك 1800 كيلو متر مربع، تشكل 6.6 في المائة من مساحة فلسطين البالغة 27009 كيلو مترات مربعة، وقد ارتكبت بحق العزل الفلسطينيين 18 مجزرة في فترة الاحتلال البريطاني ذهب ضحيتها 300 شهيد، ومع إنشاء إسرائيل في أيار 1948 تكون الحركة الصهيونية قد حققت هدفها في إنشاء الدولة اليهودية بعد خمسين عاماً من المؤتمر الصهيوني الأول في بال بسويسرا، ولتحقيق القسم الديموغرافي من التطلعات الصهيونية، تمّ طرد نحو 850 ألف فلسطيني من

الملفات المرفقة

ماجد كيالي.docx
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website