وفا وفاء لفلسطين - زياد عبد الفتاح - عدد 248

زياد عبد الفتاح·

وفا  وفاء لفلسطين

في البدايات بدا تأسيس وكالة للأنباء أمراً صعباً لا يصدق. لأول مرة وكالة أنباء للثورة وليسـت للدولة وليست استثماراً فردياً أو استثماراً مؤسسياً. في البدايات أيضـاً كان القرار مفاجئاً ومـربكاً. كـيف نبدأ ومن أين، ليسـت هناك إمكانات تقنية ولا موارد بشـرية. كان الذين يبدأون، يكـادون يبدأون من نقطـة الصفر، وكان توفير كـوادر مـدرّبة وقـادرة أمراً عسـيراً، فالثورة لم تكـن جـاذبة، سـوى لأولـئك الحالمين المغـامرين، الذين أرواحهم على أكـفهم. أما الجمـاهيـر العـريضة فكانت مع الثورة قلباً وقالباً، ولكن دون ذلك القدر من التضحية، الذي يذهب بك وبأمنك في لحظة خاطفة فاجعة.

ثمـة أمـران جـعلا الوضـع أكـثر تعقيداً، أولهما يتلخص في العجـز عـن استقطاب صحافييـن مهنييـن، فهؤلاء يحتاجون قدراً أعلـى من الحركة والحرية، فضلاً عن دخل مـحترم يليـق بـهم وبعلاقاتهم الاجتماعية، أما الأمر الثاني فكان أنـك وأنت  تبدأ، تكاد تبدأ وأنت أعزل من الأسلحة الضرورية للعمل.

في تلك اللحظات والأيام بدا أن الخيال وجنـون الفكرة، وما يرافقـها من التحدي والعزيمة، ربما تشكل تعويضاً، أو تستحضر أسلحة قادرة على الخروج مـن المأزق.

كانت البداية في عمان ولكنها توقفت بعد أيام، أو لنقل أن الثورة الفلسطينية كانت تمر بمنعطف متسارع خطر، جعل خروجها من عمان وجرش والأحراش وحتى إربد، وبالتالي من الأغوار مسألة وقت.

لذا لم تصدر وكالة "وفا"، ذلك الصدور الذي يمنحها القدرة والاستمرارية. فلما حانت الفرصة بعد ذلك بعامين أو أكثر قليلاً، انطلقت من بيـروت، وسـط حـيرة الرهان على نجاح، حظوظ هذه الانطلاقة هشة ومحدودة.

لا أدري، ولكن ربما أسعفني الحظ مرات، أن أكون من زمرة المؤسسين. فقد مضيت إلى الإذاعة "صـوت العاصـفة" عام 1968 لأكون واحداً مـن الكـوادر المؤسسة لإذاعة لم تكن في حسابات حياتي على الإطلاق.

لـم تـكن قدمي قد وطـأت مـقر إذاعـة مـن قـبل، ولم أكن في الأسـاس على دراية بالعمل الإذاعي، لكنني ما إن ألقيت بنفسي في تلك الإذاعة أو ألقوني فيها، حتى بدأت عملاً دؤوباً وجاداً لم أدخر معه وسعاً لتطوير قدراتي. قضيت في الإذاعة في القاهرة الفترة منذ عام 1968 حتى عام 1971.

صدر قرار اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية في 5/6/1972 بإنشاء الإعلام الموحد، وكانت وكالة الأنباء الفلسطينية "وفـا" واحدة من أبجدياته. وتم تشكيلها برئاستي، ومعي هيئة تحرير، أسند القرار إلى الفصائل الفلسطينية اختيار مندوبيها فيها، وليكونوا محررين وعاملين.

في ذلك المناخ الذي بدا إيجابياً، أصرت منظمة الصاعقة التي كانت تتبع النظام السوري، أن يكون أحد أعضائها نائباً لرئيس الوكالة، فضلاً عن محرر أخر تحدده. حسناً لقد فهمت بعض الفصائل الأمر على أنه محاصصة، كاشفة عن حجم هذا الفصيل أو ذاك!!

لم تكد "وفا" تبدأ العمل، حتى بدأت نشاطاً آخر في سلسلة نشاطاتها، تمثل في الاتصال بوكالات الأنباء العربية و الأجنبية و إقامة علاقات معها. وفي الحقيقة فإن هذه العلاقات يسرت لنا بث أخبارنا على نحو عاجل جداً، حين كانت أهمية المادة الإعلامية تفرض نفسها، فتتلقفها الوكالات وتبثها نقلاً عن "وفا". تلك الخدمة لم تكن خالصة لوجه الله، فقد كانت بعض الوكالات تشترط اشتراكاً بمقابل، والبعض الآخر كان يتوسل أن يكون الأول في تلقي أخبارنا، على أن يتم بثها للوكالات الأخرى بعد دقائق.

وفي الحقيقة فإن انطلاقنا لم يكن ليأتي على ذلك النحو من الزخم، لولا أن الخبر الفلسطيني، ظل على امتداد السنوات والعقود سلعة رائجة، إن لم تكن السلعة الأولى، تنتجها وتؤسس لها حركة الثورة الفلسطينية، والنضال البطولي المسلح، الذي يخوضه الفلسطينيون منذ انطلاقتهم العاصفة عام 1965.

كان المقاتلون الفلسطينيون في الجنوب اللبناني، وداخل فلسطين المحتلة، وفي كافة مواقعهم الأخرى، يصنعون الخبر، بعملياتهم البطولية وتضحياتهم، وحيث كنا نكتب الخبر بالمداد، كانوا يكتبونه بالدم.

لكننا كنا ندفع من دمنا كذلك. فلقد استشهد العديد من القادة معظمهم كانوا مسؤولين عن الكلمة والإعلام، دفع بعضهم ثمن الكلمة التي آمن بها. أليس كمال ناصر وكمال عدوان وأبو يوسف النجار، ثم بعد ذلك ماجد أبو شرار عناوين وأسماء، أكثر من كافية لسرد حكايات عن نماذج قيادات، استشهدت تعبيراً عن الكلمة، فالكلمة حين تنطلق نحو هدفها، مدعمة بقوة الحجة وعدالة القضية، يضاهي خطرها خطر البندقية.

لقد كان كمال ناصر مسؤول الإعلام الموحد في المنظمة، وكان كمال عدوان مسؤول إعلام فتح وكان ماجد أبو شرار قائداً إعلامياً ذا موهبة فذة وكان يقود الإعلام الموحد بفكر منفتح وإبداع متميز. كما استشهد شباب عملوا في الوكالة بعضهم دفعوا حياتهم أثناء عملهم في مقرها. هل يمكن القول أننا نجونا كثيرا من موت محقق؟ أظن ذلك تماماً، وأعتقد أن حياتنا الآن ربما هي صدفة مضافة.

لقد استشهد في الشقة المقابلة لرئاسة وفا والأخرى المقابلة لصالة التحرير، اثنان من العاملين في الوكالة، سقطت فوقهم القذيفة ولم تسقط فوقنا، وسقط بعض الجرحى. انتشرت رائحة الموت وعمّ الدمار الطابق الذي اتخذناه مقراً لنا في "الشارع الأخير" بعد أن ضاقت بنا الشقة الأولى في بناية النصر. لم يكن المكان بعيداً، كنا في شارع مقابل يحتضن عشرات المقرات الإعلامية والسياسية والعسكرية وخلافها.

كانت "وفا" والإذاعة على خط واحد، في شارع صغير واحد، ومقابلها كانت الدائرة السياسية والمجلس الثوري لحركة فتح وبجوارها مالية فتح ومقر الحزب الشيوعي الفلسطيني، والشيوعي العراقي، واللاجئون السوريون وكل لاجئين آخرين فروا من قمع الأنظمة. لا أريد أن أتوسع كثيراً في ذكر التفاصيل ولكني فقط ظللت أهتم بإقحام الذاكرة في مفاصل، كان لا بد من التطرق لها، فقد كانت الوكالة أو هكذا أردنا لها في هيئة التحرير أن تكون فوق رؤيتها المهنية، برؤية سياسية، تعتبر الثورة الفلسطينية جزءاً من حركة التحرير في العالم، فعلاً لا قولاً وحسب.

أو لنقل أردناها أن تظل برؤيا تطـل علـى عـوالم المناضلين مـن كـل الأوطـان   العربية، وبقاع العالم. وهنا لا أريد المضي مرة أخرى بعيداً، في استرجاع ما هو توثيقي أو وثائقي، إلا أنني أجد نفسي مضطراً لأكثر من سبب، إلى ذكر أشخاص بعينهم من وطننا العربي المترامي غادروا أنظمتهم هرباً من البطش والاغتيال، نحو ذلك الحضن الدافئ الذي مثلته حركة التحرير الوطني الفلسطيني.

ومن مصر مّر ببيروت العديد من المناضلين المصريين هرباً من السجون والقمع، واستقروا في حضن الثورة الفلسطينية وبشكل خاص جداً ومميز، في وكالة الأنباء الفلسطينية "وفا" من هؤلاء عدلي فخري المغني والمهندس الزراعي والفنان، الذي قضى في بيروت مدة الحصار، يغني للصمود في ملاجئ بيروت من أقصاها إلى أقصاها.

 وعبد المنعم القصاص الصحافي والرسام اللامع، وعبد الرحمن الخميسي الذي لم يعمل معنا، ولكنه كان يعتبر "وفا " بيته ومقامه الذي يتفيأ ظلها.

وكان كذلك سيد خميس وآخرون كثيرون. غير أنني لا استطيع أن أقفل على الذاكرة، قبل أن أذكر اثنين من الشباب المصري، الذين وفدوا إلينا وعملوا معنا أحدهما اسمه الحركي طاهر الشيخ، والحقيقي محمد شولاق، والثاني حسين عباس. لقد كان هذان الاثنان بنشاط وحيوية، ولم يتأخرا يوماً عن أداء مهمة، مهما كانت نوعية وخطرة، غير أنني لن أنس الصحافي والفنان فهمي حسين، الذي طلّق روز اليوسف من أجل الثورة.

ومن العراق انضم لنا حيناً، وغادرنا أحياناً ليعود من جديد، الشاعر المجيد سعدي يوسف والشاعر الجميل جليل حيدر، أما من سوريا فقد عمل معنا في الوكالة الروائي حيدر حيدر ومن الأردن المناضل الطلابي والصحفي، ثم فيما بعد وزير الإعلام الأردني صالح القلاب. أما من لبنان فحدّث ولا حرج. ولنا أن نسأل في ذلك بشارة مرهج ومعن بشور، وعشرات الأشخاص، الذين نكنّ لهم الحب والاحترام، من منظمة أمل، وحزب الله وآخرين.

في البدايات والنشوء أيضاً وأيضاً، لم يكن الخبر بلغتنا العربية العظيمة والجميلة، هو ما ينبغي أن ننقله، وبصياغة دقيقة لا تحتمل التأويل وحسب، وإنما كنا نخشى أن تنحرف الأخبار عن مسارها وبخاصة التعليق، الذي ربما يتعرض للتزوير أو التشويه بما يخرجه عن معانيه ومقتضياته. لذلك سارعنا في هيئة التحرير إلى إنشاء قسم في "وفا" لترجمة أهم الأخبار إلى اللغة الانجليزية، بل وإصدار نشرة خاصة أجنبية إلى جانب نشرة وفا الرئيسية. كانت اللغة الانجليزية هي الأساس، وأحياناً كنا نبث أخباراً باللغة الفرنسية. كان الهدف ألا يتم تزويرنا أو تأويلنا، وأن نصدر بما نصدر به، على أعلى قدر من الصدق والدقة.

كان الأمر صعباً، بل شاقاً فلم يكن من الممكن توفير محررين على درجة عالية من الإلمام باللغة الانجليزية، فضلاً عن الاستخدام الرشيق والدقيق للمفردات والعبارات، التي تضع المقصود والهدف في سياقه المتقن والصحيح. ولقد حالفنا الحظ بأكثر وأعظم مما كنا نتوقع، حين تقدم لنا الدكتور رشيد الخالدي وزوجته السيدة منى تادرس باستعدادهما للعمل معنا.

كانا بسيطين وودودين، وعلى استعداد للعمل دون شروط. ولقد فرحنا بهما كثيراً واحتفلنا بعمل، انكبا عليه بإخلاص وصدق نادرين. لقد رأيت أن علي واجباً وأن لهما حق أن أتوقف لأذكرهما، وأذكر لهما أنهما لم يتبرّما يوماً ولم يبديا طلبات ثقيلة أو غير ثقيلة.

المحرّر السياسي

ولقد لفت الأستاذ رشيد الخالدي، وأظنه في هذه اللحظات التي أكتب فيها يعمل أستاذاً متفرغاً في جامعة جورج تاون في الولايات المتحدة، ولكنني لا أعلم عن زوجته السيدة منى. أقول لفت نظرنا إلى المحرر السياسي، الذي كانت تصدره الوكالة، وكان بمثابة رأي أو موقف أو تحليل سياسي، اشتهر فيما بعد بأنه أصبح  رأياً شبه رسمي  للثورة ومنظمة التحرير الفلسطينية، وأنه غدا معتمداً ويعتدّ به في الأوساط الصحافية.

وفي الحقيقة فإنني في هذا السياق تحديداً، أود التأكيد على أن رئيس المنظمة، ثم رئيس السـلطة فيمـا بعـد، كـان حميمـاً ومتفهمـاً وأحـياناً كثيـرة مشـجعـاً أو متواطئاً.

إذ أنني لم أتعرض يوماً إلى مساءلة أو اعتراض على ما كانت "وفا" تنشره من رأي أو محرر سياسي. و إذا كانت هناك ثمة ملاحظات فإنها كانت ملاحظات فيها من العتاب أكثر مما كان فيها من اللوم. إنني هنا أسجل أنني الوحيد في كل تلك السنوات التي أعقبت البدايات، وحتى السلطة وحتى تقاعدي، الذي كان يكتب المحرر السياسي، وأنني أتحمل منفرداً مسؤولية المقالات التي كتبتها عبر عقود من السنوات، أي منذ عام 1972 وحتى عام 2006 وهــو العام الذي قام فيه وزير الإعلام باستصدار مرسـوم بكف يدي عـن العـمل فـي الوكــالة، وبتعييني مستشاراً لوزير الإعلام، وهي وظيفة لم أمارسها، ولم أقبل بها ولو يوماً واحداً. على كل حال كنت قد جاوزت سن التقاعد، فحق لي وعلي الذهاب إليه طواعيةً، ودون التوقف للحظة واحدة ، أمام أحقاد أو تسديد حسابات، لم تشغلني من قبل.

على أن علي أن أعترف أن المحرر السياسي لم يكن ملكاً، وإن بدا إرثاً وتراثاً شخصياً، فلقد كان الأخ أبو عمار يطلب، نادراً، نادراً، التطرّق لمسائل بعينها، ولكن هذا لم يحدث كثيراً، مثلما ظل يعتقد البعض.

هل كان المحرر السياسي يؤسس لأدبيات سياسية سادت الخـط السياسـي الفلسطيني؟ هنا تصعب الإجابة، وعلى الباحثين والمحللين الحكم في ذلك. فلا بدّ من قراءات معمقة للمحرر السياسي، تضعه في سياقه.

عندما يتعلق الأمر بالتاريخ فإن عليك ألا تزوّر أو تتجمل، وعليك أن تذهب بعيداً في تأكيد ظنك بأن التاريخ ليس ملكك، وإنما هو ملك هذا الشعب الفلسطيني المناضل البطل. لقد سردت هنا نتفاً من تاريخ اختلط فيه الشخصي بالعام. وعندما يحدث هذا علناً، فإن على من يملك المخالفة  أن يتقدم، وله كـل الحب  والاحترام.

ثمة أكثر من مفارقة في تاريخ المحرر السياسي لوكالة وفا، أذكر منها ثلاثاً، واحدة منها في بيروت والثانية فـي تونـس، والأخيرة بعد الانتفاضة عام 2000 في الوطن فلسطين. ففي بيروت أثار المحرر ضجيجاً ثار ولم يهدأ، حينما وجه النقد للمجلس الوطني الفلسطيني، ولفصائل المنظمة والثورة، متهماً إياها بأنها لم تسعَ يوماً إلى الوحدة الوطنية ولم تغلب القضية، على مصالحها الضيقة ومكتسباتها الذاتية.

كان مقالاً عنيفاً دافع عنه كمال ناصر بضراوة وكمال عدوان ببسالة. على الرغم من أنهما لم يعلما به إلا بعد نشره.

أما الثاني فكـان فـي تـونس وحمـل تعريضاً بنظام عربي دسّ أنفه فـي الشـأن الداخلي لمنظمة التحرير الفلسطينية. لقد قام في ذلك الوقت أحد أعضاء اللجنة التنفيذية بالشكوى لرئيس اللجنة والمنظمة متهماً إياه بأنه وراء المحرر! ولقد استدعاني وكان غاضباً، فيما علمت في الجو الغاضب، الذي كان يملأ ردهات مكتبه، وحراسه! لكني قبل أن أمثل أمامه، كان قد قرأ المحرر السياسي، فتحول استدعائي برداً وسلاماً.

أما الثالثة فكانت في غزة بعد الانتفاضة عام 2000 وكان الرئيس ياسر عرفات ما يزال في المنتدى. في تلك الأثناء كتبت محرراً سياسياً أننا والإسرائيليين دخلنـا في اتفاقية علينـا احـترامها، وأننـا منـذ تلك الاتفاقية ربمـا نلجـأ إلـى الانتفاضة، أمام هذا الإرهاب الإسرائيلي ولكن شرط أن تكون انتفاضة سلمية تتصاعد حتى العصيان المدني وكل أشكال الكفاح السلمي. يومها نشرت كل الإذاعات والصحف ووكالات الأنباء المحرر بحذافيره، وكان للإعلام الإسرائيلي نصيب وافر في النشر معتبراً ذلك لغة جديدة في خطاب السلطة والمنظمة!

لم يكن ياسر عرفات قد علم بالمحرر السياسي عندما زرته في صباح اليوم التالي. سألني بعد أن علم هل تشاورت مع أحد قبل أن تكتب؟ أجبته بأنني لم أفعل، ولكنني قرأت كثيراً في الأوضاع الراهنة و المتغيرات، ووصلت إلى هذا الموقف المتوازن. لقد كنت يا أخ أبو عمار تقول بأننا لا نستطيع هزيمة إسرائيل عسكرياً أو إلقاءَها في البحر بحكم موازين القوة، وأن إسرائيل بالتالي لا تستطيع إلقاءنا بعد أن أصبح الوجود الفلسطيني بالثورة والمقاومة، حقيقة لا تستطيع قوة مسحه أو شطبه. لذا فإنه لا خيار لنا ولهم غير التعايش والسلام. أليس هذا ما تعتقده!

لم يعقب أبو عمار، وإنما سرح بنظره بعيداً وعميقاً في بحر غزة.

أردت بهذا القصّ والاستدراك والقفز فوق المراحل تثبيت مدى حرية الرأي التي كانت تسودنا، وأن ياسر عرفات، الذي كان يبدو تلخيصاً للحاكم المستبد، كان في الواقع قادراً على استيعاب الرأي الآخر، وإلا فكيف يمكن تفسير أن الثورة الفلسطينية عاشت بفصائلها المتعارضة متصالحة، على الرغم من أنها عاشت سنوات وسنوات، في مناخ خطر كنا نصفه كثيراً بغابة البنادق.

 

ولسوف أجدني مضطراً في هذا السياق، إلى أن أشير إلى العلاقات الخاصة، التي نشأت بين قيادة وكالة الأنباء الفلسطينية "وفا"، وبين الصحافي القبرصي بنياتوس  بسخالس، عبر الصحافي في الوكالة فايز يونس، ومراسلها في قبرص والعضو الفعال  في القسم الأجنبي الذي كان يقوده رشيد الخالدي.

سافر الصحافي القبرصي بسخالس إلى الأرض المحتلة مرات عديدة بتكليف من وكالة "وفا" لتغطية الأخبار والأحداث، ووافانا بتقارير ما كنا لنحصل عليها، لولا شجاعته ودأبه وإخلاصه. لقد حرصنا أن تظل تلك العلاقة خاصة وسرية، لكنها انكشفت فيما بعد، ودفع ثمنها الصديق القبرصي ثمناً غالياً، إذ اعتقلته السلطات الإسرائيلية ونكلت به، كعادتها في التعامل مع من يتعاملون مع منظمة التحرير، ولو كانوا بلا غرض أو هوى، سوى التأييد والمناصرة، والإيمان بعدالة التغطية.

لقد شجعتنا التجربة الناجحة، بل الفارقة، في تغطية أخبار طرد العمال والطلاب الفلسطينيين من ألمانيا، من خلال مكتب الجامعة العربية فـي "بـون"، والتـي شكلت صدفة رائعة، أن نفكر في افتتاح مكاتب للوكالة في أكثر من عاصمة عربية وأوروبية.

ولقد خضنا التجربة في روما وبلغراد وقبرص، وكدنا نمضي إلى أبعد لولا أن التجربة شابتها تعقيدات، سوف أشير لها باقتضاب.

لقد كان تأثير البعثات الدبلوماسية الفلسطينية في تلك العواصم، وحتى العواصم العربية أعلى، بحيث استحوذت على مكاتب "وفا" وشغلتها كمكاتب إعلام لها، وضمن البعثات الدبلوماسية.

لقد شجع ذلك الكثير من مراسلي وفا، وفي مكاتبها المحدودة في تلك السنوات من منتصف السبعينات من القرن الماضي على ازدواجية الولاء الوظيفي، ففقدنا بذلك امتيازاً صحافياً خططنا له، ولكننا لم ننجح في قطف الثمار كاملة.

كانت بيروت قد غرقت في الحصار في اليوم العشرين من حرب الاجتياح عام 1982، وكانت الكتائب الإسرائيلية ترابط على تخومها عند المطار والأوزاعي، وفوق مرتفعات "عَرَمون"، المطلة على العاصمة من جنوبها وحتى جنوبها الشرقي. وكان حلفاؤهم من الكتائب والأحرار والميليشيات المارونية الأخرى، يواكبون الحصار الإسرائيلي، بحصار يغطي ما تبقى من منافذ بيروت أو أطرافها. كان ذلك يجعل بيروت مطوّقة، وأهلها لبنانيون وفلسطينيون وعـرب، فـي حصار كامل شامل وأقرب إلى السجن أو الأسر. ماذا تفعل وأنت تفتش السماء فلا تعثر سوى على الطائرات المغيرة، والبحر يضرب فيـك قذائف لا تمـلك لها رداً؟

كان المقاتلون يفرغون شحنات غضبهم بقذائف وصواريخ، بدت في المدى القادم على وشك النضوب، كانوا يصيبون بدقة ويكبدون العسكريين الإسرائيليين خسائر واضحة، ولكنهم في الوقت ذاته يتلقون الردود سريعاً. في حالات بمثل هذا الحجم من التراجيديا، يحتاج الأمر إلى إعلام ميداني من نوع خاص، بخلاف "وفا وبعد أن تعثرت فلسطين الثورة"، بسبب توقف المطابع، وشحّ الكهرباء. لقد ألقـى ذلك كله أعبـاء إضافيـة علـى "وفــا" والإذاعة التي عملت بفدائية تحت قيادة نبيل عمرو، وانقطاع حسن عصفور ورشاد أبو شاور وغيرهما للعمل بروح عالية وحماس كبير. غير أن أخاً آخر كان يعمل بنفس الروح والدأب، ولكن بصمت، هو نائب مدير الإذاعة طاهر العدوان الأردني الفلسطيني الذي كان مناضلاً صلباً وبهدوء منقطع النظير.

 لذا دعـونا إلى اجتمـاع عاجـل للكتـاب والصحافيين الفلسطينييـن واللبنانيين والعرب، في الفاكهاني. حضره أكثر من سبعين بينهم محمود درويش، ومعين بسيسو وسعدي يوسف، وحنا مقبل، ونبيل عمرو، وغيرهم ممن سآتي على ذكرهم وحداً واحداً، عندما أعرض لافتتاحية "المعركة" التي اختتم بها رئيس التحرير زياد عبد الفتاح مسيرتها، عندما بلغت ستين عدداً، وأصبح الخروج من بيروت بين عشية وضحاها.

ما علينا بعد هذه الافتتاحية الفارقة، والتي لم يقرأها بالتأكيد الذين كتبوا عن جريدة المعركة أثناء حصار بيروت، والتي أطلقتها وكالة الأنباء الفلسطينية "وفا". وكان رئيس تحريرها ومرافقه أحمد سعيد عيد يتنقلان بها تنضيداً وصفّاً وإخراجاً وطباعة، من مكان لآخر في جحيم بيروت. كتب ثلاثةٌ، فيما قرأت، عن أدوارهم البطولية في إنشاء جريدة المعركة ومسؤوليتهم عنها. الثلاثة جميعهم لم يأتوا على سيرة زياد عبد الفتاح أو دوره، وإنما نسبوا كل ما للمعركة "وليس عليها" لأنفسهم، ولشخوص لم يعودوا يزاحمون أحداً فلقد استشهدوا أو ماتوا يرحمهم الله، وأظنهم ما كانوا لو كانوا أحياء، لينسبوا الفضل لغير أهله.

على كل وفي كل الأحوال، لا بدّ من التصريح بأن جريدة المعركة موثقة، وأنها صدرت في تونس في مجلد واحد، ولا أحد يمكنه تجاوز ما قالته في تاريخها البطولي القصير، ولا يستطيع أحد طمس دور أحد، أو اغتصاب دور لا يستحقه.

بدأنا إصدار العدد الأول، في اليوم العشرين من أيام المعركة. في مساء اليوم الذي سبقه ذهبت إلى عبد المنعم القصاص حاملا إليه افتتاحية محمود درويش، ومقالات عز الدين المناصرة وزياد عبد الفتاح وفيصل دراج ورشاد أبو شاور وسعدي يوسف وحيدر حيدر ورضوان السيد، وقصيدة شعر لمعين بسيسو، وتحقيق مع مقاتلين لسليمان شفيق. أسعار المواد الغذائية في السوق، أعدها سليمان شفيق أيضاً، وانكب الرجل الودود الباسم في كل الظروف على العمل. كان ممتلئاً بالهدوء في ظاهره، قلقاً أشد القلق في أعماقه، يحمل هم كل شيء على كتفيه، يعتبر نفسه مسؤولاً ويستبد به القلق، الذي لا يعلنه حتى على صفحات وجهه.

كان هناك نقص في مواد العدد فوسّع عبد المنعم المساحات. ولم نتمكن أن نصل في موعد الصف، الذي حدده لنا مسؤول إدارة النداء، وضغطنا بكل وسائل الضغط الرفاقية، حتى نجحنا في "صف" المواد، وعدنا بها نحو الثالثة فجراً إلى عبد المنعم، الذي انكب يرسم "الماكيت" بحيوية وهمة الشباب، وعيناه من خلف زجاجتي نظارته تلمعان بالفرح. لقد وجد أخيراً دوره، وحملنا "الماكيت" في الثامنة من صباح اليوم العشرين للمعركة، والأول للصدور إلى المطبعة، فوجدناها مقفلة. ذهبنا إلى مسؤول جريدة النداء.

قال: حذرتكم قبل أن نبدأ. قلنا إنها ظروف الحرب. قال وظروف المطبعة أيضا هي ظروف الحرب. قلنا النقاش لا يجدي وعلينا أن نتدبر أمرنا ويجب أن تصدر الجريدة. قال أعلم ذلك ولكن. قلنا بدون ولكن، هذه ساحة قتالنا معاً. قال حاولوا أن لا يتكرر الأمر، يومها خرجت الجريدة على الناس قرابة العصر.

·       الجنود المجهولون

قليلون حتى أولئك الذين ساهموا بالكتابة في جريدة "المعركة" وحتى في هيئة التحرير، كانوا  يعرفون بدقة العمل الخارق، الذي قام به جنود مجهولون لم تظهر أسماؤهم على صفحات الجريدة أثناء التنفيذ: الفنان عبد المنعم القصاص كان واحداً من هؤلاء الذين بدأوا مع الجريدة. كان يخرج الجريدة ويرسم "الماكيت" على ضوء مصباح الغاز، وبأدوات بدائية. ومحمد المصري مساعد عبد المنعم القصاص لفترة فاقت العشرين عدداً، كان ينكب على التنفيذ حتى أخر الليل. كثيراً ما كان يواصل الليل بالنهار. وعدلي فخري المتعدد المواهب كان يساهم في التنفيذ أيضاً، بل إنه في الأزمات، كان المنفّذ الوحيد الذي يساعد عبد المنعم. وكان عدلي يذهب معنا إلى الصف ويقوم بالتصحيح هناك، حتى يرفع عن كاهل عبد المنعم بعضا من عبئه.

وحاتم الشاب الفلسطيني الموزع الأساسي للجريدة، الذي كان ينتظر في السيارة أو ينام قريبا منا. يمضي معنا حتى صدور الجريدة، لينطلق بها فرحاً يوزعها في كل المواقع والأماكن، ثم يعود ليخلد إلى الراحة ساعات قليلة، لا يلبث بعدها أن يعود إلى كامل نشاطه.

"وأبو السعيد" "أحمد سعيد عيد" وحسن رمضان اللذان يرافقانا ولا يهدآن، إلا بعد أن نذهب للراحة المتاحة بشكل نادر. لقد كان أبو السعيد يقوم دائماً بالمهمات الصعبة، وكان حسن معه. لم يُطلب منهما شيء إلا نفّذاه بدقة وحب.

من بيت معين بسيسو إلى بيت محمود درويش، إلى القدس برس، إلى السفير، إلى كاراكاس إلى "وفا" إلى العمليات المركزية، إلى المواقع في الأوزاعي والضاحية الجنوبية، وجبهة المطار والطيونة وميدان سباق الخليل والبريد إلى الأسواق التجارية، ثم إلى المطبعة "والصف"، لم يتوقف أي منهما ليتردّد أو ليعلن أنه تعب، أو أنه بَرِم من أداء واجب ما، هؤلاء الأبطال الصامتون، هل يمكن أن ينسى دورهم، ويطمس.؟

لقد أنجزنا خمسة وعشرين عدداً في مطبعة النداء، وفي كل هذه الأعداد كانت القصة تتكرر في كل ليلة، عدم انتظام في المواعيد إقفال موعد الصف أو التصوير أو الطباعة، ومعاناة جديدة.

وكنا أحياناً نلجأ إلى مطابع جريدة اللواء، نرجوهم أن يعوضوا "الصف" أو التصوير الذي فاتنا، ونعود إلى النداء لنطبع الجريدة في الصباح الباكر، وأحياناً كنا نصفّ في اللواء ونصوّر في مطبعة أخرى كان صاحبها يأتي عند الخامسة فيفتح المطبعة، يقوم بالتصوير أو يصوّر ويطبع، ثم يغلقها عند السابعة. كان دائماً متعجلاً، وحينما يقوم بالعمل يغلق علينا باب المطبعة، يعمل في سرية تامة. بعد فترة علمت أنه كان مسيحياً مارونياً، وكان يخشاهم.

كنـا ذات يـوم أبـو السعيـد وحسن رمضــان وعـدلي فخـري ومحمـد المصـري وأنـا، نفتش عن مطبعة. صادفنا أحد معارفنا. قال أنه يعرف مطبعة حديثة ومتكاملة. هذا عنوانها، اذهبوا إلى صاحبها. نهضنا إلى العنوان من فورنا. وجدنا المطبعة مغلقة، سألنا من في الجوار فتطوعوا للنداء على صاحبها من العمارة المجاورة. مضت دقائق ثم فجأة دوى انفجار كبير قريب كما لو كان بيننا، أعقبه انهيار زجاج كثيف، كان حظنا عظيماً حيث كان أبو السعيد قد مرق قبل لحظات من المكان. ليست هي الصدفة الأولى ولن تكون الأخيرة، صمتنا للحظات ثم عاودنا نشاطنا.

وأخيــراً دخلنا إلى مطبـعة مواصـفـاتهـا كالحلم. كانـت في منطقة ما بين آخر الحمراء و"راس بيروت" أنظف مطبعة رأيتها في حياتي! مطلية بالأبيض والأزرق الفاتح في لون البحر الصافي، منظمة ومكيفة الهواء بفعل مولد ضخم يعمل بلا كلل! أيتها العروس الحلم أين كنت كل هذا الوقت الطويل.. الطويل.

ومن أين هذه "الكافيتريا" الجميلة المشعة الممتلئة بالمشروبات الغازية الباردة وبالقهوة والشاي أيضاً! كل أدوات المطبعة حديثة، آلات الصف من آخر طراز والمطابع أيضاً، وبها مكان مدروس بدقة للإخراج والتنفيذ، وكل ما يبهج النفس. في البداية كنا نطبع خمسة آلاف عددٍ يوميا تكلفنا ثلاثة آلاف ليرة لبنانية والورق أسمر. أردأ أنواع ورق الصحف في بيروت، وأصبحنا في المطبعة الحديثة نطبع سبعة آلاف عدد، بورق يزيد وزناً عن الورق السابق ولا يقاس به من حيث الجودة، أبيض ناصع البياض، وبألفين وخمسمائة ليرة فقط، أين كنا من هذا النعيم؟

بانتقالنا إلى المطبعة الجديدة منذ السادسة مساء يذهب عبد المنعم القصاص ومعه عدلي فخري وعز الدين المناصرة أحياناً، وأحمد أبو مطر وعماد حليم الفنان السوري، الذي انضم إلينا والذي دأب على العمل بصبر متوقد. كما انضم إلينا صلاح إبراهيم ذلك الشاب الصامت، الذي تابع بعد عبد المنعم القصاص إخراج الجريدة. كان صلاح عندما يبتسم يضحك كل وجهه. قسماته الهادئة تفيض بحب نادر، كل الصفاء في وجهه رغم كل القصف والدمار. لم تكن يده تهتزّ أبداً في اشتداد القصف، خطوطه ثابتة وعمله دقيق ومتقن. أعرف صلاح منذ زمن طويل، لكنني لم أحبه كما أحببته أثناء عمله بيننا في "المعركة". المعركة فجّرت طاقات قهرتها الأنظمة الطاغية، وعندما كانت الفرصة للاختيار تفجّر الإبداع والألق.

هناك أشخاص سقطوا في امتحان الصمود منذ اللحظة الأولى، أشخاص أشبعونا "عنتريات" و"مرجلات" في الزمن العادي، وإذا بهم أثناء الحرب ليسوا حتى أشباه رجال، نفر قليل على أي حال. وهناك رجال متواضعون لم يدّعوا شيئاً في الزمن العادي، وفي أثناء الحصار كانوا أبطالاً وأيضاً لم يكونوا مدّعين.                      

                                   *  *  *

تحولنا في هيئة تحرير المعركة إلى أسرة حقيقية، كل الحساسيات، التي تشكلت عبر سنوات طويلة بسبب الانتماءات المختلفة، والرفض والقبول!! والتنافس والتناحر، وكل ما إلى ذلك مما يفجر الحساسيات، ذاب وتبخر، كنا نواجه المصير الواحد، هاماتنا جميعاً تحت المقصلة، المقاتل بطل، الصامد بطل، الذي يؤمن رغيف الخبز للصامدين والمقاتلين في حر القصف وحر الفرن وحر الصيف، والذي يؤمن الماء والمازوت والبنزين والغذاء والدواء والعلاج، كل واحد من هؤلاء بطل وأيّ بطل، لذا لم يكن هناك تحفّظ واحد تجاه أي شخص، لأي تنظيم انتمى ومن أيّ جهة أتى، ما دام يعمل في المعركة و"للمعركة"، يكتب ما يشاء دون حسيب أو رقيب ما دام ذلك يصب في خط الصمود.

وحنا مقبل (أبو ثائر) الصحافي الفلسطيني البارز، عندما بدأ يكتب للمعركة تقاريره الصحافية في الصفحة الأولي، أعطى لهذه الصفحة نكهة جديدة. لقد كان رقيقاً ومتواضعاً يقوم بما يكلف به بدقة متناهية وفي مواعيد ثابتة. لم يتخلف هو ورشاد أبو شاور وأحمد أبو مطر الذين كانوا يأتون معا إلى اجتماعات المعركة، يوما واحداً. وكذلك كان الآخرون في هيئة التحرير مع استثناءات قليلة، كان اجتماعنا اليومي كما ذكرت عند الثانية عشرة ظهراً، وفي يوم اشتد فيه القصف قبل تلك الساعة حتى عطل المرور تماماً، وشلّ كل حركة، شهدنا في اجتماع التحرير كثافة لم نشهدها من قبل، تفحصّنا بعضنا بنظرات باسمة. لم نعلّق، كان الصمت أبلغ من كل كلام، كل واحد كان يخشى أن يلاحظ عليه الآخر تردده أو خوفه من القصف، ويعزو إليه عدم خروج الجريدة في اليوم التالي، وقلت في نفسي وقالها لي حنا مقبل بعد ذلك لقد نجحنا و"المعركة" كما قلت في أول اجتماع سوف تستمر. لن تتوقف عند العدد الثالث أو الرابع وها نحن نمضي نحو العدد العشرين وسوف نستمر إلى ما بعد الخمسين.

                                           *  *  *

في أثناء صدور "المعركة" كانت تصدر يوميات أخرى، كانت تصدر أحياناً ودوماً بانتظام "الهدف" (الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين) و"العودة" (الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين) و"الرصيف" لعلي فودة و"بلسم" للهلال الأحمر الفلسطيني بالإضافة إلى نشرات أخرى ليست يومية أو شبه يومية، لكن "المعركة" كانت أكثرها تميزاً، لم تكن "المعركة" لسان حال تنظيم أو جماعة أو حركة، كانت "المعركة" لسان حال الجميع، اجتمع لها وعليها الكتاب والصحافيون الفلسطينيون والعرب، وشارك فيها بشكل واسع أبرز الشعراء والكتاب والمثقفين والصحافيين من فلسطينيين وغير فلسطينيين، وبشكل خاص شارك المصريون والعراقيون بزخم، وكان الشاعر العراقي الكبير سعدي يوسف والشاعر جليل حيدر يرفدان الجريدة بإنتاج متميز وغزير. كان سعدي يأتينا إلى هيئة التحرير أحيانا وكان جليل يأتينا لِماماً، لقد كان الاثنان يلبسان الزيّ العسكري وسلاح كل منهما على كتفه، وكل وراء المتراس يتأهب للدفاع عن بيروت. وعندما ينقطعان عنا، كانا يرسلان شعرهما أو مقالاتهما، أو يأتيان بها.

عندما بدأت مع بداية الخروج عملية جمع عشر نسخ من أعدادها لنقلها، لم نتمكن سوى من ثلاث نسخ، واحدة أودعناها الجامعة الأمريكية في بيروت لتكون في كل الاحتمالات موجودة، في مكان تُحفظ فيه بحكم وضع الجامعة الأكاديمي، والنسختان الأخريان واحدة حملها وفد نقابات المهن الفنية المصرية الذي جاءنا إلى بيروت الوطنية أثناء الحصار، تعبيراً عن تضامن لجنة المناصرة المصرية والشعب المصري مع الشعب الفلسطيني اللبناني الصامد، ولقد وجدت هذه النسخة في حرز أمين عندما زرت القاهرة بعد الحرب. أما النسخة الثالثة فقد حملتها معي إلى دمشق في آخر يوم للخروج.

·       المعركة تتحدى الحصار

بعد شهرين من الحصار والحرب، والقتل والفتك اليومي، بدأ الأمل يتراجع كثيراً، المعطيات فوق الأرض التي نقف عليها، والمعطيات من حولنا، وحتى المعطيات في الدائرة الأوسع لم تكن تقود إلى بصيص من نور. بيروت الوطنية نال منها التعب والإرهاق والجوع، المواد التموينية بدأت تشح كثيراً، بعضها اختفى، وبعضها في طريقه إلى الاختفاء، والبعض الباقي لا يعين حتى المرضى والمرهقين الذين نال منهم التعب واشتد بهم الهزال، لا خضار ولا فواكه، والحل فقط في المعلبات، وإن مضى عليها وقت تخزينها، وفي خبز توافر لكنه وحده لا يقيم أوداً، وهو في مدى الحصار لا بد أن يشحّ. وحتى المادة الأساسية في صناعة الخبز بعد الدقيق، وهي المازوت، بدأت تعزّ بشكل منقطع النظير، ولقد أبدع الصامدون وسائل كثيرة وعظيمة من بينها الحصول على المازوت من بنايات بيروت، كل البنايات من الستينات حتى الثمانينات، كانت تعتمد نظام التدفئة على المازوت، ولكل شقة خزانها الممتلئ أو نصف الممتلئ أو خاوي الوفاض، ولقد ساهمت هذه الميزة في تسهيل الحصول على المازوت، الذي تشكلت له فرق خاصة كانت تتولى سحبه من الخزانات لتشغيل الأفران أو المولدات الكهربائية حيث تقضي الضرورة، والضرورة في أولوياتها كانت تشغيل رافعات الماء أسفل البنايات حتى خزاناتها فوق السطح، لينعم الناس بغسل إرهاقهم وتجديد نشاطهم، وليشربوا أولا وقبل كل شيء. ولقد أدى ذلك الوضع الشديد القساوة، إلى ضيق خطير ومخيف، وقع فيه الناس في بيروت الوطنية. والمقاتلون يحزنون أشد الحزن حينما يجري الحديث من قريب أو بعيد عن الخروج. كل مقاتل كان يحمل على كتفيه خارطة بيروت والوطن العربي. ويوما بعد يوم أصبح توقفه عند الموت، كمصير محتوم لصموده لا يكاد يذكر، تلاشى ذلك أو كاد، وأصبح همه أن تكون الأرض العربية عربية فعلا وأن لا تدخل العصر الإسرائيلي، هل كان المقاتل يرى ما بعد بيروت وبعد الخروج على خريطة المنطقة؟

هل كان يرى مصير لبنان، واستمرار احتلال جزء كبير منه، رغم سيناريو المفاوضات القائم، الذي لا يبتعد كثيراً عن سيناريو المفاوضات الساداتية الصهيونية الأمريكية، والتي أدت في أحسن الأحوال فيها إلى تكبيل مصر، وإلى عودتها إلى عهود السيطرة الاستعمارية الأمريكية وإلى النفوذ الإسرائيلي؟

وهل كان المقاتل يرى وهو خلف متراسه في ذلك الخندق الضيق على هذه الجبهة أو تلك، ما لم يكن يراه أولئك الحكام في البلدان العربية الذين لم يستطيعوا تبين الخطر القادم على بلدانهم؟

لقد كان المقاتل يعرف أنه عندما يخرج من بيروت الوطنية فإن الانهيار والتراجع العربي سوف يتسارعان حتى نقطة الخطر التي تهدد المصير والوجود، ولذلك كان المقاتل يحزن، وقد يغضب كثيراً عندما تتردد أمامه نغمة الخروج، لكن ما عند المقاتل شيء، وما هو على الأرض شيء آخر، فالناس الصامدون لم يضيقوا بالحصار وحده، وإنما بلعبة الموت اليومية التي تأكل صغارهم وأطفالهم، وقد تأكلهم هم. أو تأكل كل هؤلاء معاً. عانوا من التهديد في كل اللحظات، ومن التدمير النفسي والمعنوي، الذي يتعرضون له ساعات نهارهم ولياليهم، حرب منشورات وحرب شائعات وحرب سيارات مفخخة وحرب قصف للبنايات التي قد يرتادها أو يمر بها أبو عمار، أو أحد القادة البارزين، فضلاً عن حرب الصمت العربي.

مركز التوثيق.

إنني في هذا الفصل من الشهادة، أو القص التاريخي والذي قد تعُوزه الوثائق، ولا يقلل من شأنه النشيد الشفوي، الذي يعتمد عليه مفجّرو التجربة، الذين قُدّر لهم خوضها، أمضي إلى محور آخر في سيرة هذه الوكالة الغنية في تجربتها وأدائها.

إذ أن ّثمة أدوار أخرى، انكبت عليها قيادة الوكالة بهمة ونشاط. وعلى الرغم من أن الخبر الفلسطيني والنضال البطولي للمقاتلين والفدائيين وكل من انتمى إلى فتح وفصائل منظمة التحرير كافة، كان يحمل أداء الوكالة ويرفع من نبض التجربة. إلا أننا في القيادة كانت لنا عيون على اللحاق بالتطور الذي يحيط بنا، أو نشاهده في رحلاتنا عبر عواصم العالم. لقد قمنا بمحاولات حثيثة لاستخدام تقنيات متقدمة بمفهوم ذلك الزمان، فاستخدمنا التكرز والتِلِكس، وأجهزة الهاتف اللاسلكية، وكدنا نلحق بالفاكس قبل نهاية الرحلة في لبنان، ففاجأنا الغزو الذي أتى على الوكالة معدات وتقنيات وأجهزة مختلفة، بما في ذلك المايكروفلم والمايكروفيش، التي كنا راهنا من خلالها على توثيق تاريخ هذه الثورة العملاقة التي انطلقت عام 1965.

وكنا في مخططنا الذي وضعناه في ذلك الوقت، بالاتفاق مع مدير مركز التوثيق الفلسطيني التابع لوكالة الأنباء الفلسطينية "وفا" الدكتور والصديق أحمد أبو مطر، أن نسير على خطين. خط يبدأ من آخر الأحداث والمستجدات. وخط آخر يرجع شيئاً فشيئاً، لتوثيق ما قد يكون أفلت، أو كان متناثراً هنا أو هناك، في هذا البلد أو ذاك.

لقد عمل أعضاء مركز التوثيق مسؤولين وعاملين بنشاط ودأب وفق الخطة، واستطاعوا خلال ما يقرب من عامين، انجاز توثيق تاريخي للوقائع والأحداث الفلسطينية، التي كان لابد أن نقتحمها، غوصاً في تاريخ لا نريد له أن يُطمس أو يُنسى.

ولسوف أذكر بالتأكيد جابر سليمان وصبحي طه بكثير من الاعتزاز، كنت أعرفهما لِماماً. وذات يوم ذهبت إلى الأخ أبو عمار في مكتبه، كان ذلك عام 1980 فيما أظن، وصادفت لديه رئيس مركز التخطيط الفلسطيني يشكو له جابر سليمان، وصبحي طه، يرجوه أن يعفيه من وجودهما في المركز.

قال الأخ أبو عمار: أين أذهب بهما، وهما يثيران من المشاكل، ما لا قِبَل لك بحلها، وأنت الحكيم . فكيف يحلها غيرك؟

أجاب: أرجوك يا أخ أبو عمار، فلم أعد أحتمل وجودهما.

تدخلت فجأة. لمعت في خاطري فكرة أن نعمل معاً. قلت: حوّلهما لي.

قال أبو عمار ساخراً :

-         هل تستطيع ما لم يستطعه الدكتور!

قلت: "لا تقلق"، كل الأمور سوف تكون على ما يرام.

قال: هل تملك ترويضهما.

قلت: لا ترويض ولا يحزنون. هذان شابان مجتهدان، ويريدان عملاً يتفق مع قدراتهما الذهنية. فحوّلهما لي. بصراحة أنا بحاجة لهما في مركز التوثيق.

قال: على بركة الله. وكتب قراراً بنقلهما إلى المركز.

أردت أن أسرد هذه الواقعة، لأنني أعتقد بأنني كسبت رهاناً جميلاً، فلقد صنعا فوق ما عقدنا عليهما من رهان. كل ما فعلته أنني أطلقت لهما الحرية في العمل، ولم أتصرف معهما على نحو بيروقراطي، ولم أتدخل إلا نادراً. أساساً هما كانا يقومان بعرض ما عليهما أخذ الرأي فيه أو القرار، وكنت أزيدهما حرية وثقة.

ولعلني هنا في هذه الشهادة التي أدلي بها عن "وفا" رأيت في عام 2006 وقبيل تقاعدي بوقت قصير، أن أنبه إلى أن إلحاق وكالة "وفا"، والإذاعة والتلفزيون بالسلطة الوطنية، بدلاً من منظمة التحرير الفلسطينية، كان  خطأ أو خطيئة.

أظن أنني، إذا لم تخنّي الذاكرة، نبهت صديقي رياض الحسن، الذي كان نائبي في الهيئة العامة للاستعلامات، وأظنه في حينها، وافقني في ذلك.

ولقد كتبت ذلك في رسالة موجهة إلى وزير الإعلام، وفي ظني أنه لن يبقى وزيراً، سوى لبضعة شهور، وقد صارحته بذلك بوضوح وشفافية، غير أنه كان قد قرر أن يركب رأسه! كنت أقرأ في المتغيرات، وكنت أرى أن علينا أن نتمسك بمنظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها مرجعية كل الاتفاقيات وإذا كانت السلطة الوطنية في متناول الغدر الإسرائيلي، فإنّ المنظمة ليست كذلك!

ولم يلتفت إلى رأيي إلا بعد عام من ذلك التاريخ، قام فيه الرئيس أبو مازن، وأظنه لم يقرأ رأيي أساساً، بإعادة ربط "وفا" والهيئة العامة للاستعلامات والإذاعة والتليفزيون بالمنظمة.

أعود إلى مركز التوثيق الفلسطيني، الذي قررنا في قيادة "وفا" أن تصدر عنه جريدة رسمية، سميناها الوقائع الفلسطينية. وهي جريدة خططنا أن توثق وتسجل الأحداث واليوميات والوقائع والقرارات، وكل ما يتعلق بالشأن الفلسط

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2017
Track visitors of website