قراءة في رواية وليد الهودلي: ليل غزة الفسفوري، مراجعة طارق حميدة، العدد 264

قراءة في رواية وليد الهودلي:

ليل غزة الفسفوري

 

[*]طارق حميدة

 

عن مؤسسة فلسطين للثقافة صدر للأسير المحرر وليد الهودلي روايته: "ليل غزة الفسفوري" تصف أحداث العدوان على غزة أواخر 2008 مطلع 2009، والطريف أن الهودلي قد كتب روايته وهو في السجن وأنه انتهى منها أواخر شباط (فبراير) 2009، أي بعد شهر فقط من انتهاء الحرب.

من الناحية الشكلية فإن الرواية لم تقسم إلى فصول، فالأحداث تجري في مكان واحد هو قطاع غزة، والأحداث في الأمكنة الأخرى ليست أكثر من أصداء للحدث الرئيس في غزة، والزمان قصير مركز لا يكاد يتجاوز الشهر، كما أن الشخصية المحورية في الرواية هي شخصية الدكتور علاء، وباقي الشخصيات تكتسب أهميتها وأدوارها من علاقتها بالدكتور علاء، ولعل هذا ما سوغ للكاتب عدم التقسيم إلى فصول، مع أنه كان بإمكانه أن يعطي مساحة أكبر للتفاعلات على شكل فصول خصوصاً داخل المجتمع الصهيوني، أو المجتمع المصري كممثل للرديف العربي، سيما مع وجود شخصيتين مهمتين تمثلان المكانين هما جون/ بيبي، ويسرى.

 

العنوان والغلاف

لما كان المكتوب يُقرأ من عنوانه، كما يقولون، فقد رأينا من المناسب الدخول إلى الرواية من عتبة العنوان ولوحة الغلاف.

ليل ... غزة ... الفسفوري ... ثلاث كلمات يتشكل منها عنوان الرواية، فأما الليل فهو بالتعريف يفيد معنى الظلمة وليس فيه ما هو غريب، وإذا أُضيف الليل إلى غزة فهي الظلمة الحالكة المستمرة، حيث يختلف عن الليل في باقي العالم، والذي يبدد ظلمته التيار الكهربائي بينما ظلمة الليل في غزة مضاعفة، فهي ظلمة  الشتاء في "كوانين"، وحيث يمنع الوقود اللازم لتشغيل مولدات الكهرباء، وينتظر الأهالي أياماً طويلة كي يأتي بعض الوقود الذي يشغل المولدات بطريقة التقنين ولا يتمتع السكان بغير ساعات قليلة من الليل أو النهار بالتيار الكهربائي.

ثم يأتي وصف ليل غزة بأنه فسفوري، والفسفور يستخدمه الناس عادة للشواخص والطرقات وعلى المركبات، وخاصة في الظلام، ويلبس العديد من الأشخاص والفئات ثياباً فسفورية في أحوال مختلفة، حيث يؤدي الفسفور وظيفة الإرشاد والتنبيه والتحذير وبالتالي السلامة من الأخطار، وهنا تأتي المفارقة؛ حيث الفسفور في غزة قنابل ومتفجرات وحمم حارقة ومدمرة ومحرمة دولياً، بدلاً من أن يكون عنوان تنبيه وتحذير وسلامة، وهنا أيضاً المفارقة المضحكة المبكية بين الضوء الكهربائي الذي ينتظره الغزيون لإنارة بيوتهم وشوارعهم ويجلب لهم الدفء المطلوب في برد كانون، وبين القذائف الفسفورية التي تضيء شيئاً من ظلام الليل، ولكن وهي تفجر وتحرق الأهالي وبيوتهم، فضلاً عن الدخان والغبار الكثيف الخانق الناتج عن الحرائق، وعن الدمار الشامل الذي لا يؤدي إلى إيجاد الضوء المرجو، وقد تكفلت لوحة الغلاف بتصوير ليل غزة الفسفوري، شديد الحلكة مدلهماً يغمره الدخان والغبار بينما يخترقه شيء من لهب الفسفور لا ليضيء العتمة بل ليبعث الأسى والحزن والخوف على غزة وأهلها.

ويبقى أن المبتدأ ظل بلا خبر؛ فقد أضيف الليل إلى غزة، ووصف ليلها بالفسفوري، لكن لم يخبرنا العنوان ما شأن ليل غزة الفسفوري، والمفترض أن خبر المبتدأ ستوضحه أحداث الرواية، وبالتالي فالمطلوب قلب صفحة الغلاف والولوج إلى الرواية ذاتها، التي قدم لها الدكتور عبد الكريم أبو خشان، والناشر.

 

براعة الاستهلال ... واستشراف المستقبل البسام

 

"أخيراً تحرر من سجن آخر فرضه الاحتلال عليه، عادت الحسناء ذات الأطياف الجميلة التي غابت عنه أسبوعاً كاملاً، عادت الكهرباء لتضيء عليه حياته بعد أن تمكن أبوه الموسر من شراء مولد للكهرباء ... الاحتلال يلقي شباكاً جديدة على أعناق الناس، والناس بدورهم يتحايلون على هذه الشباك اللعينة، كان ينقص الحصار قطع الكهرباء، إضافة إلى منع الوقود ومصادر الغذاء والدواء حتى يكتمل الظلام"..

 

.."الدكتور علاء ينتمي إلى إمبراطورية الشر التي تسمى قطاع غزة، يقولون له في العائلة "دكتور" على اعتبار ما سيكون، فهو طالب يدرس الطب- سنة ثالثة- في مصر، طويل نحيف، وجهه دقيق تكسوه سمرة خفيفة تكشف عن روح شفافة وذكاء عميق يحركه من الداخل، حالوا بينه وبين جامعته، وحاصروه حصاراً خانقاً بدا كزنزانة لا باب لها، ضاقت به السبل ولم يتسع صدر معبر رفح الحدودي لعبور الدكتور علاء، باءت كل محاولاته بالفشل، ثم لاذ إلى زنزانته ليحاول اختراق الحصار عبر شبكة الإنترنت التي تفتح أحضانها لكل المشردين والمحرومين والمحاصرين، يرسل برسائل شتى وفي كل الاتجاهات يحكي عن الحصار وآثاره المدمرة لحقوق الإنسان، يدخل منتديات عربية وعالمية يحاور بقوة ويطرح موضوع الحصار وما سببه للشعب الفلسطيني من تداعيات مدمرة في كل جوانب الحياة".

- تم تدمير المفاعلات النووية في إمبراطورية الشر، ستون مفاعلاً في لحظة واحدة، وقعت ضحية هجوم موحد لثمانين طائرة ف16 .. كتب ذلك الدكتور علاء بأعصاب متوترة وسبابته تضرب على لوحة المفاتيح بكل ما أوتيت من قوة".

رد من الجهة المقابلة صديقه الأجنبي الذي نمت  صداقته معه وترعرعت مع بداية الحصار على الإمبراطورية منذ ما يقارب السنتين، هذا الآخر عرف نفسه: طالب كلية هندسة في السنة الثالثة في جامعة كامبردج البريطانية:

{C}-       {C}مساؤك خير، أولاً: عن ماذا تتحدث؟ لولا أني أعلم أنك لا تعاقر الخمر لحُرمته في دينكم، لشككت في الأمر، عن أية مفاعلات نووية تتحدث؟"

-       ألم تسمع الأخبار ظهر هذا اليوم؟

-       سمعت، إسرائيل هاجمت مقرات إرهابية في قطاع غزة، قتلت منهم ما يقارب مائتين وخمسين إرهابياً، صحيح أنها استخدمت أقوى ما عندها في سلاح الجو، ألم تقرأ في التاريخ - صديقي- عن الحروب والضربات المفاجئة؟

-       لهذا بدأت بالمفاعلات النووية؟ أصابت القدرات النووية ومحطات تخصيب اليورانيوم ومخازن القنابل النووية ودمرتها تدميراً شاملاً، لن تقوم لإمبراطوريتنا قائمة بعد اليوم".

 

هكذا استهل الكاتب وليد الهودلي روايته... (أخيراً): كأنما البطل يتنهد عميقاً ويتنفس الصعداء، بعد طول غياب وشدة اشتياق، يتحرر من أحد سجنين: الحصار والكهرباء،  سجانهما واحد مع أنه ليس واحداً، بعدما عادت إليه الحسناء الجميلة.. لقد كان التحرر له وحده حيث لم يشمل الغالبية العظمى من سكان القطاع الذين لا يملكون ثمن مولد كهربائي... ثم إن التحرر النسبي من حلكة الظلام والقدرة على التواصل الإلكتروني مع الخارج يضحي للمحاصرين كأنه خروج من السجن حتى ولو لم يتغير الكثير عليهم... والحصار على مثله مضاعف حيث لا يستطيع المغادرة إلى مصر لاستئناف دراسته الجامعية وقد ضاع عليه الفصل الأول، والفصل الثاني على الأبواب، ولذلك تصبح الكهرباء معشوقة حسناء يتغزلون بها ويفتقدونها ويشتاقون إليها متلهفين لعودتها، وسنكتشف فيما بعد أن الكهرباء ستتيح له التواصل مع حبيبة القلب خطيبته وابنة عمه يسرى القاطنة في مصر، وهي بهذا المعنى، أيضاً، حبيبته ومعشوقته الحسناء... إن الكهرباء هي الحياة وليس باستطاعة الإنسان المعاصر العيش بدونها، كما لو أنه أصبح يعمل بالكهرباء إنها كهواء الناس ومائهم، وفي الليل تضيء لهم حياتهم وتفرز لهم ألوانها الزاهية وتجليها، لقد أضحت لكونها تقشع حلكة الظلام وتتيح التواصل الإلكتروني مع الخارج كأنها الخروج من السجن والحصار.

ولكونه مثقفا رسالياً منتمياً إلى شعبه ووطنه وقضيته، فإن الكهرباء وجهاز الحاسوب الذي لا يعمل بدونها، يصبحان في غاية الأهمية للدفاع عن قضيته العادلة وبيان حقيقة العدوان الغاشم والحصار الظالم الواقع على شعبه، وخاصة مع بداية الهجمة الشرسة الفظيعة على القطاع.

وكم هو عزيز عليه جهاز الحاسوب حتى إننا سنجد أن أبرز ما تحسر عليه حين رأى بيتهم قد تحول بفعل القصف إلى قاع صفصف هو حاسوبه!! وقد أظهر الحاسوب وبالذات لوحة المفاتيح، التغيرات النفسية التي أبدع الهودلي في إبرازها وذلك في عدة مواقف:

{C}1)    {C}فعندما قامت ثمانون طائرة ف16 بالضربة الأولى موقعة حوالي مائتين وخمسين شهيداً ومئات الجرحى (كتب ذلك بأعصاب متوترة، وسبابته تضرب على لوحة المفاتيح بكل ما أوتيت من قوة)، والمعتاد أن المتمرس في الكتابة يضرب بمجمل أصابع يديه، والضرب بالسبابة هنا يعكس نوعاً من الارتباك والتوهان بسبب الغضب والألم ما يؤدي إلى عدم القدرة على التحكم بالأعصاب والأصابع، فكان اللجوء إلى إصبع واحدة، والسبابة هي إصبع الاتهام الذي عكسته الرسالة الأولى إلى جون يدين فيها العدوان الصهيوني والغرب المتواطئ معه ممثلاً في جون البريطاني، واسم السبابة المأخوذ من السب مشحون بالكثير نتيجة للحدث وبمناسبة المرسل إليه، كما أنها الإصبع التي نغرزها في صدر من يغضبنا ويسبب لنا الألم خاصة إن لم نكن قادرين على الرد بما هو أكبر.

{C}2)    {C}أما عندما عاد في منتصف تلك الليلة ليحادث خطيبته  فقد "انطلقت أصابع علاء مسرعة دون تردد أو ترو"، على لوحة المفاتيح، وهنا تتجلى لغة أخرى مفعمة بالمشاعر التي صاغتها خفقات القلب، ووجيب الضلوع، وآلام الوجد، ونار الشوق، وهنا يظهر كيف أن الحالة النفسية جعلت أصابعه جميعها تدق على لوحة المفاتيح كما لو كانت تعزف سيمفونية رائعة!!

{C}3)    {C}ثم نجد الدكتور علاء حين تصله رسالة إلكترونية من خطيبته يسرى تريده فيها أن يعجل بمغادرة القطاع ويترك واجبه في هذه الظروف العصيبة، كأنما أصابه الشلل والعجز لما رأى من طريقة تفكيرها، وشعر بأن الكلمات لن تسع مشاعره الغاضبة المضطربة، وستكون الكتابة باردة أمام سخونة قلبه، ولذلك لم تستطع أصابع يده الضرب على لوحة الحاسوب.

 

غزة بطولة المكان

منذ البداية نعرف أن الدكتور علاء ينتمي إلى "إمبراطورية" الشر التي تسمى غزة، وهذا التعبير يوحي ابتداء بالصورة التي يتخيلها الاحتلال أو التي يسعى لتسويقها للخارج ليبرر عدوانه، حيث يتجلى التضخيم المتعمد والمبالغ فيه لهذه الإمبراطورية، ولذلك يكتب علاء لصديقه جون متهكماً على شدة الضربة الجوية بأنها كانت تدميراً للمفاعلات النووية!!، والتي سيتبعها ضرب المطارات العسكرية والبوارج البحرية!!... لكنه يعود ليستدرك مؤكداً على أن قطاع غزة بالرغم من صغر مساحته وحصاره الخانق فهو كبير بأهله وأبطاله.

وقد تكرر في الرواية وصف الاحتلال بالنازية والعدوان بالمحرقة والهولوكوست وأفران الغاز، فيما رسمت الرواية صورة مفعمة بالعدالة والإنسانية والمظلومية للمقاومين وعامة الفلسطينيين، رجالاً ونساءً وأطفالاً، الذين يقاتلون لينتصروا لا لينتقموا، والذين يدفعون العدوان الموجه نحوهم ولا يبادرون به، ونلاحظ أنه حتى الأطفال في غزة كانوا يستطيعون التمييز بين أصوات القذائف الملقاة عليهم، فهذه قنبلة من طائرة ف16، وذاك صاروخ من مروحية، وتلك قذيفة من (زنانة-طائرة استطلاع)، وهذه قنبلة فسفورية... الخ.

وهؤلاء المقاومون قلوبهم معلقة بتحرير الأسرى ولذلك يتمترس أحدهم في خندقه أياماً في عز برودة شهر كانون منتظراً فرصة يصطاد بها أسيراً من جنود الاحتلال لمبادلته بأسرى الشعب الفلسطيني. ولا ننسى المشاركة البارزة للمرأة مع المقاومين، والصغار الذين يكبرون قبل الأوان.

 

وفي الرواية تظهر لنا أسماء العديد من مدن القطاع ومخيماته وأحيائه، فهناك عزبة عبد ربه، ومدرسة الفاخورة، وتل الهوى، ومستشفى الشفاء، وجبل كاشف، ولا يتميز حتى البطل الرئيس علاء بشيء عمن حوله سوى أن الكاتب جعله في موقع الشاهد على الجريمة والبطولة معاً، وبالتالي فالبطولة الحقيقية هي للمكان بعامة سكانه.

وهذه البطولة تتجلى في انتهاء الحملة أولاً، ثم إصابة وزير حرب الاحتلال بانهيار عصبي، وانتحار ابنه (بيبي) الذين كان يتخفى تحت اسم (جون) البريطاني.

الزمان

الرواية ابتداء تعالج الحدث النازل على مكان محدد في فترة زمنية محددة، وحيث إن الرواية تسجيلية تبدأ مع العدوان وتنتهي معه تقريباً، فقد اعتنى الكاتب بإبراز التواريخ وتوقيت الأحداث، وبالأخص في الأيام الأولى، ولئن خلت الرسالة الأولى إلى جون من التاريخ لكونها جاءت مباشرة بعد الهجمة الأولى، فإن الكاتب يعرفنا بأن رسالته التي بعثها إلى خطيبته كانت بعد عودته من العمل مسعفاً في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، ثم كانت رسالته الثانية إلى جون والتي ختمها بهذا الشكل: (علاء/ غزة – اليوم الثاني للمحرقة)، وفي هذا الختام إبداع توثيق وإسناد لمرسل الرسالة، ومكانها الذي هو غزة وهو بالتالي شاهد عيان من داخل الحدث، ثم إن التاريخ ليس بحسب اليوم والشهر والعام بل هو باليوم الثاني للمحرقة والتي كانت لعِظَمِها وجسامتها كأنها منطلق لتأريخ جديد، حفر له وجوداً إلى جانب الـتأريخ الميلادي والهجري.

واستمر الكاتب حتى اليوم الخامس أو السادس وهو يذكر لنا على لسان علاء غالباً التاريخ، ثم توقف عن ذلك وعاد إليه في اليوم الثاني والعشرين، ولعل المنطق في ذلك أن المعركة في أولها تُعد أيامها ولياليها: الأول.. الثاني.. الثالث.. الرابع فالخامس، فالكاميرا في الأيام الأولى مركزة تتابع الساعات بل الدقائق، ثم لا بد من التوقف منعاً للتكرار الممل ولئلا تبدو وكأنها كتابة مذكرات أو يوميات، ولكن في الأيام الأخيرة حيث تقترب الحرب والرواية من النهاية، فلا بد من متابعة الأحداث ومراقبة زمانها ليظهر كيف تنتهي.

 

شخوص الرواية

الرواية من الأدب التسجيلي الذي يحرص على نقل الواقع كما هو، ولذلك فإن عدداً من شخوص الرواية وإن لم يكن لهم وجود واقعي، فإنهم موجودون بشكل أو بآخر بل ومتكرر في الواقع المرصود.

 وقد حرص الكاتب على عدم إيراد الأسماء المهمة في قطاع غزة من التي تتبوأ مواقع بارزة نضالياً أو سياسياً، عدا اسم الدكتور نزار ريان الذي استشهد وستة عشر من عائلته بفعل صاروخ أطلق عليه من طائرة ف16، وكذلك عائلة السموني التي حورها إلى عائلة الليموني بحيث لا يجد القارئ كبير جهد في تذكر الاسم الأصلي، فضلاً عن أن اسم الليموني أقرب إلى القراءة والفهم، ثم إن قطاع غزة تكثر فيه بيارات الحمضيات ما يجعل الاسم المحور للعائلة أكثر التصاقاً بالمكان.

البطل الرئيس للرواية هو الدكتور علاء –مجازاً باعتبار ما سيكون- كونه يدرس سنة ثالثة طب، في إحدى الجامعات المصرية، لكن الحصار المفروض على غزة وإغلاق معبر رفح قد حال دون عودته إلى مصر، ثم جاء العدوان ليضطره إلى التطوع مع قوائم الإسعاف، وكان له دور آخر إعلامي حيث يتبادل الرسائل الإلكترونية مع البطلين الآخرين: خطيبته يسرى، وصديقه الأجنبي جون، وفيما بعد سيكون له مشاركة عملية في أعمال المقاومة.

 فأما جون فهو في السنة الثالثة أيضاً لكن في كلية الهندسة بجامعة كامبريدج البريطانية وقد تعرف عليه إلكترونياً قبل عامين، وسيظهر لاحقاً أنه كان صهيونياً انتحل شخصية بريطاني، لا بل إنه ابن مسؤول كبير في الكيان.

وأما يسرى فهي خطيبته وابنة عمه وطالبة الطب سنة ثانية، تعيش مع أبيها أستاذ الطب بالجامعة نفسها، والذي يسكن مصر منذ ثمانينات القرن الماضي، وأمها مصرية.

وقد جاء اختيار شخصية علاء لبطولة الرواية كونه يمثل قطاعي المسعفين والإعلاميين، وفيما بعد المقاومين الذين لهم القدرة على التنقل والوصول إلى المناطق الأكثر سخونة، وبالتالي فهو يقوم بدور شاهد العيان الأبرز ليقوم بفضح جرائم الاحتلال القتل والدمار وصور الشهداء والجرحى والمشردين، ثم القيام بفضح تلك الجرائم أمام الرأي العام العربي والأجنبي، كما أنه معايش لوقائع البطولة والفداء، ولذلك فدوره مزدوج يجمع بين كونه شاهداً وراوية للحكاية.

وعودة إلى شخصية علاء ابن العائلة المثقفة المتعلمة المتفوقة، فهو وخطيبته طالبان في كلية الطب وعمه أستاذ فيها، وأبوه أستاذ جامعي في التاريخ، وعمه تزوج من مصر واستقر مدرساً في إحدى جامعاتها يعكس تشرذم العائلة الفلسطينية والتي تسعى لإعادة اللحمة والتواصل وتوثيق العرى عبر تزاوج الأبناء.

حين بدأ الأستاذ الهودلي التعريف بأسرة علاء ذكر أنها تتكون من والديه وأختيه الصغيرتين دون مزيد تعريف، ثم ذكر بعد حوالي خمسين صفحة أن والده أستاذ جامعي متقاعد في التاريخ، وذلك بعدما ودع ابنه علاء  ليمضي متوكلاً على الله (إذ لا مكان للخوف والجبن في أيام الله هذه!!)، ثم أخبرنا الكاتب أن والد علاء (أستاذ جامعي متقاعد قضى عمره وهو يدرس التاريخ يسبر غوره برفقة طلابه ويسير فيه ينظر عاقبة الظالمين، ويتلمس سنن تداول الأيام بين الأمم والحضارات)، فهذا الوالد الذي تشرب فلسفة التاريخ وقوانينه خاصة من المنظور القرآني، يتحدث عن أن هذه (أيام الله) التي لها ما بعدها، ثم وُصف الوالد بأنه يتلمس (سنن تداول الأيام بين الأمم والحضارات)، لا بل إنه حتى عندما يأتي ولده في الحلم، بعد وفاته وتدمير بيتهم يتحدث بقوانين التاريخ: (بيتنا لم يُدمر.. بيتهم الذي دُمّر.. عندما تسقط الأخلاق يسقط كل شيء)، وليت الهودلي أبقى لنا هذا الفيلسوف حياً إذن لأتحفنا بالكثير سيما وأن الرواية تنتهي بنوع من الاستشراف المستقبلي للمجتمع الصهيوني المحتل.

يحسب للكاتب أنه أدخل الحوار الإلكتروني في روايته لا بل إنه أقام جل الرواية عليه، والحبكة الروائية في الغالب تعتمد مجموع الرسائل المتبادلة بين الأبطال الثلاثة –علاء ويسرى وجون-، حيث يقوم علاء، بعدما يعود ليلاً من العمل مع طواقم الإسعاف، بالكتابة إلى جون ويسرى، يصف لهما الحرب على غزة، وفيها يرد على الشبهات التي يرددها الإعلام المعادي والإعلام التابع والممالئ، وبضمنها ما يصله من رسائل واستفسارات جون، ويمكن بالتالي أن نقول إن أحداث الرواية تجري في الواقع، وسرعان ما تُنقل تلك الأحداث بالتوازي هي وصورها والمواقف منها عبر وسائل الاتصال الحديثة والفضائيات.

تظهر الرواية عدداً من الشخصيات الغزية، فبالرغم من الحصار ثم الحرب، بل بسببهما، تكبر قبل الأوان، وتتطور خلافاً للمعتاد، فالبنتان الصغيرتان فاطمة (8 سنوات)، وعائشة (10 سنوات) اللتان تركتا المدرسة، وصارتا تقومان بنقل الأشخاص والأغراض على عربة لهم يجرها حمار حيث أبوهما عاطل عن العمل، وينقل لنا الكاتب الحوار الأخير بينهما والمفعم بأحلام الطفولة وخيالاتها وبراءتها، ومع ذلك تتحدثان عن هموم الكبار ومسؤولية الأسرة والحرب والشهادة والجنة.

والبطل علاء مع أنه لا يزال في السنة الثالثة فإنه يقوم بدور الطبيب والمسعف، ثم يقوم بدور الإعلامي الذي يبعث برسائل إلى جبهتي الأصدقاء والأعداء، ثم هو يقوم بدور التوجيه المعنوي في حواراته مع جيرانه ومعارفه في القطاع، ويتمنى لو تتاح له الفرصة كي يشارك مع المقاومين.

 

ومن الواضح أن الأستاذ الهودلي الذي كان متعجلاً إنهاء الرواية، حيث فرغ من كتابتها بعد أسابيع قليلة من نهاية الحرب على غزة، قد تسبب في ثغرات عديدة بالرواية جراء عدم صبره على اختمارها ونضجها، ويتجلى ذلك على وجه الخصوص أولاً في أن بناء الشخصيات والتطورات التي وقعت منها أو عليها كانت أحياناً غير مقنعة بل ربما متناقضة، فيسرى خطيبته وابنة عمه طالبة الطب التي يقول على لسان علاء بأن كل همها أن يعود علاء إليها سالماً، مع أنها كانت طالبة في كلية الطب وهي –باعترافه- من أكثر الكليات نشاطاً سياسياً وتفاعلاً مع القضايا الوطنية وتضامناً مع ما يجري على الساحة الفلسطينية، كما أن تحولها وتطور شخصيتها لم يكن مقنعاً.

وكذلك فإن عمه أستاذ الطب كان في غاية السلبية خلال العدوان ، ولم نر له تفاعلاً حتى عندما قصف بيت أخيه وقتل كل من فيه، ولم يقدم لنا الكاتب تفسيراً لذلك، وعلاء نفسه مع أنه كان الشخصية الأكثر تماسكاً حتى إنه بالإمكان تصوره فإن بعض التناقض قد لحق بشخصه؛ فمثلاً يشعرنا الكاتب أنه كان على اطلاع بإمكانيات المقاومين وأنه كان على علاقة بهم، ثم لا نلبث أن نكتشف أن التحاقه بهم كان عن طريق مجاهد جريح مهد له طريق الاتصال بقيادته، ثم إذا بعلاء يقوم بالتخطيط والتنفيذ كما لو كان مسؤولاً كبيراً، وخبيراً متمرساً، مع أنه حديث عهد بهذا العمل.

وثغرة أخرى أدى إليهاالاستعجال فيما أرى وهي أن الكاتب يكاد ينسى أنه يبني رواية فإذا به يغرق ويطيل في الجانب الإخباري والتحليلات السياسية والمواعظ الخطابية، ولا يعفيه من هذا الخلل أن الرواية تسجيلية، وقد لاحظنا كذلك كيف أن الحوارات الإلكترونية وهي من إبداعاته في هذه الرواية كانت في أحيان كثيرة طويلة ومملة.

وفي الختام

لقد أبدع الهودلي في سرعة تفاعله مع قضايا شعبه، وله العديد من الكتابات ومن أبرزها القصص الواقعي عن زملائه في الأسر، كما أبدع في اختيار شخصية علاء كمسعف وإعلامي ثم كمقاوم، وبالتالي أعطانا صورة من قلب الحدث ومن أخطر المناطق وأكثرها سخونة، حيث أطلعنا على أفظع جرائم العدوان، جنباً إلى جنب مع صور البطولة والفداء والمشاهد الإنسانية لدى الفلسطينيين وبالذات المقاومين.

وكنا نلاحظ تغير اللغة والمفردات والتعبيرات بين ما يكتبه لجون وما يكتبه لخطيبته، فلكل مقام مقال، وهنا أيضاً تجلى الإبداع لدى الكاتب.

ويحسب للكاتب أنه لم يجعل من روايته بوقاً دعائياً لأي جماعة محددة من المقاومين، ولا للقائمين على الوضع السياسي في القطاع آنذاك، وجعل البطولة لعامة الشعب دون تسمية فصيل معين، لكنه تورط ولا أدري كيف، في الثناء على أحد الأنظمة العربية وأحد الأحزاب القريبة منه، ولعل ذلك لأن الطبعة الأولى من الرواية صدرت هناك، وربما يكون الذين قاموا على طباعة الرواية ونشرها هم الذين قاموا بهذا العمل... يعزز هذا الظن ورود كلمة (مشفى) عدة مرات في الرواية علماً بأن الشائع استخدام الفلسطينيين لكلمة (مستشفى)، حيث يرجح قيام الناشر ببعض التعديلات لمواءمة مكان النشر، والطريف أنه قد تبقى بعض المواطن التي لم تتغير فيها كلمة مستشفى!!

كما يحسب للكاتب الهودلي رؤيته الاستشرافية في أن تكون (معركة الفرقان) منعطفاً تاريخياً وحدثاً مفصلياً في مسار القضية الفلسطينية، سيقدر له أن يُحدث تفاعلات ضخمة في داخل مجتمع ودولة الكيان المحتل.

وقد استخدم الكاتب بعض التعبيرات العامية، كان الكثير منها موفقاً وفي مكانه، بينما لم تسلم الرواية مما يقارب العشرين خطأ نحوياً أو إملائياً، لكن لغتها كانت متألقة في الغالب، ويبقى للقارئ أن يقرر بعد فراغه من الرواية إن كان سيعود لقراءتها ثانية أم سيشعر بأنه قد اكتفى منها.  


[*]

Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2017
Track visitors of website