فتح 50 عاماً (قراءة نقدية في مآلات حركة وطنية)، مراجعة عبد الفتاح القلقيلي، العدد264

قراءة في كتاب

فتح 50 عاما (قراءة نقدية في مآلات حركة وطنية)

تأليف: ماجد كيّالي

المؤسسة العربية للدراسات والنشر-بيروت 2016

 

[*]عبد الفتاح القلقيلي

 

 

بداية أتفق مع الكاتب في تقييم كتابه بأنه "محاولة أولية لقراءة تجربة "فتح" بصورة موضوعية ونقدية. بمعنى أنه ليس كتابا في التاريخ أو في عرض الحوادث التاريخية.. كما أنه ليس كتابا في تمجيد هذه التجربة أو ذمها" (ص13).

في الشهرين الأخيرين قرأتُ ثلاثة كتب، كانت حركة "فتح" موضوعها الرئيس. الأول بعنوان "الثورة المجهضة" وهو لنفس الكاتب ولذات دار النشر، وصدر عام 2013، والثاني كان بعنوان "حركة فتح والسلطة الوطنية- تداعيات أوسلو والانتفاضة الثانية" للباحث سامر إرشيد، وصدر عن مؤسسة "مواطن" في رام الله عام 2007.

الكتب الثلاثة تعتبر حركة فتح أكبر الفصائل والحركات السياسية التي شكلت منظمة التحرير الفلسطينية بشكل خاص والحركة السياسية الفلسطينية بشكل عام، ولعبت وما زالت تلعب الدور الرئيس في صياغة العملية السياسية الفلسطينية.

وهكذا يقول كتابنا الذي نحن بصدد قراءته في الصفحة 12 "يمكن قول أشياء كثيرة عن هذه الحركة تحسب لها ولكفاح مناضليها وللحنكة السياسية التي تمتع بها قادتها الأوائل، وفي مقدمتهم الزعيم الراحل ياسر عرفات، ولكن الموضوعية تقتضي القول بأن هذه الحركة التي أطلقت الكفاح المسلح عام 1965 هي أيضا التي أزاحت هذا الخيار لصالح خيار المقاوضات والتسوية وتوقيع اتفاق أوسلو عام 1993... وأن هذه الحركة التي عززت مكانة منظمة التحرير الفلسطينية (إقليميا ودوليا) هي التي همّشتها لصالح السلطة الوطنية".

ما كتبه المؤلف 208 صفحة كانت غنية بالتحليل والاستنتاج في مقدمة، وخمسة فصول سماها أقساماً: القسم الأول صعود فتح، والثاني الأفكار المؤسسة، والثالث مسارات الانحسار، والرابع التيار الديموقراطي، والخامس نظرة نقدية.

 ورغم غنى الهوامش وأهميتها إلا أن المؤلف خصص الصفحات الخمسين الأخيرة لخمس وثائق هامة، كانت على التوالي: المبادئ الأساسية للحركة، والبرنامج السياسي الصادر عن المؤتمر الرابع لحركة فتح أيار (مايو) 1980، وياسر عرفات على النيويورك تايمز 3/2/2002، ومقال لخالد الحسن على جريدة الحياة اللندنية في 15/1/1993 بعنوان "التعامل مع الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي: المستجدات التي فرضت منهجية جديدة، ووثيقة إعلان فتح لمشروع دولة فلسطين الديموقراطية.

في المقدمة ركز المؤلف على أن فتح كانت وكأنها عينة عشوائية من الشعب الفلسطيني تمثله بطبقاته وتناقضاته السياسية والاجتماعية وتوجهاته السياسية فكانت حركة شعبية فلسطينية بكل ما لهذا المصطلح من دقة.

في القسم الأول يشير المؤلف لمبادرة فتح بالكفاح المسلح (1965) الذي يمثل رغبة وأماني عامة الشعب الفلسطيني والذي أثار اعتراض بعض النخب ذات النظرة القومية (القوميين العرب والجبهة الشعبية) انطلاقا من أن ذلك مبالغة بدور الكفاح المسلح، وهي معركة في غير أوانها. والمفارقة أن فتح الآن 2015 تبادلت المواقف مع الجبهة الشعبية حيال الكفاح المسلح (ص29). ويرى المؤلف أن التغيير (وليس التطور) في حركة فتح الذي بدأ بتبنيها النقاط العشر (قرارات المجلس الوطني الثاني عشر عام 1974) اكتمل في المؤتمر السادس للحركة.

وفي القسم الثاني يناقش التغيرات في الأفكار الأساسية في الحركة ويسميها "نكوصا"، ويورد المبررات التي سردها المؤتمر السادس للحركة بالقول "في 9 كانون الأول (ديسمبر) 1987 انطلقت انتفاضة الحجارة.. وفي 15 تشرين الثاني (نوفمبر) 1988 أعلن المجلس الوطني الفلسطيني قيام دولة فلسطين... وجاءت حرب الخليج في 1990 وجاء انهيار الاتحاد السوفييتي... فكان لزاما علينا اغتنام فرصة التحرك بالسلام وكان قيام السلطة الوطنية 1994" (ص48).

لقد كان النهج الديموقراطي العام للقيادة في حركة فتح قبل وبعد وأثناء مؤتمراتها: الأول قبل الانطلاقة المسلحة، والثاني عام 1968، والثالث عام 1971، والرابع عام 1980، والخامس عام 1987، والسادس عام 2009 هو ذاته لم يتغيّر: "قل أيها الكادر ما تشاء ونحن نفعل ما نشاء" (ص52)، وتصديقا لقول المؤلف سأورد تجربة لي شخصيا. كنتُ عضو لجنة إقليم الأردن عام 1970، وكان الأخ هاني الحسن معتمد الإقليم وكنت معه عند الأخ أبو عمار لنبحث بعض قضايا الإقليم. قلت كلاما أغضب الأخ أبو عمار. وحينما خرجنا من عنده نصحني الأخ هاني قائلا: قل لأبو عمار ما يريد أن يسمعه، وأفعل ما تراه مناسبا. وحينما أجبته أنا أرى أن الانضباط التنظيمي يقتضي أن أقول له ما أراه صوابا ولكنني أفعل ما يراه صوابا!! قال لي الأخ هاني: لا مستقبل لك في حركة فتح.....

وفي القسم الثالث يلاحظ المؤلف شذوذ وضع الحركة أنه "بدلا من أن تعتمد الحركة على شعبها بتأمين مواردها (كما هو حال حركات التحرير العالمية) بات الشعب أو قسم منه يعتمد على حركته الوطنية، وكما نشهد فإن هذا الوضع ما زال على حاله" (ص69). ويلاحظ المؤلف المأزق الذي انحشرت به الحركة الوطنية الفلسطينية وعمودها الفقري حركة فتح، ويحدد أعمدة المأزق بالتالي:

أ-صدامات أيلول 1970 مع النظام الأردني، وما نتج عنها من خروج قوات المقاومة من الأردن حيث الحاضنة الشعبية والحدود الأطول مع فلسطين. ولم يكن أمامها إلا لبنان بتناقضاته بحيث أخذت الحركة الوطنية الفلسطينية، وفي مقدمتها حركة فتح، تتحول إلى ما يشبه الجيش النظامي الفوضوي.

ب-نتج عن هذا التحول تورط في الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وهذا وتر العلاقة مع سوريا.

ج-بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 اضطرت المقاومة وعمودها الفقري (فتح) إلى الشتات في المنافي خارج دول الطوق أي إلى تونس والجزائر واليمنين. وكان الجسم الأساسي في تونس. وهذه الفترة شهدت الجمود.

"وفي ظروف الجمود هذه اندلعت الانتفاضة الأولى (1987-1993) التي جاءت في مناخات انهيار عالم القطبين وسيادة القطب الأميركي على النظامين الدولي والإقليمي، وفي ظل تفكك النظام العربي بعد احتلال العراق للكويت (1990). (ص73).

د-كما فاجأت فتح الساحة الفلسطينية والعربية بالالتفاف على منظمة التحرير الفلسطينية وانطلقت بالكفاح المسلح عام 1965، فاجأت حركة فتح الساحة الفلسطينية بالالتفاف على العرب المفاوضين ومنهم الوفد الفلسطيني برئاسة حيدر عبد الشافي، وعقدت اتفاق أوسلو باسم منظمة التحرير الفلسطينية مع إسرائيل مباشرة مما جعل أعضاء فتح يقولون في المماحكات التنظيمية: نحن أول الرصاص وأول الحجارة وأول السلام!!!

ويقول المؤلف (ص74) نتج عن الانخراط في عملية التسوية عدة تحولات، من ضمنها:

1-              انتقال جسم الحركة الوطنية الفلسطينية من الخارج إلى الداخل. وتحولها من حركة تحرر وطني إلى سلطة (تقمع)، وقد انعكس ذلك على بنى هذه الحركة وعلاقاتها مع مجتمعها.

2-              تراجع حركة فتح عن برنامج المقاومة المسلحة، وتحولها نحو خيار المفاوضة والتسوية حتى وهي تمارس الكفاح المسلح في الانتفاضة الثانية (2000-2004).

3-              تماهي حركة فتح وبنى السلطة، وما يرافق ذلك من شبهات تتعلق بالفساد السياسي والمسلكي.

4-              تهميش كيان منظمة التحرير لصالح كيان السلطة، ولكن حركة فتح وإن نجحت بتهميش المنظمة لم تنجح في بناء كيان السلطة بسبب الصلف الإسرائيلي والانقسام الحاصل في الكيان الفلسطيني بين الضفة وغزة أو بين فتح وحماس.

5-              بات خيار فتح السياسي تعزيز علاقاتها مع الدول الغربية وخاصة أميركا.

6-              تعديل الميثاق الوطني لمنظمة التحرير الفلسطينية بإلغاء المواد المتعارضة مع النهج السياسي الجديد المعترف بإسرائيل وحقها بالوجود والذي يحصر المسار بالتفاوض والنضال السلمي.

ويختم المؤلف القسم الثالث من كتابه بملاحظات (ص 86)، وكان الأصح أن يسميها خلاصة:

أ – لم تنجح الحركة الوطنية الفلسطينية بعمودها الفقري في تحقيق أهدافها، ولكنها لم تكن الحركة الوطنية الوحيدة أو الأولى التي فشلت في تحقيق أهدافها.

ب- الدخول في التسوية الفاشلة ليس السبب إنما هو نتيجة لبنية الحركة غير الديموقراطية والتي لم تقف يوما وتراجع مسيرتها بجدية، لم تفعل ذلك حركة فتح ولا غيرها من الفصائل.

أما القسم الرابع فخصصه المؤلف للتيار الديموقراطي في حركة فتح، وهنا أشير إلى أنه يتحدث عن هذا التيار من الداخل لأنه كان أحد أعضائه.

أما القسم الخامس فقد سماه نظرة نقدية مع أن الكتاب كله نظرة نقدية، ولكنه في هذا القسم يشخص المأزق، والتشخيص أعمق من الوصف والعرض، فالتشخيص يعني دراسة الظاهرة من حيث مكوناتها وأسبابها.

يقول المؤلف: "ثمة الكثير مما يمكن قوله في شأن الأفكار التأسيسية لحركة فتح، وتجربتها، وإدارتها لمنظمة التحرير ثم للسلطة الوطنية، وخياراتها والمآلات التي توصلت إليها دون أن يقلل ذلك من أهميتها التاريخية، أو من قيمتها النضالية، سيما وأننا إزاء أزمة عامة في النظام السياسي، بل وفي المشروع الوطني الفلسطيني برمته" (ص107).

وفي الواقع فإن المشروع الوطني نشأ في الأساس مأزوما بحكم عوامل متعددة، ويعددها المؤلف كما يلي:

1-              عدم التكافؤ في المعطيات والإمكانيات المتاحة بين الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية من جهة وإسرائيل والحركة الصهيونية من جهة أخرى.

2-              افتقاد الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية لحيّزهما الجغرافي المتعين والمستقل.

3-              الوضع العربي العام الذي كان داعما (رسميا وشعبيا) للثورة الجزائرية، كان الرسمي منه معادياً أو محايداً، وفي أحسن أحواله كان مجاملا وعاملا هاما في الانقسامات الفلسطينية. وفي حين كانت القضية الجزائرية عليها إجماع عربي، كانت القضية الفلسطينية مسرحا للمتاجرات والنزاعات العربية.

4-              ضعف الموارد المالية خاصة وأن الحركة الوطنية الفلسطينية كانت تشتري معظم معداتها وأسلحتها وتدفع رواتب لعناصرها، مما جعلها تميل للتماهي مع الممولين.

5-              لقد دفعت الحركة الوطنية الفلسطينية من الشهداء في الصدامات مع الأنظمة العربية ما يوازي ما دفعته في الصدامات مع العدو الإسرائيلي.

ويخلص المؤلف في نهاية بحثه إلى ما يلي:

أولا: إن فتح في معمعان تجربة خمسين عاما في الصراع ضد إسرائيل والاحتكاكات السلبية مع الواقع العربي غيبت المراجعات النقدية ولذلك لم تعد قادرة على الحفاظ على تميّزها.

ثانيا: لم تتحول فتح إلى حزب لا من ناحية البناء التنظيمي ولا من ناحية تمثلها لهوية سياسية أو أيديولوجية.

ثالثا: تجمدت فتح عند شعاراتها رغم تجاوزها سياسيا وعمليا من قبل الواقع العام وحتى من قبل قيادتها مما أفقدها مصداقيتها، وأصبحت حركة غير جادّة.

رابعا: بالنسبة لمأثرة فتح الأولى ألا وهي المقاومة المسلحة، فعلى الرغم من البطولات والتضحيات والجهود المبذولة والمعاناة فإنها لم تستطع إنتاج نظرية واضحة لهذا الشكل النضالي.

خامسا: كما أن ميزتها الثانية ألا وهي الاستقلالية للحركة الوطنية الفلسطينية لم تكن أحسن مآلا من ميزتها الأولى.

سادسا: لئن أسهمت فتح ببلورة الهوية الوطنية الفلسطينية من الناحيتين الرمزية والمؤسسية إلا أنها بإقامة السلطة الوطنية في إطار أوسلو قد فسخت الشعب الفلسطيني إلى ثلاث هويات لكل واحدة منها برنامجها ومصالحها وهي: الفلسطينيون الذين صمدوا على أرضهم وحملوا الجنسية الإسرائيلية، والفلسطينيون الذين ما زالوا في الشتات، والفلسطينيين الذين يعيشون في مناطق الحكم الذتي (الضفة والقطاع).  

ويختم المؤلف بحثه بتقديم مقترحات، أو تصوّرات محددة للإسهام باستنهاض حال هذه الحركة، ويوجزها بما يلي:

1-              طرح مشروع البرنامج السياسي الذي سيقدم للمؤتمر العام السابع للنقاش العام قبل عرضه على المؤتمر لإقراره.

2-              الانتهاء من نظام التماهي بين منظمة التحرير والسلطة الوطنية.

3-              انتخاب اللجنة المركزية من المجلس الثوري للحركة.

4-              التخلص من نظام الكوتا الفصائلية.

5-              وقف التنسيق الأمني مع الطرف الإسرائيلي تماما، والتركيز على البناء الداخلي تنظيميا ومجتمعيا.

6-              النضال على أساس إقامة الدولة الديموقراطية الواحدة مما يضفي قيماً عالمية وإنسانية على شعار التحرير.

7-              تكريس الجهود في المجتمعات الفلسطينية الثلاث لتعزيز صمود الفلسطينيين فيها على الثوابت الوطنية، بما يعني استعادة المطابقة بين قضية فلسطين، وأرض فلسطين، وشعب فلسطين، وحركته الوطنية.


[*]

الملفات المرفقة

عبد الفتاح.docx
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2017
Track visitors of website