من الموت إلى الأبدية، منير مزيد، العدد 264

مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الأَبَدِيَّةِ

[*]مُنيرْ مَزيِدْ

 

إِلَى أُمِّي الَّتِي رَحَلَت إِلَى ذِمَّة اللهِ وَهْيَ تَحْلُمُ بِالْعَوْدَةِ إِلَى فِلَسْطِين وَبِالصَّلاَةِ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى فِي الْقُدْس

إِلَى كُلِّ أُمٍّ فِلَسْطِينِيّة مُؤْمِنةٍ وَصَابِرةٍ رَغْم كُلّ الجِرَاح وَالآلام

إِلَى كُلِّ اِمْرَأَة فِلَسْطِينِيّة مُنَاضِلة فِي سَبِيلِ تَحْرِيرِ البِلاَدِ مِنَ الاحْتِلاَلِ الصهْيُونِيّ

إِلَى فِلَسْطِين الأُمّ وَالْأَرْض الْمُبَارَكَة وَالوَطَن وَالحَبِيبِة ومَهْد الْأَنْبِيَاء وَالرُّسُل

 

وَاْ أُمَّاْهُ

إذَا كَانَ جُرْحُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ عَمِيقاً

فِجُرْحُي أبَدِيٌّ وَأَكْثَرُ نَزْفًا وَعُنْفُوَاناً

فَأَنَا وَالْحُزْنُ وَاحِدٌ

 

نَسِيرُ فِي ظُلُمَاتِ المَطَرِ المُتَدَفِّقِ مِنْ أَعْمَاقِ الكَلِمَةِ

نَحْوَ الحُلْمِ المجْنُونِ السَابِحِ فِي التِّيهِ

نَسْألُهَا: هَلْ أَصْبَحَ الوَطَنُ سَرَابًا

يَحْسَبُهُ طفْلُ الحَنِينِ الظَّمْآنُ لِلأُمُومةِ مَاءً

حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا

 

أَنَا لَسْتُ أَنَا وَلَا أَدْرِي مَن أَنَا

لَمْ أعُدْ قَادِراً عَلَى إِيقَاظِ هَذَا الصَّمْت النَّائِمِ فِي الرُّوحِ

وَلَا عَلَى طَرَدِ هَذَا الفَرَاغ المُنتشِرِ فِي الخَيَال

الَّذِي لَا يَكُفُّ عَنِ اِلْتِهَامِ الضَّوْء

رَقْصَة الْحَيَاةِ

فأَنْتِ يَا أُمَّاْهُ الوَطَنُ

وَالرُّوحُ الَّتِي تَهَبُ الْحَيَاةَ رُوحَهَا

وَالذِّكْرَيَاْتُ الَّتِي تَمْلَأُ الفُؤَادَ بَهْجَةً

 وَتُضِيءُ شُمُوعَ  الخَيَالِ

 

بِفُرْشَاةِ التَّأَمُّلِ

يُرَسِّمُني الشِّعْرُ الأَزْرَقُ عَلَى جِدَارِ الْغَيْبِ

أَيْقُونَةً مَائِيَّةً

أَرَانِي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ

الزَّمَنُ حَلَقَاتٌ لَا مُتناهية فِي حَلَقَاتٍ لَا مُتناهية

تَمْتَدُّ إِلَى اللاَّنِهَايَة

الْمَوْتُ يَلِجُ فِي الْحَيَاةِ وَالْحَيَاةُ تَلِجُ فِي الْمَوْتِ

وَالأَبَديَّةُ فَارِغَةٌ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ

 إِلَّا مِنْ صَوْتِي المُزَخْرَفِ بِصَوْتِ اللهِ

 

أُمَّاْهُ

هُنَاك أَشْجَارٌ جَرْدَاءُ فِي سُهولٍ

تَدْفِنُ فِيهَا الْمَلَائِكَةُ تَابُوتَ اللَّيْلِ

تَرْوِي ظَمَأَ ظَلامٍ  يَعْوِي فِي عَوَاصِفَ مَرِيضَةٍ

تَأْمُرُ الرِّيحَ أَنْ تَحْمِلَ رِمَالَ رُوحِي إِلَى أَخْيِلَةِ الْمَاءِ

تَتَلَقَّفُهَا كَاهِنةُ الظِّلالِ

تَنثُرُهَا عَلَى جَسَد الحُبِّ سَمَاوَاتٍ حَالِمةً...

 

وَاْ أُمَّاْهُ

أَرَانِي طَائِراً مَنفيّاً فِي فِرْدَوْسِ الضَّوْءِ

أَجْتَازُ الْمَوْتَ إِلَى أبَدِيَّةٍ خَالِدَةٍ

بِأُغْنِيَاتٍ تَرْسُمُ هَدِيلَ الرُّوحِ عَلَى جُدْرَانِ السَّمَاءِ

وَأَغُوصُ دَوما فِي أَعْمَاقِ اللُّغْزِ السِّحْرِيّ

بَحْثاً عَنْ جُذُورِ هَذَا التَشَرُّد...

 

أُمَّاْهُ يَا حَبِيبِتي

أَجْلِسُ تحْتَ سَمَاءِ الرَّحِيلِ

أَرَى أَفْوَاهاً وَرَاءَ ظِلِّي اللاَّزَوَرْدي

مَنْقُوشةً عَلَى جِدَارِ النِّسْيَانِ

مَمْلُوءةً بِالْعَمَى وَالأَرْمِدَة

تَتَنَفَّسُ عَوِيلَ الوَحْلِ وَعُواءَ الضَّلاَلَةِ وَكُثْبانَ العَدَمِ

تَقُصُّ عَلَى سِرْبٍ مِنَ الغِرْبان زَيْفَ الحِكَايَةِ...

 

حَبِيبِتي

لَا تزَالُ الرُّوحُ تَتَشَظَّى كَلِمَاتٍ زَرْقاءَ

مُضاءةً بِنَدَى صَوْتكِ

وَالحُلْمُ يَرضَعُ مِنْ نَهْدِ النُّبُوءَةِ حَلِيبَ الأَفْكَارِ

يَتَأَلَّقُ فِي مَعْبَدِ المُعْجِزات

يَعْثُرُ عَلَى طَرِيقِهِ الْمُؤَدِّيَة إِلَى اللهِ...

 

فِي قَلْبِهِ فَرَاشَاتُ الْقَمَرِ الأُرْجُوانيّةُ

يَعْصُرُ لَهُنَّ رَحِيقَ رُؤاه

يَبْسُطُ يَدَهُ لِلسَّمَاءِ لتسْتَرِيحَ مِنْ عَنَاءِ الْمَطَرِ...

 

تَرْتَجِفُ الْأَيَّامُ بِصَمْتٍ عَلَى جَسَدِ الزَّمَنِ

تَبْحَثُ عَنْ وَمَضاتٍ لَا تُضِيءُ صَقِيعَ الحُزْنِ

يَنْزِفُ دَمُ الذِكْرَيات عَلَى وَسَادَةِ الخَيَالِ

فَأَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي وَطَناً جَرِيحاً يَتَأَوَّهُ مِنْ جُرْحِهِ...

 

أُمَّاْهُ يَا حَبِيبِتي

ثَمَّة حَقِيقَةٌ عَذْرَاءُ تَتَوَضَّأُ فِيهَا الشَّمْسُ

تَسْتَوْطِنُ فِي أَعْيُنِ القَصِيدَةِ مَلاَكاً

يَحرُسُ حُمْلانَ حُلْمٍ ترعَى عُشْبَ السَّمَاءِ

مِنْ ذِئابِ الجَهْلِ...

 

حَبِيبِتي

فَلنبْدَأُ مِنْ اللَّحْظَةِ الْأُولَى لِمِيلاَدِ الْقَمَرِ

حِينَ انْشَقَّ بَطْنُ الكَلِمَةِ

هَلْ تتَذَكَّرُين عِنَاقَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ

 قَبْلَ أَنْ تُولَدَ الرِّيحُ مِنْ ضَبَابِ قُبُلاتِنَا...

 

فَضَاءٌ شَاسِعٌ

لَمْ يَكُنْ هناك شَيْءٌ إِلَّا لَحْنُ جَسَدانا

يَذُوبُ فِي قَصِيدَةٍ تَنْتَظِرُني...

تَتَسَلَّلُ أَمْوَاجُ الرُّوحِ البَيْضاء

إِلَى الطَّرَفِ الْآخِرِ مِنَ السَّمَاءِ

يَنْتَشِرُ ضِيَاءُ الصَّمْتِ فَي غَابَةِ الحُلْمِ

يُلاَمِسُ شِفاهَ الغُرُوبِ

 

وَقَبْلَ أَنْ يَهْبِطَ الظَّلاَمُ

يَصُبُّ الْبَحْرُ مَاءَه العَذْبَ فِي مَهْدِ الحُبِّ الإِلَهِيِّ

كَلِمَاتٍ تَفْتَحُ قَلْبَ الْحَيَاةِ لِلغِنَاءِ...

 

ثَمَّة قَلْبٌ أَزْرَقُ يَحْيَى بِالغِنَاءِ

وَحِينَ يَرَى شُعَاعَ اِبْتِسَامَتكِ يَطِيرُ إِلَى السَّمَاءِ

لِيَسْتَرِيحَ فِي يَدِ اللَّهِ...

 

هَا أَنَذا أَتَقَدَّمُ بِخَطَواتٍ ثَمِلةٍ

أُيَمِّمُ وَجْهِيَ شَطْرَ أَنْفَاسٍ تَتَعَالَى مِنْ مَرْفَأِ عَيْنِيكِ

تَتَمَدَّدُ سَمَاءُ الشِّعْرِ فِي أُفُقِ الخَيَالِ

 زَهْرَةً تَتَفَتَّحُ فِي قَلْبِي ...

 

أَرَانِي أَحْلُمُ بِرُؤْيَةِ اللَّهِ

حِينَ يُسْقَينِي كَأْسُ شِفاهكِ رَحِيقَ التَرَاتِيلِ

فَالحُبُّ يَا حَبِيبِتي لَحْظَةٌ سِحْرِيّةٌ

تَصْطَحِبُكِ حَتَّى النِّهَايَة...

 

أَرَاكِ تَأْتِينَ مِنْ اِشْتِعالِ الكَلِمَاتِ بِنَارِ الرُّوحِ

تَنْحَتينَ زَقْزَقَةَ السَّمَاءِ فِي ذَاكِرَتِي

وَتَمْضِينَ إِلَى أَعَالِي الصَّمْتِ الْمُقَدَّسِ

فَأَبْقَى وَحِيداً فِي هَذَا الْحَرِيقِ

أُفَتِّشُ عَنْ تُفَّاحَةِ الحُلْمِ الذَّهَبِيَّة

 

تَتَرَاءى لِي رَبَّةُ الشِّعْرِ

تَعْصُرُ مِنْ نَهْدِهَا حَلِيبَ التَّعَاوِيذِ فِي كَأْسي

أَرَانِي أَتَذَوَّقُ التُفَّاحَةَ بِتَلَذُّذٍ

فَأَطِيرُ عَائِداً إِلَى جَنَّاتِ النَّعِيمِ... إِلَيْك

 

يَمنَحُني صَمْتُ الْمَاءِ العَمِيق نَشْوَةً خَفِيّةً

تَرْتَجِفُ الحقِيقَةُ الغَامِضةُ عَلَى شِفاهِ اِمْرَأَةٍ

تَنْتَظِرُني فِي قَاعِ الكَأْسِ

يُرَاوِدُهَا الطَّيَرَان...

 

يَفلِتُ خَيَالُ الثَّلجِ مِنْ أَقْفَاصِ الْبَحْرِ طُيُوراً

تَحُطُّ عَلَى شَجَرِ الرُّوحِ كَلِمَاتٍ

تَرْسُمُ بِفُرْشَاةِ الحُبِّ وَجْهَكِ عَلَى جِدَارِ أَنْفَاسِي...

 

عَارِياً تحْتَ أَمَطَارِ اللَّذَّةِ

يَشْرَبُ ظِلُّكِ القُرْمُزيُّ مَوَاوِيلَ الْمَاءِ

وَعَلَى جَسَدِهِ اللاَمِعِ تَعْدُو فَرَاشَاتُ العِشقِ

مُسْرِعةً صَوْبَ الضَّوْءِ

تُسَابِقُ طُيُورَ الحُلْمِ

وَتَسْأَلُ الزَّمَنَ عَنْ مَنَازِل الْقَمَرِ...

 

حَبِيبِتي

خُيُولُ الْغَيْبِ فِي الرُّوحِ تَصْهَلُ

 وَالسَّمَاءُ مُبَلَّلة بِالغِوَايَةِ وَالسِّحْرِ

مِنْ نُعَاسِ الخَيَالِ تَنْهَضُ

وَتَعْرُجُ إِلَى ذَاكِرَتِي...

 

عِطْرُ أَنْفَاسِهَا الأبَدِيُّ يُباغِتُني

وَمِنْ دُونِ أَنْ أَدْرِي أَرَانِي حَطَبَ عِشقٍ لِنَارِ صَوْتكِ

يَحْتَرِقُ فِي كَرنفال اللُّغَةِ السَّمَاوِيَّةِ إِلَهًا وثَنِيّاً

يُعِيدُ لِتُفَّاحَةِ الحُلْمِ الذَّهَبِيَّةِ عُذْريَّتهَا المَفْقُودةَ...

 

عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ

 إِنِّي أَرَى الحَيرَةَ وَالْغَضَبَ فِي أَعْيُنِهِمْ

اِسْأَلُوا الْبَحْرَ وَالسَّمَاءَ وَالعَصَافِيرَ وَالشَّجَرَ وَالرَّمْلَ وَالحَصَى

اِسْأَلُوا الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ وَالْجِبَالَ وَالرِّيحَ

اِسْأَلُوا حَتَّى الْآلِهَة الَّتِي تَعْبُدُونهَا

حَتْمًا سَتقُولُ لَكُمْ مَنْ أَكُونُ

أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا شَيَاطِينَكمْ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ

يَا إِخْوَةَ يُوسُفَ
النَوارَسُ كَيْفَ شَهَقَت لِرُؤْيَةِ أَسَماك قَصائِدي
وَكَيْفَ رقَصَت حُوريَّاتُ الأُولمبِ طَرباً
وسَكِرْنَ وَهُنَّ يَتَذَوَّقنَ امَبروسيّا كَلِمَاتي

الملفات المرفقة

Muneer Mizyed عن أمه.doc
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website