شَعَرْ بنات، أثير الهاشمي، العدد 264

شَعَرْ بنات

أثير الهاشمي[*]

 

لم أستطع أن أفكّ الأرض عن جسدي، ظلّت في سنواتي الأخيرة متشبّثة بي، شامتة فيّ، يحلو لها كلّ ما ينتابني من حزنٍ وألم.

قالت لي ذات فرح:

أحذر الفرح.. لا تكن مسروراً لئلّا يتقيّأ عليك الحزن، وأنت في غفلة منه، نعم، كلّ ما ينتابني أن أكون نائماً أو مجنوناً، لا أريد الصحو، لا أريد الاستيقاظ، الليل يتقيّأ على نفسه كلّ ظلام، والشمس تُيبّس الأرض بحرارة نتنة، أطفال الحيّ يستلقون تحت حرارتها، من أجل لقمة خبز.

قلت لها: الطفولةُ عاقر، والأهواء ناقصة، والحارات جائعة، لم نزل نقتفي أنينَ الشوارع وهي تئنّ رغبة بعشاقٍ يودّون الحياة..

نعم.. متى سنعيش مُطمئنّين بأبنائنا وهم يفرحون وينامون باطمئنان، لا يسرقهم غيض القبائل، ولا عادات أولئك المتحنّطين على جادّات الأرصفة.

ورقٌ أزرقُ يغفو على مكتبي، ينام متّكئاً يذكّرني بطفولتي، طفولة الحرب والرصاص، ما اشتريتُ بندقية ولكنّني تعلّمت كيف أُدخِل رصاصةً في جيب السماء، تائهاً مثل السماوات، ومجنوناً مثل الغيم، محنّطا لا تشبهني إلّا تصاوير المجرّدين من الكفاح.  

لم تزل طفولتي تشبهني مثل ورقة يابسة فوق تفاهات المكاتب، أتذكّر شيب جدّتي، يشبه تماماً "شَعر البنات" في حاراتنا الضيّقة، كيف كان البائع يجذب كلّ الأطفال الذكور من أجل أن نشتري، كنّا نمازحه ونسأل عن شَعر الذكور. فيقول:

شَعر البنات أطول وأجمل..

نجيبه بابتسامة براءة.. ونذهب ضاحكين..

أوّاه على طفولتنا الضائعة خلف أطلال الحروب، سرقتها تماسيح اللاحياة، يعيشون على دمائنا، قُلتها ذات مرّة لأمي وهي تصرخ بي:

لا تتكلم على السلطة..

أضحك ساعتها..

الخوف حتى من اللعب، أرأيتم طفلاً يخاف من ألعابه، نتصور أنّ فيها أداة تسجيل، لكن تسجّل ماذا؟؟!! لا علم لي بما تخفيه السلطة من حدود الرقابة والتجسّس حتّى على براءتنا.

للآن كلّما سمعت بائع الشعر بنات، تذكرت طفولتي الجميلة الممزوجة بلغة الحروب، الحيّ القديم، الأطفال، الجيران، المراجيح والألعاب، بالمقابل أتذكر تابوت جارنا الشهيد، جاؤوا به ملفوفاً بالعلم، الهلاهل تملأ المكان؛ لأنّه كان شهيداً، وأطفاله يتضوّرون ألماً.

كلُّ شيء جائز في بلادي، إلّا احترامنا كمواطنين، قبل أيّام قلتها، شاتماً السلطة على عفونتها، صرخت أمّي بوجهي:

هل تريدهم أن يقتلوك..

كنت صغيراً أخاف من لعنهم، الآن كبرتُ يا أمّي.. تبّاً لهم.. كلّهم يا أمي، لا استثني منهم أحداً، كلّهم يا أمّي حتى وإن قتلوني سيعيش غيري، ويبصق في وجوههم مثلما أنا سأبصق في وجوههم واحداً تلوَ الآخر..

لم أستطع تحمّل الوجع، هتافاتنا لا جدوى لها.. شعاراتنا يغمسها النوم العميق.. لا أحد يعي سُبُلَ الحياة إلاّ الكلاب السائبة وهي تمرح في ليالينا المتخمة بالنوم الثقيل والكوابيس المكبّلة بالشرّ..

الشيب أوّل شيء نجنيه في شبابنا، نُرضي أنفسنا فنقول، إنّه شرف لنا...

ويلٌ لنا.. من بياض التعب، ابيضّت رؤوسنا، واسودّت قلوبنا، لا أخوالنا يتقبّلون فكرة النظر إلى أبناء أختهم، ولا جيراننا ينظرون إلى شرف البيوت.. كلّهم غرباء، الأقارب والجيران، يبحثون عن إرث الخراب، ولم أزل أسمع بائع "شعر بنات"، يلتف في شوارعنا الضيّقة، يصرخ شعر بنات.. لم يتغيّر مذاقه.. لكن الأشياء جميعها تغيّرت..

سنقبل بكلّ شيء.. ما دمنا على قيد الحروب.

أسير في شوارع متخمة بالتيه، الناس مشغولون باللا أمل، أنا مشغول بسؤال عتيق جدّاً، لا أجد من بدّ إلاّ ونسيانه، لكنّه يظلّ ينقّ عليّ أكثر ممّا أنقّ عليه، أودّ لو دخل خانة النسيان، لا الأمل ينتفض منّي، ولا أنا أحاول أن أشرك بالآخرين ممّن ليس لي بهم أيّ علم.

عرفتُ أن الشعور بالقلق سببٌ في عدم النسيان، لا أرجوحة تغطّي مفاتن عضلاتنا، ولا المفاتن تقي موتنا من النظر في عوالم مآربنا.

متى سأجدني مستلقياً أُحيط بما ليس لي به علم، سيكتبني جسدي بما لا أرتضيه من الوجود، كلّهم أجزاء جسمي حيارى.

كيف لي أن أجد كياني مـُعافىً، وكيف لي أن أورّط حبّات المطر المستلقية على أرضي، لتعي نفسها على وادٍ غير ذي عشق.

أنا وحدي ألّفت ألوانا تمحو تجاعيد الصور القديمة، والآثار التي لم يزل بعضها باقياً، تخيلتُ نفسي في باحة مسبح أكون عارياً فيه، ستجدني حتماً أحاول أن أمارس طقوس النظافة من أدران ما تبقّى من الوجع والويلات والأنين، ستجدني متمنّياً أن أغسل عُري الوطن، ليكون نظيفاً من أدران الحروب، سأقتنع لحظتها أنّ الصلاة من دون اقتلاع الأدران لا فائدة منها، هكذا أنا مقتنع بما أقول، أحدّثُ نفسي كلّ لحظة عزلة:

- إنّ الحياة حلمٌ ندخلها نائمين ونرحلُ عنها نائمين..

سأظلّ أدوّن منتهى أفكاري بما يسجّله الزمن لي من مفارقات، لي أن أقيس الشارع طولاً وعرضاً، من رقبته إلى أدنى قدمه مشياً.. رياضة أسمّيها، أنتظر بفارغ الحياة، لعنة الأوراق، وهي تجرّ الماضي والحاضر بأوراق خائنة، لا يحبّ حتّى حبرها، الملعونون أبداً، سأنتظر منهم جواباً شافياً لرسالتي الموجزة عنوانها الألم ومضمونها الحياة.

 

 

 


[*] كاتب عراقي.

الملفات المرفقة

شعر-بنات (1).doc
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـشؤون فلسطينية © 2018
Track visitors of website